أكرم البنيابراهيم حميديحسان عباسراتب شعبوسلام الكواكبيسلامة كيلةصبحي حديديصفحات مميزةعبدالناصر العايدعمر قدورغازي دحمانفايز سارهياسين الحاج صالح

مقالات لكتاب سوريين تناولت “داعش”

 

 

 

 

 

 

“داعش” ينغمس ترهيباً وترغيباً… و النظام السوري ينزف/ ابراهيم حميدي

فجأة، جاء اتصال من واشنطن الى الناشط «ابو ابراهيم الرقاوي» من الرقة، معقل تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) في شمال شرقي سورية. لم يعتد هذا الناشط على اتصالات من العاصمة الأميركية. اسمه مستعار. لكنه معروف بين الصحافيين، انه خبير بما يحصل على الأرض في الرقة. طلب منه المتصل «معلومات وإحداثيات» عن مواقع «داعش» في الرقة. الناشط الذي صار له منذ أكثر من سنة يكافح ضد «مذابح داعش» ويقود حملة «الرقة تذبح بصمت» وعاد من دول غربية الى الرقة للانضمام الى الحراك، رفض إعطاء معلومات، قائلاً: «القصف سيصيب أهلي وأصدقائي ومدينتي».

ليس سراً ان الأميركيين بدأوا جمع المعلومات عن «داعش» لردم الفجوة الاستخبارية، لكن هذا الحادث يدل الى التحديات التي تواجه الحرب على الإرهاب ومواجهة «داعش» والحساسيات الطائفية والسياسية في سورية والإقليم.

«داعش» بات منغمساً بأسلوبَيْ الترهيب والترغيب بين الناس في ارض تبلغ ١٠ في المئة من مساحة سورية البالغة ١٨٥ ألف كيلومتر مربع، وتضم، مع عمقها العراقي، نحو عشرة ملايين شخص وغنية بالموارد الاقتصادية من حيث النفط والغاز والطاقة والزراعة، اضافة الى ٥٠ ألف مقاتل مدرب ومنظم ويحمل عقيدة ومعسكرات تدريب ومئات المدرعات والدبابات والمدافع الدقيقة التصويب التي حصل عليها من مخازن الحكومة العراقية. وتمتد مساحة «الدولة الاسلامية» من الحدود العراقية شرقاً الى بلدة مارع معقل «الجبهة الاسلامية» في ريف حلب قرب حدود العراق. وسيطرت على كامل محافظة الرقة وبصدد اقتحام مطار دير الزور العسكري المجاور مع حشد قوات باتجاه مطار كويرس العسكري في ريف حلب.

آخر «الترهيب» كان قتل عشرات الجنود النظاميين بعد السيطرة على مطار الطبقة العسكري مع قطع الرؤوس لبعض الضباط. وآخر «الترغيب» كان إلغاء حدود سايكس- بيكو لدى اعلان «ولاية الفرات» التي ضمت مناطق على جانبي الحدود السورية- العراقية.

عندما كان «الشخص» الأميركي يتحدث الى الناشط، ترددت أنباء بأن طائرات استطلاع أميركية تحلق فوق شمال شرقي سورية لجمع معلومات عن مواقع «داعش» في انتظار قرار الرئيس باراك اوباما ما إذا كان سيوجّه ضربات جوية الى معاقل «داعش». وكان الطيران السوري يقصف «بنك أهداف» للتنظيم في شمال شرقي البلاد بينها غارة قتلت قادة رئيسين في هرمية التنظيم في ريف دير الزور.

فجأة أيضاً، ظهر وزير الخارجية السوري وليد المعلم في مؤتمر صحافي، عارضاً على الأميركيين «التنسيق» في ضرب «داعش»، بل انه طلب من الأميركيين ضرب مواقع التنظيم «لكن بالتنسيق» مع دمشق، مع الاستعداد لـ «التنسيق مع الجميع»، فذلك «مرحب به، وأهلاً وسهلاً». اغلب الظن ان ظهور المعلم جاء بناء على نصيحة روسية بعد تلقيه اتصالاً من وزير الخارجية سيرغي لافروف، بضرورة «دعوة» الأميركيين لقصف «داعش» كما حصل عندما دعتهم الحكومة العراقية.

فجأة، سقطت منظومة الخطاب السياسي الرسمي: النظام لم يعد قادراً وحده على محاربة الإرهاب، أميركا ليست جزءاً من «المؤامرة الكونية»، الضربات الجوية الأميركية يجب ان تتم بـ «التنسيق معنا»، مع النظام. كان النظام خسر خلال فترة وجيزة ثلاثة مواقع رئيسة في شمال شرقي البلاد، هي «الفرقة ١٧» و «اللواء ٩٣» ومطار الطبقة العسكري، ما أثار توتراً في أوساط النواة الصلبة العسكرية والسياسية والطائفية في معقل النظام.

الأمور ليست أفضل حالاً في صف من المعارضة، اذ إن «الائتلاف الوطني السوري» المعارض سارع الى الطلب من المجتمع الدولي ان يعامل سورية مثلما يعامل العراق، ما يعني الطلب من اميركا توجيه ضربات جوية الى «داعش» على الأرض السورية. أغلب الظن، جاءت هذه الدعوة بناء على نصيحة من الدول الغربية و «اصدقاء الشعب السوري».

بذلك، يتسابق ممثلو النظام والمعارضة في استجداء اميركا «الامبريالية» الى «العدوان» على سورية «لكن بالتنسيق معنا» من بوابة «داعش» وتحت مظلة «مكافحة الإرهاب». يتسابق كل منهما بناء على نصيحة حليفه الى توفير «شرعية سورية» لمفاعيل القرار 2170 الصادر بموجب الفصل السابع لخنق «داعش» و «جبهة النصرة».

لم يكن الجواب العلني من واشنطن كما تشتهي دمشق ولا كما يشتهي «الائتلاف». علنياً، قالت ان طائراتها ستقوم بالاستطلاع «من دون إذن» النظام السوري. لكنها، وفق ما تردد من أنباء، تمرر عبر طرف ثالث، بغداد وموسكو وبرلين، معلومات أمنية عن مواقع «داعش». في الوقت نفسه صعدت برنامج تدريب «المعارضة المعتدلة» وطلبت من حلفائها العرب والغربيين في «أصدقاء سورية» تصعيد تدريب المعارضة وتسليحها.

واضح ان واشنطن تعمل على ثلاثة مستويات:

الأول، إجراء اتصالات لتشكيل حلف دولي- إقليمي لمكافحة الإرهاب الممثل بـ «داعـــش»، يتوقع ان يستمر فترة طويلة وأن يكـــون بوابة اساسية في صوغ التوازنات الإقليمية والدولية والمحلية الراهنة يمكن بلــورتها من الاقتراح الفرنسي بعقد مؤتمر بـــين 15 و20 ايلول (سبتمبر) الجاري وبعد قمــة «حلف شمال الاطلسي» (ناتو) في ويلز واجتـماع الجمعية العامة للامم المتحدة.

الثاني، تمرير بعض الإشارات الى النظام من ان المستهدف ليس «إسقاط النظام» بل الدفع الى تسوية سياسية وتشكيل «حكومة انتقالية» او «حكومة وحدة وطنية» مع الحفاظ على قسم كبير من الجيش والأمن.

الثالث، دعم «المعارضة المعتدلة» لمحاربة «داعش» على الأرض.

الهدف النهائي لهذه الاستراتيجية، التي يعمل البيت الأبيض على صوغها داخلياً ايضاً، هو الدفع الى الحل السياسي. ووفق السفير الأميركي روبرت فورد فإن «إسقاط النظام لم يكن هدفنا من قبل، ولا ينبغي أن يكون الآن. ينبغي أن نسعى الى مساعدة المعارضة السورية لإلحاق أضرار كافية بالنظام، بحيث إنه، على الرغم من (الرئيس) بشار الأسد، سيوافق النظام أخيراً على التفاوض على حكومة جديدة تكون مهمتها الأولى محاربة الدولة الإسلامية وطردها أخيراً من سورية».

عملياً، يريد النظام ان توكل اليه المهمة الجوية في محاربة «داعش». ثمن ذلك أقله «استعادة ما فقد من شرعية للنظام». تريد «المعارضة المعتدلة» ان تتكفل محاربة «داعش» على الأرض. ثمن ذلك أقله «نزع ما تبقى من شرعية للنظام». يتم الأمران بغطاء دولي. السياسة الأميركية مزدوجة. الهدف مشاركة من ساهم جواً في محاربة «داعش» ومن ساهم أرضاً التفاوض لاحقاً لتشكيل حكومة «انتقالية» او «وحدة وطنية». لذلك، لا ترى واشنطن مانعاً حالياً من ان «ينزف النظام أكثر»، ولا ترى مانعاً في اعادة صوغ المعارضة وتوسيع «الائتلاف» وقيام علاقة مباشرة مع الكتائب المسلحة «المعتدلة». ووفق المعلومات، فإن الأيام الأخيرة شهدت رفع وتيرة تسليح «المعتدلين» بأسلحة مضادة للدروع وذخيرة، خصوصاً لمنع تقدم «داعش» في مارع، معقل «الجبهة الإسلامية» في ريف حلب. كما ان واشنطن طلبت من دول عربية زيادة وتيرة تدريب المعارضين من حيث العدد والتأهيل.

تعمل واشنطن بوحي من التجربة العراقية. كما كان دخول اميركا بحرب ضد «داعش» له ثمن، فإنها تحاول قول الأمر نفسه الى النظام والى حلفاء دمشق في طهران وموسكو: مستعدون لمحاربة «داعش»، لكن ما هو الثمن؟

هنا دخلت على الخط مواقف دولية وإقليمية عدة، يشترط بعضها تطبيق التفسير الغربي لبيان جنيف بتشكيل «حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة» وفي» ألاّ يكون الأسد شريكاً في محاربة الإرهاب»، الأمر الذي عبّر عنه الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند وشددت القمة الأوروبية عليه من ان النظام مسؤول عن زيادة التطرف، في حين تقول ايران ان الأسد انتُخِب لولاية ثالثة وبإمكانه ان «يقود الحرب على الارهاب وأن يقود حكومة وطنية»، بينما ترى موسكو ان «الحوار يجب ان يكون سورياً- سورياً وأن يحترم الجميع نتائج هذا الحوار». أما النظام، فلا يزال معتصماً بـ «حكومة الحرب» التي أبقت على جميع وزراء السيادة بما فيها وزير الدفاع جاسم الفريج الذي تعرض لانتقادات من النواة الصلبة للنظام بعد تقدم «داعش». وحدود الاصلاح كانت ان يعين «المرشح الرئاسي» وزيراً للتنمية الادارية، الحقيبة التي شغلها بين 200 و2002.

اوباما «حذر جداً». يجمع المعلومات ويستشير ويحيل على الكونغرس. تسعى باريس ولندن ودول إقليمية الى التأثير في قرار اوباما. كانت الأزمة السورية عادت الى الخلف في سلّم الأولويات. اعادها «داعش» من زاوية مكافحة الارهاب الى رأس الأولويات. بعض الدول يرى ان «داعش» فتح فرصة ونوافذ سياسية. النصائح التي قدمها مسؤولون اوروبيون رفيعو المستوى الى واشنطن: «يجب عدم استعجال قصف «داعش». لا بأس من مزيد من النزف. يقدم فرصة للبحث عن حل سياسي. يجب حرمان «داعش» من الرئتين السياسية والطائفية. نزع الغطاء السنّي عن التنظيم. ورفع اللحاف السياسي عنه. ألاّ يكون ناطقاً باسم السنّة السياسية ولا باسم المهمّشين بفعل الإقصاء في المنطقة. ويجب ألاّ تظهر الدول الغربية بأنها تقف ضد السنّة مرة اخرى منذ 11 ايلول 2001».

… يجب إقناع «ابو ابراهيم الرقاوي» وأمثاله بأن محاربة «داعش» وفظائعه وإرهابه في مصلحته. يجب حرمان التنظيم من البيئة الحاضنة و «السنّة السياسية».

* صحافي سوري من أسرة «الحياة»

الحياة

 

 

“أيزيس” في كل مكان، إلى متى؟/ سلام الكواكبي

في المؤتمر الأخير الذي حضرته، كان الجميع يرطن باسم “الدولة الإسلامية” كمن ينادي حبيبته، مكرراً مختصرها (الأيزيس) عشر مرات على الأقل في كل مداخلة له حول أوضاع منطقة الشرق الأوسط، مهما كانت، فلقد صار من المستحسن على ما يبدو، أن تُضاف بعض الإشارات إلى أيزيس هنا وهناك. إضافة إلى هذا الاستخدام اللفظي، بدا أن هناك استغرابا معرفيا عميقا، فكل من أراد قرباً بالموضوع، أضاف بطريقة “علمية” لا تدع للشك مطرحا، أننا “لا نعرف الكثير عن هذا التنظيم الجديد على ساحة الإرهاب”، وبذلك يبدو أن المتحدث ملتزم بالموضوعية العلمية وتاركاً الباب مفتوحاً أمام كل التأويلات، لينتقل في كلامه للحديث عما يهم موضوعه ولو كان مختلفاً جداً عن موضوع هذه “الأيزيس”.

وداخل وخارج قاعات الحوارات شبه العلمية، تنهال التحليلات الإعلامية حول هذا “الكائن الفضائي” الجديد، ويتكاثر المختصون والخبراء بالشأن الإسلامي كما بالخلايا “الجهادية” على مختلف أشكالها، وهم لا يخشون الوقوع في أي خطأ تاريخي أو تحليلي أو حتى لغوي لأنهم يعتقدون بسيطرة الجهل المطبق لجموع المتلقين حول هذه الظاهرة وغيرها من الظواهر التي يتبارى من هب ودب في الخوض في تحليلاتها.

وعلى الرغم من اعترافك بأهمية هذه الظاهرة وبخطورة مآلاتها، ولكن إن أحببت أن تخرج عن السرب وتطرح موضوعاً سورياً مختلفاً تراه، بكل تواضع، هاماً أيضاً، فأنت ضعيف الحجة وقليل الصدى وناقص التأثير وضحل المعلومات وهارب من الواقع وباحث عن السهولة إلخ، فلا حديث عن مجتمعات محلية أو منظمات مدنية أو نشاطات إنسانية أو حوارات سياسية أو برامج انتقالية يستوجب إضاعة الوقت.

فلماذا إذاً يستفيد كثيرون من حصر الحديث عن وحول أيزيس؟

عندما بدأ الحراك الاحتجاجي في سوريا سنة 2011 وتطوّر سلمياً لمدة لا بأس بها، انبرت أجهزة إعلام النظام كما حلفاؤه في إيران وروسيا والصين، إضافة إلى إعلام من صار يسمى في الحالة السورية “اليسار البافلوفي” في مختلف دول العالم، بالتهويل بالخطر الإرهابي القادم من “جهاديين” و”إسلاميين”. فلم يكن مقبولاً من بعض جهابذة الصحافة والإعلام الغربي، كما روبيرت فيسك مثلاً، الحديث عن احتجاجات شعبية ومطالبات اجتماعية واقتصادية وسياسية مشروعة لشعب عاش أكثر من 40 عاماً في ظل حكم دكتاتوري وقوانين جائرة. ومع تحول جزء من المحتجين إلى حمل السلاح بالترافق مع انشقاق عدد كبير من الجنود وجراء وقع القمع الدموي الذي مورس بحق مدنيين عزّل، استفادت الأبواق السياسية والإعلامية المناصرة للنظام من هذا للتشديد على صلاحية طرحها الأولي. ومع تطوّر العمل العسكري ودخول جهات إقليمية ذات أجندات مختلفة ومتناقضة واستقالة ما يسمى المجتمع الدولي من دوره، إنسانياً على الأقل، وبروز النفاق الدبلوماسي الغربي عموماً والأميركي خصوصاً، استشرت الظاهرة الدينية وتطرفت، ورافق هذا التطرف عوامل متشابكة مختلفة أشارت إلى “زواج مصلحة” بين النظام والقوى المتطرفة قبل وبعد أن تصير ما صارت عليه. واليوم صار “شرعياً” القول إن النظام يواجه إرهابيين متعددي الجنسيات بعد أن صمت الجميع عن مواجهته لشعب بأكمله، وأصبح التركيز الرسمي كما الموالي محلياً على هذا “المخلوق” الخطر على الجميع، وسادت عبارة لطالما أنقذت كثيرين من الشعور ومن الإحساس وهي: ألم نقل لكم؟

أما المعارضة، على مختلف أشكالها وتكويناتها واختلافاتها وتبعياتها الإيديولوجية، فهي وجدت في خطر “الدولة الإسلامية” دريئة تتلظّى خلفها من أمام تقصيرها في مسؤولياتها وتعاظم خلافاتها وتشتتها وتناقضاتها على الساحتين الداخلية والدولية. وهي عن حق أو من دون وجه حق، تضع مسألة خطر وتهديد “الدولة الإسلامية” في مقدمة حواراتها وشكواها المستمرة من التهميش أو نقص المساعدات، متناسية أن بعضاً من رموزها “العلمانيين” أشادوا سابقاً ببؤر “متطرفة” كانت البداية في تكوين هذا التنظيم الفاشي الإرهابي، كما أن بعضاً من قياداتها الدينية “المعتدلة” ندّدت يوماً بتصنيف جبهة النصرة كحركة إرهابية، رغبة في الحفاظ على ما سموّه حينذاك “وحدة الصف”. إضافة إلى أن جزءاً لا بأس به من المعارضة يتحمل مسؤولية سياسية من خلال عجزه عن القيام بدوره المنتظر في تأطير الحراك السياسي والعسكري وتقديم المشروع الوطني الواضح، ناهيك طبعاً عن المعارضين النجوم ممن قتلت أناهم الذاتية أية مقدرة لديهم على العمل الجماعي وعلى الثبات في المواقف ووضوحها.

جاءت إيزيس أيضاً لتنقذ العجز الغربي المتوّج أميركياً باستقالة تامة عن القيام بأي دور سياسي حازم وواضح منذ اندلاع المقتلة السورية، فالأمر الآن محصورٌ بمجابهة إرهابٍ إسلاميٍ متطرف. يُضاف إليه، حتى يكون الطبق “شهياً”، بعض من القلق على مصير الأقليات في استرجاعٍ للنظرة الكولونيالية الاستشراقية، وذلك بالابتعاد عن الرغبة في فهم تطور مفهومي الأكثرية والأقلية بأبعادهما السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية في ظل الحكومات المستبدة، حيث قامت هذه الحكومات باختطاف الأقليات وأقنعت جزءاً منها بأنها الحامية، حاجبة ثقافة المواطنة عن العقول وعن الممارسة، لتضع مكانها ثقافة التبعية والولاء. كل ذلك ترافق باعتقاد غربي “ساذج” يقول بعلمانية وحداثة هاته الديكتاتوريات، مع اعتراف خجول بميلها التسلطي “اللازم” في منطقة متوترة وغير مستقرة. على الرغم من أن باحثي هذه الدول الجادين أوضحوا في أكثر من دراسة الكيفية التي تمّ فيها تصحير الحياة الفكرية المتحررة وتشجيع الممارسات الدينية الظلامية ما دامت محصورة في العبادات بعيداً عن النشاط السياسي.

فيتم حصر الهمّ إذاً، وتبقى احتمالات التحالف مع “الشيطان” للتخلص من هذا الخطر الداهم “وجهة نظر” قابلة للدراسة وللتحليل. وفي التاريخ القريب أمثلة عديدة على تحالفات مشابهة دول “العالم الحر” الديمقراطية وأنظمة استبدادية، ربما هي نجحت على المدى القصير ولكنها أفضت إلى نتائج وخيمة في المدى الأبعد.

أما الإعلام الغربي الذي بدأ في البحث عن “جهاديين” أشهراً قبل ظهور “بشائرهم” في سوريا لغايات تسويقية ولأن الموضوع “يبيع” ويجلب قراء أو مشاهدين، فهو في قمة نشاطه الآن. وعلى الرغم من أن كثيرا من المراسلين ومن مختلف البلدان، سعوا لنقل الواقع بمختلف تعقيداته في حدود إمكانياتهم، وعانوا من منع وملاحقة النظام من جهة ومن خطف وإجرام الإرهابيين من جهة أخرى، وآخرهم كان جيمس فولي، ولكن الدوائر الإعلامية تتجاهل أغلب ما يسعون إلى نشره، وتعتمد على المثير المليء بالجثث وبالرؤوس المقطوعة. فهل تحمل الذاكرة عملاً إعلامياً قريباً سلّط الضوء على حياة ملايين اللاجئين ومئات المجالس المحلية وآلاف الجمعيات المدنية، إضافة إلى العمل الإعلامي المحلي والنشاط الطبي والتدريسي في مناطق عدة ؟ قليل جداً من هذا يتسرب إلى المشاهد الغربي. الأولوية إذاً هي للمخلوق العجيب الذي اسمه “أيزيس”، ولقد فهمت التنظيمات الإرهابية منطق عمل الإعلام الغربي وطوّرت استراتيجيات تتلاءم مع احتياجاته. فالعملية أضحت تقريبا: رابح / رابح.

“الدولة الإسلامية” شريك موضوعي لأكثر من جهة عن رغبة أو من دونها. المستفيد الأكبر من هذا الوحش المنفلت من عقاله ومن عقال الآخرين، هو الراغب في استمرار المقتلة السورية من أية جهة انبثق. ومن يعتقد أنه سيواجه الأزمة المعقدة في هذه المنطقة بمجرد إيجاد حلول جزئية أو وقتية أو انتقائية، فهو مخطئ ويتحمّل مسؤولية الموت سابقاً ومستقبلاً.

*سلام الكواكبي نائب مدير مبادرة الإصلاح العربي وزميل غير مقيم في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

 

 

 

 

 

هل حاربت أمريكا «داعش» وأضرابها: أين… متى… وكيف؟/ صبحي حديدي

سخر نقّاد الرئيس الأمريكي باراك أوباما من عبارته، غير الموفقة بالطبع، من أنّ إدارته لا تملك، بعدُ، ستراتيجية محددة لمحاربة «داعش». وثمة، لا ريب، مبررات كثيرة للسخرية من رئيس القوّة الكونية الأعظم، وقائد الجيش الأكثر جبروتاً وتطوّراً وفتكاً على مدار التاريخ؛ إذْ يعلن افتقاره إلى خطة ستراتيجية متكاملة في مواجهة تنظيم إرهابي عمره ـ في تكوينه البنيوي التنظيمي والعسكري الراهن، على الأقلّ ـ أقلّ من ثلاث سنوات. وكيف لا ينتقل الساخرون إلى درجة أعلى في النقد، إذا كانت جعبة أوباما، في هذا الملفّ وما يقترن به، سورياً أوّلاً ثمّ عراقياً بعدئذ، غاصة بمواقف الحيرة والتردد والتقلّب والتفرّج…

والحال أنّ أوباما لا يملك تلك الستراتيجية، بالفعل، وبالمصطلحات الابتدائية للمنطق العسكري الأبسط: صحيح أنّ الضربات الجوية الأمريكية، ضدّ قوّات «داعش» في العراق، يمكن أن تُلحق بالأخيرة خسائر ملموسة، كبيرة أو صغيرة، على نطاقات محدودة أو واسعة؛ ولكن أية جدوى، على صعيد «دحر» التنظيم كما تطمح واشنطن، إذا ظلّت «داعش» قادرة على الانكفاء إلى قواعدها داخل سوريا، وإعادة تنظيم صفوفها، والعودة إلى العراق مجدداً، بتكتيك الكرّ والفرّ؟ وما الجدوى، على صعيد آخر، من تسليح قوات «البيشمركة» الكردية، في كردستان العراق؛ إذا كانت المواجهات العسكرية مع «داعش» تقتصر جغرافياً على المناطق الكردية، ولا تخضع لتنسيق كافٍ بين القوّات العراقية النظامية و»البيشمركة»؟

من جانب آخر، ما يثير الضحك حقاً، بل القهقهة العالية، وليس السخرية وحدها؛ هو تصريح الأدميرال جون كيربي، السكرتير الصحافي لوزارة الدفاع الأمريكية، الذي اعتبر أنّ «الدولة الإسلامية في العراق والمشرق»، حسب التسمية المفضّلة لدى الإدارة، لن يشكّل خطراً على المدى البعيد: «سوف تفشل في نهاية المطاف، بل الحقيقة أنها فشلت لتوها بطرق عديدة. إنهم اليوم أشدّ وحشية، وأفعالهم كانت فظيعة، وهم لا يكسبون الكثير من الدعم. وبالتالي لا أعتقد أنّ هذا سيشكل تهديداً بمصطلح سنوات وسنوات وسنوات»!

ألا يعلم الأدميرال أنّ «داعش» تسيطر الآن، في سوريا والعراق، على أراضٍ تكاد تساوي مساحة بريطانيا؛ وتبسط نفوذها على قرابة أربعة ملايين مواطن، سوري وعراقي؛ وفرغت، قبل أيام من إسقاط مطار الطبقة، شمالي سوريا، حيث ارتكبت مذابح وحشية بحقّ الجنود السوريين، وتزحف على مطار دير الزور الذي فرّ منه ضباط بشار الأسد، وقد تتكرر فيه مذابح لا تقلّ فظاعة؟ هل نسي الأدميرال أفعال «داعش» في سنجار، بعد الموصل ومحيطها، واستمرار سيطرة التنظيم على مواقع بالغة الحساسية عسكرياً، رغم أنّ الجيش العراقي و»البيشمركة» والقاذفات الأمريكية و»خبراء» البنتاغون… اجتمعت عليها؟

الكارثي، لأنه ليس مثيراً للسخرية ولا مضحكاً، في المقابل؛ هو أنّ هذه الإدارة، على منوال سابقاتها، تتعامى عن السبب الأوّل، والأكبر والأسبق، وراء صعود «داعش» وأضرابها؛ أي أنظمة الاستبداد والوراثة والفساد العربية، التي لم تمتهن كرامة المواطن العربي وتسلبه حقوقه في الحياة والحرية والرأي والهوية، فحسب؛ بل دفعته، منهجياً وباضطراد، نحو السوداوية واليأس والمرارة والانكسار، ثمّ التطرّف والعنف والإرهاب في نهاية المطاف. وأمّا التفريع الأدهى، لهذا السبب الأوّل، فهو أنّ محاربي «داعش» هذه الأيام، وقبلها «القاعدة»، هم ذاتهم ساسة الديمقراطيات الغربية، في أمريكا وأوروبا، الذين رعوا أنظمة الاستبداد والفساد، وسكتوا عن ممارساتها ـ الوحشية، والبربرية، والهمجية… بدورها ـ تحت مبرر «الاستقرار»، وضمان المصالح القومية.

السبب الثاني، الذي لا يتعامى عنه الغرب فقط، بل يوغل فيه أكثر، كلما اقتضت الحال؛ هو العربدة الإسرائيلية في فلسطين، وفي الأراضي العربية المحتلة عموماً، والترخيص الذي تحصل عليه إسرائيل من الديمقراطيات الغربية كلما شاءت شنّ حرب في فلسطين، أو ضدّ الجوار؛ أو كلما أرادت أن تتوسع أكثر، وتستوطن، وتصادر الأراضي، وتهدم البيوت وتقتلع الأشجار وتدمّر المرافق العامة. الألسنة في الغرب طويلة حين تنخرط في تشخيص «الإرهاب الإسلامي»، بكلام حقّ يُراد الباطل من تسعة أعشاره؛ ولكنها ألسنة قصيرة، بل خرساء بكماء، وعمياء طرشاء أيضاً، حين يتوجب التعليق على القرار الإسرائيلي الأخير، الذي قضى بالاستيلاء على 28 ألف دونم لإقامة مستوطنات جديدة في الضفة الغربية.

خذوا ما قاله أوباما، قبل يومين فقط، بصدد ذبح الصحافي الأمريكي ستيفن سوتلوف، وكذلك حول «فلسفة» الفوارق الأخلاقية بين «داعش» وأمريكا، ويا لبؤس المقارنة أصلاً، وأوّلاً: «مثل جيم فولي قبله، كانت حياة ستيف تمثّل التضاد الحادّ مع أولئك الذين قتلوه بوحشية. يطلقون الزعم السخيف بأنهم يقتلون باسم الدين، ولكن ستيف، كما يقول أصدقاؤه، كان هو الذي أحبّ العالم الإسلامي بعمق.

قتلته يحاولون الزعم بأنهم يدافعون عن المضطهدين، ولكن كان ستيف هو الذي تجوّل في أرجاء الشرق الأوسط، وغامر بحياته ليروي قصة المسلمين من الرجال والنساء، المطالبين بالعدالة والكرامة». وأيضاً: «أياً كان ما يظنّ هؤلاء القتلة أنهم سيحققونه من وراء قتل أمريكيين أبرياء مثل ستيفن، فإنهم فشلوا لتوّهم. لقد فشلوا لأنّ الأمريكيين، مثل الشعوب على امتداد العالم، يشعرون بالاشمئزاز من هذه البربرية. سوف لن نذعن لهم».

ثمّ قارنوا، إذْ أنّ المقارنة ليست جائزة فقط، بل واجبة؛ مع ما قاله سلف أوباما، جورج بوش الابن، قبل ثماني سنوات من الآن، في «المعهد الوطني للديمقراطية»، خلال خطبة لم تجانب أسبوعية «نيوزويك» الصواب حين اعتبرتها «قنبلة عقائدية». وبعد استهلال يمزج المقدّمات الديماغوجية بنتائج تبسيطية، استخلص بوش أنّ «الراديكالية الإسلامية، مثل الأيديولوجيا الشيوعية، تحتوي على تناقضات موروثة تحتّم فشلها. وفي كراهيتها للحرّية، عن طريق فقدان الثقة في الإبداع الإنساني ومعاقبة التغيير والتضييق على إسهامات نصف المجتمع، تنسف هذه الأيديولوجيا السمات ذاتها التي تجعل التقدّم الإنساني ممكناً، والمجتمعات الإنسانية ناجحة». وأيضاً: «أياً كانت الحصيلة القادمة في الحرب على هذه الأيديولوجيا، فإنّ النتيجة ليست محطّ شكّ: أولئك الذين يكرهون الحرّية والتقدّم قد حكموا على أنفسهم بالعزلة، والانحسار، والانهيار. ولأنّ الشعوب الحرّة هي التي تؤمن بالمستقبل، فإنّ الشعب الحرّ هو الذي سيمتلك المستقبل».

وبين الاستهلال والخاتمة، ولكي لا تنقطع سلسلة التداعيات المذكّرة ببلاغة الحرب الباردة، ولكي يتمّ رشقها سريعاً على مستقبل هذه القرن بأسره؛ أعاد بوش التشديد على ما يستهويه أكثر: «إنّ الأيديولوجيا الإجرامية للإسلاميين الفاشيين هي محكّ القرن الجديد الذي نعيشه. غير أنّ هذه المعركة تشبه، في أوجه كثيرة، الكفاح ضدّ الشيوعية خلال القرن المنصرم. بن لادن يقول إنّ دوره تعليم المسلمين ما هو خير لهم وما هو ليس بخير. وما يعتبره هذا الرجل، الذي تربى في الرخاء والثراء، خيراً لفقراء المسلمين، ليس سوى أن يصبحوا قتلة وانتحاريين».

تخيّلوا أنّ الرئيس الأمريكي (الجزّار الأوّل خلف كلّ ما حاق بأهل فلسطين والعراق ولبنان من عذابات في الحقبة الراهنة) هو نصير الفقراء المسلمين ضدّ أغنيائهم؛ وليس الأغنياء من طراز حكّام أنظمة الاستبداد والفساد، بل ذلك الغنيّ الذي كان يُدعى أسامة بن لادن (أو «الخليفة» البغدادي، في شخوص هذه الأيام، إذا توجّب أن يعيد أوباما إنتاج الخطاب إياه)! ثمّ تخيّلوه وهو يبدو كمَن يزاود على بلاشفة روسيا، مطلع القرن الماضي، في التعبئة الطبقية!

.. لكي يتبدى إنْ كانت أمريكا قد حاربت «داعش» وأضرابها، حقاً؛ في أيّ يوم، في أيّ مكان!

 

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

 

 

 

أوباما وداعش: الأمور بخواتيمها/ صبحي حديدي

قبل الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما، كان سلفه جورج بوش الابن قد استخدم البلاغة إياها، بمفردات كثيرة متماثلة، في ذمّ الإرهاب والإرهابيين؛ بصدد المحفل إياه، الحلف الأطلسي، ولكن قبل تسع سنوات، في حديقة البيت الأبيض، مفتتحاً حفل تسليم وثائق عضوية الحلف الأطلسي إلى سبع دول جديدة.

“الإرهابيون يكرهون كلّ ما يمثّله هذا الحلف” قال بوش، لأنهم “يحتقرون حرّيتنا. إنهم يخشون وحدتنا. إنهم يسعون إلى تقسيمنا. إنهم سيفشلون. سوف لن ننقسم. سوف لن ننحني لعنف فئة قليلة”. ما الذي أفزع قائد القوّة الكونية الأعظم، لكي يلجأ إلى هذه “البلاغة الاستباقية” و”اللغة الوقائية”؟ هل كان أسامة بن لادن (على قيد الحياة، يومذاك) يهدد أمن تلك الدول المنضمة حديثاً إلى “الحلف الأكبر والأكثر نجاحاً في التاريخ”، حسب كولن باول، وزير الخارجية الأمريكي في حينه؟ أم أنّ بوش استخدم الفزّاعة الكلاسيكية ذاتها، الإرهاب، لكي يقول مواربة: إياك أعني، فاسمعي أيتها الجارة الروسية؟ أم تراه غمز من قناة أعضاء أصلاء في الحلف، مثل فرنسا وألمانيا، حين ذكّر بأنّ هذه الدول حديثة العهد بالحلف تساعد أمريكا في العراق، لا كما تفعل دول أخرى قديمة العضوية وسبق للولايات المتحدة أن شاركت في تحريرها؟

تاريخ يعيد نفسه، ليس دون مبادلة المأساة بالمهزلة. فبالأمس، وقبلها خلال سلسلة لقاءاته الرسمية وتصريحاته، استفاق أوباما على أخطار الإرهاب في العراق وسورية، بعد أن تردد طويلاً في اتخاذ موقف حاسم إزاء صعودها في البلدين؛ فاستبدل أخطار بن لادن، عند سلفه، بأخطار “داعش” في ولايته. وقد يكون وصول رئيس القوّة الكونية الأعظم متأخراً، خير من غيابه التامّ؛ رغم أنّ المعادلة لا تستقيم على حدّ الوصول وحده، لأنّ التأخر هنا لا يخصّ فوات فرصة لضرب الخصم إذْ يتنامى، بل منحها للخصم ذاته كي يستقوي ويستفحل ويتجذر.

والحال أنّ خطاب الرئاسة الأمريكية، منذ ضربة 11/9/2001 الإرهابية، بات مثل أسطوانة مبرمجة تكرّر وتعيد حفنة عبارات حول محاربة الإرهاب، وكراهية الإرهاب للحرية الأمريكية، وقرب اندحار الإرهاب، وعدم خشية أمريكا من الإرهاب، إلخ… ويندر أن تغيب عن هذا الخطاب، سواء أكان الرئيس جمهورياً أم ديمقراطياً، تلك المصطلحات الغارقة في نبرة التبشير الإيديولوجي، المنقولة بالحذافير عن رهط المحافظين الجدد وصقور الحرب الباردة؛ هذه “الحرب المتخيَّلة” التي وضعت أوزارها رسمياً، وأُعلن بعدها “انتصار” الغرب نهائياً، وانتهاء التاريخ، ولكن دون أن تُشفي، تماماً، غليل الجوارح.

وذات يوم غير بعيد قلّب بوش الرأي في التسميات والمصطلحات والتعاريف، قبل أن يستقرّ على الصيغة المفضّلة عنده: “البعض يطلق على هذا الشرّ تسمية الراديكالية الإسلامية، والبعض الآخر يعتبره جهادية إسلامية، ويوجد كذلك مَن يسمّيه إسلامو ـ فاشية”. وبالطبع، كان السجال ضدّ هذا الخطاب الاختزالي، الذي الذي يمزج المقدّمات الديماغوجية بنتائج تبسيطية فينقل المياه إلى طواحين الإرهاب أوّلاً، أشبه بالنفخ في قربة مثقوبة. فإذا كان الإسلام، مثل اليهودية والمسيحية، نتاج المشرق، وعقيدة مئات الملايين في مشارق الأرض ومغاربها؛ فإنّ الفاشية نتاج أوروبي صرف، انفلت من عقاله الفكري والفلسفي ذات يوم، فامتدّت عواقبه الكارثية إلى مشارق الأرض ومغاربها.

في الحقبة ذاتها، في مثال موازٍ يذهب بنا إلى قلب أوروبا هذه المرّة، غير بعيد عن موطن الفاشية؛ بدا أنّ مسلمي البلقان هم أوّل دافعي الأثمان الباهظة لقاء سلام أهلي فرضه ذلك النوع المرتبك والسطحي والتقسيمي من “دبلوماسية الكولاج”، التي يحلو للحلف الأطلسي، والولايات المتحدة في الطليعة، اعتمادها وتسويقها بالقوّة السياسية والعسكرية. وبدا أنّ مسلم كوسوفو، تحديداً، هو وقود النار التي اشتعلت واتسع أوارها، وهو الضحية شاء أم أبى، أكان علمانياً أم أصولياً أم مجرد مؤمن بريء برسالة سماوية هي الاسلام؛ وسواء سار خلف المعتدل إبراهيم روغوفا، يومذاك، أم حمل السلاح وقصد الجبال القصيّة دفاعاً عن قضية قد يدرك أنها خاسرة سلفاً.

فهل، على هذه الخلفية المركبة التي ترشق الماضي على الحاضر، وبالعكس، يكون وصول أوباما متأخراً، أفضل من بقائه حائراً مكتوف اليدين؟ خير أن تُترك الأمور لخواتيمها، وإنّ غداً لناظريه قريب!

موقع 24

 

 

 

من نيويورك إلى الرقة والموصل/ راتب شعبو

منذ جريمة تفجير برجي التجارة العالمية في نيويورك في الحادي عشر من أيلول 2001 تبنت أمريكا سياسة “الحرب على الإرهاب”، وابتكر الرئيس الأمريكي جورج بوش حينها مصطلح “محور الشر” في استيراد غير حميد من اللغة الدينية إلى مضمار السياسة، هذا الاستيراد الذي يميز فعلياً الجماعات الدينية المتطرفة التي يشن بوش الحرب عليها. اعتبرت الإدارة الأمريكية حينها أن “الجماعات الإرهابية” أعلنت الحرب على أمريكا في عملية تفجير برجي التجارة العالمية، وأن أمريكا سوف تخرج للحرب على الإرهاب في كل مكان من العالم. ولما كانت كلمة “الإرهاب” لا تملك حدوداً واضحة، فقد غدت “الحرب على الإرهاب” حرباً هستيرية غائمة منفلتة من أي قانون أو ضابط ينظم كيفية وشدة وطريقة أدائها. واكتسب هذا اللاتحديد خطورة زائدة حين كان “الموجِّه” العام لسياسة دولة كبرى كأمريكا التي تحولت بفعل جرحها حينها عن الكثير من صبغتها الديموقراطية، وأقدمت على ممارسات شبيهة بممارسات ديكتاتوريات العالم الثالث، ودون أي تستر، بعد أن أقدمت على غزو بلدين تحت نفس العنوان (الحرب على الإرهاب).

اليوم، وبعد أكثر من دزينة من السنين على 11 أيلول/سبتمبر، يشهد العالم تزايداً هائلاً في الإرهاب الذي خرجت أمريكا لمحاربته. يبدو للوهلة الأولى كما لو أن “محاربة الإرهاب” غذّت الإرهاب ووفرت له الأسباب بدلاً من “تجفيف منابعه” حسب لغة أمريكية شائعة. ويبدو كما لو أن أمريكا تخسر الحرب مع الإرهاب. ولكن بالملاحظة الدقيقة يمكن أن نشهد تبدلاً جوهرياً طرأ على هذا “الإرهاب”، وهو في الواقع تبدل يناسب السياسة الأمريكية وطريقتها في ممارسة سيادتها على العالم حتى اليوم. التبدل هو أن ساحة عمل الجماعات الإرهابية ونشاطها باتت خارجية بالنسبة لأمريكا. أي بات نشاط الجماعات الإرهابية (وهي إسلامية بشكل حصري تقريباً) ينحصر في بلدان إسلامية، بعد أن تحولت استراتيجية هذه الجماعات من ضرب أمريكا والمصالح الأمريكية في العالم، وهذا يتطلب شكلاً من حرب العصابات التي تعتمد على الضرب والاختفاء، إلى السيطرة على مساحات جغرافية وإعلان إمارة أو دولة أو خلافة ..الخ وممارسة السياسة على بقعة محددة من الأرض.

هذا التحول في الإرهاب ترافق مع تحول تنظيمي تمثل في انشقاق الدولة الإسلامية في العراق والشام عن تنظيم “القاعدة” الأم قبل أن يتمدد ويعلن أخيراً “دولة الخلافة الإسلامية”. مع هذا التحول يتحول الإرهاب (بقدر ما تقصد أمريكا بالإرهاب تنظيمات إسلامية جهادية متطرفة وعنفية) إلى كيان محدد بجغرافيا ومواقع ثابتة، وتعود الحرب على الإرهاب شبيهة بالحرب التقليدية التي لها جبهات عسكرية واضحة. يناسب هذا التحول إدارة أوباما التي لا شهية لها للحروب. فحين تقدم الدولة الإسلامية في العراق والشام مثلاً على تهجير وقتل وسبي مئات الألوف من الإيزيديين أو تهجير المسيحيين من الموصل أو خطف وقتل الأكراد في شمال شرق سوريا ..الخ، تجد الإدارة الأمريكية نفسها مرغمة على المواجهة أقل من أن تتعرض إحدى مدن الولايات المتحدة إلى هجوم إرهابي، أو من أن يتعرض أحد مواطنيها إلى القتل على يد الإرهابيين.

لا بأس أن تتحرك أمريكا بطائرات دون طيار لضرب قوافل الإرهابيين في العراق أو سوريا، ولا بأس أن ترسل مساعدات غذائية ترمى عبر الطائرات على جبل سنجار لإنقاذ حياة الإيزيديين المهجرين.. هذا مما يسهل على إدارة أوباما أن تقوم به وأن تتفاخر به، هذه الإدارة التي لا يجد رئيسها حرجاً من القول، بعد كل شيء، أن إدارته لا تمتلك بعد استراتيجية لمواجهة “الدولة الإسلامية”. لكن أي عملية داخل أمريكا سوف تضع الرئيس وإدارته على صفيح ساخن ولن يتمكن من ممارسة “الحكمة” و”التروي” في وضع الخطط الاستراتيجية.

بين هجمات نيويورك والسيطرة على الرقة والموصل حدث تحول هام في النشاط الإرهابي. بعد أن كان الإرهاب يذهب إلى أمريكا ويحاربها على أرضها، بات مشغولاً اليوم ببناء “دولة” تستدعي أنشطتها الإرهابية أمريكا إلى الذهاب إليها وضربها. هذا التحول خفف من ضغط الإرهاب على الغرب وزاد من ضغطه على شعوب المنطقة.

موقع روزنة

 

 

 

 

أسئلة التصدي للعنف الجهادي/ أكرم البني

أعادت الضربات الجوية التي وجّهتها الطائرات الأميركية ضد تنظيم «الدولة الاسلامية» ثم مد قوات البشمركة بالأسلحة من دول غربية وإقليمية عدة، وارتفاع حرارة المطالبة بتسليح المعارضة السورية لمحاربة هذا التنظيم، إلى جانب تواتر الجهود السياسية لبناء حلف واسع ضد «دولة الخلافة» ومن يدعمها، أعادت هذه التطورات إلى الواجهة الأسئلة عن سبل التصدي لجماعات العنف الجهادي، ولماذا لم تنجح الحملة المحمومة على الارهاب التي انطلقت بعد أحداث أيلول (سبتمبر) 2001 في هزيمة هذه الجماعات المتطرفة وتجفيف منابعها.

ثمة من يرجع الأمر إلى اقتصار الحملة على البعد الأمني والعسكري وإهمال أبعادها السياسية والفكرية والاقتصادية، متسائلاً، ألم تكفِ تجربة امتدت لأكثر من عقد من الزمن وشهدت حربين واسعتين في أفغانستان والعراق لتثبت قصور هذه الطريق وضحالة نتائجها؟ فكيف الحال إن توقفنا عند نجاح العنف الجهادي في إجبار القوات الأميركية على الانسحاب من العراق نتيجة الخسائر الفادحة التي تكبدتها، أو عند تزايد نفوذه في اليمن وباكستان على رغم وصول عمليات الاغتيال هناك إلى عدد من قادته وكوادره وعلى رأسهم اسامة بن لادن؟ وتالياً، ألا يكفي أن نتلمس اليوم أخطاره المتزايدة في ليبيا وانتشاره المهدد في مصر وتونس ولبنان والأردن وإنذاره «الداعشي» في سورية والعراق، كي نقتنع بأن الخيار الحربي لن يجدي وحده نفعاً في التصدي لهذه الجماعات الاسلاموية ولن يصل الى استئصال شأفة الارهاب، هذا إن لم يزد الأوضاع سوءاً.

هناك من يعيد السبب إلى التقصير في دعم تيارات الاسلام المعتدل وإهمال دورها الفكري في تعرية قوى التطرف ومحاصرتها، الأمر الذي مكّن هذه الأخيرة من تعزيز وجودها متوسلة شدة العنف السلطوي وتفاقم أزمات مجتمعاتنا واحتقانها بصراع مذهبي مدمر، في حين يعتقد آخرون، على العكس، بأن أحد أسباب نمو الفكر المتطرف هو الرهان الخاطئ على الاسلام المعتدل والغزل مع أهم تنظيماته وعلى رأسها «الإخوان المسلمين»، من دون الأخذ في الحسبان أن الاسلام السياسي عموماً يشكل حاضنة موضوعية للفكر الجهادي، فكلاهما ينهلان من منهل واحد وكلاهما يسعيان إلى تطبيق الشريعة الاسلامية وما يعتقدناه حكم الله على الأرض وإن اختلفا في الأشكال والأساليب، ولن يتوانى السلمي منهما عن استخدام اكثر الوسائل استئثاراً وبربرية لحماية ما يعتبره حقه المقدس، والأمثلة كثيرة تبدأ بالسودان وغزة قبل أن يغدو سلوك «الإخوان المسلمين» في مصر مثالاً ساطعاً، بينما يذهب طرف ثالث إلى وضع المسؤولية على فشل الإصلاح الديني، موجهاً اللوم في ما وصلنا إليه إلى غياب صوت العقل والعجز عن التأسيس لرؤية جريئة تحدث قطيعة نهائية بين الدين والدولة، مانحاً الأولوية لإنجاز إصلاح ديني في مجتمعات أدمنت الجمود والتقليد وصارت في أمسّ الحاجة إلى نشر العقلانية في طرائق التفكير ورسم الحدود بين الدين وأزمات الواقع واحتياجاته وفق منطق العصر وحلوله العلمية.

صحيح أن الحرب على الارهاب ترافقت مع دعوات لنشر الديموقراطية وحقوق الانسان وتنمية المجتمعات العربية كسبيل لسحب البساط من تحت أقدام التطرف والإرهاب، وصحيح أن الأنظمة المستبدة سارعت إلى محاربة هذه الدعوات، مرة بتوظيف فكرة المؤامرة الاستعمارية وبأن وراء نشر الديموقراطية مصالح إمبريالية لإذلال شعوب المنطقة والسيطرة على ثرواتها، ومرة بتحريك ما تيسر من جماعات ارهابية لإيقاع الأذى هنا وهناك، وإقناع العالم بأن لا بديل من هذه الانظمة لحماية الأمن والاستقرار، لكن الصحيح أيضاً أن قلة الصبر وضيق النفس العالميين والتراجع المبكر عن دعوات التنمية الديموقراطية لمصلحة دعم الاستقرار وأنظمة الاستبداد، ساهمت كلها في حفز نمو الفكر الجهادي وتسريع انتشاره، ليبادر اليوم إلى استثمار حالة السلبية والانكفاء التي وسمت السياسة العالمية تجاه ظواهر الفتك والتنكيل السلطوية ضد الربيع العربي كي يستجر من يسانده ويدعمه متوهماً القدرة على تحقيق حلمه القديم بإقامة دولة الخلافة الاسلامية.

والحال، فإن السؤال عن سبب استمرار التطرف الجهادي وتحوّل العنف والعنف المضاد إلى ما يشبه ثابتة من ثوابت الحياة اليومية، يقودنا إلى اكتشاف خلل عميق، لا يتعلق فقط بمؤامرات الخارج، بل يتعلق أساساً بالأمراض الذاتية المزمنة والمستوطنة فينا.

إن استبداد الأنظمة وغياب الديموقراطية والأوضاع التنموية المزرية في مجتمعاتنا التي خلقت تبايناً صارخاً بين ملاّك الثروة وجموع غفيرة يكويها الفقر والتخلف والجهل، ثم سياسات غض النظر الغربية عن الاستبداد والظالمة لحقوق الفلسطينيين والداعمة لإرهاب الدولة الصهيونية، الى جانب هزيمة البرنامجين القومي والشيوعي، ثم قصور المشروع النهضوي التنويري وضعف الجهود لبناء وتعميم خطاب صحي ينأى بالدين عن دنس السياسة ويعيد الاعتبار الى جوهر الإسلام الأخلاقي والإنساني، هي عوامل متضافرة لا تزال قائمة وتدفع الناس موضوعياً نحو الملاذ الديني وتحض الغالبية المتضررة على الرفض والتمرد، وتزيد تلقائياً من فرص نمو الميول العدوانية عند البشر وتدفعهم أحياناً دفعاً نحو الغلو والتطرف والعنف.

وبالنتيجة إذا كانت ثمة حاجة حقيقية لمحاربة العنف ومعالجة هذه الآفة جذرياً، علينا أن نعترف بداية بأن النهج القديم الذي اتبع في «الحرب على الإرهاب» قد ساهم في نشر الإرهاب ذاته، لا سيما مع اقتصاره على ردود الأفعال الأمنية الموقتة، والأهم مع تراجعه عن منح الأولوية للتنمية الديموقراطية، ليس فقط لأنها تكرس قيم الحوار والنضال السلمي واحترام التعددية وحقوق الانسان، أو لأنها تمكن الناس من الدفاع عن مصالحها والمشاركة في معالجة أزماتها، وإنما أيضاً لأنها المناخ المناسب لتفتح النقد والإبداع والاجتهاد الفقهي وتالياً لإنجاح إصلاح ديني ينهي العلاقة المرضية بين الدين والسياسة، فهزيمة الاصلاح الديني لم تكن إلا نتيجة لهزيمة حرية مجتمعاتنا وحقوقها ولانتصار الشمولية الأيديولوجية والأحادية السياسية في سدة السلطة.

* كاتب سوري

الحياة

 

 

الأسد ونظامه على الطاولة/ غازي دحمان

كان لافتا الرفض الغربي لعرض النظام بالمساعدة في الحرب المتوقعة على تنظيم داعش، حيث جاء ردا قاطعا ولم يترك الباب مواربا أمام اي احتمال لدمج نظام الاسد في منظومة التعاون الإقليمية والدولية التي يجري تأسيسها للحرب، رغم ان النظام سعى الى ترويج نفسه على انه الطرف الأفضل في تقديم الخدمات اللوجستية التي يحتاجها الغرب في هذه اللحظة، من هيكليه لقواته بحيث يمكنها الإنخراط بشكل منظم في اي مجهود دولي في هذا المجال والإندماج السوري في اطار جبهة التحالف، الى امتلاكه للإحداثيات اللازمة التي قد تشكل بنك الاهداف المحتمل للإستهداف، فضلا عن زعمه امتلاكه داتا معلومات كاملة عن العناصر الاجنبية التي تنضوي في صفوف التنظيم، ولا شك ان تلك الخدمات، في الحسابات العملانية تشكل كنزا مهما لأي طرف يريد الحرب، وقد راهن نظام الاسد على إمتلاكه لتلك المعطيات من أجل لي ذراع الغرب وإجباره على القبول بضمه الى التحالف المنوي تأسيسه، وقد سبق ذلك حملة اعلامية قامت بها شركات علاقاته العامة في اوروبا وأميركا بضرورة التنسيق مع نظام الاسد بوصفه أهون الشرور، غير أن كل ذلك لم ينفع في التأثير على الموقف الغربي الذي جاء صادما وقاطعا برفض التعاون مع نظام الاسد، لماذا؟

مواقف الغرب يمكن تفسيرها عبر النظر لها من زوايا نفعية عملانية بالدرجة الاولى، ذلك أنه صار واضحا ان بقاء الاسد والتعامل معه سيزيد من حدة الإشكالية ويساهم برفع منسوب الإستقطاب حول داعش التي لن يستطيع احد تفكيكها وتدميرها أكثر من تعاون البيئة السنية في سوريا والعراق، في حين ان التعاون مع الأسد واعادة تعويمه من شأنها ان تعيد إنتاج الإشكالية، من جهة ثانية تعرف الدول الغربية جيدا ان نظام الاسد بات على درجة من الضعف بحيث لا يفيد اي تعاون معه، فعدا كونه لم يعد قادرا على السيطرة على اجزاء كبيرة من سوريا وصار يتراجع بدرجة ملحوظة، فإنه يخسر ركائز قوته التي تمثلت بالبيئة الحاضنة والخزان البشري جراء تذمر طائفته من سياساته وتراجع ثقتهم به، كما بدأ يفقد ثقة الطوائف الاخرى من مسيحيين ودروز، والتي باتت تعبر بوضوح عن المخاطر التي جلبها نظام الاسد على كل السوريين.

تشكل هذه الحيثيات رافعة للموقف الغربي بإتجاه حلفاء نظام الاسد الإقليميين والدوليين، ولعل ما يقوي من أوراق الغرب في هذا المجال توافق كل الاطراف الدولية على الخطر الذي تشكله داعش على السلم العالمي، ولجوء العالم كله لواشنطن من اجل المساعدة على القضاء على تنظيم داعش، والواضح أن واشنطن لن تنجز مثل هذه المهمة بدون الحصول على أثمان سياسية في المنطقة، وقد بدأت بالفعل بطرح أوراق ضغط جديدة موجهة في الغالب لحلفاء نظام دمشق، فقد كان لافتا ان تقرير لجنة التحقيق المكلفة من مجلس حقوق الإنسان بمتابعة الوضع في سوريا ركّز على ان نظام الاسد وداعش يمارسان جرائم ضد الإنسانية، وهذه رسالة لا بد أن حلفاء النظام قد وصلتهم، فليست جرائم داعش وحدها يعاقب عليها القانون الدولي، من جهة ثانية وفي السياق نفسه بدأت واشنطن بالتصريح أنها تحتاج لبيئة عملانية جيدة من أجل ضمان نجاح مهمتها، واحد العناصر المهمة في هذه البيئة تسوية الوضع في سوريا.

هذا يعني أن أميركا بدأت تطرح موضوع الاسد بشكل جدي في إطار التفاوض وهي تطلب مشروع رؤية او برنامج سياسي ليتبناه التحالف الدولي عنوانه سوريا ما بعد الاسد، وما يتعلق بهذا العنوان من قضايا المصالحة واعادة الإعمار وعودة النازحين، واللافت ان ثمة ترتيبات موازية حصلت بالتزامن مع هذه التطورات، حيث شهدت اوسلو اجتماعا سريا تضمّن معارضين وموالين للنظام ورعته حكومة النرويج، فيما كانت تعقد بالتوازي دورات في برلين وواشنطن لكوادر سوريين عن كيفية إدارة الدولة.

على الصعيد الإقليمي ثمة مؤشرات على تحرك عربي قد يتوج باعلان مبادرة عربية لتسوية الازمة السورية، وفق تسريبات لصحيفة الشروق المصرية، التي تحدثت عن تكوين تكتل اقليمي ودولي لمواجهة داعش، على ان يسبق ذلك خروج بشار الاسد من السلطة، ومن المقرر ان تمرر المبادرة الى الجامعة العربية كخطوة اولى لإقناع المجتمع الدولي بها.

ماذا عن حلفاء الاسد؟، تشير الانباء الى تبلغ ايران بهذه التحركات، وبخاصة العربية منها، لذا فهي تسابق الزمن من اجل طرح مشروع مضاد يقوم على فكرة مرحلة انتقالية برئاسة الاسد، حتى ان هناك من ربط زيارة نائب وزير الخارجية الايراني حسين امير عبد اللهيان الى الرياض بهذا الحراك، مباشرة بعد إجتماع وزراء الخارجية الخمسة العرب في السعودية، والغريب ان ايران في هذه الاثناء اوقفت مساعداتها المالية لنظام الاسد حسب قناة» سما « الموالية، فيما تؤكد بعض المعلومات الواردة من جبهة القلمون الى ان حزب الله يخفف من تواجده في تلك المناطق، وهو ما يجري تفسيره في اطار حالة الاستنزاف التي وصلت لها ايران في الساحة السورية، وان تحركها الدبلوماسي الحالي في الملف السوري انما بهدف تحسين شروطها التفاوضية لعل ذلك يمنحها ثمنا مقبولا برأس الاسد، لكن مشكلتها ان لا عروض عليه ولا احد يتقدم لإنجاز صفقة معها بخصوصه، ربما لهذا السبب تعمل على التصعيد في ساحات اخرى، ما دفع الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، على التاكيد بأن طهران باتت تقايض صنعاء بدمشق.

كل المعطيات تشير الى ان النظام في دمشق فقد شبكة الامان التي كانت تضمن عدم سقوطه بركائزها المحلية والاقليمية والدولية، وقد ساهمت داعش بدرجة كبيرة في هذا الامر، بالرغم من وجود مؤشرات كثيرة على استفادته من أخطائها ومساهمته في توفير مناخات مناسبة لعملها، ونتيجة ذلك اصبح يقف على أرض رجراجة يتوقع ان تطيحه في كل لحظة، وربما ذلك العنصر الاهم الذي اسس لفكرة البحث عن بديل اخر.

 

 

 

من أين جاؤوا؟/ حسان عباس

باتت الأحاديث عن العنف الذي تمارسه جماعات إسلامية متشددة في المنطقة محطة مركزية لكل لقاء بين مواطنين حتى لو كان لقاء عابراً بين متحادثين لا تمتد معرفة بعضهم ببعض لأبعد من لحظة تصادف وجودهم في ذات المكان. وقد لا يخلو حديث منها من التساؤل المفتوح على الاستغراب أو الاستهجان أو صعوبة التصديق: من أين جاء هؤلاء التكفيريون الذين يتباهون بالرؤوس المقطوعة وبأعداد من ينفذون فيهم فعل القتل؟؟ تساؤل يضمر غالبا إجابة مشتهاة يتوسّلها المتحدث. إجابة تنفي عن الجماعة التي يشعر بالانتماء إليها أي قرابة، أو ارتباط، أو معرفة بهم.

الشيخ المسلم يقول هؤلاء لا يمثلون الدين الحنيف. الموالي للنظام يقول إنهم غزاة من بلدان أخرى. الرئيس الأميركي ينعتهم بالسرطان في ما يمكن اعتباره إشارة منه إلى كونهم، مثل هذا المرض، مجهولي الأصل…. الجميع يتبرأون من اللوثة، وإن كانوا (السياسيون منهم) في الحقيقة يتلمّظون، خلف أقنعتهم التطهريّة، استساغةً للحلوى التي ترميها هذه الجماعات العنيفة فوق أطباق مصالحهم.

لكن، إن كان كل هؤلاء يتبرأون من ظاهرة العنف فمن أين جاءت هذه إذن؟ أتراها انبثقت من العدم كما انبثقت دايانا من عقل زيوس أم هي ثمرة طبيعية لمعطيات تشارك متبرّئو اليوم في صنعها أمس؟

في البدء هناك الأرضية الثقافية التي تحمل بذور العنف. فالدين، وهنا الدين الإسلامي خاصة الذي يشكل المكوّن الثقافي الأكثر تأثيرا وحضورا، لا ينفي العنف والغلبة والشدة. وربما بالقدر ذاته الذي لا ينفي فيه التسامح والسلم والمحبة. فالنص القرآني لا يخلو من الدعوات إلى القتل “اقتلوهم حيث ثقفتموهم”، والتعذيب “ضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدّوا الوثاق”، والتمثيل “أن يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف”…. أما التاريخ الإسلامي فحكايات العنف فيه، بدءا من السيرة النبوية وحتى نهاية الخلافة الإسلامية في مطالع القرن العشرين، تتجاور مع حكايات التسامح، بل وتزيد عليها أحيانا.

إن وجود العنف في المرجعيات المؤسِسة للثقافة الدينية يشرعنه حتما، ولا يعارض بالتالي ممارسته إذا ما وُجد المناخ المؤاتي لذلك. وفي هنا تقوم الرابطة بين ما هو ديني في العقيدة وما هو دنيوي في السياسة. العقيدة ترمي البذار والسياسة توفّر لها ظروف الإنتاش. فنظام الاستبداد لم يقم بما يسمح بتحييد الثقافة الدينية، بل على العكس قوّاها ومكّنها، مراءاةً أو تدليساً وربما غباءً. لن نكرر هنا ما صار معروفا من غزل النظام للثقافة الإسلامية بشتى طبقاتها حتى الجهادية التي جعل لها موقعا متقدما في البلاد تنشر منه وتنتشر. لكن هذه لم تكن “الخدمة” الوحيدة التي يقدمها النظام للتشدد. فهو باستخدامه المفرط، بل قل الأسطوري، للعنفِ أيقظ العنفَ المرَوّض في نفوس المتدينين ودفعهم دفعا إلى تفعيله في ما أصبح، في نظرهم، بمثابة صراع للدفاع عن الوجود.

رد الفعل هذا على عنف النظام لا يختلف، في جوهره وفي آليات بروزه، عن ارتكاس المتدينين والأصوليين على ممارسات الغربيين في بعض القضايا ذات التأثير العميق في حياتهم. فالظلم الذي عانته ولا تزال تعانيه بعض الشعوب ذات الأغلبية المسلمة من أفغانستان إلى العراق وبشكل خاص في فلسطين حيث تنتهك إسرائيل حقوق الإنسان نهارا جهارا بلا حسيب ولا رقيب، لا يمكنها إلا أن تثير حفيظة المتدينين وتدفعهم إلى الميل نحو الطرف العنيف من مرجعياتهم الثقافية.

إن الثقافة الدينية ليست عنيفة بالمطلق، ولا رحيمة بالمطلق. لكنها إن حظيت بسياسة دنيوية ديمقراطية رحيمة وعاقلة، صارت رحيمة وتعقّلت، وإن تعثّرت بسياسات استبدادية واستكبارية صارت استبدادية وأطلقت العنف الكامن فيها. لذا فالسؤال الصحيح أمام ظاهرة التكفيريين المجرمين ليس: “مِن أين جاؤوا؟” وإنما “مَن جدّ واجتهد حتى يظهروا؟”

المدن

 

 

“داعش” في سوريا/ فايز سارة

يظهر في سياق الحديث عن «داعش» تأكيد أن التنظيم إحدى الجماعات المسلحة السورية، وأنه الأهم بين تلك الجماعات، وهو الأكثر حضورا ونفوذا فيها، وأهمها تنظيما وتسليحا وتمويلا وخطرا، والأكثر انخراطا في ممارسة العنف والإرهاب، ليس على السوريين فقط، وإنما على المحيط الإقليمي والأبعد منه، بحيث أصبح يشكل أهم عناصر ظاهرة الجماعات الإرهابية في العالم.

وإذا كانت معظم الملامح السابقة، تقع في جملة الحقائق المحيطة بـ«داعش»، فإن واحدة منها تستحق الوقوف عندها ومناقشتها، ليس فقط لأهميتها، بل أيضا لخطورتها، تتعلق باعتبار «داعش» جماعة سورية مسلحة، وهو توصيف فيه كثير من الالتباس، ويمكن أن يترتب على التسليم به خلل سياسي، وكثير من الأخطاء في سياق معالجة موضوع «داعش» والقضية السورية.

إن الأبرز في المعطيات المحيطة بتنظيم «داعش» تشير إلى حقائق، أولها أن تنظيم «داعش» نشأ وطوّر وجوده في العراق، ونشط وتوسع هناك وسط بيئة سياسية وأمنية واجتماعية لم تكن متوفرة في سوريا، ولم يكن له وجود في الأخيرة على مدى سنوات طويلة، لكنه استطاع التسلل إليها منذ عام تقريبا، أي بعد مرور أكثر من عامين ونصف العام على إطلاق النظام للعنف الدموي في البلاد.

والحقيقة الثانية، يمثلها الدور الذي لعبه نظام نوري المالكي في العراق، في وجود وبناء التنظيم في سوريا بعد أن «نظم» و«نفذ» عمليات هروب مئات من قادة وكوادر «القاعدة» من سجون العراق، وسهل مرورهم باتجاه سوريا في صيف عام 2013. وقد أتاح لهم لاحقا عملية تمرير أسلحة وذخائر وأموال في الاتجاه ذاته، ساهمت كلها في وجود «داعش» وانتشاره، وقد تعزز دور نظام المالكي بنشاط استخباري مكثف، شاركت فيه دول وجماعات كثيرة، كانت بينها روسيا وإيران و«القاعدة»، جرى من خلاله دفع آلاف من المتطرفين والإرهابيين باتجاه الأراضي السورية، وقد شكّل هؤلاء إلى جانب أقرانهم القادمين من العراق النواة الصلبة لـ«داعش» وقياداته.

وقد لاحظت دراسة أميركية، صدرت في يونيو (حزيران) الماضي، أن ما لا يقل عن 12 ألف مقاتل أجنبي، قدموا من 81 دولة، ليشتركوا في الصراع القائم في سوريا، أغلبهم في «داعش»، وأكثريتهم من البلدان العربية والإسلامية، وبينهم نحو ثلاثة آلاف أوروبي ومائة أميركي.

ويفند ما سبق فكرة سورية التنظيم، وأن العنف لم يكن المولد الرئيس لوجوده وانتشاره، وأن العامل الأساسي لوجوده خارجي، يتصل بأهداف القوى التي دفعت بعناصره وقياداته للقيام بدور في تصفية حسابات وتحقيق مكاسب سياسية، وتعزيز العنف الذي يعتقد بعضهم أنه طريق للتخلص من المتطرفين، وكلها تقاطعت مع سياسة نظام الأسد في مواجهة الشعب السوري وثورته في إطار دور وظيفي مزدوج، يقوم به «داعش» في سوريا، ولعل هذا ما يفسر سهولة مرور قيادات وعناصر التطرف إلى سوريا، وقدرتهم السريعة على بناء تنظيم قوي وله إمكانيات من جهة، وعدم محاربته من جانب نظام الأسد، و«التساهل» مع تمدده، وكلاهما يعكس «تفاهما» أو «اتفاقا» في الظاهر والباطن مع «داعش» من جهة أخرى، مما منع شن هجمات النظام الجوية أو الصاروخية على مقرات التنظيم وقواته، والمثال الأوضح قيادة «داعش» ومقراتها الرئيسة في مدينة الرقة.

غير أن خارجية «داعش» ودوره الوظيفي المزدوج، لا يمنعان من قول إنه سعى إلى سورنة نفسه، والتمدد داخل أوساط التشكيلات المسلحة المعارضة ذات التوجهات الإسلامية، مثل حركة أحرار الشام، قبل أن تخرج منها نواته الأساسية، كما سعى إلى الانتشار في البيئات الشعبية الفقيرة والمعدمة في الخط الواصل ما بين أرياف دير الزور وريف حلب مرورا بالرقة، واستغل نقص التمويل والتسليح والتذخير الذي أصاب بعض تشكيلات الجيش الحر، فجرى تفكيك بعضها ومحاربة البعض، قبل القيام بشراء مبايعة من تبقى منها، وفي كل الأحوال، جرى فرض جو من القمع والإرهاب والقتل لإسكات سكان المناطق المسيطر عليها، وبهذا خلق التنظيم «قاعدة سورية» له، عززت وجوده ونفوذه الذي لا شك أنه في مواجهة ثورة السوريين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

خلاصة القول، في موضوع «داعش» في سوريا، أنه تنظيم وظيفي مرتبط ببنية وأهداف خارجية، تقاطعت مع أهداف النظام، وهو في وجهه الأساسي يماثل «حزب الله» اللبناني والميليشيات العراقية وجودا ودورا في الداخل السوري، مع فارق الانتماء والشعارات الطائفية، وما يليها من ممارسات، وهذا يعني أن الحرب على «داعش» تقترن بالحرب ضد نظام الأسد وحلفائه من «حزب الله» والميليشيات العراقية. إنها حرب واحدة لا يمكن تجزئتها؛ حرب ضد الإرهاب وضد التطرف في آن معا.

كاتب وصحافيّ سوريّ، وعضو الهيئة السيّاسيّة في الإئتلاف الوطنيّ لقوى الثورة والمعارضة حاليا ومستشار سياسي واعلاميّ لرئيس الإئتلاف

الشرق الأوسط

 

 

 

أميركا لن تضرب داعش في سورية/ جديع دواره

يتمتع النظام السوري بحساسية مفرطة لالتقاط اتجاهات السياسة الأميركية في المنطقة، ربما نجد تفسيرها في خوفه الشديد والتاريخي من أي تحرك لهذه القوة الأكبر على وجه المعمورة، والتي لم تكُن علاقته بها دائماً حسنة، فقد وصلت في أزمة السلاح الكيماوي، قبل سنة، إلى حافة الهاوية.

سبق أن وضع الأسد، الأب، جيشه “العقائدي” تحت إمرة الجيش الأميركي في عملية “عاصفة الصحراء”، في تسعينات القرن الماضي، بمواجهة جيش عربي آخر، ليكون جزءاً من حلف “أميركي” مدجج بأحدث أنواع الأسلحة، ما زالت تداعيات تدخله لإسقاط النظام العراقي تتفاعل.

يعتقد الأسد، الابن، بأنه يمارس سياسة سبقه إليها والده. فالأب قايض عمله “مجنّداً أجيراً” في الجيش الأميركي، لمواجهة الجيش العراقي، بإطلاق يده في لبنان، للقضاء على تمرد الجنرال ميشال عون. واليوم يقايض استعداده لتقديم كل ما يملك من معلومات وقوات وعلاقات على الأرض، في مقابل إبعاد شبح التدخل ضده لوقف ما يفعله بالسوريين، وهذا ما يترجمه بتكرار مقولات تمسكه بـ”السيادة الوطنية ومبدأ عدم التدخل بالشؤون الداخلية.. إلخ”.

ولكي لا نكون عاطفيين، فإن قراءة نظام الأسد، انطلاقاً من أن السياسة تُبنى على الوقائع وحقائق الأرض، وليس على الأمنيات والتصريحات والأقوال، ليست بلا أساس، فطموحه للانتقال من كونه أُسَّ المشكلة، ليصبح جزءاً من الحل، ضمن استراتيجية أميركية ضد داعش، تستند إلى معرفته بإشكالات التدخل الأميركي في سورية، والتي يمكن إجمال أبرزها في أربع معضلات.

أولاها، غياب الشريك، ما يعبّر عن نفسه بتردّد الرئيس الأميركي، باراك أوباما، وإدارته، لأن فعل ما لا بد فعله يفترض وجود خطة متكاملة وناجعة، وليس مجرد لكمات داخل العمق العراقي، بل شمول العمليات العسكرية مواقع داعش في العمق السوري، وهذا، بداهة، يتعذّر إنجازه بغياب الشريك على الأرض. وثانيتها، عدم ضمان النجاح. وتبرز هذه المعضلة على شكل سؤال، لماذا الشركاء، ومَن هم؟ ولا يحتاج الجواب ذكاءً، فكل متابع لسياسات إدارة أوباما، يدرك أنها، وبعد تجارب أميركية مريرة ومخيّبة في العراق وأفغانستان، لا تريد عملية فاشلة، ولا تريد خسائر بشرية، فهي يمكنها أن تستخدم آله حربها للقصف من الجو، لكن هذا وحده لن يكفي، مهما كان فاعلاً، فلا بد من وجود مَن يمسك الأمور على الأرض، ويمشّطها من الأعداء. وثالثتها، من يملأ الفراغ: إن طرد داعش والنصرة وتحطيمهما بقوة النيران، لا بد أن تكون لصالح طرفٍ ما، لا بد من وجود طرفٍ قادر على ملء الفراغ، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، ضمن مشروع مقبول أميركيّاً، في الرقة وفي دير الزور وحلب، وكل أماكن وجود سيطرة لداعش وجبهة النصرة. ورابعة المعضلات، الخوف من تجيير أي خطوات أميركية لصالح النظام، وهذا ما يحاول الحكم السوري استغلاله بخبث، لأن عدم وجود شريك مناسب، ومقبول أميركياً، وقادر على فرض سلطته على الأرض، يجعل أي عمل عسكري يصبّ في مصلحة الطرف الأقوى، أو أنه سيقود إلى الفوضى، وعدم السيطرة على النتائج. وفي هذه الحالة، تصبح كل الاحتمالات مفتوحة، بما فيها أن تذهب النتائج في صالح النظام.

ومنطق العملية العسكرية ضد داعش في العراق، تقودها بالضرورة إلى سورية، ودخول الحرب ضد داعش في سورية إما أن يكون في صالح النظام، أو ضده، وباستبعاد النظام والاستغناء عن خدماته، يعني إعلان الحرب عليه، وتشكيل ميزان قوى على الأرض يتدحرج وصولاً إلى القضاء عليه، ولو بعد حين، وهذا يحتاج إلى عمل وترتيبات تستغرق وقتاً، عكس ما هو حاصل في العراق.

هذه الحقيقة التي يدركها النظام، وهي ما قد يفسر “تخاذله” في معركة مطار الطبقة العسكري، وتراجعه عن وعدٍ قطعه بنفسه في “خطاب القَسَم” بتحرير الرقة، بهدف تضخيم خطر داعش. ويفسر تواطؤه الموضوعي لتمكين جبهة النصرة من السيطرة على المعبر الحدودي في الجولان، ليبعث رسائل صريحة، ليس فقط لأميركا، بل لإسرائيل أيضاً، وللقوى الغربية عموماً، مفادها بأن ما حصل في الرقة قد يتكرّر في كل مناطق سورية، ما يعني أن إسرائيل وكل المنطقة في خطر داعش. ولسان حاله يقول: أنا الشريك الأقوى والأكثر تنظيماً، والذي جرى اختباره في تجربة تسليم الكيماوي، أنا مَن لديه المعلومات والقدرة على تسخير ما يملك من قوات، وحدي ولا أحد غيري.

يقول النظام هذا، وهو يدرك أن القوى الأخرى مبعثرة، وأضعف من أن تسيطر (الجيش الحر)، أو أنها “قوية”، لكن، لا يمكن الاطمئنان إلى نواياها، والمقصود هنا الفصائل الإسلامية، وهذا ما حاول أن يشير إليه وزير خارجية النظام، وليد المعلم، في مؤتمر صحافي، قبل أيام، حينما هاجم “الجبهة الاسلامية” ووصفها بأنها شريك النصرة وداعش.

ويدرك النظام بحدس الضحية، أنه أمام خيارين، أن يكون جزءاً من العملية ضد داعش والنصرة، وفي هذا خلاصه ولو إلى حين، أو انه سيواجه أميركا في عملية ستتدحرج حتماً ضده، لتصبح بداية النهاية لسقوطه، وهذا ما يفسّر توزيعه التهديدات ذات اليمين وذات الشمال.

وفي المقابل، تدرك إدارة أوباما أن تدحرج العملية ضد داعش والنصرة لتطال النظام، يحتاج ترتيبات واسعة، وضربات تشلّ ما تبقى لديه من قوة، وتحتاج لوجود معطيات غير متوفرة حالياً على الأرض، ما يعزز مخاوفها بأن لا تستطيع السيطرة على نتائجها.

من هنا، إن الدعوات لتشكيل جبهة واسعة تضم الجميع، سياسيين وعسكريين، حول خطة موحّدة، ميثاق شرف يجمع الائتلاف والجيش الحر والفصائل الإسلامية، وكل القوى الفاعلة، ربما يكون المتاح الوحيد لما يجب فعله، علّ “عليق الغارة” ينفع الخيول السورية في الفوز أخيراً.

 

صحفي سوري، مواليد 1967، عمل في موقع سيريا نيوز حتى عام 2010، وفي مجلة “الاقتصادي” حتى منتصف 2011. معتقل سياسي تسع سنوات (1989 – 1998) –

العربي الجديد

 

 

 

 

لكن هل حطمت الحروب أوهامنا!/ عبد الناصر العايد

أحدث الربيع العربي تحولات كبرى في السياسة والاجتماع، والفكر والواقع، والتاريخ والجغرافيا، وفي طريقة تعاطي فئات واسعة من أبناء المنطقة مع فكرتهم عن أنفسهم، وعن العالم من حولهم، تنطلق من الشك وتنتهي بالواقعية.

ولعل الإنسان السوري، الذي يقف منذ ثلاث سنوات في عين عاصفة التحولات، هو الأكثر التصاقاً بهذه الخبرة الباهظة الثمن. وعلى رغم ظهور تيارات معاكسة مفرطة في لاعقلانيتها أو يقينيتها، إلا أنها تبقى ثانوية أمام تيار الفئات الواسعة التي لم تعد تثق بشيء، وتخضع كل حركة وتغيير لمجهر الارتياب، الذي تغطي أطيافُ موشوره أكبر حزمة من الاحتمالات الممكنة، وتركز على أكثر السيناريوات تشاؤماً، معتبرة إياها مسبقاً الأقرب إلى التحقق.

وقد ترتب على عدم انتصار أي من الأطراف المشتركة في الحرب الأليمة التي تدور على الأرض السورية، ظهور ذهنية جديدة، من قواعدها الحاكمة أن ما من طرف يستطيع اليوم أن ينجز انتصاراً نهائياً على الآخر بالغاً ما بلغت قوته. وهي قاعدة يمكن أن تنشأ عليها منظومة الاعتراف بالآخر، بأبعادها الفلسفية والأخلاقية والاجتماعية والحقوقية، أي تحويل الهزيمة الجماعية في ميدان العنف إلى تصالح عميق مع الذات والعالم، طبقاً لمقولة فرويد الشهيرة من أن «الحرب تحطم الأوهام».

صحيح أن مراقبة المشهد السوري مثلاً تدحض الأمل بأن تكون هذه الأمنية واقعية، فمشاهد حفلات الذبح الداعشي تحت راية الخليفة، وابتسامات جمهورها من السنّة الراضين والمتفائلين بذلك، والأجواء الحماسية لتشييع قوافل قتلى النظام و»حزب الله»، وإعلان التصميم والإصرار بالهتاف «فدا صرماية السيد والرئيس»، وبروز الرايات الكردية والدرزية والآشورية، مع احتمال انبثاق المزيد من الهويات التاريخية والمحلية على امتداد الجغرافيا السورية، تشي كلها بأن أصنامنا الخاصة لم تتحطم. لكن علينا أن نتذكر أن الحرب التي نتحدث عنها لم تنته بعد، وعدم انتهائها، أي عدم وجود غالب ومغلوب، ووقوف المتحاربين على أقدامهم جميعاً وصراخهم في وجه بعضهم بعضاً، هو ما سيقنعهم في النهاية بأنه لا سبيل لإلغاء الآخر أو سحقه أو إخضاعه، أو حتى السيطرة عليه، والبحث بالتالي عن حلول وتسويات عقلانية وواقعية.

ولا بد أن نــتذكر أيــضاً أن تحت المســتوى الوظيفي والدعائي للإعلام الحــربي السائد اليــوم، يقــبع المستوى الاجتماعي والإنساني، الـــذي تتراكم فيه الخبرات الواعية وغير الواعية، التي ترسم طريق المستقبل. وهنا قد تصح المقارنة بين صـــورة ألمانيا كما كانت تقدمها وسائل إعلام هتلر قبل يوم واحد من سقوط برلين، وصورة المجتمع ذاته بعد سنة من ذلك، وهي صورة لا يبدو فيها المجتمع الألماني مهزوماً من قبل الحلفاء، بل متعافياً من أوهام تفوقه الأصلي على الآخرين، وحسب.

لكن هل ثمة مشروع أو إطار تتبلور فيه خبرة الشعوب العربية اليوم، لتكون تضحياتها عتبة لدخول حقبة أكثر سلاماً وازدهاراً؟ بكل واقعية وبلا أي أثر للتشاؤم أيضاً نستطيع أن نقول: لا، فلا نحن أنتجنا ذلك المشروع بقوانا الذاتية ومواهب مفكرينا وإخلاص قادتنا، ولا أصدقاؤنا أو أعداؤنا في وارد منحنا «مشروع مارشال» كالذي منح للشعب الألماني. ومجمل ما يمكن أن تسفر عنه هذه الجولة من الصراع الذي تخوضه مجتمعات الشرق الأوسط، مع تأخرها الحضاري، هو سقوط المركزيات الاستبدادية الكبرى، وظهور سرديات ديكتاتورية صغرى ومحلية. لكن تلك الرؤيا ليست بالتأكيد مدعاة لتشاؤم مطلق، ويصاحبها الأمل بأن السعي سيستمر في مجتمعاتنا لتغيير المشهد نحو الأحسن، بأدوات وأساليب هذا العصر الذي يقدم مارشالاً على طريقته، يتمثل في الثورة التقنية، وعبر نظام العولمة وشبكاتها، التي تشمل الكوكب وتضع سكانه جميعاً في سلة واحدة.

* كاتب سوري

الحياة

 

 

من علياء المهدي إلى “ساسين”/ عمر قدور

لم يخفت الجدل الذي أحاط بصورة علياء المهدي العارية فوق راية داعش حتى عاد في مناسبة قرار وزير العدل اللبناني أشرف ريفي، القاضي بالطلب من مدعي عام التمييز ملاحقة الشبان الذين أحرقوا راية التنظيم في ساحة ساسين(الأشرفية). وفي حين بقيت ردود الأفعال حول ما فعلته علياء في الإطار الفردي، فتجاهلت الهيئات الفقهية العربية الرسمية فعلتها، تحت وطأة الحرج السياسي، يبدو قرار الوزير اللبناني التجريم الوحيد للنيل من راية داعش، والطريف أنه يأتي في بلد لطالما عُرف ببلد الحريات قياساً بجيرانه. المبررات التي أعلنها مكتب الوزير تنقصها الوجاهة من حيث فكّ الارتباط بين التنظيم ورايته من جهة، وبينه وبين الإسلام من جهة أخرى، فضلاً عن أن هذا الجدل الفقهي لا يدخل أصلاً في اختصاص وزارته. المبرّر الوحيد في هذه الحالة يقوم على الرمزية الطائفية للساحة التي حُرقت فيها الراية، والخشية من ردود أفعال طائفية مقابلة، وهي قد حدثت فعلاً عندما قام آخرون بحرق الصلبان في مدينة طرابلس تحت راية داعش، لكن وجه الخطورة هنا أن تصبح راية داعش شأناً داخلياً، وأن تتحول إلى رمزية داخلية تُلبّس لسنة لبنان، بخاصة بعد ما أشيع إعلامياً عن توحد اللبنانيين ضد التنظيم في مناسبة ما حدث في عرسال.

مرة أخرى، لندع الجدال الفقهي لأصحابه، فداعش واقع سياسي في المقام الأول، وحتى أيديولوجيته المتطرفة ملتبسة بالسياسة، شأنها شأن غالبية الحركات الإسلامية عبر التاريخ. ولطالما قيل في المنطقة إن التطرف العلماني لبعض الأنظمة تسبب في بروز التطرف الديني، مع أن العلمانية نُسبت تجنياً عليها إلى أنظمة مستبدة أولاً وأخيراً، ومن دون تمحيص جاد في معنى العلمانية الذي لا يستقيم من دون وجود للدولة ذاتها. مع ذلك، مجاراة للقول السابق، يصح تماماً القول بأن تطرف داعش لا بد أن يتسبب بتطرف مقابل، لا يقوم دائماً على التمييز بينه وبين الدين الإسلامي ككل. وعندما يخسر ما يسمى “الاعتدال الإسلامي” معركته أمام التطرف من المتوقع أن تؤدي خسارته إلى بروز تطرف مضاد.

ما فعلته علياء المهدي، وهو أكثر قبحاً وفق الرمزيات الدارجة، ينتقص من قيمة الخلفية الدينية لأقرانها في ساحة ساسين، ليضع الفعلين في خانة الفعل السياسي المضاد، مع تبوّء علياء لقمة التطرف فيه. العقلانية هنا ليست مطلباً ملحاً من جهة أولئك الذين يعبّرون عن غضبهم إزاء التطرف الديني، والوسطية والاعتدال لم يختزلا يوماً ساحة الفعل السياسي التي ينبغي أن تتسع لكافة الأطياف من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، على أن يكون الاعتدال محصلة الحراك كله، لا مانعاً أو قامعاً له.

ليس مهماً على هذا الصعيد تبني أسلوب الاحتجاج الذي انتهجه شبان ساحة ساسين أو علياء المهدي، بقدر تفهم أحقية أولئك بالتعبير عن غضبهم حتى بطريقة متطرفة، ما دام ذلك لا يسيء إلى معتقدات الآخرين الروحية. ومن المعلوم أن أحداً منهم لم يتعمد توجيه الإهانة إلى “لفظ الجلالة” أو إلى “الشهادتين” خارج كونهما ضمن راية لتنظيم هناك إجماع دولي على وصمه بالإرهاب، أي أن العبارات الدينية ليست مقصودة في ذاتها، وليست مستهدفة إلا بسبب استيلاء داعش عليها وادعاء أحقية تمثيلها. المشكلة الأساس هنا في أن ما يسمى تيار الاعتدال لم يجرؤ من قبل على تجريم استخدام داعش لما يُزعم أنها راية “العقاب” التي كانت للنبي محمد، وارتكاب المجازر تحتها، وانشغل بعض فقهائه في الجدل حول صحة الأحاديث النبوية التي تشير إلى أوصافها.

سيكون من السفاهة والابتذال الشائعَيْن معاً أن يُعتبر تنظيم داعش إرهابياً، وفي الوقت نفسه أن تُعتبر رايته مقدسة لا يجوز المساس بها؛ هذا الفصام يعبّر بالأحرى عن مأساة عامة لغالبية لا تتجرأ على فصل الديني عن السياسي، وتُبدي استعداداً متواصلاً كي تُستثمر مشاعرها الدينية، أيضاً بسفاهة وابتذال متكررين. سيبدو ذلك كأننا نتحدث عن كائن أسطوري، نصفه إلهي ونصفه وضْعيّ، ما يُحبط العزم على التصدي له بأكمله، وبدل حل هذه المعضلة ينصرف الانتباه إلى الحفاظ على ما يُعتقد أنه نصفه المقدس.

فما فعلته علياء المهدي قبح جمالي صادم، ربما يصعب الدفاع عن صورته، لكنه في أقصى حالاته وتطرفه مقلوبٌ لثقافة الدم الداعشية. الراية في الحالين في مكانها الخطأ، أو هي مجرد قماشة لا قداسة مطلقة لها، ومن يود انتزاع الراية من تحت عريها عليه أيضاً انتزاعها من أيدي إرهابيي داعش. القليل من المنطق لن يكون مؤذياً وسط هذه الدماء.

المدن

 

 

 

الحرب الأميركيّة المتدحرجة/ غازي دحمان

تندفع الولايات المتحدة، بانسيابية ملحوظة، صوب التورّط في حربٍ تشير تقديراتٌ إلى أنها قد تكون طويلة المدى، تتطابق مع الاستراتيجية التي أعلنها الرئيس، باراك أوباما، من دون أن يوضح مدى شمولية تلك الحرب، فيما يبدو أنه أوان دفع الاستحقاقات التي تراكمت على واشنطن في المنطقة.

طوال الفترة الماضية، ظلت القيادة الأميركية أسيرة تقديرٍ يقول إن داعش ليست سوى لاعب مبتدئ، تحتاج وقتاً أطول لتطوير مهاراتها وتوجهاتها، إلى درجةٍ تصبح فيه خطراً على الأمن الأميركي. هذا ما أكدته “فورين بوليسي”، وقالت إن أوباما اعترف به. ما يعني أن أوباما تعامل مع القضية من منظور انتهازي شخصي، من خلال نيّته ترحيل الأزمة للرئيس الذي سيخلفه، مع ما يتضمنه ذلك من مخاطرة وضع أميركا في حالة أمن قومي صعبة. وكان هذا السلوك يجد تبريراته في نَسَق قيم الرئيس الأميركي الذي قام على مبدأ “فك الارتباط” الجزئي بصراعات المنطقة، وعدم التورط فيها، حتى أن استراتيجيته التدخلية الراهنة تبدو مجرد تطوير بسيط لذلك المبدأ، حيث يصيغ مبادرته الهجومية على شكل القضم المتدرّج لقدرة داعش على الحركة، عبر أسلوب وضع اللاعبين الإقليميين (الأكراد والقبائل السنية) في واجهة الاشتباك.

ثمة حقيقة عملياتية مهمة، سيكون لها أثر كبير في تشكيل طبيعة التدخل الأميركي وتحديد مساراته، وهي أن هذا التدخل تأخر كثيراً، وبالتالي، لم يعد قادراً على التحكّم باللعبة، بل ستفرض الوقائع وتطورات الحرب عليه إجراء تعديلات دائمة، في نهايتها سيجد الأميركي نفسه قد تورط في الحرب. فليس من الضرورة أن يتطابق مسرح العمليات مع مسطرة حسابات أميركا.

يقوم الهدف الأميركي الأبعد، وهو على ما يبدو أحد المحركات الأميركية الأساسية للتدخل الحالي، على إمكانية تخفيض قدرة الدولة الإسلامية على شن حرب على أميركا، وهو هدف متحرك ستحكمه التطورات والمخاطر، وتالياً، فإن مسألة تطوير الانخراط تصبح ممكنة دائماً. صحيح أن أهداف داعش محددة ببقعة جغرافية معينة، لكن، حتى هذه البقعة تنطوي على بنك من الأهداف الأميركية التي يمكن للتنظيم استهدافها، كما أن استهداف أميركا في داخلها هدف موجود لدى داعش، وسبق أن صرح به أبو بكر البغدادي، ولا شك أن واشنطن تأخذ تلك التهديدات على محمل الجد، لتجربتها مع هذا النمط من التنظيمات التي تتمتع بتشبيك دولي “أممي” عميق ومنظّم.

في السياق العملاني أيضاً، ثبت أن تنظيم داعش يستخدم تكتيكات ذكية في التكيّف والتضليل، وما قد يساعده على ذلك أن القوة الأميركية مخصصة لبنك محدد من الأهداف، وهي قوة غير برية، ومن السهل تضليلها، بقصد استنزافها عبر استراتيجية توسيع الأهداف، وإعادة تموضع ميدانية دائمة، ما يجعل جهود القوة الأميركية بحجمها الحالي بلا أي معنى.

تندمج هذه التطورات مع وضع سياسي أميركي مركّب، ذلك أن البيئة السياسية الراهنة التي يصدر عنها صانع السياسة الأميركية، بيئة متوترة ومشحونة بصراع داخلي عنيف، تقف في خلفيته الخلافات على إدارة السياسة الخارجية الأميركية تجاه أزمات العالم، ما يرجّح احتمال زيادة حدة الاستقطاب الذي تشكل نتيجته بنية مناصرة لتطوير أهداف الحرب وتوسيع مجالها من قادة رأي وسياسيين وتنفيذيين.

ثم ماذا عن المقلب السوري في الحرب على داعش، والذي يشكل القاعدة الخلفية للتنظيم، وما الصيغة التي ستعمل وفقها واشنطن لمحاربة التنظيم؟ هل تقبل التعاون مع نظام الأسد الذي سارع لالتقاط الفرصة، مدعوماً بتوصيةٍ من حليفه الروسي؟ لا شك أن إدارة أوباما تدرك قدرة نظام الأسد على توريطها في الحرب، بعدما هيأ مساحاتٍ آمنة لإرتكاب داعش جرائم بشعة بحق الأقليات في سورية، فالطرق إلى السلمية، موطن الإسماعيليين، ومحردة، حيث يسكن المسيحيون، صارت سالكة أمام داعش. هل ذلك مجرد مصادفة؟ كيف ستستطيع أميركا تبرير مواقفها حينها، لو ارتكبت داعش مجزرة في أحد المطرحين؟

يقول المنطق إن التقاطع مع المجهود العسكري لنظام الأسد احتمال غير وارد، ليس بسبب قناعة إدارة أوباما بأن النظام ساهم، بدرجةٍ كبيرةٍ، في خريطة الفوضى الحالية، ولكن، لأسباب عملانية كثيرة، أهمها أن التعاون مع الأسد سيضرب البنية العسكرية التي صنعتها أميركا وحلفاؤها في سورية، من خلال كتائب ثورية، كما أن الاشتباك مع نظام الأسد سيقع على خط الخطة الأميركية التي تقضي باعتماد القوى المعتدلة السورية مكوّناً، أو تشكيلاً، في جبهة الحرب على الإرهاب، وخصوصاً في مناطق سورية الشرقية. وسيقع الاشتباك في مفاصل عملية المساعدات اللوجستية والاستخباراتية وتبادل المعلومات وتسهيل وصول الإمداد.

هذا، بالإضافة إلى حقيقة أن أميركا لم تعد ساذجة إلى درجة استخدامها من المشروع الإيراني وأدواته في المنطقة، وهي تدرك أن أهم شروط الدول العربية للوقوف معها في الحرب تفكيك المشروع الإيراني من بغداد إلى دمشق، وإعادة صياغة العمليات السياسية بقلبه.

بيئة التورط الأميركي وشروطها تنضج شيئاً فشيئاً. الرأي العام يتقبّل، وإنْ بتحفّظ، الانخراط في المجهود الحربي، وهذا يوفر جواً سياسياً مناسباً لصانع القرار الأميركي. نحن أمام حرب أميركية سوف تتدحرج أهدافها وتتطور، ولن يكون ممكناً ضبطها بحدود معينة. والواقع يقول باستحالة ذلك، وطالما أقرت واشنطن بأن هزيمة داعش سوف تتطلّب استجابة منظمة وجهداً متواصلاً على مدى زمني طويل، فهذا يعني أن أميركا ستضطر إلى توسيع اشتباكها في المنطقة، على أكثر من محور وقضية.

العربي الجديد

 

 

 

 

سيرة ذاتية لجبهة النصرة لأهل الشام/ سلامة كيلة

صدر أول بيان باسم جبهة النصرة في سورية إثر تفجير مقر أمن الدولة في كفرسوسة، وفرع المنطقة للأمن العسكري في الجمارك، يوم 23\12\2011، ووضع البيان على موقع إلكتروني أنشئ قبل يوم، ثم اختفى. فكان يفترض أن تأسيس الجبهة كان قبل ذلك. ثم أعلنت عن تفجير انتحاري في حي الميدان في 6\1\2012، وآخر ضد المخابرات الجوية في ساحة التحرير يوم 17\3\2012، وفي حي السليمانية في حلب في 18\3\2012.

البيان التأسيسي الأول لجبهة النصرة مؤرخ في 24\1\2012، ونشر في 25\5\2012. لكن، حين سئل أبو محمد الجولاني عن تأسيس الجبهة في المقابلة التي أجراها تيسير علوني معه لقناة الجزيرة، قال إنها تأسست في فبراير/شباط سنة 2012. … متى تأسست إذن؟

تسرّبت في إبريل/نيسان سنة 2012 معلومتان، الأولى أن النظام السوري أطلق سراح أبي مصعب السوري، القيادي في تنظيم القاعدة، و500 كادر وعضو في التنظيم، تشكلت منهم النوَيات الأولى لجبهة النصرة. والثاني، وفق معلومة تسربت من مطار دمشق، أن الأمين العام لمجلس الأمن الوطني السعودي، الأمير بندر بن سلطان، حط في المطار، والتقى رئيس مكتب الأمن القومي السوري، علي مملوك. وعُرف، فيما بعد، أن السعودية تضغط على كل من الأردن وتركيا لإدخال “جهاديين” إلى سورية، لم يوافق الأردن، فأوقفت السعودية دفع مبلغ ملياري دولار، كانت قد وعدت بتسليمها في يونيو/حزيران سنة 2012، ووافق رئيس وزراء تركيا في حينه، رجب طيب أردوغان، بعد تمنّع، ثم أخذت تركيا تشارك في صنع مجموعات أصولية، وتسهّل دخول “الجهاديين”.

يشير هذا الأمر إلى أن نشر بيان التأسيس هو تاريخ نشوء الجبهة، على الرغم من أنه حمل توقيعاً بتاريخ أسبق. وما يؤكد ذلك أنه كان يجب أن تجري تغطية البيانات السابقة التي أعلنت عن عمليات تفجير، منذ نهاية سنة 2011 في تفجير كفرسوسة. لكن، واضحٌ أن الزمن بين كتابة البيان ومحاولة التغطية كان قد فرض نسيان ما قبل بداية عام 2012. حيث كان واضحاً أن عمليتي كفرسوسة والجمارك جرتا نتيجة “صراع داخلي” بين الأجهزة الأمنية السورية، حيث جرى بعدها نقل المركز المهيمن من أمن الدولة إلى المخابرات الجوية التي باتت تمسك بمفاصل الأمن، وتفرض سطوتها على كل الفروع الأمنية. وأيضاً، كانت مؤشرات وتسريبات تفيد بأن التفجير مفتعل، مثل تفجيرات أخرى، كانت تريد تخويف الأقليات (تفجير ساحة التحرير، وحي السليمانية في حلب، وتفجير السلمية)، أو تخريب مراكز النشاط الثوري ضد النظام، كما في حي الميدان، ومناطق أخرى. وتفجيراتٌ كثيرة كانت تكشفها ملاحظات الناس في المنطقة نفسها، حيث كانت تلاحظ نشاط الأمن قبل التفجير، وبعض الحركات التي تؤشر إلى أن حدثاً ما سيقع.

لهذا، يمكن القول إن جبهة النصرة تشكلت فعلياً في 25\5\2012 وليس قبل ذلك، بعد أن جرى الإفراج عن قيادات وكوادر كانت في سجن صيدنايا، ونقلت إلى سجن عدرا بعد الثورة. وكان قد أفرج عن “جهاديين” آخرين قبل ذلك، شكّل بعضهم “أحرار الشام”، وهم، أيضاً، ممن قاتلوا في العراق، وكان الحوار يجري بينهم وبين تنظيم القاعدة ليكونوا هم فرعها في سورية، لكن خلافات “فقهية” تتعلق بالتعامل مع السوريين عموماً، ومع الأقليات خصوصاً، منعت ذلك. وشكّل آخرون “صقور الشام”، في سياق متقارب مع الأحرار. وكذلك شكّل زهران علوش، الذي أُطلق سراحه كذلك، لواء الإسلام، ثم جيش الإسلام، ثم انخرط في الجبهة الإسلامية. وحين سئل في ما إذا كان النظام يعرف، حين أطلق سراحه، أنه سوف يحمل السلاح ضده، أجاب بأن النظام كان يعرف، وعلى الرغم من ذلك أطلق سراحه (تصريح لقناة سورية الشعب). وزهران علوش في ترابط وثيق مع السعودية، وسياسته تنبني على ما تريد هي بالتحديد، وكان واضحاً أن كل تكتيكه العسكري خضع لما تريد هي، وليس ما يخدم تقدم الثورة وانتصارها.

الغريب أن يقبل هؤلاء الخارجون من السجن التسمية التي اختارها النظام، وأن يعملوا وفقها، أي جبهة النصرة لأهل الشام. والتي كان النظام قد أصدر بيانات باسمها قبل تشكّل الجبهة فعلياً، وبعد تشكّلها، (مثلاً تفجير منطقة المزرعة وسط دمشق، وتفجير مركز شرطة برزة). إذ كانت تُنشر البيانات على صفحات تجري إنشاؤها قبل يوم من الإعلان عن التفجير، ثم تختفي الصفحة بعد ذلك. أي لم تكن توضع على موقع “رسمي” للجبهة. وهذا وحده كافٍ للقول إنها لم تكن موجودة خلال تلك الفترة كلها.

من خلال شهادات سجناء مع هؤلاء، كان يشار إلى وجود منطق تعصبي ضيق، وحرْفية في تناول النص القرآني، وضمن حدود لفظية، وتركز على “الأخلاق”. وهم يمارسون ذلك معتقدين أن الله كلفهم بتنفيذ أوامره، كما فهموها، من خلال قراءة مجزوءة، وسطحية وموجهة، للقرآن، ووفق تفسير شيخ ما، نقلاً عن ابن تيمية وابن قيّم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب. لهذا، لا يتورعون عن القتل “تنفيذاً لإرادة الله”، وتصفية كل من يخالفهم في فهم الدين، أو في عدم الالتزام بما يعتقدون به هم. ومبدأهم أن المجتمع، عموماً، مرتد، ويجب استتابته، وبالتالي، إما الإسلام كما يرونه أو القتل.

المسألة الأخرى الملاحظة، هي وجود “رجال أمن” بينهم، أي أنهم مخترَقون من الأجهزة الأمنية السورية، حيث تنظم الأجهزة أفراداً معتقلين في قضايا جنائية، وتدفع بهم إلى الانضمام إلى هؤلاء، أو حتى تدفع برجال أمن غير معروفين لاختراقهم. وأشير إلى أن أكثر من شخص من هؤلاء كان يتعاون مع الأمن، مثل (نديم بالوش، وهو الآن مع داعش، وكان قد أعلن أن لديه صواريخ كيماوية سيطلقها على المناطق العلوية، واستُخدم تصريحه تأكيداً على أن الثورة تمتلك أسلحة كيماوية، ونسجت روايات حول ذلك). وأسلوب اختراق “الجهاديين” قديم لدى المخابرات السورية، إذ حظس النظام السوري وحده بالشكر من الرئيس الأميركي السابق، جورج بوش، عام 2004، على المعلومات الهائلة التي قدمها للولايات المتحدة (كانت هناك لجنة أمنية مشتركة يترأسها من الجانب السوري، مسؤول الأمن العسكري حينها، آصف شوكت). ولهذا، كانت سورية واحدة من أربع دول كانت أميركا ترسل إليها “الجهاديين” للتحقيق معهم (منهم أبو مصعب السوري). كما ظهر دور الأمن في تحشيد “الجهاديين” وإرسالهم إلى العراق بعد احتلاله من الجيش الأميركي، حيث كانت تبلّغ عن الذاهبين، أو كانت تبلغهم أن لا عودة لهم، لأنهم إذا ما عادوا سيقتلون، وكان اعتقال آلافٍ، بعضهم من هؤلاء العائدين. لكنها استخدمتهم ضد الاحتلال الأميركي بعد مقتل رفيق الحريري واتهام النظام بذلك، حيث أخذ يضغط على الإدارة الأميركية عبر “المفخخات” و”الجهاديين”، ما أثار حفيظة نوري المالكي الذي طلب من مجلس الأمن أن يبحث في الأمر لمعاقبة سورية سنة 2009.

ويوضح هذا الأمر أن هناك سيطرة على “الجهاديين” من قبل الأجهزة الأمنية السورية، وبالتالي، أن إطلاقهم بعد الثورة بأشهر (الجزء الأهم بعد عام من الثورة، ومع سياسة جديدة اتبعتها السلطة)، كان متحكماً به، ويخدم سياسة معينة. لذا بعد عام من الثورة، جرى ذلك، حيث كانت السلطة قد قررت سحب قواتها من الشمال السوري، نتيجة توسع الثورة (قبل تصاعد العمل المسلح الذي كان لازال محدوداً). لكن، بالأساس، نتيجة أن هذا التوسع فرض احتقاناً داخل الجيش (معظمه من الشعب، ومناطقه كانت تقصف وتتعرض لانتهاكات) كان يجعل توسّع الانشقاق أمراً محتماً، فينتقل من انشقاق أفراد إلى انشقاق وحدات (كما في منطقة درعا حينها)، والأخطر تحرك الجيش ضد السلطة. لهذا، فرض على الجيش الحجر في المعسكرات بلا إجازات، وحظر الاتصلات على الجنود. وبما أن “البنية الصلبة”، (الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري) والشبيحة، باتت في حالة ارتباك، ولا تستطيع السيطرة على كل الأرض السورية، أُعيد تمركز الجيش في مراكز أساسية، واضطرت السلطة لسحبه من الشمال، ثم الشرق. وهذا ما كان يترك فراغاً فيهما.

هنا، جاء دور “نظرية الفراغ” التي كررها إعلام السلطة كثيراً قبل ذلك. فقد كان يؤكد أن تنظيم القاعدة يوجد في المناطق التي يحدث فيها فراغ سلطوي. إذن، لماذا أفرج عن هؤلاء “الجهاديين”، ولمَ انسحب الجيش من تلك المناطق تاركاً فراغاً يمكن أن يستغله تنظيم القاعدة؟ اللافت أن الخطوتان تحققتا في الوقت نفسه تقريباً (وبعد الأخبار عن لقاء بندر وعلي مملوك مباشرة)، أي بعد انقضاء عام على انظلاق الثورة. وأظن أن جوهر تشكيل جبهة النصرة يكمن في الإجابة على ذلك. فقد أصبحت العين التي يطل النظام منها على هذه المنطقة التي باتت “خارج سيطرته”، وهذه مسألة أساسية، حققت له الوصول إلى كوادر وقيادات ثورية وقتلها. كما حققت له افتعال صراع بين هؤلاء “الجهاديين” والمناطق التي يوجدون فيها، حيث لم يكن الصراع مع السلطة أولويتهم، لأن هذا أمر سياسي، يقع خارج مداركهم أصلاً، بل أولويتهم هي فرض “الخلافة”، وحرب المرتدين (حيث لازالوا يعيشون عصر أبي بكر الصديق)، وهذا يجعلهم في صراع مع الشعب، وأيضاً، مع قوى الثورة، لأن هذه الأرض باتت تحت سلطتهم هم، أو أنهم يسعون إلى توسيع سلطتهم على حساب القوى المسلحة الأخرى. هذا ما حصل، فبات صراع الثورة معهم ومع السلطة معاً. وباتوا الوجه السيئ للثورة (حيث حسبوا عليها) والبعبع المنفّر من الثورة. خرّبوا فعلياً وخدموا السلطة أمنياً، وكانوا مادة إعلامية تظهر “بشاعة الثورة”. من هذا المنظور، كسبت السلطة السورية مسألتين، الأولى اختراق المناطق التي انسحبت منها، والثانية الاستفادة من عقيدة هؤلاء “الجهاديين” بجعلهم قوة ضد الشعب، وتوجيه ذلك، انطلاقاً من حالة الاختراق الموجودة.

لماذا اختلفت جبهة النصرة مع “دولة العراق الإسلامية” التي باتت “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش)؟

من شكّل جبهة النصرة كان جزءاً من تنظيم “قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين” بقيادة أبي مصعب الزرقاوي، حيث اعتقل معظم السوريين ومن جنسيات أخرى سنوات 2005 و2006، وبعد ذلك. ربما صار بعضهم جزءاً من تنظيم “دولة العراق الإسلامية”، تحت قيادة أبي عمر البغدادي. لكن، ربما لم يكن أيّ منهم تحت قيادة أبي بكر البغدادي. على الرغم من ذلك، تبيّن أن أبا بكر البغدادي تقاسم المال والسلاح مع زعيم جبهة النصرة، أبي محمد الجولاني، على أساس أن يكون تحت إمرته كما جرى الإعلان عنه بعد الخلاف بينهما. لكن، تشكلت جبهة النصرة، وبعد مدة، أعلن أبو بكر البغدادي تشكيل داعش من الطرفين، ما رفضه الجولاني، ودخلا في سجال، وعادا إلى “المرجعية” (أيمن الظواهري) الذي حسم بالفصل بينهما، وأدى الأمر إلى تمرّد البغدادي، وبالتالي، الصدام بين النصرة وداعش.

هل هو صدام “عقائدي”؟ لم يبد كذلك، فما هو إذن؟ خصوصاً أن داعش باتت تظهر بديلاً عن تنظيم القاعدة الأم. يمكن القول باختصار إنه ربما كان للاختراقات الأمنية المتعددة (من أميركا إلى السعودية وإيران والنظام وغيرها) دور في ذلك. لكن، يبدو واضحاً على الأرض التداخل بينها، والانتقال المستمر من هنا إلى هناك، في سياق سياسة واحدة.

العربي الجديد

 

 

ثلاثة مستويات لمواجهة “داعش”/ ياسين الحاج صالح

يبدو أن هناك خططا أمريكية وغربية قيد الإعداد لمواجهة داعش في سوريا، وإن كان من مستبعدا أن تتجاوز ضربات جوية، وربما عمليات كوماندوس محدودة. غرض الضربات المرجح هو وضع الكيان الإرهابي الناشئ تحت الضغط، وإشغاله بلملمة نفسه، ومنعه من «التمدد».

من جهته، النظام الأسدي سارع إلى عرض نفس للإيجار في المعركة الغربية الجديدة. وبينما لا تزال القوى الغربية تعلن احتقارها له، لا يبعد أن تستأجره كقاعدة عسكرية متقدمة ضد الكيان الإرهابي، فتسهل تجديد انتدابه على السوريين.

بيد أن مواجهة داعش لا يمكن أن تثمر بضربات عقابية، مهما أمكن لهذه الضربات أن تكون مؤذية للكيان الجديد. لا يستغنى عن هذا البعد العسكري لمواجهة قوة فاشية، تعتمد على الإرهاب كتكنيك قتالي، وكاستثمار سيكولوجي، وكمنهج حكم. مواجهة الكيان الإرهابي بالعنف ليس شرعيا كعقاب على جرائم موصوفة فقط، وإنما لأنه يتعذر التخلص من ظاهرة استعمارية واستيطانية كهذه دون مواجهتها بالقوة. ومشكلة التدخل الغربي المحتمل ضد داعش لا ترتد إلى اقتصاره على مواجهة الكيان الإرهابي بالسلاح، بل تتجاوزه إلى أنها مواجهة محدودة، تندرج في منطق إدارة الأزمة، وليس الحل السياسي الجذري لها. منهج إدارة الأزمات ينطوي على نزع أي بعد متصل بالعدالة والتحرر عن صراعاتنا، واعتبارها أقرب إلى صراعات بين أولاد أشقياء ولا عقلانيين على حد سواء، والشيء الوحيد المهم هو تهدئتهم واستعادة الاستقرار.

لا شيء أسوأ من هذا المنهج أو أكثر أنانية وانعداما للمسؤولية. وهو مسؤول عن دفع سورية إلى دمار واسع، كما عن ولادة كائنات مستحيلة مثل داعش. ربما يفكر الأمريكيون أن مسخ داعش يتولد بصورة طبيعية في «المستنقع» الشرق أوسطي. معهم حق. لكن هذا المستنقع الكريم نتاج «جهاد»ـهم و»جهاد» القوى الغربية طوال أجيال، ونتاج تسييد كيان استيطاني إرهابي آخر، إسرائيل، في المنطقة، أكثر مما هو نتاج «الأولاد» السوريين والعراقيين والفلسطينيين واللبنانيين إلخ. وليست بعيدة عن صناعة المستنقع تلك الأولوية المستمرة للاستقرار على يد أنظمة إرهابية مثل النظام الأسدي وأشباه له على حساب العدالة والكرامة البشرية.

لذلك حتى لو كانت مواجهة الأمريكيين والغربيين للوحش داعش أكثر من تأديبية، وحتى لو جرى نشر قوات على الأرض، وكان الهدف تدمير داعش وليس تدويخها فقط، فإن هذه المواجهة بعدٌ واحد فقط من ثلاثة أبعاد لا بد منها كي تكون مثمرة.

البعد الثاني هو مواجهة الإرهابي الأصلي، النظام الأسدي، أو مساعدة السوريين على التخلص منه. وهذا ليس فقط لأنه لا وجه عادلا لمعاقبة داعش على جرائم ارتكب النظام الأسدي أضعاف أضعافها، ولا لأن الاستنفار ضد كيان مجرم مع إعفاء كيان مجرم آخر ما انفك يقتل يوميا يعطي أسوأ رسالة للسوريين و»الشرق أوسطيين» عموما، وإنما كذلك لأن من شأن إفراد داعش بالضرب أن يكون خدمة لرسالتها العدمية. لقد استثمرت داعش، والمجموعات الإسلامية كلها، في سحب السوريين وكثيرين من العرب ثقتهم من العالم وعدالة العالم، وعلى هذا يقوم الاستعداد الداعشي لتدمير العالم في بيئاتنا الاجتماعية والنفسية.

ومن شأن ضربة غربية لداعش في الرقة مثلا، المدينة التي كان النظام الأسدي يقصفها متجنبا داعش، قبل أن يستمر في قصفها بذريعة ضرب داعش، أن تقرب الرقاويين أكثر من الكيان الإرهابي لا أن تبعدهم عنها. فإما أن يضرب المجرمان معا، أو أن لا يضرب أحدهما ويترك الآخر. قطع رأس جيمس فولي، وهو جريمة بشعة، لا يقارن بقتل 11 ألفا تحت التعذيب حى أب 2013، ولا بالمذبحة الكيميائية في الغوطة، ولا بمذابح داريا وجديدة عرطوز وبانياس والحولة والتريمسة وغيرها. الجرائم لا تتفاضل، لكن من شأن معاقبة مجرمين والسكوت عن مجرمين آخرين، أن يدمر مفهوم الجريمة ذاته، ومعه مفاهيم العدالة والعقاب العادل. وباب العدمية والأرهاب المفتوح من جراء هذا النهج غير المسؤول سيزداد انفتاحا، وقد نرى ولادة كائنات أشد استحالة حتى من داعش.

هناك بعد ثالث لمواجهة الكيان الإرهابي لا يمكن للغربيين المساعدة فيه إطلاقا، ويكون الحال أفضل كلما كانوا أبعد عنه. داعش ليست قوة إجرامية فقط، ولا هي وليدة سياسات إجرامية محلية ودولية فقط، وإنما هي «إسلام» أيضا. المسلمون والإسلاميون الذين يقولون إن داعش صنيعة استخباراتية، و»الإسلام منها براء»، يخادعون أنفسهم. داعش نتاج تطور تنظيم «القاعدة» في شروط سورية وعراقية معلومة، والقاعدة نتاج سعودي مصري (السلفية السعودية والقطبية المصرية). ليس هناك ذرة جدية في مقاربة داعش مع إهمال البعد الديني في تكوينها، وإن يكن بلا ريب بعدا متشكلا بالتاريخ المعاصر. هذا الوحش من إنتاجنا، إنه وليد تعفننا السياسي الفكري والأخلاقي.

والحال أن هذا المستوى الثالث من مواجهة داعش لا يمكن أن ينهض به إلا المسلمون أنفسهم، السنيون في سياقنا. داعش فكرة إسلامية، والفكرة تواجه على مستوى الفكر. تُرى أين هي الفكرة الإسلامية التي يمكن أن تقف في وجه داعش وقوفا صلبا وغير متهافت؟ الانطباع الذي تولده في النفس انتقادات الإسلاميين لداعش هو أن المشكلة في أسلوبها الفظ، في تعجلها ورفضها لمنطق التدرج، وربما في عدم ملاءمة الظروف الحالية للخلافة، وليس في مشروع فرض حكم إسلامي بالقوة. هذا ليس جديا، بقدر ما إن تمييز الأمريكيين بين جرائم النظام وجرائم داعش ليس جديا. ويتجاوز الأمر الوضع الحالي على كل حال إلى وجوب إعادة هيكلة واسعة للمعتقد الإسلامي باتجاه يرفع منسوب الإيمان والعدالة فيه على حساب منسوب السلطة والتشريع. هذه عملية أطول أمدا، لكنها المستوى الجذري لمواجهة مستحيلات مثل داعش. وليس منفصلا عن هذه العملية تطوير نظم تفكير وقيم دنيوية تحررية. من مصادر الإسلامية المتشددة اليوم هزال المضمون التحرري لفكرنا الدنيوي وعجزه عن المنافسة.

والخلاصة أن داعش مشكلة أمنية، وأكثر من هذا مشكلة سياسية، وأكثر من هذا وذاك مشكلة فكرية. المواجهة الفعالة لداعش تمزج بين مقاومتها بالقوة، وهو ما بدأه سوريون ضد النظام قبل غيرهم، وبين تقدم نحو العدالة في سوريا بالتخلص من النظام الأسدي، وبين عمل فكري إسلامي ينتزع الإسلام من يدي داعش، وينتزع الداعشية من الإسلام.

٭ كاتب سوري

القدس العربي

 

 

 

السلفية الجهادية في سورية إلى أين؟/ طارق عزيزة

حين أعلنه أبو بكر البغدادي، في 9 نيسان (أبريل) 2013، وما نجم عن ذلك الإعلان من خلافات داخل «البيت الجهادي»، بدا تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، أو «داعش» كما يسميه خصومه، وكأنّه العنوان الأوحد للسلفية الجهادية في سورية.

تمدد التنظيم، المنتمي للقاعدة، من العراق إلى سورية مطلع 2012 باسم «جبهة النصرة لأهل الشام» بزعامة أبي محمد الجولاني، الذي رفض لاحقاً مبايعة البغدادي وإدماج «جبهة النصرة» ضمن «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، واحتفظ بالنصرة مدعوماً من قيادة «القاعدة». لم يمنع الخلاف «العائلي» استمرار عمل جناحي القاعدة في سورية، مع رجحانٍ للبغدادي الذي أعلن «الخلافة»، متمرّداً على «القيادة العامة» للقاعدة: أيمن الظواهري.

على أنّ حصر ظاهرة السلفية الجهادية وخطرها في سورية اليوم فقط بالقاعدة ومتفرعاتها، أو بالمقاتلين الأجانب (غير السوريين: عرب وغيرهم)، وإغفال ما عدا ذلك جهلاً أو تجاهلاً، أو التقليل من شأنه إن ذُكر، فهوَ أمر يجافي الصواب ومشكوكٌ في نيات من يقف وراء ترويجه. الكثير من الجماعات الجهادية الفاعلة سوريّةٌ في أجنداتها وقياداتها ومقاتليها، وخطرها الحالي والقادم على سورية ومستقبلها يفوق خطر القاعدة.

والحال أنّ الظاهرة الجهادية في سورية لا تفسَّر، بدلالة النزاع الحالي فقط، ولا بمجرّد ربطها بالعامل الخارجي، سواء قُصِد به مخابرات القوى الإقليمية أو الدولية، أو دور القاعدة. ولا يكفي الاتّكاء على أوهام الإصرار على شمّاعة مسؤولية النظام دوماً عن كل شيء، وتالياً وقوفه خلف صعود الظاهرة الجهادية وانتشارها.

لفهم الظاهرة وتوقّع مآلاتها يجب الإقرار بأنّ الإسلام الجهادي ليس ضيفاً طارئاً على السوريين، ولا هو أمر غريب عنهم، على ما يحلو لبعضهم. فعلى رغم الفارق في الحجم والشدّة ثمّة في تاريخ سورية المعاصر «إرث» ثقيل غير قليل من النشاط الجهادي يرخي بظلاله على الأوضاع الحاليّة.

في ربيع 1964، بعد عام من وصول «حزب البعث» إلى السلطة في سورية بانقلاب عسكري، وقعت أحداث شغب مناهضة للنظام، أعنفها في حماه. تحوّلت الاضطرابات إلى جهاد ديني، إذ اعتبر «الإخوان المسلمون» أن «حكم البعث الكافر إهانة للذات الإلهية»، والقضاء عليه تكليف شرعي للمسلمين. وترددت أفكار عن الجهاد لإقامة الخلافة الإسلامية. وبين أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات شهدت البلاد تمرّداً إسلاميّاً مسلّحاً واسع النطاق، بهدف تأسيس حكم إسلامي. تصدّر الإخوان المسلمون المشهد أيضاً، وأعلنوا «الثورة الإسلامية في سورية». في الحالتين سيطر النظام على الموقف، ووجدها فرصة لسحق كل أشكال المعارضة.

ولعب جهاديون سوريون أدواراً مهمّة في الجهاد العالمي منذ بداياته في أفغانستان، فاحتلّت سورية المرتبة السابعة من بين 15 بلداً عربيّاً، تنتمي إليها غالبية «الشهداء من المجاهدين العرب» هناك. وصولاً إلى عراق ما بعد صدّام ومروراً بمحطات الجهاد في الجزائر والبوسنة والشيشان.

على المستوى النظري، لم ترتبط أدلوجة «الخلافة الإسلامية» الناظمة للتوجّه السلفي الجهادي، كأكثر وجوه المشروع الإسلامي راديكالية، بتنظيم معيّن أو بحالة ظرفيّة فينتهي المشروع بزوال التنظيم المعني أو بتغيّر الظروف. فرغم إلغاء أتاتورك المنصبَ رسمياً عام 1924، لم تختف إشكالية «الخلافة» من منظومة الفكر الإسلامي. قد يخفت أحياناً تناول الجانب السياسي للمفهوم ويستبدل بالحديث عن «الأمة الإسلامية» العابرة للقوميات وللحدود السياسية، لكن مفهوم الخلافة بكل دلالاته الرمزية والسياسية والدينية ظل محايثاً للخطاب الإسلامي.

يطيب لبعضهم تناول «الفروق» بين السلفيين الجهاديين أنفسهم، كالحال بين تنظيمي البغدادي والجولاني، أو بينهما وبين «أحرار الشام». ويتجاهل هؤلاء أنّ هدف تلك التنظيمات النهائي «الحكم بما أنزل الله»، عبر «دولة إسلامية»، صورتها المثلى «الخلافة الإسلامية». نعم ثمّة فروق في الأولويات وأساليب العمل، أي الاختلاف حول طريقة تحقيق الهدف، لا حول الهدف ذاته، وحول مجال تطبيق المبدأ لا على المبدأ ذاته. «الدولة الإسلامية»، مثلاً، أعلنت الخلافة وبدأت تطبق «شرع الله» في مناطقها. في حين لم تقم «الجبهة الإسلامية» بشيء مماثل، فأولويتها إسقاط النظام، يلي ذلك «إقامة حكم الله على الأرض»!

وتمييز الإخوان المسلمين عن الجهاديين بشكل قاطع، والترويج لاعتدالهم، ينمّ عن جهل فاضح أو تدليس خادع. فما هو معلن عند الجهاديين مضمر عند الإخوان، وأمام استعجال الجهادي تحقيق الهدف يعمل الإخواني بدأب وأناة. وهذا من صلب العقيدة الإخوانية كما صاغها المؤسس حسن البنا الذي عدّ الخلافة رمز الوحدة الإسلامية، وشعيرة إسلامية يجب الاهتمام بشأنها، لأن «الخليفة مناط الكثير من الأحكام في دين الله». وتحدث عن أسلوب إنجازها واستعادة منصب «الخليفة»، الذي هو «واسطة العقد، ومجتمع الشمل، ومهوى الأفئدة، وظل الله في الأرض».

بينما كانت «دكاكين» المعارضة السورية، وميليشيات «الجيش الحر» تتخاصم في ما بينها، كان الجهاديون يحققون المكاسب على الأرض، ليصبحوا القوّة الأكثر فعالية وتنظيماً. وحدهم «الإخوان المسلمون» استطاعوا تثبيت أقدامهم في الهيئات السياسية للمعارضة كما في ساحات الجهاد عبر «دروع الثورة» التابعة لهم. وفي مقابل «الجهاد السني المعارض» استنفر النظام «الجهاد الشيعي الموالي»، عبر إشراك ميليشيات شيعية لبنانية وعراقية في القتال ضدّ معارضيه. كل ذلك عزّز الانقسامات الطائفيّة في المجتمع السوري، بتنوّعه الهشّ الناجم عن نقص الاندماج الاجتماعي بفعل الاستبداد المديد. لن يمرّ ذلك من دون أن يحفر مزيداً من الشقوق بين السوريين.

إنّ خطر المشروع الجهادي لا ينحصر بالقاعدة، ولن ينتهي بالقضاء عليها. وغضّ الطرف عن خطر الجهاديين المحليين مقدّمة لتعويم وتسويق من سيوصفون بـ «الإسلام المعتدل». ولا غرابة أن تجد بينهم جهاديين قرروا، ضمن تسويات معينة، ترك السلاح والانخراط في اللعبة السياسية بما لا يخالف الشريعة!. ومع تسيّد الطابع الديني المشهدَ السوري فإنه حتى لو استطاعت «المعارضات» إسقاط النظام، وهذا احتمال ضعيف، لن يحمل المستقبل القريب أو المتوسط التغيير الديموقراطي الذي ضحّى من أجله السوريون بمختلف شرائحهم. فالحاضر ثمرة الماضي والمستقبل هو ممكنات الحاضر واحتمالاته.

* كاتب وباحث سوري

الحياة

 

 

 

هل بدأ العد العكسي لداعش؟/عبد الوهاب القصاب

هل بدأ العد العكسي لداعش؟منذ تجاوزت قوات “الدولة الإسلامية” الحدود الإدارية لإقليم كردستان العراق، حتى هبَّ الأميركيون، ومعهم الغرب قاطبة، ينادون بالويل والثبور وعظائم الأمور، فكأَنَّ ما قامت به “داعش” قبل إعلانها الخلافة، وبعدها، لم يكن شيئاً مذكوراً أمام اجتيازها تلك الحدود للإقليم ذي الحكم الذاتي.

واقع الأمور يبيّن أن ما قامت به داعش، قبل اجتيازها خط الحدود الإدارية، لم يكن مختلفاً، فالمنهج هو نفسه، والأهداف نفسها. إذن، ما الذي استجدَّ، حتى نجد هذه الصحوة الكبرى في الدوائر الأميركية والغربية؟ الكل يحذر، والكل يزور أربيل، والكل ينادي بوجوب سرعة التحرك. واستصدار قرار أممي سريع يدين داعش، ويعدّها لب الإرهاب الدولي الذي يهدد أمن العالم وسلامته.

لماذا إذن، وقد شهد الغرب، بأم عينه، الثورة السورية الكبرى، تغتالها داعش، منذ أكثر من عام، ولم يحركوا ساكناً، ولم ينادوا لا بالويل ولا بالثبور. وشهدوا تسرب داعش إلى بادية الأنبار، بفعلٍ تآمريٍّ من حكومة نوري المالكي، ومن ثم تسربوا إلى الأنبار نفسها، ولم يعنف الغرب، ولا الأميركيون شريكهم المالكي، على سوء عمله ودعمه الإرهاب. بل سكتوا، فترة طويلة، على الظلم البيّن الذي يرونه، بأم أعينهم، وهو ينزل في ست محافظاتٍ منتفضة على رؤوس مواطنين مدنيين صامدين مسالمين، لا يطالبون إلا بحقوقٍ أقرّها لهم دستور، كتب برعاية الوالي الأميركي في العراق وأجهزته.

موقف ميداني مرتبك

الموقف على الأرض في العراق مرتبك، فلم يتم رسم الحد الفاصل بين مسلّحي “الدولة الإسلامية” ومسلّحي العشائر والمجالس العسكرية، بشكل واضح، بعد أن خطفت داعش الأضواء، والدور، بشكل كامل، من مقاتلي العشائر، ومن مقاتلي المجالس العسكرية، وبدت وكأنها وحدها اللاعب على الأرض، بعد أن أوحت بأنها إما حيّدت الآخرين، أو صادرت أسلحتهم، أو أجبرتهم على مبايعتها. بدا ذلك واضحاً من عدم وجود رد فعل جدّي على تجاوزات “الدولة ” على وسطية العقيدة السنية في العراق، فألزموا النساء بحجابٍ ثقيلٍ غير متعارف عليه، وألزموهن بيوتهن، ومنعوهن من العمل، وفرضوا عاداتٍ غير ملزمة دينياً، كالخفض والختان للإناث، وهو أمر غير معروف في العراق، ولا معمول به لدى الجمهور. ثم تجاوزوا على الهوية الوطنية الجامعة للعراقيين، بتقسيمهم مسلمين (سنة) وذميين وكفار. كل هذا، ولم نلمس ردود فعل جدية من مقاتلي العشائر والمجالس العسكرية، لإيقافهم عند حدّهم، إلا في حدودٍ ضيقة، كما حصل في قضاء الكرمة في محافظة الأنبار، عندما رفض مجاهدو جيش المجاهدين مبايعة الدولة وخليفتها. وجيش المجاهدين من أبناء العشائر في المنطقة، ومن أكثر المقاتلين ضراوةً، في مجابهته المشروع الطائفي الذي استهدفهم، والذي يرعاه نوري المالكي. وتتطلب الحقيقة أن بيانات تبرؤ من هذه الممارسات وانتقاد لها صدرت عن هيئة علماء المسلمين في العراق، ومن قيادة حزب البعث، ومن المجالس العسكرية.

تفيد المعطيات الواردة من الميدان بأن تغيراتٍ في الموقف العسكري بدت ظاهرةً للعيان، منذ تدخل سلاح الجو الأميركي لعكس اتجاه الحركات، عندما تهددت كل من كركوك ودهوك وأربيل من مسلّحي الدولة الإسلامية، عندما لم تصمد قوات البشمركة الكردية التي كان يعوّل عليها كثيراً في التصدّي لأي تهديدٍ يواجهه الإقليم، بحيث أنه لولا النجدات التي استقدمت من سورية، والمؤلفة من مقاتلي حزب العمال الكردستاني، لما تمكّنت هذه القوات من الوقوف أمام زحف مسلّحي الدولة الإسلامية، ولكانوا قد دخلوا دهوك، وكركوك، وحتى أربيل، هذا إن لم يكونوا هم من قرّروا التوقف عن التقدم.

لكن، يبقى أن الذي أدخل على عناصر اللعبة القتالية تغيراً ملموساً هو دخول سلاح الجو الأميركي مدعماً بمعلومات رصينة، زوّدته بها العناصر الأرضية من محللين أميركيين موجودين في أربيل، وفي السفارة الأميركية في بغداد، ذلك أنها أعطت مؤشراتٍ دقيقة عن شكل انفتاح قوات المسلّحين، وأماكن وجودهم، وطرق مواصلاتهم، وأنماط إمدادهم، وقواعدهم الأمينة، وهي أمورٌ ساعدت على الحد من هجوم قوات المسلّحين، وتراجعهم في بعض المناطق.

هزيمة ممكنة

معلوم أن قوات المسلّحين غير مهيأة، ولا مدربة على الدفاع المستكن، ولا على القتال بصفحات المعركة التقليدية. لذلك، ستكون هزيمتها على هذه الأسس ممكنة، لكن السؤال هو إلى أي مدى؟ تفيدنا تجارب حروب الأنصار (وهو تعبير يطلق على الحروب غير النظامية) بأن عملية كسر قوات الأنصار وإنهائها شبه مستحيلة. صحيحٌ أنها تُصاب بنكبات وخسائر، لكن رد فعلها في هذه الحالة أن تتشرذم وتتكور على نفسها، لتظهر في مكان تختارها هي لتوقع بالخصم ضربة مؤثرة. دعونا نتذكّر معارك “الفيتكونغ” في فيتنام، ومعارك طالبان المستمرة في أفغانستان، ومعارك الحوثيين في اليمن بعد ثماني جولات من القتال العنيف مع القوات الحكومية، ووجود القاعدة في الجبال الحدودية الباكستانية الأفغانية، ووجود القاعدة في جنوب اليمن، وأنصار القاعدة في صحاري مالي، والجنوب الجزائري، والقاعدة التي عندما تفكّكت على يد العشائر نفسها الثائرة حالياً، ما لبثت أن ظهرت على المسرح تحت عنوان الدولة الإسلامية في العراق، ثم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وصولاً إلى الخلافة، ولمَ نذهب بعيداً، فقد تلقت قوات البشمركة الكردية ضرباتٍ قاتلة، أنهت التمرد بعد اتفاقية عام 1975 بين العراق وإيران، والتي أنهت دور إيران حاضنةً وسنداً للتمرد، وبعد عملية محمد رسول الله التي أنهت التمرد عملياً في أنحاء منطقة الحكم الذاتي، كما كانت تدّعي، وذلك بعد اندحار إيران عسكرياً في الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988.

في يقيننا أن القوات البرية التي يعتبر وجودها حاسماً لكسر ظهر التمردات لا زالت بعيدةً بتدريبها، وتعليمات القتال التي تتبعها، عن أن تكون جاهزة وكاملة الاستعداد لقتال المسلّحين على الأرض. فهذه القوات لا زالت تعيش أيام انكسارها أمام المسلّحين، وإن ما يقدمه سلاح الجو الأميركي هو جهد ميداني محدود، يساعدها على القتال براحة أكثر، لكنه لا يحسم لها النصر. ومن ناحية أخرى، عملية التجهيز والتسليح، القائمة حالياً، تحتاج إلى أمدٍ ليس قصيراً لتتحول لبناء قوات مهنية، ذات حرفية قتال مجرّبة. تتساوى، في هذه الحالة، كل من قوات البشمركة وقوات (الجيش) العراقي الذي يحتاج عملية إعادة تنظيم واسعة، تعتمد إعادة بناء هيكليته، لكي يتحول إلى قوة قتال ذات مغزى، وهذا لن يتم، طالما أن هذا الجيش لا يزال يعتمد في قتاله على نعرة طائفية ماضوية، ذات نزعة انتقامية من الآخر. ولا يتوقع من جيشٍ يعتمد المليشيات في قتاله، وعلى النزعة الانتقامية، في استهداف المجتمع الآخر الذي ينظر إليه كعدو أن ينجح في مهمته. ليس أدلّ على ذلك من محاولاتٍ، زادت على الثلاثين محاولة، لإعادة احتلال تكريت، وفشلت جميعها، بسبب أن النزعة الانتقامية التي سادت، وأَلبت الأهالي، وليس المسلّحين فقط ضدهم.

نجد الشيء نفسه في القتال الذي أطرافه البشمركة و”بي بي كي” والحرس الثوري الإيراني في أطراف ديالى الشمالية الشرقية، عند جلولاء والسعدية، فبعد أكثر من عشرة أيام من القتال في تلك المنطقة، لم تحسم السيطرة، على الرغم من ترويج تبثه الدوائر كافة بأنه تمت السيطرة على جلولاء والسعدية، تعود المصادر نفسها في اليوم الثاني، لتشير إلى قتالاتٍ محتدمةٍ في المكان نفسه.

وما يجري في جنوب بغداد وشمالها مشابه، فالقوات الحكومية ماهرة فقط في إلقاء البراميل الحارقة على رؤوس الناس، وقادتها المدنيون والعسكريون ماهرون في اختلاس أكثر ما يمكن من أرزاق ورواتب وعتاد منتسبيهم، والمليشيات تعيث في الأرض فساداً، تقتل على الهوية، وعلى الاسم، بحيث أضحى الحكم والسيطرة فعلاً بيد المليشيات إلى حدٍّ نرى فيه رئيسي الجمهورية والبرلمان يستقبلان متهماً صدرت بحقه أكثر من مذكرة إلقاء قبض، وهو زعيم العصائب، قيس الخزعلي، ويكيلان له المدائح والمودة.

أميركا والحاجة إلى تحالف دولي

لقد أشار الرئيس الأميركي، باراك أوباما، أنه ليس ممكناً توقع انهيار داعش في المستقبل القريب، وأنه وهيئة أركانه لازالا بصدد إعداد الخطط للتعامل مع تهديد داعش على المدى البعيد، وأن نجاح الجهد العسكري الأميركي في العراق يتطلب حكومة عراقية ذات طيف واسع، يرضى عنها الجميع، وتحقق تطلعات السنة والكرد والشيعة، وهو أمر نرى أن المالكي وزمرته لا زالا يضعان العصي في دولاب تشكيل الحكومة. كل هذ الأمور تعطي داعش فاعليةً تحتاجها، لكي ترسخ من وجودها في الوسط الذي توجد فيه، لتحوله إلى حاضنةٍ، لم تنجح، حتى الآن، في بنائها.

من جانب آخر، نرى أوباما يدعو إلى تحالف دولي واسع لقتال داعش، وهنا، علينا النظر إلى الكلفة المادية التي تتحملها الولايات المتحدة واقتصادها الذي، بالكاد، تعافى من الكارثة التي ألحقها به غزو بوش العراق، فالعمليات الحالية، على محدوديتها، تكلف الخزانة الأميركية على ما أعلنه البنتاغون ما يقارب السبعة ملايين ونصف المليون دولار، فهل نحن بإزاء تريليونات أخرى من الدولارات، سيلحقها القتال في العراق بالاقتصاد الأميركي، إذا ما توسع القتال وفق التخطيط الاستراتيجي الذي يعده البنتاغون على وفق ما أعلنه أوباما في خطابه أخيراً. ومن المفيد، هنا، أن نشير إلى الضوابط التي ذكرها أوباما، في خطابه المذكور، وفي مقدمتها نجاح حيدر العبادي في تشكيل حكومة جامعة، ملبية لتطلعات السنة والشيعة والكرد. من الخطاب المذكور نستشف ما يلي:

1.ستستمر الولايات المتحدة في إسناد قوات البشمركة الكردية، لشعورها بتهديد مصالحها في كردستان، لو أتيح لداعش النجاح. وهنا، سيكون من العدل التساؤل عن هذه المصالح ومدياتها، وهل هي شاملة للعراق ككل، أم للإقليم الكردي فقط.

2.لا إسناد لقوات الجيش العراقي من دون نجاح العبادي بتشكيل حكومة جامعة.

3.أي عمليات تتم خارج إقليم كردستان هدفها الدفاع عن المصالح الأميركية في العراق، وأمن المواطنين الأميركيين.

4.أهمية الحركة والانفتاح على الدول العربية (السنية)، لإدخالها في الحرب على داعش، وكذلك ما أسماها المعارضة المعتدلة السورية.

5.بين أن الأسد ليس شريكاً في هذه الحرب، لأنه من شجع داعش، ومن استهدف مواطنيه بالبراميل المتفجرة، ولا نعلم لم أغفل استهدافهم بالكيمياوي، وهو يتحدث في الذكرى السنوية لهذا الاستهداف.

المشروع الإيراني

في الأفق، تطورات سلبية ستطال الوضع الإيراني الداخلي، فبعد بيعة “أنصار الإسلام” خليفة داعش، انضمت عملياً الحركات الإسلامية السلفية الكردية إلى جهود المسلّحين، وهذا ما لمسناه من مظاهرةٍ قامت بها لرفع راياتها على مدن إيرانية كردية مهمة في كردستان الإيرانية وأذربيجان الغربية، كبانه وسقز وسنندج وأورومية (رضائية) في رسالةٍ واضحةٍ للإعلان عن الوجود. كانت هذه المظاهرة ضربة صاعقة للنظام الإيراني، تنبؤه بوجود فرصة مؤكدة، لتكرار ما جرى في المحافظات الست السنية العراقية في مناطقه السنية التي تحيط بالبلد إحاطة السوار بالمعصم. فإذا ما علمنا أن في طهران نفسها يعيش نحو مليون إيراني سني، لتبين لنا خطورة المشهد الذي تعاني منه إيران. من هذه الزاوية، ينبغي لنا النظر إلى تبديل قاسم سليماني رجلها القوي في العراق، بل الحاكم الفعلي الذي كان يستدعي القيادات العراقية، من رئيس الجمهورية نزولاً، ليصدر لهم توجيهاته وأوامره، وكان الجميع يحتكمون إليه في خلافاتهم، ويتبركّون بنصائحه، ويبلغوه نتائج اتصالاتهم بالجهات الإقليمية والدولية.

مهما قيل عن قوة الوجود الإيراني، وضربه عميقاً في أعماق الدولة والمجتمع في العراق، فقد تعرض هذا الوجود والمشروع الذي يمثله إلى ضربةٍ كبيرةٍ، أصابته بالشلل في هذا الوقت على الأقل، وسيأتي دخول داعش إلى داخل إيران، ليزيد هذا المشروع شللاً وتراجعاً.

كل هذه الأمور تجعل المشهد شديد الضبابية والتعقيد. نعم، تلقت داعش ضربةً قويةً من سلاح الجو الأميركي، وسنشهد انسحاباتٍ من هنا وهناك، نظراً لما أسلفنا من أن مسلّحي هذه الحركات لا يجيدون الدفاع النظامي، كصفحة من صفحات القتال، لكنها، كشبيهتها طالبان، لا زالت عصية على الهزيمة. يتطلب هزيمة المخططات المشبوهة إجماعٌ وطنيٌ عام، يشعر المواطن فيه بأنه نال حقوقه، وهو مستعد لأداء واجب الوطن. فهل حقق العراقيون هذا الإجماع؟ إلى حد الآن كلا.

العربي الجديد

 

 

الحادي عشر من سبتمبر… كمان وكمان!/ عمر قدور

من المرجح أن يكون لذكرى الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر وقع مختلف هذا العام، فالانتصار على تنظيم القاعدة وملاحقة فلوله لم يبقَ من رصيدهما سوى الذكريات غير السارة. الإدارة الأميركية التي رفعت لواء الحرب العالمية على الإرهاب خسرت في الداخل والخارج معاً، والتنظيم خسر العديد من كوادره الأساسية ومن قدرته على شن هجمات مؤثرة على المصالح الغربية. أيضاً، المصالح الغربية في المنطقة لم تعد واضحة للعيان كما كانت مع مطلع الألفية، فالإدارة الأميركية الحالية بذلت جهوداً للانسحاب منها، لم تفلح معها محاولات اللاعبين الإقليميين في جذبها إليها ثانية.

كان الرئيس السابق جورج بوش يقضي عطلات طويلة جداً في مزرعته، مثار تندر في الأوساط الأميركية، إلى أن داهمته الهجمات الإرهابية على بلاده. شيء من هذا القبيل حدث مع أوباما مؤخراً بإعدام الصحافي جيمس فولي، لكنه لا يزال مصراً على أنه ليس سلفه، ولن يكرر أخطاءه، لذا يُظهر اطمئناناً بديلاً عن انفعال سلفه و»تهوره»، وإن كان في المقابل يتبع خطاه من حيث العمل على بناء تحالف دولي وإقليمي للحرب على داعش، وإن كان أيضاً لا يزال مصراً على حصر ساحة المعركة فلا يعلنها حرباً عالمية غير محدودة. الأهم، ربما، أن أوباما لا يستخدم لغة الترهيب لإنشاء الحلف الجديد، بخاصة إزاء الحلفاء المحتملين إقليمياً، فهو يدع لداعش القيام بترهيبهم نيابة عن إدارته!

لكن أوجه التشابه بين سبتمبرَيْن لا ينبغي أن تنسينا الفوارق الكبيرة بينهما، فالتاريخ لا يعيد نفسه أبداً، وإذا صحّ أنه يفعل بابتذال فهذا ما ينطبق على المقارنة بين دولة القاعدة في أفغانستان ودولة داعش في العراق والشام. وفي حين كانت القاعدة في أفغانستان تمثل الدولة العميقة، تاركة الواجهة للشركاء المحليين، لا يرى أمراء داعش ضرورة لإتيكيت مشابه، بل يطرحون أنفسهم ودولتهم خلافة أممية ناجزة. من تنظيم عابر للحدود إلى خلافة «دولة» عابرة لها؛ الأمر الذي يلغي مقتضيات التكيف مع الواقع التي حكمت تنظيم القاعدة، ويتطلب من الواقع تكييف نفسه مع الخلافة المفروضة عليه، ولئن ظهر داعش كاصطفاء منطقي لمنهج القاعدة، إلا أنه أتى كقَطْع معه، على أرضية عدم راديكالية الأخيرة كفايةً. لقد أصبحت القاعدة من التاريخ، بعدما أعلن داعش الخلافة بصفتها نهاية التاريخ، مع أسوأ الموبقات التي يمكن أن تميز لوثة النهايات.

من كهوف قندهار إلى البادية والصحراء الواقعتين على الحدود السورية العراقية، الفارق هنا لا يتوقف عند الاعتبارات اللوجستية، هو فارق بين التواء المعنى أو تعرجه وبين وضوحه التام. لكن في الاعتبارات اللوجستية المباشرة لا يجوز إغفال الوضوح الحالي مقارنة بمفاجأة القاعدة حين تنفيذها هجمات الحادي عشر من سبتمبر، فداعش «الدولة» موجود في أراضٍ لا تسمح طبيعتها بهامش كبير من المناورة العسكرية، ويحوز على أسلحة لا يستطيع نقلها أو تحريكها بعيداً عن الرقابة الجوية والفضائية. مصادر تمويل التنظيم لا يلفها الغموض على النحو الذي أربك أجهزة الاستخبارات الغربية في مواجهتها مع القاعدة، فصفقات بيع النظام النفط والحبوب في سورية معروفة للقاصي والداني، ومن ثم الاستيلاء على موجودات المصرف المركزي في الموصل وعتاد الجيش العراقي المنهزم. هذه المصادر تهمش التحويلات المالية الفردية السابقة، طالما أتيح لداعش مكانة الدولة تجارةً مع النظام السوري، واحتلالاً مع نظيره العراقي. تجفيف المنابع المالية لإرهاب داعش أسهل نظرياً، صعوبته تأتي في المقام الأول من عدم الرغبة في فضح تجارته متعددة المستويات مع النظام السوري، وتصنيف الأخير كشريك في الإرهاب وفق القانون الدولي.

إثر هجمات سبتمبر شاعت فرضية أن حرب بوش على الإرهاب تلبي مصلحة للطرفين، فهي تُبعد الخطر عن الأراضي الأميركية، وفي الوقت نفسه تستدرج الجنود الأميركيين إلى مرمى نيران القاعدة بدل التخطيط المديد لهجمات مقبلة. فرضية الاستدراج هذه غير متحققة اليوم لأن إستراتيجية أوباما لا تقوم على المواجهة المباشرة على الأرض، وتعوّل على الشركاء المحليين للقيام بتلك المهمة. على صعيد متصل، لا ترغب إدارة أوباما في استهداف داعش بحرب خاطفة وقاصمة، ولا تطرح من خلال الحلف الجديد تصورات مستقبلية للمنطقة أو العالم، على غرار ما فعله المحافظون الجدد. مشكلة الإدارة الحالية هي مع شعار داعش «باقية وتتمدد»، وجودها وتمددها في سورية طوال عام ليس بذي شأن قياساً إلى تمددها خارج الحدود. طوال عام كانت الإشارات تتوالى عن رضا الإدارة ببقاء سورية كساحة حرب بين التطرفَيْن الإسلاميَّيْن، واليوم أيضاً تتوالى الإشارات عن بحث الإدارة عن حل لمشكلة داعش العراقية من دون التورط في الشق السوري. فرنسا، التي صنفها رامسفيلد يوماً ضمن «أوروبا العجوز»، تحاول قطع الطريق على التوجهات الأميركية بالتركيز على الشق السوري من داعش، لعل ذلك يشي بحقيقة الحرب المحدودة التي تريدها الإدارة الأميركية، الإدارة الأكثر تواضعاً من أن تنسب لنفسها نية استئصال الإرهاب.

إذا استثنينا غزو العراق، كانت الحرب على الإرهاب محط إجماع عالمي، ما أضعف القاعدة من جهة التمويل وتجنيد المنتسبين في دول الغرب والمنطقة. اليوم، وكما ابتُذلت أممية التنظيم إلى أممية الخلافة، تظهر مقدمات الحرب الجديدة متهافتة، وربما يشوبها بعض اليأس. قوة القاعدة كانت تنبع من وجود متعاطفين محليين معها على أرضية العداء للغرب، أما قوة داعش فيأتي قسم لا يستهان به منها من تردد الغرب إزاء محاربته عندما كان أذاه محلياً فقط. هي حرب، على ضرورتها، لا تزال تفتقر إلى المصداقية وروح المشاركة الحقيقية بين الحلفاء المحتملين، فضلاً عن افتقارها إلى إستراتيجية غربية فعالة للمشاركة في حل الأزمات البنيوية للمنطقة، بدل تركها مصدر تهديد لأبنائها وللعالم. بين سبتمبرين، سيكون من دواعي اليأس ألا يتغير العالم، وألا يستفيد من الدرس. الحرب الجديدة بلا شك على الأبواب، لكن العبرة في كيفية إنهائها لا في بدئها؛ الفضيلة التي لا يستطيع الغرب ادعاءها في العديد من التجارب التي تخص المنطقة.

الحياة

 

 

 

هل جرائم داعش هي الحل؟/ فواز حداد

أظهرت الأسابيع القليلة الماضية، أن الغرب يروّج لنمطين متناقضين حول تصوراته للدولة الإسلامية، من ناحية يبالغ في قوتها إلى حد يمكن النظر إليها كدولة عظمى. ومن ناحية أخرى، يستخف بها إلى حد القول إن الضربات المحدودة الأخيرة أكدت هشاشتها. وفي الحالتين يورد الدلائل على وحشيتها، وهو ما تستثمره “داعش” بكفاءة وتستغل تأثيراته، نظراً إلى تزايد تعداد قواتها، وخبراتها الحربية، وتمرسها القتالي، ما أدى إلى احتلال مساحات شاسعة من الأرض تعادل مساحة بريطانيا، وما تمثله هذه المساحة من موارد طبيعية ثرية بالبترول والقمح والقطن… ومن الممكن بحالتها الحاضرة هذه أن تعتبر أغنى تنظيم مسلح في العالم. وبالنظر إلى ما بعد، فلنأخذ بالاعتبار خريطة تظهر مستقبل حدود الدولة الإسلامية، من الغرب البحر الأبيض المتوسط ، وتركيا من الشمال، وإيران من الشرق، والسعودية وشبه جزيرة سيناء من الجنوب. دولة تضم سورية والعراق والأردن وفلسطين المحتلة ولبنان، ومن دول الخليج الكويت فقط!! إضافة إلى ما تملكه من أسلحة متطورة تفيض عن حاجتها استولت عليها من مخازن الجيش العراقي، ومن قبل في سورية.

الأحداث الأخيرة حسب مسؤول مخابراتي أمريكي، أثبتت أن تنظيم “داعش” المتطرف ليس تنظيماً لا يقهر، الغارات الجوية الأمريكية حدت من زخم اندفاعته، وكشفت عن نواحي ضعفه، أمام عمل عسكري مشترك ومنسق، حتى أنه اختفى في بعض المناطق بفعل خسائره الكبيرة. ترى هل هذه الصورة على أرض المعركة، دفعت الرئيس أوباما إلى القول إن بلاده تعتزم قتال الدولة الإسلامية إلى أن تتلاشى قوتها في الشرق الأوسط؟ في تصريحاته أيضاً يتحجّج بأن القضاء على “داعش” سيستغرق وقتاً بسبب الحاجة إلى بناء تحالفات تشمل المجتمعات السنّية المحلية، ودول المنطقة والعالم. وإن كان من طرف آخر، يخفف من تهديد داعش لأمريكا، بالقول إن الخطر الأساسي بالدرجة الأولى هو على العراق ودول المنطقة. وذلك بالتوازي مع تصريحات أمريكية تقول؛ لا أدلة موثوقة على أن مقاتلي داعش يخططون لشن هجوم وشيك على الولايات المتحدة. هدف أمريكا المعلن إضعاف وتدمير “داعش” بحيث لا تعود خطراً على أحد، بالاعتماد على خطط ذكية.

لا شك في أن أمريكا الحائرة عازمة فعلاً على حرب محدودة ضمن تحالف دولي، لكن خطط أوباما تبدو غير مفهومة، بميلانها إلى أكثر من اتجاه، فهو لم يحدّد حتى الآن هل سيعمل على إبعاد خطر الدولة الإسلامية عن الغرب، طبعاً إسرائيل ضمن الخريطة الغربية، لا سيما وأنها مهيأة للانتشار في العالم. أم الهدف استئصالها؟ أوباما لم يخف افتقاده لاستراتيجية أمريكية للتعامل الميداني مع الإرهاب، ما أخضع العملية المقبلة إلى زمن مفتوح غير محدد. إن إطالة فترة الاستعداد لحرب قيل إنها طويلة يشكل خطراُ ليس على العراق أو سورية فقط، بل أبعد من المنطقة، خاصة مع اعتياد أوباما على الإمعان في التفكير، والتمهّل في اتخاذ القرارات، واتباع الحذر الشديد في التحرك، وليس من الغرابة، بفعل التردد الذي يلازمه، التراجع عما اتخذه، حتى أن الآمال باتت تنعقد على داعش في القضاء عليها، لتورطها الجنوني في ارتكاب المزيد من الجرائم الهمجية، لتردع أوباما عن التدخل، فإذا بها تقطع عليه خط الرجعة.

يدرك الغرب أن العالم مترابط ومشدود إلى بعضه بعضاً، لذا لا يقتصرالأمان على بلد دون آخر، ولا خيار في مكافحة الإرهاب، ففي إنقاذ الآخرين، إنقاذ لهم أيضاً من خطرلا محالة سيعم العالم، ما دام هناك شبكة متكاملة تساهم في ضخ الجهاديين من مختلف بلدان العالم إلى العراق وسورية، إن لم يجدوا لهم متنفساً فيهما، فلن يتأخروا عن تفجير أنفسهم في البلدان المتواجدين فيها. الإرهاب مشكلة دولية تدور حول الغبن الذي تتعرض له شعوب تفرز جماعات يائسة، حتى في البلدان الغربية، التي لا تفتقر إلى ناقمين يظنون أن القتل يعيد إليهم كرامتهم، والرد على ما نالهم من عسف في ديار الكفر؛ أجلى مظاهره، التمييز واللاتكافؤ وانعدام الفرص. تعتقد أن تغيير العالم لا يتم إلا بالذبح. إذا كانت اليوم تستعين بالأديان، ففي السابق استثمرت شعارات المساواة والعدالة، ولن يحرمها المستقبل مما تستعين به في حال توافر الظلم ذلك العنصر الذي هو الخطر الأكبر.

المدن

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى