صفحات العالم

معركة الساحل إذ أشعرت النظام بالخطر على “دويلته”/ عبدالوهاب بدرخان *

مع استعادة قوات النظام مواقع استولت عليها فصائل من المعارضة في منطقة الساحل، انتهى الاختراق الخطير الأول لهذه المنطقة بعدما قدّرت مراجع عدّة أنه قد يشكّل منعطفاً استراتيجياً مهماً في الصراع السوري وفي حسابات النظام وخياراته. كان الهدوء النسبي والحياة شبه العادية في اللاذقية وريفها من دعائم ثبات النظام وقوته، اذ استند اليهما أساساً لمواصلة حربه في بقية المناطق، وأيضاً للمساومة على «الدويلة العلوية» كبديل وتعويض عن خسارة الحكم والسيطرة سواء بهزيمة عسكرية أو بتسوية سياسية.

لكن الاختراق لم يستمر، والأرجح ألا تكتفي قوات النظام باستعادة البلدات الـ 11 بل ستسعى الى توسيع سيطرتها لإضعاف احتمالات هجمات جديدة. أما لماذا أُجهضت العملية على رغم أن المهاجمين صمدوا نحو اسبوعين، فلذلك سببان مباشران: الأول، أن النظام حشد أكثر من عشرين ألفاً من قواته وسحب آليات من جبهات اخرى في دمشق وحمص وإدلب، كما استخدم الطيران بكثافة غير مسبوقة، وتلقى تعاوناً من مجموعات «نصف معارضة نصف موالية». والثاني، الأهم، أن قيادة «الجيش السوري الحر» امتنعت عن توفير دعم لفصائل لا تنتمي اليه ولم تشركه التخطيط للهجوم، فكان أن تحمّلت الفصائل خسائر كبيرة واضطرت للانكفاء بعدما نفدت ذخائرها. وهكذا تبيّن أن الأنباء الأولى عن اعتراض «الجيش الحر» على العملية كانت صحيحة، بدليل أن زيارة رئيس الأركان سليم ادريس للمنطقة لم تقترن بإمدادات عسكرية.

ولعل ثمة سبباً آخر رئيساً هو أن تنظيمي «الدولة الاسلامية في العراق والشام» و «جبهة النصرة» التابعين لتنظيم «القاعدة» هما اللذان خططا ونفّذا نقل القتال الى منطقة الساحل، بمؤازرة من «كتائب أحرار الشام» وفصائل جهادية اخرى. وبالتالي، فإن عدم وجود أطراف من «المعارضة الموثوق بها»، وفقاً للتصنيف الاميركي – الغربي، حال دون تبني هذا الاختراق ودعمه، ما أدّى الى تمكين النظام من إنهائه لكن محاولته التقدّم الى بلدة سلمى مثلاً يمكن أن تصدّ بقوة، فهي لم تكن تحت سيطرته.

في أي حال لم تمر الصدمة في الساحل من دون تداعيات على معنويات النظام وأعوانه، بل جدّدت مناخ التشوّش وعدم اليقين الذي مرّوا به في مراحل سابقة وظهرت مؤشراته على الضباط العلويين القريبين من حلقته الضيقة، فعاودوا استكشاف خططهم في حال السقوط ولما بعده. ولعل أهم التداعيات اهتزاز الاقتناع بأن اللعب على كسب الوقت لإطالة الأزمة يمكن أن يكون لمصلحته على الدوام، وكذلك هشاشة المراهنة على إنزال هزيمة بالشعب أو على عدم وجود ارادة دولية بإسقاطه تحديداً لعدم وجود بديل جاهز لدى المعارضة. فكل ذلك قد يكون صحيحاً بعض الوقت، وليس كل الوقت.

مرّت أولى المراحل الصعبة أواخر 2011 ولم يكن النظام قد تأكد بعد من صلابة موقف روسيا التي ضغطت عليه للتعامل مع المبادرة العربية وقبول المراقبين على رغم أنها ارتكزت جوهرياً الى هدف نهائي هو «نقل السلطة» ولو من خلال «حوار وطني». وحلّت الثانية منتصف 2012 بعد انطلاق معركتي دمشق وحلب، اذ بدا جلياً أن النظام فقد زمام المبادرة ولم يعد وارداً أن يحقق انتصاراً يعيده حاكماً ومسيطراً. أما الثالثة فتعود الى شهور قليلة خلت وكان الاحباط غالباً على النفوس والأذهان في صفوف المعارضة والنظام، خصوصاً في أوساط الأخير، اذ ساد الجمود عسكرياً وسياسياً، فالمعارضة عانت من انقطـــاع الدعــــم التسليحي والنظام بذل أقــــصى مستطاعــــه لإبقاء الوضع الميداني «متوازناً لمصلحته». ربما كانت تلك اللحظة المواتية (أوائل 2013) لمؤتمر دولـــي يطلق مفاوضات على حل «متوازن» بــدوره، وتأخـــر طرح الفكرة، ثم طرأ تغيير أدى الــى التعقيد الحالي في الإعداد لـ «جنيف 2».

يكمن هذا التغيير في أن 2013 هي سنة المحاولة الايرانية الأخيرة لإنقاذ النظام. وكانت معركة القصير عنواناً للتدخل الساعي الى قلب موازين القوى على الأرض، ولم تنعكس نتائجها انتعاشاً للنظام وأعوانه القريبين فحسب، بل ظهرت في تصرفات أنصاره من «جيش الدفاع الوطني» (بدأوا الخدمة في الربيع الماضي كرديف للقوات النظامية)، فقبل القصير كان سلوكهم عادياً وأقل «تشبيحاً» وبعدها مباشرةً صارت حواجزهم في العاصمة أكثر جلافة وميلاً الى التنكيل بالعابرين. استمرت مظاهر غطرسة القوة حتى سقوط حي الخالدية في حمص، وتكرر ظهور بشار الأسد للإيحاء بأنه «باقٍ» ومطمئن. لكن انتقال الإمرة الى الايرانيين، أي الى منتدبي «الحرس الثوري»، جعل الكثير من الخبراء يقولون إن الأسد «يفقد استقلاليته»، كما أن الاحتكاك بين الضباط والجنود من الجانبين لم ينتج دائماً تعايشاً سلساً، فعدا «وحدة الأهداف» لمس الإيرانيون فوارق التثقيف العقائدي والقتالي وحتى السلوك الشخصي بين «الأتباع» الشيعة المقاتلين الذين جاؤوا بهم من بلدان مختلفة وبين عسكريي النظام ولا سيما العلويين الذين لم يفطنوا مثلاً الى ضرورة مراعاة «حلفائهم» الصائمين خلال شهر رمضان. وعلى رغم أن النتائج المتوخاة من أي معركة هي نفسها لدى الطرفين، إلا أن أولوية الايرانيين هي تحقيق الهدف المرسوم لأي هجوم، أما «شبّيحة» النظام فيولون اهتماماً خاصاً بذبح الأسرى والتمثيل بجثثهم، بالإضافة الى النهب وتقصّد التخريب والتدمير بعد انتهاء المعركة.

بمقدار ما يبدو الايرانيون مصممين على خوض حرب النظام انقاذاً لنفوذهم ومصالحهم في سورية (واستتباعاً في لبنان، وتواصلاً مع العراق)، بمقدار ما لا يبدو محسوماً لديهم أن ثمة مصلحة في تفكيك سورية وتقسيمها كهدف لهذه الحرب، لكنهم يتعاملون مع أمر واقع ويترقبون مساومة دولية آتية يريدون أن يكونوا طرفاً فيها. معروف أن طهران هي التي أمرت «حزب الله» أولاً بتوفير بعض الخبرات لقوات النظام، ثم بالانخراط الكلّي والعلني في القتال، إلا أنها لا تريد المجازفة بإرباك «حزب الله» في لبنان. صحيح أن هذا الحزب لا يعاني من صعوبات بسبب نهج الهيمنة والترهيب الذي مارسه ضد الدولة والجيش والأجهزة، والسلاح الذي لا يتردد في استخدامه ضد خصومه السياسيين، إلا أن تورّطه في سورية خلافاً لإرادة الدولة والمكوّنات الاخرى للمجتمع شكّل جسراً لعبور الأزمة السورية بكل مخرجاتها الخطيرة الى لبنان، ثم إن تورّطه هذا بات عقبة كأداء أمام حلحلة الأزمة الحكومية وأي انفراج تعايشي داخلي لأنه أفرغ كل حوار وطني من أي مضمون أو التزام. على هذه الخلفية تحصل التفجيرات في المنطقة التي تعتبر معقلاً لـ «حزب الله»، لكنه يتذرع بهذه التفجيرات ليتصلّب أكثر في موقفه مستدرجاً مجموعات ارهابية لم تتمكّن سابقاً من اختراق لبنان بسبب انعدام بيئة حاضنة، وها إن تطرّفه المذهبي يساهم أخيراً في توفير هذه البيئة التي لا تزال هامشية.

اندفع كثيرون الى الربط بين تحسن الوضع القتالي للمعارضة السورية وبين بروز المخاطر في لبنان ومنها تفجيرات ضاحية بيروت بغضّ النظر عمن خطّط لها ونفّذها. ذاك أن تدخل ايران و «حزب الله» كان عاملاً حاسماً في تغيير استراتيجية داعمي المعارضة لتمكينها من تحسين وضعها الميداني. في السياق نفسه، هناك من اعتبر اختراق الساحل، لو استمر، بمثابة «التغيير» الذي طال انتظاره لإجبار النظام أخيراً على «تغيير حساباته» وتعديل طروحاته لمفاوضات «جنيف 2» بقبول «النقل المنظّم للسلطة». ما أثار الهلع داخل النظام أن وصول مقاتلي المعارضة الى معقله الساحلي أضحى ممكناً، وعلى رغم أنه أحبطه هذه المرة إلا أنه قرأ فيه إنذاراً جدياً بأن إطالة الأزمة لفرض التقسيم لم تعد خياراً مضموناً.

* كاتب وصحافي لبناني

الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى