صفحات الرأي

مقاربة أولية بين الثورات العربية والعالمية


                                            ماجد كيالي

ثمة إجحاف كبير في مقاربة الثورات العربية مع غيرها من الثورات التي عرفها العالم، لا سيما الثورات الأوروبية، ومن ناحية الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومع ذلك يمكن المجازفة بالقول إن مثل هذه المقاربة قد تبعث على الإعجاب بتلك الثورات المستحيلة والمدهشة التي اندلعت فجأة في بعض البلدان العربية، وعلى عكس كل التقديرات، والتي اكتسبت خصوصيّتها وفرادتها من انطلاقها من نقطة الصفر تقريبا، إذ لم تكن ثمة انتفاضات أو هبّات أو حراكات ممهّدة لها، كما لم يحرّكها نمط من مثقفين ثوريين ولا طبقة اجتماعية محدّدة ولا حزب بعينه، كما حدث في التجارب الأخرى.

وفوق كل ذلك فإن هذه الثورات جاءت من دون الاستناد إلى برامج معدّة أو نظريات معروفة، ورغم الحرمان التاريخي من السياسة ومصادرة الحريات والتحكّم المطلق في البلاد والعباد، أي بخلاف كل التجارب الثورية المعروفة.

لكن ما الذي ألهم الثورات العربية إذاً؟ واضح منذ البداية، أي من المحطّة التونسية، أن هذه الثورات قامت من أجل إسقاط أنظمة الاستبداد والفساد، الأمر الذي تمّت ترجمته في مقولة “الشعب يريد إسقاط النظام”، وفي رفع الشعارات المتعلقة باستعادة الحرية والكرامة والعدالة لعامة الشعب.

وبالمحصلة فقد قامت هذه الثورات، على نواقصها وثغراتها ومشكلاتها، بعمل تاريخي عظيم، أولاً، بإحداثها القطيعة التاريخية الضرورية والمطلوبة مع النظم السياسية الاستبدادية السائدة في معظم البلدان العربية منذ عقود، مما يعني أن الأحوال السياسية بعد الثورات لن تكون كما قبلها البتّة. ثانياً، إن هذه الثورات جلبت الشعب إلى مسرح التاريخ، وهو أمر يحدث لأول مرة في التاريخ السياسي لهذه المنطقة، وهو أمر على غاية في الأهمية وسيكون له ما بعده. ثالثاً، ثمة مأثرة لهذه الثورات تتمثّل في أنها فتحت المجتمعات في البلدان العربية على ذاتها، كي تتعرّف على اختلافاتها ومشتركاتها، وعلى التنوّع والتعددية الكامنين فيها، بعد طول انغلاق، كانت النظم التسلّطية غذّته بسيطرتها الشمولية على الدولة والمجتمع، رغم كل ما يبدو من سلبيات ومشكلات وتخوّفات تحيط بهذا الانفتاح.

الآن، وعلى ضوء الخصوصيات التي ذكرناها، وعلى ضوء ما يجري من تعثّرات في مصر وليبيا واليمن مثلاً، ربّ قائل إن هذه الثورات تعاني من نواقص ومشكلات وتحدّيات كبيرة وصعبة ومعقّدة، وإن هذه الثورات، التي استطاعت إسقاط عديد من الأنظمة السياسية، لا تبدو قادرة على بناء نظام سياسي جديد يليق بالتضحيات التي قدّمتها ويتناسب مع حاجات المجتمع، ويتلاءم مع الحداثة السياسية والتطورات الدولية.

أيضاً، ربّ قائل إن القوى التي أطاحت بالنظم الاستبدادية لا تبدو متوافقة على حدود، أو على معنى الديمقراطية التي ينبغي إرساؤها لإدارة الدولة والمجتمع والعلاقات بين المواطنين، وهذا ما يتجلّى في تغييب قيمة الحرية في العملية الديمقراطية، وفي المعركة على مضامين الدستور.

أخيراً، ربّ قائل إن هذه الثورات، التي كسرت حال الانغلاق في مجتمعاتها، تواجه محنة الاستقطاب الهويّاتي، على خلفية بروز العصبيات الدينية والإثنية والعشائرية والمناطقية. مع العلم أن هذه العصبيات كان جرى الاشتغال على تكريسها والتحكّم فيها والتلاعب بها طوال العقود الماضية، بدلاً من حلّها أو تجاوزها، عبر تشكيل الهوية الوطنية الجمعية، على أساس مدني، وعلى قاعدة المساواة بين المواطنين الأحرار.

لكن ماذا يعني ذلك؟ أو إلى أين سنصل من هنا؟ هذا يعني أن الثورات العربية لن تنهي المهمات المتوخّاة منها على أكمل وجه أو بالشكل المتخيّل أو المأمول، وأن العملية الثورية التي انفتحت في بعض بلدان هذه المنطقة، وبسبب من خصوصيّتها، قد تحتاج إلى مسار تاريخي طويل ومضني، وأنها قد تتعرّض إلى مشكلات وتراجعات ومقاومات، ليس من قبل قوى النظام القديم فحسب، وإنما بسبب التجاذبات الجديدة التي لابد أن تتشكّل مع قيام النظام الجديد، المتشكّل بعد الثورة، أيضاً.

يجدر لفت الانتباه هنا إلى أن كل ما ذكرناه لا ينبغي أن يبعث على التشاؤم، ولا يأتي من قبيل التقليل من أهمية الثورات الحاصلة، أو ضرورتها أو شرعيتها أو عدالتها، وإنما الغاية المرجوّة منه تتحدّد في لفت الانتباه إلى حقيقة مفادها أن الثورات ليست بمثابة عملية انقلابية، سطحية، وجزئية، وسريعة. والحقيقة أنها ليست كذلك إلا بالنسبة لاجتثاث السلطة السياسية القديمة، أما نسبة إلى عملية تغيير البنى والعلاقات والمفاهيم (السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية)، التي تم تكريسها عبر قرون أو عقود، فهي تحتاج إلى زمن يقدّر بعديد من السنوات، لا إلى مجرّد فترة زمنية تقدّر بعدّة أشهر.

هذا ما تعلّمه تجربة الثورات التي جرت عبر قرون في عديد من البلدان، ولا سيما تجربة الثورات في البلدان الأوروبية وفي المستعمرة الأميركية (السابقة)، التي استمرت كل واحدة منها عقودا من الزمن، والتي صاحبها إسقاط سلطات وإقامة أخرى، وتخلّلها قمع ومحاكم تفتيش وصراعات وحروب أهلية وخارجية.

فهذه ألمانيا، مثلاً، احتاجت بعد ثورة الإصلاح الديني، التي اندلعت في القرن السادس عشر، إلى ثورة ثانية في العام 1848، بغرض التخلّص من الحكم الملكي، بعد التخلص من الاستبداد الكنسي، وإقامة الدولة القومية، وتعزيز الحريات السياسية.

مع ذلك فإن هذه الثورة لم يكتب لها النجاح أيضاً بسبب تدخّل الدول المجاورة وعدم التوافق الداخلي، مما أدى إلى عودة القوى الأرستقراطية إلى الحكم، وهو الوضع الذي مهّد لمجيء بسمارك وإقامة الدولة القومية الألمانية.

أيضاً، ففي الفترة بين 1918 و1933 أقيمت جمهورية “فايمار” بعد ثورة أطاحت الحكم القيصري، لكن هذه الحقبة انتهت بكارثة على ألمانيا وعلى أوروبا كلها، مع صعود هتلر وتولّي الاجتماعيين القوميين (النازيين) السلطة، وهي حقبة انتهت بهزيمة الفاشيّة وانقسام ألمانيا إلى دولتين، إلى حين تحقّق انهيار جدار برلين (1989) وتحقيق حلم ألمانيا الواحدة التي باتت بمثابة قاطرة للوحدة الأوروبية السياسية والاقتصادية.

أما في إنجلترا، فقد احتسبت الحرب الأهلية التي استمرت سبعة أعوام (1642-1649) كثورة، إذ نجم عنها إعدام الملك شارل الأول والتحوّل نحو الجمهورية، لكن هذا الأمر لم ينجح مع كرومويل، الذي يفترض أنه ثار ضد استبداد ملك إنجلترا، والذي حاول أن يجعل من نفسه دكتاتوراً جديدا، فألغى البرلمان، وقسّم البلاد بين جنرالات الجيش، مما يذكّر بما يجري في مصر هذه الأيام.

وعلى أية حال فقد اختطت عملية الإصلاح والتغيير، فيما بعد، وجهة أخرى: دستورية وسلمية وتدريجية، لاسيما أن السلطة الملكية عاضدت ثورة الإصلاح الديني بسبب مصلحتها في وضع حدّ لنفوذ السلطة الروحية، وفيما بعد استطاعت البرجوازية الإنجليزية تحقيق التحولات المطلوبة وتحويل الملكية المطلقة إلى ملكية دستورية برلمانية منذ أواخر القرن الثامن عشر، ومع إنشاء المملكة المتحدة.

وبالنسبة للثورة الأميركية، ومع أنها كانت موجهة لتحقيق الاستقلال عن “التاج البريطاني” (وهو ما حصل في 1783) إلا أنها كانت أكبر وأخطر من ذلك بكثير، إذ نتج عنها إقامة الولايات المتحدة الأميركية كدولة ديمقراطية على أساس فدرالي وعلى قاعدة فصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية (كما جاء في دستور 1787).

لكن الولايات المتحدة هذه احتاجت بدورها إلى حرب أهلية (بين الشمال والجنوب) لإلغاء نظام الرقّ، وهي حرب استمرت عدة أعوام (1860-1865)، وتكلّفت مقتل 620 ألف جندي ومدني، نصفهم هلكوا بسبب ما جرّته الأحداث من خراب ومجاعات. كما احتاجت إلى ثورة أخرى تمثلت هذه المرّة بثورة مواطنيها السود ضد التمييز العنصري (1954 و1968) من أجل الحقوق المدنية والمساواة، وهي الثورة السلمية التي قادها بشجاعة مارتن لوثر كينغ، مدعوما بعشرات الملايين من الأميركيين السود.

وتعتبر الثورة الفرنسية، وشعاراتها “الحرية والإخاء والمساواة”، والتي استمرت وقائعها عشرة أعوام (1789-1799) أيقونة الثورات الأوروبية، كون تأثيراتها عمّت القارة وشمل إشعاعها العالم. وقد ابتدأت هذه الثورة بإلغاء الملكية المطلقة، والامتيازات الإقطاعية للطبقة الأرستقراطية، والنفوذ الديني الكاثوليكي، وتوحيد السوق الوطنية، ووضعت أسس الديمقراطية السياسية وأعلنت حقوق الإنسان، وأقرّت الزواج المدني.

لكن هذه الثورة شهدت اضطرابات شديدة إذ عرفت ثلاثة أنواع من الحكم في سنوات معدودات، أولها الملكية الدستورية (حيث تم تقييد سلطة الملك)، وثانيها إقامة نظام جمهوري متشدّد بعد أن تم تنفيذ حكم الإعدام بالمقصلة بالملك لويس السادس عشر (1893)، وثالثها، سيطرة البرجوازية على الحكم، حيث استعانت بعدها بالضابط نابليون بونابرت الذي قام بدوره بتتويج نفسه إمبراطورا فيما بعد. وعموما فقد احتاجت فرنسا إلى عديد من الثورات (1848 و1870) كي تنصّب نفسها كدولة ديمقراطية ليبرالية، فضلا عن العديد من الحروب التي خاضتها خارج أراضيها للدفاع عن ثورتها.

أما الثورة الاشتراكية في روسيا فقد بدأت ممهّداتها في ثورة 1905 التي لم تلق النجاح بسبب قمعها من قبل السلطة القيصرية، وبسبب خلافات القوى المشتركة فيها. وقد لزم الروس بعدها 12 عاماً حتى تقوم ثورتها الاشتراكية، التي نجحت بسبب تحطم الجيش الروسي في الحرب العالمية الأولى، وبسبب تآكل الحكم القيصري.

ومع كل ذلك فإن هذه الثورة تمخّضت عن ثلاث مراحل، أولاها، تمثّلت بنوع من ازدواجية السلطة بين الحكم القيصري وقوى الثورة. وثانيتها تمثلت بإسقاط الحكم القيصري نهائيا (1917)، في حين تمثلت المرحلة الثالثة بحرب أهلية استمرت زهاء خمسة أعوام، ونجم عنها مصرع مليوني مواطن، وبهذا المعنى فهي ثورة دموية عنيفة مثلها مثل الثورة الصينية.

وعلى صعيد مضامينها الثقافية والفكرية، فإن التجربة الثورية في الدول الأوروبية تختلف تماماً عن تجربتنا، كونها سليلة ثورات الإصلاح الديني وتحرير العقل، كما سبق أن ذكرنا، وقد سهّل ذلك الاكتشافات الجديدة في مجال العلوم والتكنولوجيا وظهور المدن والثورة الصناعية ونمو الأسواق القومية وظهور البرجوازية كطبقة في ذاتها ولذاتها، وهي أمور لم تحصل عندنا بعد.

هكذا ففي ظل تلك المناخات والتطورات استطاعت العلمانية أن تفرض نفسها، في السياسة والثقافة والمجتمع، كمذهب يترتب عليه فصل السلطة الدينية عن السلطة المدنية، وعدم تسييس الدين أو تديين السياسة، وفق شعار: “الدين لله والوطن للجميع”، وهو أمر ما زال موضع أخذ وردّ في مجتمعاتنا، وفي محاولات صوغ الدساتير اللازمة لبلداننا.

بعد ذلك، أي بعد العلمانية والعقلانية، عرفت أوروبا الثورات السياسية التي تتوخّى الاعتراف بالحريات الفردية وبالمجال الخاص للفرد، وهي التي تكثّفت في ما يعرف بالمذهب التحرّري (الليبرالي). ويترتّب على هذه المسألة في السياسة تعريف المواطن، على أساس مدني، لا ديني ولا إثني ولا عشائري، مما يضمن الاندماج المجتمعي والمساواة أمام القانون ونشوء هوية وطنية جمعية. كما ينجم عن ذلك اعتبار الدولة واسطة عقد اجتماعي بين مواطنين أفراد متساويين، لا بين جماعات متمايزة ومختلفة ومتنافسة، أو متنازعة. وعلى الصعيد الفردي ينجم عن ذلك الاعتراف بالحريات الشخصية، بما فيها حرية الرأي والتعبير، والمشاركة السياسية، واحترام الخصوصية الفردية.

هكذا يمكن التمييز في التحقيب للأفكار الثقافية والثورات السياسية في أوروبا، حيث جاءت حركات الإصلاح الديني والنزعة العلمانية أولاً (في القرن السادس عشر)، ثم حقبة العقلانية، متلازمة مع الليبرالية، مع ديكارت وكانط وهيغل، ومع لوك وروسو وستيوارت مل (بين القرن السابع عشر والتاسع عشر)، وصولاً إلى حقبة الدولة الديمقراطية الليبرالية، التي بدأت ملامحها في الظهور منذ أواخر القرن التاسع عشر وعلى امتداد القرن العشرين.

ولعل هذا التحقيب للثورات، ومضامينها الفكرية، يفسّر عدم وجود تعارض بين العلمانية والليبرالية، أو بين الليبرالية والديمقراطية، في التجربتين الأوروبية والأميركية، ذلك أن العلمانية جرى تضمينها في الليبرالية، في حين وجب تحقيق التلازم بين الليبرالية كنظرية في الحرية الفردية، وفي إعلاء شأن الإنسان واعتباره قيمة مطلقة، وبين الديمقراطية، كنظرية في السياسة وكطريقة حكم وإدارة للمجتمع والدولة.

هذا ما يفسّر أن الديمقراطية عندنا تبدو ناقصة، أو غير ناضجة، أو مختلفا عليها، والسبب يكمن في ضعف أو تشوّش مفاهيم الحرية والفردية فيها، على عكس وضعها في أوروبا. وبديهي أن الحلّ يكمن في تحقيق التلازم بين الديمقراطية والليبرالية، وتأسيس المجتمعات على أساس المواطن باعتباره الوحدة الأساسية في المجتمع، لا الجماعات الدينية أو الإثنية، وإعلاء شأن الحريات الفردية في الدساتير، فهذا وحده ما يضمن تخليص مجتمعاتنا من واقع التسلّط والاستبداد والفساد، ومن سياسات الهويات المغلقة والمتناحرة والمتنازعة والمتمايزة، ومن شبهات تسلط أكثرية ما على أقلية ما.

وقصارى القول ثمة للثورات الشعبية الحاصلة في بعض بلداننا عديد المشكلات والنواقص والمخاوف والتحديات، لكنها مع ذلك بمثابة طريق لا بد من ولوجه لكسر حلقة الاستعصاء التي يمثلها الاستبداد، من أجل الدخول في التاريخ، وقيام المواطن والمجتمع والدولة حقّاً في البلدان المعنية، هذا ما تقوله تجارب الثورات التي حدثت عبر التاريخ.

الجزيرة نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى