صفحات الثقافة

ملف السفير عن حوار “أدونيس” الأخير في نفس الجريدة

 

 

 

لا التاريخ ولا السياسة/ عباس بيضون

أدونيس أحد رموزنا الثقافية والشعرية والفكرية، ذلك يجعل كلمته وازنة، خاصة حين تتناول ظرفاً حاضراً، فرجل بهذا الحضور لا مجال لمحاورته باستخفاف. استخفاف كهذا سيكون من دون شك وقبل كل شيء استخفافاً بمجلة «شعر» ومجلة «مواقف» و «الثابت والمتحول» و «أغاني مهيار الدمشقي» و «مفرد بصيغة الجمع»، و «ديوان الشعر العربي» و «ديوان النثر العربي» وهذه أمور لا سبيل إلى الاستخفاف بها، فهي علامات في ثقافتنا ولا يسعنا أن نغفل عنها في معرض الكلام عن تاريخنا الأدبي والثقافي الراهن. ثم اننا لا ننسى أن أدونيس الشاعر والمفكّر أكثر سربِهِ حضوراً وأكثرهم إثارة للجدل وأكثرهم تأثيراً، فنحن إذ نناقشه نفعل ذلك بالجدية التي تستحقها قامة مماثلة. غير أن هذا بطبيعته لا يلزمنا بأفكاره ولا يلزمنا بأحكامه.

من المماحكة أن نتكلم عن عَلَوية أدونيس أو أن نردّ مواقفه إليها، فأدونيس مذ كان فتى وهو يناهض الاتباع المطلق لأي دين ولأي مذهب. من المماحكة أن نستعيد للمرة الألف حكاية جائزة نوبل وكأنها عارٌ على أدونيس، كما العودة المتكررة إلى أبياته التي حيّا بها الثورة الإيرانية حين كانت مداً جارفاً وحين اجتذبت عشرات المثقفين، وتعييره بها. هذه العودة لا تقل مماحكة عما سبق. السجال على هذا النحو ليس سوى مناكفة أو مكايدة، غير أن هذا لا يمنعنا من أن نلاحظ أن أدونيس في نظره إلى التاريخ وإلى السياسة، وفي غضون ذلك الإسلام، يقع في تبسيطية لافتة.

منذ الثابت والمتحوّل نرى أن نظر أدونيس للتاريخ إن تميّز بشيء فهو لا تاريخيته، إذ إن التاريخ في نظره عبارة عن تضادٍّ ثنائي ومانوية متصّلة: ثابت ومتحوّل. رغم تبحّر أدونيس في التراث فإن في هذه الثنائية شيئاً من الرؤية الدينية التي تقوم في الأساس على ثنائيات منها الخير والشر. هذا النظر إلى التاريخ لا يقيم فارقاً بين المراحل والعصور، ولا يرى الحادث ضمن محيطه وما يكتنفه من ملابسات ومقومات، وما يجعله منظومة من التفاعلات التي تعود إلى ظروفه وإلى عصره. كما أن هذا النظر يعزل الأفكار عن الوقائع ويرى التاريخ سلسلة متماثلة من الردود. هذا ما بدا في حديث أدونيس لـ «السفير» حين يرجع إلى واقعة سقيفة بني ساعدة ليعمّمها على التاريخ كله، وبخاصة التاريخ المعاصر والراهن. كما يبدو حين يعيد أدونيس الإسلام إلى امتهان مؤسسيه التجارة، والتجارة في مجتمع قبلي هي الأكثر تقدماً والأكثر أهلية لبناء دولة. لكن المسألة ليست هنا، فأدونيس يردّ الحاضر إلى كون مؤسسي الإسلام تجاراً. هذا يعني انه يردّ الحاضر واللحظة الراهنة إلى ما يزيد عن 14 قرناً. التاريخ ليس في نظره سوى سلسلة من التماثلات، سوى طبعة أوسمة تتكرّر وتستعاد كل وقت وكل فترة. ليس من الضروري بالطبع أن نذكّر بتاريخ 14 قرناً وما حواه من ظروف متبدلة ومراحل مختلفة. لكن من الضروري أن نقف عند الظرف الأخير «الكولونيالية، فلسطين، حركة التحرر الوطني، الانخراط الجماهيري المتزايد في السياسة، الموقف من الغرب» لنفهم لا حاضرنا فحسب ولكن حاضر الحركات الإسلامية نفسها الذي لا ينفكّ عن فشل الأنظمة العسكرية وفشل مشروع التحديث والدولة، كما لا ينفكّ عن الانخراط الجماهيري المتزايد في السياسة، فالإسلام الحديث هو جزء من عصرنا الحديث وتاريخنا الراهن، وهو رد، بمنطقه ولغته، على تحديات حاضرة.

لا نخالف أدونيس في نظره للتاريخ ولكن أيضاً في تناوله للسياسة، لذا بقدر ما يبدو لنا أن أدونيس ميّال إلى أسطرة التاريخ نراه ميّالاً إلى إنكار السياسة، لكنه مثل جميع المنكرين للسياسة يكون فيها حين يُنكرها ويكون خارجها حين يعترف بها. في حديثه لـ «السفير» يتكلم أدونيس عن الإسلام الأول وعن مؤسّسيه التجار الأمر الذي ينتهي، للأسف، بالسلطة والمال، ولو شئنا أن نجد اسماً مقابلاً للسلطة والمال لقلنا إنه السياسة. ليست السياسة هكذا في نظر أدونيس إلا انحداراً إخلاقياً يطبعه المال. اين نجد السياسة إذاً خارج السلطة وخارج المال؟ هكذا كان أدونيس طوال حياته محارباً شرساً ضد الدين، لكنه لم يفه بكلمة ضد نظام سياسي. قد ينتقد الأنظمة بالجملة لكنه لا يسمّي نظاماً والذين طالبوه بأن ينتقد نظام الأسد لم يتذكّروا هذه القاعدة التي التزمها على الدوام. في حديثه إلى «السفير» واظب أدونيس على قواعده. يخوض معركة ضد تجريد ضخم هو الدين ويحاربه في أولياته وبداياته البعيدة ومن دون أن يتوقف عند حاضره ونتائجه الراهنة، ويجابه سياسة لا اسم لها إلا حين يُنكرها ويدحضها أخلاقياً.

 

 

 

 

شاعر أولاً/ جميل العلوني

ليس جديداً على أدونيس، الشاعر والمفكر والمنظّر المخضرم، أن يثير الجدل دائماً بعد كلّ مقابلة أو محاضرة أو حوارٍ يجريه، وآخرها هذه المرة، كان حواره مع أسرة «السفير» الأسبوع الفائت.

كان أدونيس كعادته، جريئاً في الطرح وفي النقد. يعلم مسبقاً أنَّ كلامه سيثير الكثير من الجدل وردود الأفعال حوله من قبل المهتمين بالشأن الثقافي. لكن هذا لم يمنع أدونيس من أن يقول كلمته الجريئة، وأن ينتقد برأيه، محرّمات ظلت تكبل عالمنا العربي، وفي أولها مسألة الدين.

لا يشك اثنان أن ما قاله صاحب «الثابت والمتحول» عن القراءة السائدة للنصوص الدينية، والنص القرآني خاصة، أي، الرؤية الإسلامية للإنسان والعالم، صحيحٌ. فهي كما يقول سادت أو تمأسست على الشكل الآتي: «محمد خاتم الأنبياء، أي لا نبيَّ بعده، وبالتالي فإن الحقائق التي نقلتها النبوة المحمدية في كل ما يتعلق بالماضي، والحاضر، والمستقبل هي حقائق نهائية ولا حقائق بعدها، وبالتالي ليس هناك للفرد حق في أن يعدّل أو يغيّر أو يضيف أو يحذف، بل ينبغي أن يعيش في عالم مغلق».

ولكن هذا الرأي قد يزعج البعض، فهو يمس المعتقدات الدينية التي لطالما كانت حساسة، وبالتالي يدفع بنا إلى القول: إن أدونيس ضد الدين! فماذا يريد أدونيس؟

حقاً لا أعرف ماذا يريد أدونيس، ولكن أظنه أنه يريد أن يكون شاعراً فحسب. يصعب على الشاعر بشكل عام أن يعيش في عالم منتهٍ، محدد، وخصوصاً إذا تحدثنا عن شاعرٍ مسكونٍ بالمسائل الفلسفية والكونية مثل أدونيس.

أعتقد أنَّ هذه القراءة السائدة من قِبل مجتمعاتنا العربية لموروثنا الديني والثقافي تضع الشاعر في مفارقة وجودية؛ فالشاعر وُلد كي يضيف على هذا العالم أشياءً ليست موجودة.

يبدأ الشاعر حين ينتهي الإنسان، وقد أثبتت الوقائع السياسيّة والاجتماعية والدينية على كافة المستويات؛ أننا قد انتهينا كبشرٍ فاعلين في عالمنا العربي. من هنا كانت مهمة الشاعر في خلق ما لا يوجد، وبهذا الشكل بالضبط تُبرر مهنة الشاعر: فهو يزيد على العالم مضيفاً إلى الأشياء الحقيقية الموجودة في مكانٍ ما، قارة غير حقيقية، فكرة غير موجودة، عالماً جديداً.

ولكن ضمن الرؤية الإسلامية السائدة للعالم والإنسان في مجتمعاتنا العربية، سيحس الشاعر أنه يعيش في قفص، وبالتالي، فإن أدواته التي يستخدمها، كاللغة، لن يكون لها أية قوة أو قدرة للخروج من هذا القفص الأبدي. بهذا المعنى يتخلى الشاعر عن لغته، عن كينونته، أي عن معنى الشاعر: الخالق الذي يخلق في هذا العالم أشياءً ليست موجودة، وبالتالي يحس أنه غير موجود. بهذا المعنى علينا جميعاً أن نفهم نقد أدونيس للتراث الديني، فهو شاعر يريد أن يخرج من عالمنا المحدود الذي نعيش فيه في ظل حقائق وموجودات ثابتة.

إن «مهيار» يريد أن يضيف أشياءً جديدة على هذا الكون ليست موجودة في موروثنا الديني. يريد أن يكون شاعراً لا غير. من هنا كان نقده لهذه القراءة السائدة للنص الديني التي تجعل منا جميعاً مكبلين في ظل حقائق لا نستطيع أن نخرج عنها.

الربيع العربي

ومن هذه الفكرة نفسها، أنّه شاعر لا غير، نظر أدونيس إلى ما يسمى بـ «الربيع العربي». ولعل الجدل الذي أثير حوله، كان متعلقاً بالحراك الذي شهدته سوريا بشكلٍ خاص. فقد صنّف البعض موقفه من الأحداث السورية على أنه مناقضٌ تماماً لصورة الشاعر المتمرد والثائر على الموروث والتي لاصقت أدونيس طوال عقود. لم يكن موقف أدونيس جريئاً كما كتاباته من النظام السوري، هذا ما قاله البعض. فهو لم يدعم الحراك الذي خرج من الجامع كما وصفه هو نفسه، كما أنه لم يعطه لقب الثورة. كذلك لم ير براميل المتفجرات التي تقتل السوريين، كما زعم البعض الآخر، وكان آخرهم جنبلاط.

في المقابل، يقول آخرون: إن أدونيس لم يترك منبراً إلا ودعا به إلى التغيير في سوريا. لقد كان طرح أدونيس فيما يتعلق بالحراك السوري شعرياً بكل معنى الكلمة، وبرأيي كان من أوائل الذين دعوا إلى الثورة في سوريا وغيرها من البلدان العربية. فانطلاقاً من كونه شاعراً، كانت الثورة بالنسبة لأدونيس وستبقى ذات رمزية شعرية. وبهذا المعنى تعاطى الرجل مع الحراك في بلاده. هذا شأن الشعراء الكبار: أن يعيشوا الحياة والواقع شعرياً. فالثورة تعني، فيما تعني بالنسبة له، نظرة جديدة. وهذه النظرة تتضمن بالضرورة، نقداً لما سبقها، سواء كان دينياً أم غير ديني. وتتضمن بالضرورة تجاوزاً لما سبقها. ولكننا بعد قرابة خمسة أعوام من الحديث عن الحراك والثورة، بقي هذا الحراك نموذج لا يفكر بفكره، بل الذي يفكر بالفكر الغيبي، وكان الفرد المتحرك فيه ليس حراً يدور حول نفسه، بل تابع يدور حول غيره. والثورة في سوريا يجب أن تعني فيما تعني خلق مجتمع سوري جديد: مجتمع مرتبط بذاته وحده، مجتمع يكون فيه الإنسان هو إله ذاته على حد تعبير فويرباخ.

بتطبيق هذه الرؤية الشعرية الأدونيسية على واقع ما يجري على الأرض السورية، سنرى جميعاً أن القوى الغربية كانت محركاً أساسياً في ما يجري، وأن العديد من المعارضين كانوا، بشكل أو آخر، تابعين غير مستقلين في القرار. والحراك الذي حدث في سوريا خلق مجتمعاً جديداً في بعض المناطق: مجتمع داعش والخلافة الإسلامية.

بهذا الشكل لم يتحقق أي شكل من أشكال الثورة الشعرية عند أدونيس، وهذا يقتضي بالضرورة عدم تحقق هذه الثورة على أرض الواقع بالنسبة له. لقد كان شاعراً أيضاً في نظرته إلى الحراك. لذلك أعتقد أن أدونيس سيستمر في موقفه هذا إلى أن يتم تغيير هذا الواقع والقيام بثورة تحمل هذا المعنى الشعري: أي التغيير الجذري لواقع المجتمع السوري بدءاً من الدين وانتهاءً بالسياسة. وهنا لا بدّ من الإشارة من موقف أدونيس المعارض للنظام السوري. فقد كان في صراعٍ متواصلٍ معه منذ خمسين عاماً، لذلك فهو ضده بالفطرة، ولكن قد يختلف عن الكثيرين، انطلاقاً من كونه شاعراً بكل معنى الكلمة، في طرق المعارضة.

بين شاعرٍ وآخر

لا يتحدد الفرق بين شاعرٍ وآخر بشكل التعبير، وحده، وإنّما يتحدد كذلك، وقبل كل شيء، بالموقف من المعاني السائدة وسياقها. بعضهم يرى أن التغيّر يتم في شكل التعبير (لو أعلن أدونيس علناً تأييده للحراك السوري، ربما لأصبح أهم الشعراء العرب عند المؤيدين للحراك العربي). في حين يرى البعض الآخر، وعلى العكس تماماً، أن التغيّر، هو تغيّر في المعنى، أي تحرير المعنى. أعتقد أن أدونيس هو من أولئك الشعراء الذين يتبنون الموقف الثاني، لأنه يفترض بالضــرورة، ثــورةً وتحــريراً شــعرياً وحياتياً: نظرة جديدة للإنســان والعالــم، ورؤية جديدة للعلاقة بين الكلــمات والأشياء، وهذا يؤدي بالضرورة إلى طــرق تعبيرية جديدة.

عندما نحقق، نحن العرب، في مجتمعاتنا العربية هذه التحرر، تحرير المعنى، سترون أن أدونيس سيكون أول المهنئين. ولكن إذا ظل تغييرنا مقتصراً على الشكلية (كوضع رئيس مكان رئيس آخر على سبيل المثال مع بقاء البنية السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية نفسها في المجتمع)، فمن الطبيعي أن نجد صاحب «لغم الحضارة» من الرافضين لهذا النوع من التغيّر.

لا تستغربوا ذلك، هذا هو الفرق بين شاعرٍ وآخر. من هنا كان علينا أن نتعامل مع أدونيس بهذا الشكل: إنه شاعرٌ فحسب.

(كاتب سوري)

 

 

 

الرمادي دوماً…/ ياسر اسكيف

باطلٌ.. باطلٌ كلّ شيء. ربّما كانت النتيجة التي وصل إليها محاورو أدونيس (السفير 19-6-2015). والباطل الأدونيسي، الذي أفصح عنه في هذا الحوار، ليس من النوع الذي يمكن الاستدلال على نقيضه بالسلب، وذلك نتيجة لبقاء «مهيار» عبر إجاباته كلها في دائرةٍ من التعميمات التي لم ينجح المحاورون، كما يبدو، بسحبه خارجها. تعميمات كان لها، في أكثر من إجابة، لبوس الرأي الحاسم والقطعي.

ولنبدأ مع مأخذ أدونيس على (التحوّلات العربية) التي لا يعتقد (بأن أحداً تردّد في الدفاع عنها) والمتعلّق بخلو هذه التحوّلات (من أي مشروع يشكّل خطوة نحو التغيير. ليس تغيير السلطة، بل تغيير المُجتمع، وتغيير الأفكار، وتغيير الثقافة). وهذا يعني ببساطة متناهية افتقارها إلى التنظيم الجماهيري الحزب السياسي الذي يمتلك برنامجاً متكاملاً يحيط بكل مناحي الحياة، وهذا ما لا يحدث إلا على قاعدة أيديولوجيّة متماسكة (يذكّر هذا التصوّر بالثورة البلشفية 1917) وإيديولوجيا ثورية بكل تأكيد.

مع أن أدونيس يقول في مكان آخر من الحوار: (لا توجد حلول جاهزة إلا في الدين والأيديولوجيات. ونحن جرّبنا الدين فقتلنا، وجرّبنا الأيديولوجيات فقتلتنا). إنه ينعى غياب التعبئة، التي لا يمكن أن تكون غير أيديولوجية، ويرفض الأيديولوجيا في الوقت ذاته. والأمر كما يبدو هو أن التعبئة التي ينكر أدونيس وجودها لم تكن بالكيفيّة التي يريدها، ويدعمها، ويؤيدها. ولهذا يفصل بين الدين والأيديولوجيا على أنهما أمران متفارقان.

وكي يفسّر الشاعر السوري الحركة الاحتجاجيّة لشعبه، والتي حدثت، ولا مجال لنكرانها، بغير الطريقة التي يتصوّرها لأي احتجاج، فإنه يعزو الطاقة التي حرّكتها إلى مؤثر خارجها، وبهذا يُعيد إحياء سيناريو المؤامرة. ويبلغ به الأمر هنا إلى استسهال إغماض العين عن حقائق لا يمكن إغفالها كي لا تشوّش على حبكة السيناريو الذي يرغب بأن يكون هو الحادث وليس المُتخيّل.

لقد خرجت مظاهرات احتجاجيّة حاشدة في حمص وحماه ودير الزور واللاذقيّة وكان شعارها إسقاط النظام. وهذا لا يجعلها دون أهمية لأنها لم تحصل في دمشق العاصمة كما في تونس والقاهرة. وإسقاط النظام كما يعرف أدونيس، قبل غيره، هو العتبة الضرورية، والأولى، في أية عملية تغيير، إن لم نقل ثورة. وأما عن أن (المشروع السياسي لهذا الانفجار هو مشروع عودة إلى أصول خانها الناس وتجب العودة إليها، وهي أصول دينيّة بشكل أو بآخر) فهذا ما يجب أن لا يفاجئ أحداً، أو يثير استهجانه واستغرابه، مع أن هذا المشروع لم يظهر بداية مع انطلاق الاحتجاجات في سورية، إنما جاء تالياً، لأنه الإطار الأيديولوجي الجاهز، والحاضر، دوماً، ولم يكن بمنأى عن التأثير والتأطير في أية لحظةٍ سوريّة. وموقف أدونيس هنا لا بدّ أن يستحضر قوله في ذات الحوار (إن الشعوب، مع الأسف، ليست هي التي انطلقت بنفسها وثارت، بل ثارت قوى أخرى)!

هل يعتقد أدونيس بأن مئات الآلاف التي خرجت في أكثر من مدينة سورية قد تم استقدامها من كوكب آخر مثلاً. أم أنه، لرغبته في الخروج من تناقضاته، يستعجل النهايات ليبني عليها ما يعتقد بأنه نبوءته، غير عابئ بالبدايات التي تُفسد عليه تصوّراته وتحليلاته (المهم النتائج وليس البدايات…) وهذا يريحه في نكرانه أن جزءاً كبيراً من الشعب السوري قد ثار فعلاً، وكان الجميع سوريين وليسوا أميركيين أو يابانيين. إنه يقف عند لحظة اختطاف هذا الحراك الجماهيري من قبل المشاريع الدينيّة، بل المشاريع المُعادية للإنسانيّة، ليؤكد تصوّره عن المؤامرة ورغبة الغرب في تحطيم دول المنطقة. وهذا يُريحه مرّة أخرى؛ إذ يُعفيه من الإشارة إلى دور السلطات المحليّة في تسهيل هذا الاختطاف، وربما رعايته، في بعض المراحل.

التغيير

وفي العودة إلى غياب أي مشروع تغييري عن التحوّلات العربيّة فإنّ أدونيس لديه الجواب: (المشاريع والأفكار والمستقبل تولد على نار التحليل. لا توجد رؤية جاهزة سلفاً…). ولكنّ التغيير الذي يقصده صاحب «الثابت والمتحول» هو التغيير الذي ينطوي على فكرة التقدّم التي لا يمكن أن تكون دينيّة أبداً ذلك أن (التقدّم الأقصى قد أُنجز في الوحي الذي لا حقائق بعده)، مع هذا لا يكفّ عن القول بإمكانية قراءة للأصول قد تشحن الفكر الديني بالقليل من القابلية على استيعابه لفكرة التقدّم، حيث إن المشكلة كما يرى ليست في أصول الدين الإسلامي الذي نشأ منذ البداية عنفيّاً، كما يقول، بل (المشكلة تكمن في قراءة الأصول… المشكلة هي كيف نقرأ النص) وكأنما هذا النص المُنجَز، والمُطلق، والنهائي، يحتملُ أكثر من قراءة. أو أنّ قراءة كهذه لا يمكن أن تتم إلا بهدف إصلاح هذا الدين مع تأكيده أن (الدين لا يمكن إصلاحه. الدين إمّا أن تؤمن به أو لا تؤمن).

إذاً لماذا الإصرار على القراءة المُختلفة للنصّ، أو مساءلة هذا النص عن ماهيته؟! ولماذا التحامل على المُفكرين الإسلاميين بأنّ أياً منهم (لم يطرح سؤالاً عن قيمة الوحي معرفيّاً اليوم) وليسَ هناك (من ساءل هذا الوحي) والوحي الذي يقصده هو الذي لا حقائق بعده، والذي يؤمن به كل مسلم، وخاصّة أولئك الذين يتبعون منهج (ابن تيميّة) الذي يحترمه رغم اختلافه معه، لأنه (عرف كيف ينتقد المنطق اليوناني ويحاور العالم) مع أنّ ابن تيميّة هو صاحب المنهج الذي يقول بأنّ المعرفة الدينيّة لا تتطوّر، وأن جيل الصحابة والتابعين قد أوتوا المعرفة التامّة الكاملة في ما يتّصل بالوحي ومعناه، وبأن التمسّك بمعرفتهم هو العاصم من الزلل والانحراف (نصر حامد أبو زيد – فلسفة التأويل..).

العدمية

إن هذا الدوران الذي يقوم به أدونيس حول فكرة الوحي والنص والقراءة والمساءلة ليست غير نوع من المناورة لتفادي قطع شعرة معاوية مع المتدينين. مع أنه في مواقع أخرى من الحوار يقطعها بلا تردّد حينما يؤكد صاحب «الكتاب» بأنه لن تكون هناك أيّة حياة مدنيّة مادام الدين هو مرجع القيم، أي أن على الدين أن يتنحّى عن الحياة العامّة بأي لبوس كان.

وربّما كان منتهى العدميّة الأدونيسيّة التي تبدّت في هذا الحوار هو قوله: (الكاتب إذا لم يزلزل التاريخ بكامله، لا يستطيع أن يفعل شيئاً، وحتى يزلزل التاريخ بكامله يجب أن يكون حرّاً، وهذا ما نفتقده اليوم في عالمنا العربي). طيب ماذا عن مئات، إن لم أقل آلاف، الكتّاب أمثاله، الذين عاشوا، وما زالوا في شرط الحريّة الكامل (أوروبا وأميركا) وبظروف عيش ماديّ رغيد؟!!

إنه أدونيس دوماً، أدونيس الذي لا تتفق معه إلا على الاختلاف. والذي لا يمكنه الخروج من تردّده وارتباكه، لأنه لم يعد قادراً، أو لا يريد أن ينظر إلى مشروعه الثقافي والإبداعي، ولو بإلماحة ٍ تتضمّن الشك في الكثير من تناقضاته، والتي تعود في جذرها إلى رغبة لم تفارقه يوماً، في أن يكون بمكانين وزمانين مُختلفين، ومتباعدين، في وقت واحد. كما لا يمكنه أن ينزع صاحبهُ (هرمس) الذي بنى على نظريّته في الرؤيا، وفي التأويل، أهم أعماله (شعراً ونثراً).

(كاتب سوري)

 

 

 

هذا اليقين القاتل/ حمزة عبود

سمعت ولم أقرأ تعليق الأستاذ وليد جنبلاط على الحوار الذي أجرته «السفير» مع الشاعر أدونيس، كما قرأت مقالة صديقي الشاعر عقل العويط المطوّلة حول هذا الحوار الذي يكشف «عما ينطوي عليه نقد أدونيس التفكيكي والجوهري للإسلام من نقض لهذا النقد ومن موقف طائفي وباطني عميق… واستطراداً من النظام الحاكم، وقرأت عدداً من المقالات والتعليقات على «الفايسبوك» لعدد من الكتّاب والقراء المستفزين لمواجهة مخاطر المواقف والأسئلة التي أطلقها أدونيس… ثم قرأت تعليقاً لصديقي الشاعر عباس بيضون الذي انتظر أسبوعاً ليقول رأيه بخفر ويخبرنا كيف «أن أدونيس لم يقل كلمة عن الأسد وأنه كان جريئاً في نقد الإسلام… وأن منهج أدونيس في ذلك ليس تاريخياً، وأنه يتعامل مع الإسلام كأنه بلا تاريخ!» ثم قرأت لعدد ـ آخر ـ من القراء حول مخاطر ما يطرحه أدونيس في هذا الحوار… وفي سائر إنتاجه الشعري والفكري والنقدي، في تعليقات عابرة (ولكن جازمة دائماً) تنتهي بمختلف أشكال الاتهامات السائدة في حوارات هذا العصر الذهبي حول كل شاردة وواردة في مسار الثورات العربية وطبيعة أنظمتنا العسكرية والدينية والقبلية.

كدت وأنا أقرأ هذه الردود والتعليقات أظن أنني خاطرت في قراءتي لأدونيس منذ ما يزيد على النصف قرن في مطلع الستينيات وفي مختلف مراحل التحولات التي شهدتها الحركة الشعرية والتحولات التي شهدتها تلك المرحلة في مختلف الميادين الثقافية والفنية في لبنان والعالم العربي.

ولكنني حين استعدت قراءة هذه الردود على اختلاف مستوياتها (وإن كان استخدام هذه المفردة ـ «مستويات» ـ لا تصح هنا)، حين استعدت هذه الردود ساورني شعور بأنها تنصف أدونيس حقاً ـ فلقد خطر لي فجأة قول ابن عربي على الأرجح الذي كنت أردده كلما انتابني شعور بالوحدة والخيبة: «اللهمَّ أكثر أعدائي في بلادك!»، وقلت إن ما يشيع من فساد سياسي وثقافي و»أخلاقي» لا يستدعي (لا ينبغي أن يستدعي) الركون إلى «الإجماع» أو التسليم به، بقدر ما يحفز (ينبغي أن يحفز، في الثقافي خاصة) على إرباكه!

حين نقرأ أدونيس نقف امام الأسئلة المؤجلة او المهملة دائماً في النص السائد للسلطة في مختلف أشكالها… وفي نقد هذه السلطة أيضاً! فالحديث عن «الثورة» وعن التغيير وعن الحداثة وعن الحرية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة والنهضة العلمية… الحديث عن كل هذه كان يتردد ـ بالوتيرة (والمفردات) نفسها في كل الانقلابات العسكرية وفي كل التغييرات التي شهدناها منذ أواسط القرن الماضي من دون أن نقع على تحول جدّي وحقيقي يعيد للمواطن (الفرد) حقوقه أو حتى الحد الأدنى من حقوقه وأمنه المعيشي…؟

بالطبع يمكننا القول إن ثمة مكتسبات حققتها هذه الثورات أو «الانقلابات» ولكن هل تكفي هذه «المكتسبات» لصد أو تقويض أنظمة الاستبداد العسكري أو الديني ـ إذا لم يكن هناك «مشروع حقيقي للتغيير».

مونولوغ مسرحي

أظن ان الشبهات التي يُرمى بها أدونيس والتي لا يمكن استنتاجها في الحوار نفسه أو في أي نص أدونيسي آخر تبدو قريبة ومثيرة للشك على نحو لم أكن اتوقعه في «خطاب» صديقي عقل الذي بدا أقرب إلى «مونولوغ مسرحي» منه إلى مقالة سياسية أو نقدية، فعقل يتحدث عن «مدينة» الثورة في أشهرها الستة الأولى، في الوقت الذي تكشف صور التظاهرات منذ الأيام الأولى تسلّط الشعارات والقوى الدينية والأصولية. وعقل يتحدث عن «قصيدة مناسبة» يعرف الجميع (كما يعرف هو) ظروفها ومناخاتها وأسبابها التي أغوتنا جميعاً قبل ان تنكشف الثورة أو تتحول إلى نظام ديني استبدادي.

أظن ان عقل يعرف خلفيات كل الوقائع التي يحوّلها إلى اتهامات من دون حساب. ثم إنني أريد ان اتفق مع صديقي عقل وأن افترض أن أدونيس أخطأ في النظر إلى قضية (أو مسألة) في قراءة «أزمات» أشد تعقيداً من أن يدَّعي أحد انه نجا من الخطأ في جميع مسالكها، فهل كان ذلك يكفي لتجاوز أدونيس، أحد أبرز مؤسسي مجلة شعر التي تلمسنا عبر صفحاتها (نصوصاً ومقالات نقدية) ملامح قصائدنا الأولى، وأدونيس الذي قدّمنا على صفحات مواقف، وأدونيس الحداثة الشعرية، والثابت والمتحول والثقافة «النقدية»، وأدونيس الشاعر (أولاً (…) هل كل هذا الأدونيس كان خائناً وطائفياً وباطنياً… إلا إذا كان مشهد داعش قد احتل مساحات من عيشنا ولغتنا…!

ملاحظتان

حين قرأت أدونيس توقفت عند أسئلته التي لم يكف عن طرحها، ضمنية (في شعره) وصريحة (في مقالاته)، علها تحرّض على البحث أو التأمل في وقت اعتدنا فيه الكسل عن كل محاولة للخروج من هذا اليقين القاتل.

في قراءة الصديق الشاعر عباس بيضون للحوار تستوقفنا ملاحظتان واضحتان ينتبه إليهما بعد أيام من الحوار (الذي يفترض أن يكون شارك فيه باعتباره في هيئة تحرير الجريدة ورئيساً للقسم الثقافي ولكن عباس نسي كما يفعل دائماً، فاستدرك على الفايسبوك:

«لو تجرأ أدونيس على الأسد وليس على الإسلام؟! ثم يضيف في ملاحظة ثانية «ربما يُسر البعض (بموقف أدونيس من الإسلام) بحيث انهم ينسون ان منهج أدونيس في ذلك ليس تاريخياً» والحقيقة أنني لم أفهم معنى ومناسبة هاتين الملاحظتين. فالحوار الذي أجرته «السفير» لم يطرح سؤالا واحداً حول موقفه من الأسد أو النظام ـ والمدهش أن أدونيس كان يدرج اشارته إلى «ضرورة» تغيير الأنظمة في كل محطة من النقاش (في رده على ثلاثة أسئلة) من دون أن يجرؤ أو يعمد أحد من معدّي (ومديري) اللقاء على طرح هذا السؤال مباشرة؟

ثم ماذا يعني عباس «بالمنهج التاريخي» ـ هذا التعبير الملتبس ـ منذ نشأته أو استخدامه في العلوم النظرية ـ إلا إذا كان عباس يريد ان يقول إن موقف أدونيس لا يرتكز إلى مستندات ووقائع تاريخية… وإن ما يقوله أدونيس يحايد الوقائع أو يعيد تأويلها على نحو يعزز قراءته الخاصة لهذه الوقائع!

ولكن كــيف تــبدو هذه القــراءة لعبــاس غير تاريخية أو أنــها لا تنــدرج في «المنهج التاريخي»؟

 

 

 

 

دولة أدونيس/ وائل عبد الفتاح

المثقف حافياً. هذه صورة ليست جديرة بهذا النقاش الملتهب حول أدونيس. وكلامه عن الثورات والتغيير والشعوب. أدونيس قادم من الماضي معلناً: “نحن شعوب نعيش أبدية دائرية”. لم يقل ذلك بالنص. لكنها الفكرة البراقة التي لم يفلت هو منها. فهو يرهن حالتنا كلها لتأبيد الحاضر. يفعل ذلك في قلب خراب لا يسمه خراباً ولا يصفه بالجمال. كما يفعل الفوضوي المخرب المدمر الذي كان يلعب ادواره في الشعر والثقافة. ادونيس لم يكن مقيماً في برجه الملعون. ولم يستطع الخروج بكامل هيئته المعتادة. تسلل حافياً الى الشارع لكي لا يسمع احد وقع خطوات الحذاء المدرب على ممشى المنبوذين. تسلل ادونيس وتلصص على لحظات “الخروج” على ابدية الانظمة. لنسمِّ “الثورات” او “الانتفاضات كذلك..”…. وعاد لا ليعلن ارتباكه، او تواضعه، او محاولته للتفكير، ولكن ليصدر الأحكام ويمنح الصكوك، وتتماهى تحليلات وأفكار مشحوذة مع رغبته في استعارة ادوات المعلق الرياضي على المباريات. بهذه البساطة اراد التعليق عن ثورة تقطع مسافاتها الفارقة عن الجحيم. هو في منصات المنبوذين، تستعديه كل سلطة ليمنحها تباريكه (من الأحزاب القومية الى آيات الله وحتى شركاء آل سعود..)، بقي كما هو: المنبوذ السعيد. ادونيس المنبوذ من العائلة/ الوطن/ الجماعات.. بل من التسمية. الملحق بالأساطير. يريد ان يبقى اسطورة. لم يكتف بعد من ملذات المنبوذ. هو فتى مدلل عند تكوينات تلبست فيها القبلية/ العشائرية لباس الدولة القومية. تلبيس تزركشت حوله هويات سالت افكاراً وأيديولجيات ليتعفن كل ذلك في أبدية “سلطوية ” تجمع الانظمة ومنتقديها في قارب واحد. كيف يمكن لمن يحلل حياة المجتمعات في الماضي ان يقول: “كيف تصف شعباً ثلثه لاجئ إنه شعب ثوري..؟ او ان “يعتبر آكلي الدول داعش هي الثورة..”؟ كيف لمن لمعت رأسه ذات يوم بفكرة ان يطفئها… ويبيع اللمعان والانطفاء… في سلة واحدة؟

2

هما الى مصير واحد. المنبوذ والسلطة التي زركش رحلته في هوامشها. هما طرفا الاتزان الذي يمنح للعفن رونقه. مسالا على جوانبه المعتمة بريق يمهلنا الوقت لاستراحات ملونة عن الثقافة والفكر وما يتبدى ذلك من شغب لطيف. ادونيس عارف بكل ما يبهر تكوينات سلطوية غادرت الماضي ومقيمة فيه…متخلفة وحداثية. هو عارف انه مكملها. يمنحها “قبلة الحداثة”. هو هذه القبلة. السعيد بحصوله على ملاجئ النبوة المطاردة. نبي تجمد مع سلطته.

3

للمنبوذ سحر سلطوي، يعيد انتزاعه من النسيان عند عشاق العادات القديمة، وهواة جمع تذكارات من ازمنة غابرة. ادونيس له نفس السحر، المعتق، لنجم ثقافي، لمع وسط العتمة على أطلال خراب قديم.

4

أدونيس مبشر وحكيم وراع ونبي يجلس في غرفته سعيداً ومتألقاً في بلاد راكدة، يثبت الواقع على كادر قديم، وتلاحقه لعنة المستقرين. تستدعيه الذاكرة المجهدة، بينما هو يتعالى على اللحظة بجسد مثقل، وعقلية منهكة من الانتظار، ويحرك كلماته القديمة، يعيد ترتيبها لتبدو جديدة، ويصنع منها رسالة، تحاول حبس الزمن في زجاجة، او الحكمة في أقراص محفوظة بتاريخ صلاحية دائم. المنبوذ لا يريد ان يتفرج، ينزل الى الساحات متصوراً انه نفس الجمهور الذي يستدعي آهاته كلما كرر العبارات الخارجة عن السياق، وقدم استعراضه القديم ذاته في ريبرتوار احتفالي بجمهور المنبوذ. الزمن مختلف، لكنه يريد تثبيته عند اللحظة نفسها التي رفعته اللعنات الى مصاف النجومية، ادونيس لم يتواضع للحظة، وسعى الى إصدار أحكامه، وحكمته للحفاظ على دولة بناها الجنرالات واستكمل المنبوذون بنيانها بالخربشة على جدارها السميك.

5

لا الجنرال ولا المنبوذ يطيقان انهيار الدولة التي منحت لكل منهما حياته. كلاهما توحد مع دولة “التحرر…” بعلمانيتها المنقوصة واستبدادها كامل الاوصاف، وخطوتها العالقة بين زمنين، المجد القديم لدولة استبداد شرقي، وموديل الحرية والديموقراطية في جمهورية ما بعد الحرب العالمية الثانية. جمهورية الجنرالات عاشت خارج الزمن ومعها منبوذوها، ندماء الزمن القاسي للجنرالات، وأيقونات تعلق على القصور، ويستدعون للقاءات في غرف عمليات الانقاذ. ادونيس كالعادة، يستعين بعكازات نجوميته، ويبحث عن جمهور يطلب الإعادة والتكرار، جمهور يعيش حسرته لأنه فقد الاحساس بالزمن الجديد، حواسه دجنت في ادراج صالة المزادات القديمة. الزمن الجديد لم يولد للعدم، لكنه ليس استعراضاً للمنبوذين القدامى ولا سجل تشريفة، إنه يصنع في الشارع، في حرب بين موت وحياة، بين نزق وطمأنينة…النزق طفل والطمأنينة نسر جارح… ونحن نعيش فجوة زمنية هائلة كأنها انفجار كوني جديد، او هوة فتحت بين لوحين من ألواح الارض.. اين سنكون؟ وأين سيلمع سحر المنبوذ اذا اختفت أطلاله المعتمة؟ وكيف ستصل رسالة ادونيس الى قصر رئاسة متفرغ لشحن القتلة الى شوارع تصرخ بالحرية دونما هدف بعدها ولا مشروع.. ولا برنامج، التحرر من عطف المستبد قبل قسوته، من حكمته قبل جنونه بالسلطة.. الى من وصلت رسالة ادونيس؟ ومن اهتم اصلاً بالرسائل بينه وبين قصور تحيطها برك الدم؟

 

 

 

مفارقات الخطاب/ أنطوان ابو زيد

«ولا يزعم بي أن أقول ما أقول إيهامًا وتمويهًا فمعاذَ اللهِ إلاّ أن أشكرَ لأهلِ فضلٍ وعلمٍ همّهم كشفُ الحقائقِ وإجلاؤها حقَّ الجلاء من أينَ أتت. وأحسبُ لهم عليّ في ذلك منّةً لا يُستطاعُ إيفاؤها لأنّي عالمٌ بقصورِ باعي وإمكان تطرّق الخطأ والخللِ إلى ما كتبتُ أو ذهبتُ إليه…».

(جرجي زيدان ـ 1886)

ما أتوخّاه من الردّ على الشاعر والكاتب أدونيس، لما ورد في مقابلة أجرتها معه جريدة «السفير»، يوم الجمعة الواقع فيه 19 حزيران 2015، هو محاولة تسليط الضوء على بعض النقاط التي اعتبرتها، من وجهة نظر القارئ الموضوعية – قدر الإمكان – ومن منطلق تحليل الخطاب ذي الإواليات المعروفة ا(للسانيات، المدوّنة، علم الاجتماع، علم التداولية، الخ )، مفارقات وإشارات دالّة على تصوّرات غير موضوعية أو مجانبة لما يمكن أن يكون عليه الواقع ــ أعني به الواقع السوري الذي نعترف بداية أنه شأنٌ سوريّ بامتياز، ما دام السوريون أدرى بشعابهم منّا أو من القائل المردود عليه على السواء ــ كما يحدده علماء المجتمع بأنه مجموع الطبقات واللهجات والمشارب والأحداث والمناسبات ومظاهر السلطة فيه ومجموع المصالح التي تتوزّع هؤلاء، وتجعلهم في تصارع أو تعاون.

مفارقة أولى

وأولى هذه المفارقات استناد المتكلّم الى مسلّمة أولى وعريضة، وهي أنّ «الانفجار كان محمودا ومطلوبا في تونس أو القاهرة أو في البلدان العربية الأخرى»، ثم لم يلبث أن بيّن بطلان صلاحية هذه التحركات الشعبية بحجّة «خلوّها من أيّ مشروع يشكّل خطوة نحو التغيير». نعم، لقد أوهنت السلطاتُ الحاكمة، على مدى أربعين عاما من الإرهاب والتطويع والتفسيد، كلّ نخبة أو جماعة يمكن أن تحمل أوزار الشعب المصري وأحلامه، لا سيّما حلمه في الحرّية وكفاف الخبز وشيء من العافية. والحال إنّ الثورات في العالم لم تكن جميعها مسبقة التخطيط، ولا وجدت لها، في الغالب، نخبةً عالمة ولا تنظيمات ذات رؤيا أو «مشروعا لتغيير المجتمع»، ومع ذلك لا تجرّدها عفويّتها أو سذاجتها من شرعيّتها ومشروعيّتها.

ولئن كنا نوافق الشاعر أدونيس في تفضيله أن تبقى التحركات الشعبية، ببلده سوريا، في إطار من السلمية واللاعنفية، ونوافقه في وصف التحوّل العنفي الذي أصاب هذه التحرّكات، فإننا نودّ الإشارة الى مسببي العنف ومالكي زمامه ومموّليه، من طرفي السلطة والمعارضة، وهو أمر يدركه أهل الرأي، إذ يتبيّنون كيف استسهل استدراج الاحتجاج وتحويله الى صراع مسلّح، يكاد يجعل من البلاد أرضا محروقة، لا ربح صافيا فيها للسلطة، ولا سيطرة حاسمة فيها لمعارضة تتلوّن بألوان مموّليها والأعداء المتحيّنين فرص الانقضاض على سوريا دولةً وشعبا ومكوّنات وعشائر وإرثا حضاريا، ليس بالضرورة رديفا للسلطة ولا متنسّما أنفاسها ذات الحقبة المحدودة بنصف قرن، وهي بحساب الأمم المندرجة في باب السياسة الحديثة والديموقراطية زمنٌ يُترك للسوريين توصيفه أو تدبّره.

أما المفارقة الثانية البلقاء التي نربأ بالشاعر والمثقّف أدونيس أن ينزلق اليها فهي قوله بأنّ «النهضة نفسها كانت شكلا من أشكال العودة الى الماضي»، وكان يعني بذلك النهضة التي يؤرّخها دارسو الفكر العربي ومحللو مظاهر المجتمع إبان أواخر عهد العثمانيين، في بلاد مصر والشام (سوريا، لبنان، العراق، فلسطين). لا، استاذي أدونيس، لقد كانت النهضة الأولى، التي كان أربابها الشوامّ، على تسمية ذلك الزمان، اللبنة الأولى، بل حجر الزاوية في بناء الحداثة التي نعِم أجدادنا بأنوارها، منذ أوائل القرن العشرين، ولا نزال نتابع السبل التي اختطّها روّاد هذه النهضة، أقلّه على صعيد تطويع اللغة العربية، وتحديثها، بل عصرنتها وجعلها جديرة بمحمولات الحضارة الحديثة، و «الشعر الحديث»، والفكر الحزبي الحديث، والعلوم والفكر وفلسفة اللغة، والأخبار والكتابة الديوانية والطبية وغيرها مما لا يحصى من مظاهر التقدّم التي لولاها لما كان ثمة حداثة نكمل بها بنيان حضارتنا، رغم الحروب الإخوانية والأهلية وحروب الاستعمار والجهل والتخلّف وغيرها. لا لم تكن النهضة، أستاذ أدونيس عودة الى الماضي، إنما كانت سعيا دؤوبا، وتحرريا، لربط الأصالة بالحراك الاجتماعي – الاقتصادي المتواصل ما بين الشرق والغرب. وما كانت لغة الصحافة العربية لتكون لولا جهود كتّاب النهضة الجبارة، والتي صيّرتها، في لبنان وبلاد الشام ومنها الى مصر، منابر للوعي السياسي والتقدم والتمدّن ؟ وما كانت لتكون لغة المرسح والترجمة والتعليم والإدارة العربية وغيرها لولا جهود أربابها في النهضة، تدقيقا وتطويعا وترهيفا؟

وقد يلزم، ههنا، تمرين الذهن على فقدان معالم النهضة من عالمنا العربي، كأن تزول الإدارات والمرافئ والمسارح (المراسح ) والمتاحف والمقاهي والجرائد والمجلات ودور الأوبرا والمكتبات الكبرى ومجالس الأمة والدساتير والجامعات والمشافي غيرها مما حرّضت على بنائها النهضة سالفة الذكر. في هذه الحالة، اللامنطقية والمعاكسة مسار الزمن، تصير العودة الى الماضي، غير المتمدّن، ممكنة. ولعلّ هذا ما يفعله داعش لزعمه بأنّ مظاهر الحداثة هذه لا تتناسب مع النصّ ولا يُستدلّ عليها منه.أما حصره نماذج الشعر العربي النهضوي في أحمد شوقي وحافظ ابراهيم وإطلاقه تعميما مجحفا في حقّ كلّ الشعر وكلّ النثر، بل كلّ ما كُتب في عصر النهضة بأنه انحطاط فأمر ننسبه إلى قلة الموضوعية، وابتسار الأمثلة ولدينا أدلّة على مئة، وأكثر، من شعراء الشعر العصري، من أواسط القرن التاسع عشر ممن أغفلهم الحديثون، ليحتكروا لأنفسهم فضل الحداثة. وكان هؤلاء جرّبوا بأناشيدهم وصف كل ما هو عصري، بينما بدأ أدونيس حياته الشعرية بقصيدة عصماء (الأرض)، في حين (خليل الخوري مثلا) كان هؤلاء بأواخر القرن التاسع عشر وشاعرنا في أواسط القرن العشرين. وعلى ما أظنّ لم يتناهَ الى أدونيس أن خليل الخوري السابق ذكره كان أول من رسم للرواية العربية الحديثة أو المعاصرة سبيلا، في روايته «وي إني لستُ بأجنبيّ» الصادرة عام 1865! النهضةُ الأولى والثانية محطّاتٌ زمنية في مسار بنيان الذات الإنسانية والأدبية، أما النكوص والتراجع في المكتسبات العقلية والعلمية، فلا نردّه سوى الى الفساد الذي نخر إنساننا «الجماعي» الذي بقي بلا محاسبة، سواء كان في السلطة أم في المجتمع. ولا إصلاح في ذلك إلاّ في فلسفة تربوية جديدة تعيد الاعتبار للفرد، كائنا جديرا بالحياة والتعلّم والإبداع. نعم، بصوغ رؤية جديدة، فكرية تراثية وأدبية وعلمية عربية وإنسانية، تستمدّ من خير ما في الماضي القريب والبعيد معايير للحياة والتعلّم والانتاج في كلّ ميدان، مع إقرارها بفضل تراكمات الماضي وتجاربه في التمهيد لإنجاز الحاضر.

المفارقة الثالثة

المفارقة الثالثة التي يمكن الكلام عليها في منطوق أدونيس الشاعر، هي انطلاقه من مسلّمة أنّ الإسلام دينٌ عنفيّ من أجل أن يسوّغ إخراجه من المعادلة السياسية التي تشكّل ميدان المنازلة في سوريا. ولكنّ هذه المسلّمة، وإن ساندها في الواقع العسكري – السياسي الكثير من الأمثلة مما تحفل بها حياتنا في المشرق، فإنها تواري، الى حين، طابع الاستبداد الذي أيقظ، لطوله وشموله حياة البشر والجماعات، الدين الذي لطالما قمعته الإيديولوجيا الاشتراكية ثم القومية، ورتّبت على هذا القمع قدرا هائلا من الحقد على القامع، حتّى يحين انفجاره واستثماره، تاليا، في حسابات أجنبية. نعم، إنّ «الدين لا يمكن أن يشكّل مرجعا للقيَم» التي يفترض أن تُبنى الدولة عليها، باعتبار أن الدولة هي «مجموع الشعوب المقيمة على أرض معيّنة، وحكومة ترعى شؤون مواطنيها وتقيم صلات مع دول الجوار» بحسب ما وصفها فلاسفة الأنوار أواخر القرن الثامن عشر. ولكن الصحيح أيضا أن الدولة لا يمكن أن تقوم إلاّ على أساس من الحرّية، وصنوها العدلُ، والتي تكفل، على ما يعلم الشاعر أدونيس، تكوين المجتمعات وتخالطها وتكامل المسؤوليات على نحوٍ مطّرد، وصولا الى الإبداع في كلّ مجالاته. ومن هذا المنطلق يكون الاعتراف بالآخر، المبدأ الذي يطالب به أدونيس شرطا لتحقق الديمقراطية، منبثقا من مجتمع الحرّية، الذي يقرّ بالدين على أنه مصدرٌ لتراثٍ شرعي وطقوسيّ خاصّ بجماعة وبفردٍ ينتمي الى هذه الجماعة روحيا، بعد ان رسّخ انتماءه وطنيا الى إطار أشمل هو الوطن والدولة.

أما إشارة أدونيس الى لبنان و «الذي يدور في حلقة مفرغة من الطائفية» مطالبا بتغيير في التربية وفي المدرسة، فنظنّها من باب استباق الردّ عليه؛ ذلك أنّ لبنان الذي غرق وأُغرق في حرب أهلية وخرج منها دامي الأطراف، هذا اللبنان الذي يتهكّم عليه أدونيس قد أنتج ما سمّاه «الفرد»، وهو البزرة الأولى لشجرة الدولة الحديثة التي استغرق نماؤها حوالى الثلاثمئة عام، أي منذ أول بيان بلزوم تعليم الصبيان الصادر عن مؤتمر اللويزة أوائل القرن الثامن عشر الى أوائل القرن الواحد والعشرين. ولا بأس بمئة سنة أخرى من التجارب الناقصة والناجحة جزئيا لتتبلور صورة الدولة المعاصرة على صورة الدولة الغربية، الحديثة العهد نسبيا أيضا. وما الصراعات الكلامية الدائرة بين أطراف السلطة والمجتمع سوى مظاهر لهذا النضوج الاضطراري الذي انتهى اليه المجتمع اللبناني ومفاده ان الحرب بين الأخوة عبث، وأن اللعب السياسي أيا يكن لن يعادل شيئا من كلفة الحرب الأهلية المدمّرة. أما التغيير، أعني تغيير الأنظمة وفصل الدين عن الدولة وإحقاق دولة المواطن فما على الساعي اليها إلا الاستئناس بالتاريخ؛ إذ لم يتحقق فصل الدين عن الدولة قانونيا في فرنسا، بلد الثورة الفرنسية العلمانية للعام 1789، إلا عام 1905، أي بعد اكثر من مئتي عام من الانقلابات والمجازر والحكومات الفاشلة والاستعمارية والاصلاحية وغيرها، وما لازمها من تهيئة تربوية وحقوقية واجتماعية وثقافية متمادية.

قد يكون ما يسوّغ نظرة أدونيس السوداوية إلى الفكر العربي والشعر والنقد الأدبي، إلاّ أن إطلاق الأحكام في ما خصّ قيمة ما أُنجز باللغة العربية، فلسفةً وجماليات وأعمالا نقدية فيه قدرٌ من التجنّي، لا يُساق اليه ذو الدّربة والاختصاص الأكاديمي والتبصّر الموضوعي وفق معايير حديثة ومعاصرة. وأيا يكن الحال، أفإنّ خطاب المقابلة التي أجراها أدونيس، الشاعر والمنظّر والناقد على طرازه، سوف يظلّ يستدعي من قرّائها النّظر والاعتبار.

 

 

 

كتلة صماء/ ابراهيم المصري

إن أفرغنا حوار أدونيس من (محتواه الديني) فلن يبقى شيء فيه للمناقشة، سوى ما يقوله الجميع عن وجوب علمانية تفصل الدين عن الدولة، وتمنح الحرية للجميع بما في ذلك المرأة، وبما في ذلك حرية امتلاك الجسد، لكن أدونيس كما (داعش) يحتاج تماماً إلى هذا المضمون الديني لكي يحلّق فوق التاريخ في إجمالٍ يُخل بالشروط المعرفية لحدثٍ جسيم في تاريخ العرب، ولكي يؤكد وجهة نظره: «لا ديموقراطية من دون تجاوز قيم الدين»، وهذا ما تقوله معكوساً داعش في التشديد على الدين لنفي الديموقراطية، أي أن الدين هو الشرط الشارط عند أدونيس وداعش؛ كلٌ حسب ما يذهب إليه.

وفي الجزء الأول من الحوار الخاص بالثورات العربية وعلاقتها بالدين لم يذكر أدونيس على الإطلاق؛ تلك الكلمة التي يبدو أن مثقفينا كباراً وصغاراً لا يهتمون بها (الدستور) من حيث هو الأساس الذي تنبني عليه دولة في علاقتها بمواطنيها، ولأن أدونيس يحلّق فوق التاريخ – كما أسلفت – فسوف يكون عصر النهضة العربية لديه مجرد مرحلة انتكست أو فشلت، مع أن هذه المرحلة بالذات هي ما شهدت نشوء الدولة العربية الحديثة وظهور الدساتير التي إن كانت قاصرة عما يطمح إليه أدونيس أو غيره، فإنها على الأقل أرست مبدأ المواطنة، وفي حالة مصر على سبيل المثال، فقد كان نشوء الدولة الحديثة ودسترة القوانين عبوراً هاماً للغاية للدين بوصفه (شريعة).

من الصحيح أن القوانين في مصر تحمل بعداً دينياً إسلامياً يخص أكثر ما يخص الأحوال الشخصية والميراث، لكن القوانين المصرية لا تجيز الرِّق على سبيل المثال، كما أن مناط تحديث المجتمعات ليس ما يقوله أدونيس أو غيره على أهميته في الوعي العام والثقافي وإنما في الدساتير التي تنظم حياة الناس، ولنضرب مثلاً مباشراً: لقد كان من شأن النظام السوري أن يتفادى ببلده المأساة الراهنة لو أقدم مبكراً على تغيير الدستور وأسقط تلك المادة الخاصة بالسيطرة الأبدية لحزب البعث العربي الإشتراكي، وحصَّن البلد والمجتمع بأفق أوسع للحرية وبكفِّ يد الأجهزة الأمنية عن تخريب حياة الناس، وفي ردِّه على تظاهرات الناس لم يجد النظام السوري غير ما تربى عليه؛ أي قمع الناس والإطلاق الموارب لجماعات الإرهاب الديني ليمسك تلك الحجة التي تقول: إن بقاء النظام ضامن لعدم شيوع التطرف الديني، وهي حجة نجح فيها النظام على جثث مئات الآلاف من السوريين، حيث يمكن لأدونيس الآن أن يدلل على صحة وجهة نظره بالجماعات المتطرفة التي تعيث قتلاً وفساداً في سوريا، أي أن أدونيس يقبل راضياً حجة النظام السوري مستنداً أيضاً على الرهاب الديني.

إن الدين كما يتصوره الشاعر السوري ليس هو المشكلة في الحقيقة، ولكنه جزء منها يمكن حله بدسترة علاقة الدولة والناس بالدين وبناء شبكة قوانين تمنع عبور المتطرفين إلى السياسية والشأن العام والإدارة، بالضبط كما فعل الغرب مع النازية التي تتطابق في جوهرها العنصري مع جماعات الإرهاب الديني في المنطقة العربية؛ من حيث نفي الآخر والقتل، لكن مصادرة المجتمع والدولة لصالح النظام في الدول العربية هي المشكلة الأساسية وهي مناط الثورات في بلدان الربيع العربي.

إن كان أدونيس غافلاً عن محتوى شعارات الثورة المصرية فها أنا ذا أذكِّره بها: (عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية).. وهي شعارات تقوم على أساس مظالم الناس في بلدانهم ومنها مصر بالتأكيد، أي أن الناس لم تطالب مثلاً بتطبيق الشريعة، أو بالعودة إلى الإسلام الصحيح. والثورة إن كانت لدى النخبة مضموناً وتأسيساً معرفياً فإنها عند الناس ليست كذلك، لكن الثورة في النهاية تحرك وعي الناس بحقوقهم.

فوق التاريخ

فهل المثقف ـ وهو أدونيس في هذه الحالة ـ يحلّق فــوق النــاس كما يحلّق فوق التاريخ؟

أعتقد ذلك، حتى أنه يغفل الفروقات الواضحة من حيث الجغرافيا بين سوريا وبين مصر وتونس، فإن كانت الثورات في البلدين الأخيرين قد نجحت نسبياً؛ فهذا يعود في الأساس إلى الحشد البشري، الذي ما كان له أن يكون كذلك لبعد المسافات بين المدن السورية، مما يفقد أية كتلة تظاهرات وازنة أهميتها ويتركها فريسة للنظام أو لجماعات التطرف الديني؛ سواء نبعت من الداخل أم جاءت من الخارج، ولعل صاحب «المسرح والمرايا» يعرف أن ثمة سبباً آخر علمانياً كان وراء نجاح الثورة التونسية، وهو الاتحاد التونسي للشغل اليساري النزعة والذي تولى الحشد في تونس، كما كان بيضة القبان في الدستور التونسي الذي تم إقراره أخيراً، ولو لم يكن الاتحاد التونسي للشغل حاضراً لتمكنت جماعة أصولية مثل النهضة من فرض شروطها كاملة على المجتمع التونسي.

نفي غير واقعي

إن القضايا الكبرى في حياة الناس لا يمكن تحليلها بخفة التصورات التي يلزمها الغرق في التفاصيل قليلاً أو كثيراً لتكتسب وزناً يمكّنها من الوقوف على أقدامها فوق الأرض، وحتى في البعد المعرفي يلزم قليلاً أو كثيراً بعض التفاصيل أو البحث، لأن نفي أدونيس مثلاً أنه ما من مفكر عربي جابه الأسئلة الصعبة في الدين كالوحي وغيره، يبدو نفياً غيرَ واقعي، فهل أذكرَّه مثلاُ بكتاب معروف الرصافي «الشخصية المحمدية»..؟ وقد يحتج أدونيس هنا بأن ما كان يقصده هو (اليقينيات) التي لم تتم مساءلتها في الدين الإسلامي، والرد أن مثل هذه اليقينيات موجودة في جميع العقائد والأديان، لكنها لم تمنع التفكير خارج حدودها الصارمة ومثال فرج فودة في مصر لا يزال واضحاً للعيان حتى اليوم، وحتى شخصيات كالتي تفتن أدونيس مثل الرواندي وغيره؛ ما كان لها أن تكون إلا في السياق الحضاري للدين الإسلامي، فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بابن تيمية وإنما بمجمل السياق الحضاري الذي أوجده الإسلام في العالم.

ثم إن أدونيس يهمل أمرين في الحقيقة في تحليله للثورات العربية، الأول أن الحرية النسبية للغاية في مصر وتونس والتعليم كذلك ساهم مساهمة حقيقة في نشوء الوعي بالثورة والتغيير ولم يكن للدين دور إلا في الحشد من المساجد وتلك هي المسألة الثانية التي أغفلها صاحب «فاتحة لنهاية القرن» بإدانته للمساجد التي لم يكن ثمة أماكن سواها تجمع الناس بعد أن شطبت الدولة بأجهزتها المجال العام – ليس في مصر وتونس فقط – ولكن في سوريا أيضاً.. فالذين تجمعوا في المساجد وتظاهروا انطلاقاً منها في دول الربيع العربي، لم يكونوا ينطلقون منها لفتح بلادهم بالغزو، وإنما كانت المساجد أماكن حشد، خاصة في سوريا، وهنا يسقط ادعاء أدونيس بالغطاء الديني للثورات في منشأها، وهو الغطاء الذي اكتسى بعداً دينياً إرهابياً بعد ذلك، في الدول التي تعيث فيها جماعات الإرهاب الديني كداعش وغيرها عنفاً وفساداً.

إن الإسناد الديني الذي يستند عليه كلام أدونيس كله في شأن الثورات العربية، يبدو كأنه يطابق نتيجة في برنامج مسابقات، لقد حللت لكم اللغز، انظروا ها هي داعش وغيرها، هي النتيجة، لكن أدونيس وإن كان يحتاط في شأن ثورتي مصر وتونس على خجل، فإنه لا يخرج إجمالاً عن هذا التصور الذي يرى أن الدين هو مصيبة المصائب كلها، تماماً كما تراه داعش معكوساً في خلافتها المزعومة، كما أن أدونيس يبدو وكأنه يفكر على مساحة مسطحة بحديثه عن العرب أو العالم العربي كما لو كان كتلة واحدة صماء لا فروق فيها؛ تستند إلى تاريخ واحد أصم يعود به أدونيس كعادته إلى سقيفة بني ساعدة، وهذه السقيفة يقف فيها أدونيس وداعش وإن كان كل منهما يعطي ظهره للآخر.

(شاعر وصحافي مصري)

 

 

 

أدونيس: لا تتحقق الديموقراطية ما دام الدين هو مرجع القيم

شاركت أسرة وأصدقاء “السفير” في حوار مع الشاعر الكبير أدونيس، أعدت نصه سارة ضاهر، وراجعه وحرره صقر أبو فخر.

وفي ما يلي نص الحوار:

^ كيف تبدو لك اليوم صورة ما يحدث في البلدان العربية؟

} لا أعتقد أن أحداً تردد في الدفاع عن التحولات العربية والوقوف إلى جانبها. وهذا الانفجار كان محموداً ومطلوباً في تونس أو في القاهرة أو في البلدان العربية الأخرى. والجميع يعرف هذه التطورات، ولا أودّ الدخول في تفصيلاتها. لكن المأخذ الأولي عليها هو خلوّها من أي مشروع يشكّل خطوة نحو التغيير. ليس تغيير السلطة، بل تغيير المجتمع، وتغيير الأفكار، وتغيير الثقافة. ولاحظنا أن وراء هذا الانفجار لم يكن هناك خطاب ثقافي تغييري، وأنّ الطابع العام لهذا الانفجار كان دينيا. ولاحظنا أيضاً أنّ المشروع السياسي لهذا الانفجار هو مشروع عودة إلى أصول خانها الناس ويجب العودة إليها، وهي أصول دينية بشكل أو بآخر.

إذا استثنينا القاهرة وتونس، لم يحدث تحرّك شعبي حقيقي وعضوي، بمعنى الانفجار لأسباب داخلية. فقد كانت الانفجارات اللاحقة خارجية أكثر منها داخلية. كنت أود أن أشاهد تظاهرة كبيرة تخرج من دمشق أو حلب، أي أن يخرج الناس إلى الشارع في تظاهرة لتغيير مجتمعهم، على غرار ما حدث نسبيا في تونس أو في القاهرة. الملاحظة الأخرى، هي تحوّل هذه التحرّكات إلى حركات عنفية مسلحة، ما أفسح في المجال لدخول عناصر من الخارج، مرتزقة، يمارسون القتال على الأرض. هذا الدخول في التفصيلات مهم إذا ما ربطناه بالتاريخ العربي. باختصار، إنّ غاية الانفجار كانت تدور حول السلطة بهدف تغيير النظام، ولم يكن وراءها أي مشروع شامل على الإطلاق، فلم نشهد طوال تاريخ الثورات مشروعاً للتحرر يأتي من الخارج، لذلك فإنّ هذه التحرّكات قائمة على التبعيّة بشكل أو بآخر. واليوم، تبدو البلدان العربية أكثر تبعية للخارج من أي وقت مضى. فكيف يمكن أن نعيش حالة ثورية، في حين أن هذه الجماعات السياسية المسلحة تابعة لقوى الخارج ومرتهنة لها، وهو ما لم يحدث في تاريخ البلدان العربية، حيث باتت السياسة الأجنبية قادرة على احتلال العرب من داخلهم، وهذا الأمر يجب أن يرتبط بتاريخ معين وثقافة معينة.

^ ورد في كلامك عبارة: «مشروع عودة إلى أصول خانها الناس»، ما يطرح علينا سؤالا جوهريا: هل النهضة التي انطلقت منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، لم تقدّم شيئا، بل كانت نهضة فاشلة؟

} من دون شك، فحتى هذه النهضة نفسها كانت شكلا من أشكال العودة إلى الماضي.

^ إذاً، ما هي الرؤية التي نرتبط بها دينيا، ثقافيا واجتماعيا؟ بمعنى ما هي هذه الرؤية التي أسست ما نسميه المجتمع العربي؟

} إذا قرأنا التاريخ العربي والنصوص الدينية، والنص القرآني خاصة، نرى أن الرؤية الإسلامية إلى الإنسان والعالم، كما سادت وكما تمأسست، تقوم على العناصر التالية: أولا، محمد خاتم الأنبياء، أي لا نبي بعده. ثانيا، الحقائق التي نقلتها النبوة المحمدية في كل ما يتعلق بالدين وبالغيب وبالقيم الناتجة من هذه العلاقة، أي الأخلاق والمعاملات، هي حقائق نهائيّة، ولا حقائق بعدها. ثالثاً، أنّ الإسلام يجبّ ما قبله، فهو إذاً يجبُّ ما بعده بالضرورة. إذاً الفرد لا حقّ له في أن يعدّل، أو أن يغيّر، أو أن يضيف، أو أن يحذف، بل تقتصر حريته على أن يطيع وينفذ. ما يعني أنه يعيش في عالم مغلق لا تقدّم فيه. ولا معنى للتقدّم هنا، لأن التقدّم الأقصى قد أنجز في الوحي الذي لا حقائق بعده. والزمن هو فرصة كي نعيش هذا الأصل الأول. فالزمن، هنا، لا يحمل المستقبل، بل هو ممارسة لا نهائية لتأصيل الأصول التي نشأنا عليها فكريا وروحيا. لذلك، نحن لا نقرأ أيّ مفهوم للتقدّم في التاريخ الإسلامي كله. ولا توجد حرية، ولا معنى للحرية في هذه الرؤية. حرية الفرد في هذه الرؤية، هي حريته في أن يكون مسلما وأن يمارس الإسلام، وبالتحديد الإسلام الذي ساد.

الإسلام نشأ عنفياً

^ كيف ساد الإسلام؟

} الإسلام لم ينشأ كتبشير غير عنفي، بل نشأ، منذ البداية عنفياً. فالسيدة خديجة على سبيل المثال كانت تاجرة، ونبينا بدأ حياته في التجارة، والخليفة الأول كان تاجراً، والخليفة الثاني كان تاجراً أيضاً، وكذلك الخليفة الثالث… ونشأ الدين كتجارة ومال، أي سلطة. ويجب أن نتساءل: كيف أنّ هذه النشأة قسّمت فوراً العرب. فقد كان العرب المسلمون قسمين: قريش والأنصار. والأنصار هم من ناصر النبي ودافع عنه ضدّ قبيلة قريش. وكيف أُقصي الأنصار حينما أفصح سعد بن عبادة الأنصاري عن طموحه في السلطة حين قال: منكم أمير ومنّا أمير، وكان القصد إحداث نوع من الشراكة مع القرشيين. وعلى هذا الغرار بقيت قريش نفسها مقسومة، فحتى داخل قريش، صرّح الخليفة الثاني أنّه لا يحق لبني هاشم أن تكون النبوة والخلافة فيهم. بل إذا كانت النبوة فيهم فإن الخلافة يجب أن تكون في غيرهم. والخمسون سنة الأولى من تأسيس الإسلام كانت كلها قتالا قرشيا ـ قرشيا، أمويا ـ هاشميا. إذاً نشأ الإسلام في مناخ تجاري سلطوي عنفي. أي أن العنف كان جزءاً أساسياً من البنية الثقافيّة التي عشنا فيها طوال هذه الحقب.

طبعا لا يتفرّد الإسلام بذلك. جميع الرؤى الوحدانيّة الدينيّة تشترك في مثل هذا الأمر بشكل أو بآخر، لكن مع بعض الفروقات. والفارق الأساس هو فارق ثقافي. فالديانة المسيحيّة لم تبدأ عنفيّة، بل جوبِهَت هي نفسها بالعنف. كما أنّها تطوّرت في أحوال مختلفة كليّاً عن الوضع الإسلامي. وكذلك الديانة اليهودية ذات النشأة الغربيّة ثقافيّاً. فقد تطوّرت هذه الديانة، بعد أن تعرّضت لانفجارات عدة، من نوع آخر، أدّت بالتفاعل إلى فصل الدين عن الدولة.

^ أنت تعتبر أنّ المشكلة تكمن في الجذور، وهذه المسألة تحتاج إلى نقاش. إذ إنّ الشعوب العربيّة مرّت بأطوار عديدة منها الطور التأسيسي الأوّل وصولاً إلى الطور الكولونيالي وبالتالي يتراءى كأنّ المسألة هي مسألة أديان، مسألة الإسلام واليهودية والمسيحية.

} أنا لا أقول إنّ المشكلة تكمن في الأصول. إن المشكلة تكمن في قراءة الأصول. المشكلة ليست في المسيح، بل كيف تمّ فهم المسيح. المشكلة هي كيف نقرأ النص. فالأصول تمأسست في ظلّ قراءات سلطويّة وسياسيّة. ومع ذلك لا أقول إنّ الخطأ فيها وحدها إنما أقول إننا لا نستطيع أن نفهم ما يجري اليوم. ولا نستطيع أن نفهم حتى داعش أو النصرة أو التيار الديني السائد ما لم نفهم هذه الأصول ونصوصها التأسيسية، لأن داعش لم تأتِ من فراغ. داعش جزء أساسي من التاريخ الإسلامي.

^ وهي أيضا جزء أساسي من الحاضر.

} هذا يثبت وجهة نظري أكثر. هذه حجة إضافية على أنّ هذا الماضي لا يزال حاضرا.

الأصول

^ لماذا تهيمن الدعوة الدينية ولا تهيمن الدعوة الليبرالية أو الدعوة الاشتراكيّة مثلاً؟

} أزعم أننا لا نستطيع الإجابة عن هذا السؤال إلا إذا فهمنا الأصول: كيف تطوّرت وكيف لا تزال تحيا حتى اليوم. في الشارع نحن نعيش أصول عمر وأبي بكر وعثمان، وأتباعهم هم الذين يطلقون النار ويستولون على السلطة… لماذا غابت القوى الأخرى المناوئة للقوى الدينية. هذا سؤال استطرادي.

^ تمّ إقصاؤها وإلغاؤها.

} لا أحد يستطيع أن يقصي إنساناً فاعلاً مستعداً للموت. لا أحد.

^ ألا يوجد أثر ما للعولمة التي تجاوز عمرها اليوم الأربعين سنة؟ بمعنى أننا شهدنا في سياق هذه العولمة الجديدة انهيارا للدول، وانهيارا للأفكار، وتهميشاً لفئات كبيرة جدا من المهاجرين إلى أوروبا، ومنهم المسلمون بالتحديد. ما الذي يدفع شبانا مسلمين من أوروبا وإنكلترا وألمانيا والشيشان… إلى أن يأتوا ويقاتلوا في سوريا والعراق؟. هل تجد أن هناك رابطاً بين هذه العوامل وإطلاق هذه «القومة» الإسلاميّة؟

} جوابي هو سؤال آخر: لماذا انفجرت في العولمة هذه القوى الدينية ولم تنفجر القوى الأخرى المناوئة؟ لماذا احتضنت العولمة هذه القوى الدينية ولم تحتضن القوى الأخرى الحية في المجتمع والتي تمتلك مشروعا للمستقبل؟ ما يعني أنّ ثمة شيئاً آخر وهو أن الشعوب، مع الأسف، ليست هي التي انطلقت بنفسها وثارت، بل ثارت قوى أخرى.

^ تقصد هنا انطلاقة الثورات لا مصيرها؟

} المهم النتائج وليس البدايات. طبعا هناك استثناءات. ولكن في سوريا مثلا، فإن ثلث الشعب هاجر. لا يوجد شعب في العالم يهاجر ونستمر في تسميته بأنه شعب ثوري.

^ الجماهير المدنية التي شاركت في الثورة أصبحت خارج الفعل. اليوم من يقاتل في سوريا؟ معظم المقاتلين جاء من الخارج. مَن يقاتل في الأرياف ليس الشعب. فقد حصل تحوّل هائل حتى ما عاد بإمكاننا تسميتها لا ثورة ولا انتفاضة. هناك حرب حقيقية الآن تجري في سوريا ذات طابع أهلي وطائفي.

} ليس الشعب الذي نتحدث عنه ونتمنى أن يثور هو الذي ثار. والدليل سوريا. ونحن جميعنا، وأنا أوّلهم أقف إلى جانب تغيير الأنظمة. لكن نحن بحاجة إلى أن إلى نفهم ما يجري. باختصار، أستطيع أن أقول إنّ الأنظمة لم تكن هي الهدف على الإطلاق. كانت الأنظمة مجرّد أداة، لأنّ الهدف الأساسي هو تدمير البلاد.

القوى الأجنبية

^ من الذي يريد أن يدمّر هذه البلاد؟

} القوى الأجنبيّة. كما حصل مع تدمير النظام العراقي، أو النظام الليبي، وكما يحصل في سوريا الآن. كيف تقود القوى الرجعية والقوى الأجنبية الثورة؟ في العالم كله وفي جميع مراحل التاريخ، هل من ثورة قادها رجعيون ومرتهنون للخارج؟

^ في تاريخنا الحديث، الإخوان المسلمون الذين ظهروا في مصر سنة 1928 كانوا رداً على الدولة الديموقراطية الحديثة، أو الصعود الديموقراطي الليبرالي الحديث. برأيك هذه الموجة الهائلة التي نشهدها الآن هي رد على ماذا؟ خاصّة أنه لم يكن لدينا أي مشروع للديموقراطيّة، ولم تسمح القوى الأجنبية بتأسيس دول علمانيّة في المنطقة قائمة على الديموقراطية.

} صحيح، لنتخذ أميركا مثلا. أعطني مثلا واحدا على أنّ السياسة الأميركية وقفت إلى جانب الشعوب المستضعفة أو المرتهنة وحرّرتها أو ساعدتها في التحرر. أميركا هي أول دولة استخدمت القنبلة الذريّة ضد البشر. والنظام الأميركي نفسه قام على إبادة شعب بكامله أي الهنود الحمر. ومع ذلك فـ «الثوار» العرب مغرمون بأميركا. ما يحدث في العالم العربي غير معقول. في ليبيا مثلاً، ونحن جميعا كنا ضد القذافي، هل يعقَل أن تدمّر البلاد بهذه الطريقة؟ والأمر نفسه في سوريا ينطبق على العراق. أي ثورة عدوّها تمثال أو متحف أو جماعة مثل الايزيديين حتى تتم إبادتهم؟

^ إذاً ما هي الرؤية التي يمكن أن نرتبط بها كمجتمع عربي؟

} المشاريع والأفكار والمستقبل تولد على نار التحليل. لا توجد رؤية جاهزة سلفاً. إذا لم نفهم حالنا فلا يمكن أن نخرج إلى أيّ أفق، بل سنبقى غارقين في مشكلاتنا. الآن في معمعان الثورة، التي هي ميدان الحرية والتحرّر، نجد أنّ المفكّر بات معرضاً للخطر أكثر مما كان في أيام الطغيان. هل هذا معقول؟ إذا كان الإنسان المفكر غير حرّ في جسده، وغير حرّ في رأيه أو تفكيره، وغير حرّ في تنقلّه في زمن الثورة، فكيف نفكّر؟ أين الثورة؟ هناك خلل، ونحن نعمل على حجبه مع الأسف لسبب أو لآخر.

لذلك أقول إن في ضوء فهم الاصول والجذور نستطيع أن نفهم ما يحدث الآن في شكل أدقّ. فلا يمكن النظر إلى ما يحدث في الدول العربية الآن، كأنه شيء منفصل عن التاريخ، أو كأنه مفاجئ، بل كجزء متأصل. طوال أربعة عشر قرناً لم يستطع العرب تحقيق المواطنة. بينما حقق الرومان ذلك في جميع أنحاء الامبراطورية، ومنحوا الجنسيّة الرومانيّة لجميع الرعايا. العرب لم يستطيعوا أن يفكّكوا بنية القبيلة ولا بنية العشيرة، ولا البنية المذهبية. لم نقم بأي شيء جذري.

^ إذاً لا تزال المفاهيم ثابتة، ولم تتحوّل بالمعنى الجوهري للرؤية.

} طبعاً، من دون شك. المشكلة في تطبيق النظرية والرؤية. وإلا فكيف نشأ المأمون إذاً؟ كيف أنّ خليفة كالمأمون قرّر أن يترجم الآخر المرفوض كليا؟ كيف نشأ شاعر مثل أبو العلاء المعري أو الراوندي؟ لماذا لم يكن الخلفاء الأمويون مثل عبد الملك بن مروان الذي كان يستقبل شاعرا مسيحيا اسمه الأخطل وهو سكران ويقول له:

إذا ما نديمي علّني ثمّ علّني

ثلاث زجاجات لهنّ هديرُ

خرجتُ أجرّ الذيل مني كأنني

عليك أميرَ المؤمنين أميرُ

وفي الوقت نفسه قتلوا عمر بن عبد العزيز لأنه كان منفتحاً! ومقابل ذلك كيف لا نجد شاعرا عربيا واحدا كان مؤمناً؟ إن ذلك يشير إلى أن الإسلام سلطة ومال وليس ثقافة. أي لم يكن هناك سياق تاريخي لمشروع حقيقي تغييري. كان هناك مشروع سلطة وخلافة، كما يقول التراث الإسلامي: المُلك لمَن تغلّب. الخلافة لمن غَلَب. ليست هناك رؤية ثقافية على الإطلاق، بل تناقضات غريبة.

^ هل من الممكن تكوين جبهة مدنية عربية علمانية؟

} هذا مشروع، ويجب أن يتحقق. أنا أعتقد أنه بدلاً من الدعوات القومية الواحدية العربية على طريقة القرن التاسع عشر والقرن العشرين، يجب العمل على أساس مدني علماني.

^ ألم تفشل ثورة الليبراليين وثورة عبد الناصر، واعتُبر ذلك الزمن زمن الخيبة؟

} ماذا فعل الليبراليون؟ وماذا فعل عبد الناصر؟ إذا أردنا أن نقارن ثورة عبد الناصر بثورة ماو في الصين. فالزمن هو نفسه، أي سنة 1958. لنتأمل منجزات ماو، ونقارن كيف أنّ عبد الناصر لم يستطع تأسيس جامعة واحدة ذات مستوى عالمي. أعود وأقول إن من دون تحويل قراءة الدين إلى قراءة جديدة، بحيث لا أحد يحارب أحداً، وتصبح جميع الأديان عبارة عن إيمان شخصي فردي حرّ، ويكون دين المجتمع هو الإنسان وحريته وحقوقه، فإن من دون ذلك لا يمكن إنجاز أي تقدّم.

^ والديموقراطية؟

} أول شروط الديموقراطية هي الاعتراف بالآخر، وأن تعترف بالآخر ليس على سبيل التسامح، بل على سبيل المساواة. وهذا مستحيل أن يتحقّق ما دام الدين هو مرجع القيم. إذا أردت أن تتحدّث عن الحرية أنت بحاجة إلى إنسان فرد يكون مسؤولاً فعلا، ولديه ذاتية مستقلة، ويكون سيّد نفسه ومصيره. لا يمكن أن تتحدّث عن الحرية في حين أن أي مواطن لا يستطيع مهما علا شأنه وثقافته، ولو كان عبقري زمانه، أن يتسلم منصباً إلا على أساس طائفي كما يحدث في لبنان مثلاً. لذلك، فإنّ لبنان، وجميع العرب، يدورون في حلقة مفرغة. أمضينا العمر لا نسعى إلا إلى تغيير السلطة، واستبدال وزير بآخر ألطف منه، أو أكثر معرفة منه، ولكن ليس بإمكانه تغيير أي شيء أو القيام بأي شيء. نحن العرب، على مدى قرن، لم نقم بأيّ شيء سوى تغيير السلطة وتغيير الأنظمة. مئة مرّة غيّرنا الأنظمة، ولكن ماذا غيّرنا مع الأنظمة؟ لم نغيّر شيئا، لا التربية ولا المدرسة… هذه القوى التي أطلقتم عليها صفة «الخيبة» ليست خيبة، هي نفسها كانت الخيبة، لأنه لم يكن لديها أي مشروع.

^ كان هذا المشروع مشروع نخب. ماذا قدّمت هذه النخب، وأين هي الآن؟

} هُزمت، وحلّ محلها، في هذا الفراغ، القوى الإرهابية الحالية التي لها جذور تقوم عليها وتنادي بالعودة إليها وتحكم وتقتل باسم الدين.

^ ماذا نفعل؟ هل نستسلم لذلك؟

} ما عاد في إمكان النخب تكرار ما قامت به سابقاً. خطابها الماضوي انتهى. يجب البحث عن خطاب آخر. قلت وأكرّر، لا يمكن هذه القوى الحيّة الجديدة اليوم أن تشتغل إلا على أساس مدني علماني. وإلا لا معنى لعملها كله. وإذا لم تعمل على هذا الأساس الواضح والمباشر، ستقع في المطب نفسه الذي وقعت فيه الحركات القومية والحركات الوحدويّة السابقة. وأنا قلت ذات مرة أن علينا تأسيس جبهة مدنية على امتداد العالم العربي.

^ إلى أي مدى يمكن تطبيق هذا الحل على أرض الواقع؟

} لا أعرف إلى أي مدى يمكن تطبيقه. إنها أفكار نتداولها. المهم كيف نستبصر ونستكشف ونغيّر أساليب العمل السابقة التي فشلت في التغيير. هذا هو المهم. لا توجد حلول جاهزة إلا في الدين والإيديولوجيات. ونحن جرّبنا الدين فقتلنا، وجرّبنا الإيديولوجيات فقتلتنا.

^ في ظل هذا الانهيار هل إن من الممكن إعادة صوغ هذا الخطاب بطريقة ما؟

} نعم طبعاً، لأن من غير الممكن الحكم على الشعوب بالنفي أو السلب.

^ ولكن هل النخب العربية هي علمانية؟

} هناك سياق تاريخي عربي انكسر نهائياً هو السياق الذي عشنا فيه، وهو استمرار لعصر النهضة. إنه السياق الوحدوي والقومي العربي الذي وجد تجسيده الفعلي في جامعة الدول العربية. لا يوجد أي شيء آخر. نحن، على الرغم من ثرواتنا الطائلة الهائلة لم نتمكّن من إنشاء جامعة واحدة ذات قيمة في العالم. لم نتمكّن من إنشاء مركز للأبحاث في أي ميدان. لم نتمكّن من إنشاء متحف حديث له قيمة. جميع المنجزات التاريخية التي هي علامة النمو والتقدّم، لم نحقق منها شيئاً. وإذا قارنّا ذلك، في عصر الانقلابات المعرفيّة في القرن العشرين، وجدنا أنّ هناك دولاً أفريقية، ليس لها تاريخ كتاريخ الدول العربية، وليست عريقة كالعرب، لكنها أنجزت خطوة إلى الأمام لم يستطع العرب أن يقوموا بمثلها. نيجيريا مثلا. العرب ليس لهم حضور خلاق كأمم وشعوب، بل هم، في نظر الخارج، مجرّد فضاء إستراتيجي، ومجرد ثروات.

نحن العرب أفراد كسالى، يجب أن ننتقد أنفسنا دائماً. كما تقول الآية: إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم. خذ مثلا الشعر العربي، وهو من أهم ما كتب في العالم. وحتى الآن لم تتم كتابة أي بحث عن جمالية اللغة الشعرية.

^ وماذا عن الجرجاني مثلاً؟

} الجرجاني تحدّث عن لغة القرآن واستشهد ببعض الأبيات الشعرية فحسب. إن ما قام به المأمون، وهو خطوة هائلة على صعيد الترجمة التي ربطت العرب بالغرب. لكنّ هذه الخطوة ماتت. إذاً، الأفراد هم من كانوا يقومون بتلك الأمور، وليس النظام أو الرؤيا أو المنهاج.

^ هل المواطن العربي لا يستطيع القيام بأيّ حراك لأنه مكبّل بالدين؟ أي أن سبب العجز يعود إلى الدين وحده؟

} ليس هذا السبب الوحيد طبعاً، ولكن هذا يشبه السكنى في منزل مقفل. كيف سنخرج؟ علينا أن نفتح الباب، أي فصل

 

الدين عن الدولة، أي أنّ مدنية المجتمع هي الخطوة الأولى. ولكنها ليست كافية طبعاً. الديموقراطية في أوروبا نشأت منذ عدّة قرون. وحتى الآن ما زال الأوروبيون يواجهون المشكلات. هذه مشروعات منفتحة، ليست لديها حد تقف عنده، بل هي في تطوّر دائم. ولكن من دون علمنة المجتمع ومدنيته لا نستطيع أن نقوم بأيّ شيء. ولدينا مئتا سنة تجربة يجب أن نختبرها. كان هناك مفكرون في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، مفكرون كبار، أبدعوا أفكاراً مهمة. حتى أنّ بعضهم كان أكثر جرأة منا نحن اليوم. ولكن ماذا كانت النتيجة؟ يجب أن نتأكد أن المجتمع لا يتغير إلا إذا تغيّرت المؤسسة.

÷ هل استطعنا، طوال تلك الفترة، أن نبني مجتمعا؟

السلطة وحدها

} كلا، لأننا لم نهتم بذلك، اهتممنا بالسلطة وحدها. الإسلام سلطة. وثقافة السلطة كانت دائماً هي المهيمنة. السلطة العنفية لمَن غلب. وإذاً، كلامنا عن الديمقراطية، وعن حقوق الإنسان وحرياته لا معنى له إلا إذا غيرنا هذه النظرة.

^ ماذا عن محاولة إصلاح الدين؟

} الدين لا يتم إصلاحه. الدين إما أن تؤمن به أو لا تؤمن.

^ هذا ما يدفعنا إلى الانتقال إلى نقطة تتحدّث عنها دائما، وهي نظرتك إلى الثقافة العربيّة الآن. وهي غير قادرة أن تتخذ لها مكاناً في خضم ما يجري الآن، بل تبدو على هامش الصراع الدائر حالياً.

} قبل الإجابة عن هذا السؤال، أعطني مثقفاً عربياً واحداً، من المحيط إلى الخليج، طرح سؤالاً أساسياً واحداً على الإسلام. أعطني كتاباً طرح سؤالاً عن قيمة الوحي معرفياً اليوم. كيف ستنتج معرفة في نظام ثقافي يهيمن عليه الوحي. مَن ساءل الوحي؟ مَن طرح سؤالا عن كينونة المرأة في الإسلام ككائن حر مستقل سيّد نفسه وسيّد مصيره؟ ليس هناك مفكّر عربي واحد طرح مثل هذه الأسئلة على الإسلام. الماركسيون وضعوا الدين بين هلالين واعتبروه توفي. أقصى ما وصل إليه المفكّرون العرب أنهم اعتبروا أن من الضروري قراءة النص الديني بصفته نصاً تاريخياً. بمعنى أنّ النص القرآني نشأ في ظروف معينة، هذه الظروف تغيّرت، لذلك يجب النظر إليه كنص تاريخي. ولكن لا يكفي أن نقول إنه يجب النظر إلى النص الديني كنص تاريخي. يجب أن نسأل ما هذا النص؟

لم أطرح الأسئلة الأساسية

^ تقول إنّ الثقافة الحالية لم تطرح أي سؤال، ماذا طرحت أنت كمفكّر عربي؟

} على الرغم من جميع الاتهامات التي وُجّهت إلي، لم أطرح أي من هذه الأسئلة الأساسية. أنا لم أسأل ما القيمة المعرفية للوحي، ولم أعالجها. صحيح أنني أشرت إليها، ودرت حولها لكنني لم أجابهها. أنا لم أجابه السؤال الأساسي الآخر، وهو المرأة. اليوم يتم وضع النساء في الأقفاص وبيعهنّ بقروش، ولم يصدر بيان رسمي واحد يدين هذا الموضوع! أين نعيش؟ يجب أن نجابه هذه الأمور كلها بصراحة كاملة وإلا لن نستطيع أن نخرج من هذا المستنقع.

^ هل فضحت «داعش» صراحةً هذه الأفكار والخلفيات الدينية السائدة؟

} لو قرأنا التاريخ جيداً لما كنا بحاجة إلى «داعش». وإلى شناعة مثل هذه. وما يزيد الوضع سوءاً هو أنّ بعض المناهج العربية لا تسمح بالاطلاع على كتب مهمة وضرورية، حتى أنّ بعض المكتبات الأساسية تحجب عن الطلاب كتب ابن رشد!

^ بالانتقال إلى الثقافة والأدب، ترد في قصيدة «الوقت» العبارة التالية: «قل لنا يا لهب الحاضر». أنتَ ماذا ستقول؟

} لا أدري، «يا ريت أعرف». هذا يعكس أزمتنا. يجب ألا نقارن أنفسنا بالغرب. أي هل كان الغرب سيئاً أو عظيماً. ولكن، مع ذلك، حقق الغرب خطوات أساسية في صراعه ضد الدين خصوصاً، وفي ثورته الصناعيّة. والمثقف في الغرب، أصبح جزءاً عضوياً من بنية المجتمع، يعبّر بحرية عن أفكاره، ولا أحد يسيء إليه أو يعاقبه. بهذا المعنى، لدى المثقف قدرة على التأثير، لأنّ المجتمع، في الجامعة والمدرسة والحياة العامة، يعترف بالمثقف ككائن مستقل موجود. أما في ثقافتنا العربية، وهي ثقافة وظيفية، والمثقف موظف، فلا تتم قراءة النص كنص، بل يُقرَأ كاتبه. مَن هو؟ ما هي انتماءاته؟ في أي حزب هو؟ أما النص فلا يُقرَأ. والمثقف العربي إجمالا تابع أو موظف ليست لديه حرية كاملة. إذا كنت لا أمتلك حرية جسدية كاملة، والجسد جزء من هذه الحرية، مثل العلاقة بالله والمرأة، وإذا لم أكن قادراً على التعبير بحرية كاملة عن هذه الأمور المرتبطة بي، عما سأعبّر؟ عن أفكار عامّة؟ في آدابنا، نجد، في الرواية مثلا، نساء جريئات يتحدّثن عن علاقة جنسيّة كاملة. لكن العلاقة الجنسية جزء بسيط من ثقافة متكاملة. أي لا تستطيع، عبر هذا الأمر الذي تتحدّث عنه، أن تزلزل قيماً، وأن تزلزل مجتمعاً وثقافة اجتماعيّة أو تاريخيّة… دائما تأتي الكتابة في الإطار الفردي الخاص، وهي خطوة جيّدة في أي حال ولكن إذا تناولناها على مستوى الجرأة، نجد أنهم كانوا في الماضي أكثر جرأة. الكاتب اليوم، إذا لم يزلزل التاريخ بكامله، لا يستطيع أن يفعل شيئاً. وحتى يزلزل التاريخ بكامله يجب أن يكون حراً. وهذا ما نفتقده في عالمنا العربي اليوم.

الشعر

^ في ما يتعلق بالشعر، لديك موقف سلبي مما صار إليه الشعر العربي.

} أولا، أود أن أذكّر، أنه إذا ما كان هناك أي شخص في العصر الحديث نشر للشعراء الحديثين وشجّعهم، فهو أنا. لذلك كان موقفي دائما مع كل ما هو جديد. والذي قمت به من أجل الشعر، قمت به من أجل الفنون الأخرى كالرواية والفنون. لكن حتى تكتب قصيدة جميلة وعميقة عن «وردة» مثلا، عليك أن تعرف بيولوجيا وتاريخ وعلم البيئة. نحن العرب نكتب قصيدة عن وردة قد تكون جميلة، لكن فكرنا محصور في هذه الوردة نفسها. لا يوجد أي خلفيّة إنسانية أو ثقافية خلفها. القصيدة يجب أن تكون شريحة كبيرة، ضمن حدودها. يجب أن يشعر القارئ أن هذه القصيدة مفتوحة على جميع الاتجاهات، كالرواية التي يجب أن تكون شعراً وفلسفة وتاريخاً. هناك بعض الشعراء يكتبون قصائدهم ويطبعونها، وعندما يصعدون المنبر يجهلون كيفية قراءتها! هذا لا يطاق. ثمّ تسأل أحدهم هل قرأت المتنبي؟ أبي نواس؟ يضحك! إن من لا يقرأ اللغة التي يكتب بها، ولا يعرف جماليتها، كيف سينتج جمالا جديدا؟

^ ما هو أهم نتاج عربي الآن؟

} أهم نتاج عربي هو الفن التشكيلي. صار أهم من الشعر. أصبحت لغة الشعر مسوّرة، هناك كلمات، إذا ما دخلت القصيدة أو الرواية، تمنع سلطات الرقابة الديوان والرواية! الفهم الديني السائد دمّر اللغة العربية لأنه حدّدها، إما بحجة دينية وإما بحجة تشويه اللغة من خلال استخدام بعض المفردات، في حين أن العرب القدامى لم يكن لديهم أي حاجز على الإطلاق. كانوا يستخدمون كلمات يونانية أو فارسية ويعرّبونها. اللغة العربية مليئة بكلمات أجنبية. لذلك فإن اللغة العربية تختنق اليوم. أنا أفضل كاتبا يكتب رواية باللغة العامية على كاتب يكتب لغة عربية «كرشونية».

^ لكن اللغة تمرّ بمسار طويل فيه منعطفات وتحولات.

} هذا مؤكّد، ولكن على الإنسان أن يحترم أدواته.

^ هل ستموت اللغة العربية؟

} لا أحد يعلم. إذا كانت اللغة اليونانية التي كتب بها أرسطو وأفلاطون ماتت، علاوة على لغات أخرى ماتت… فلا يوجد أي مانع يحول دون موت اللغة العربية. المأساة الكبرى، هي أن هذا الإسلام الذي جاء بهذه الثورة اليوم، يتحوّل إلى الهرب من كل تجربة روحيّة كبرى، ليصبح مجرّد سلطة. لدينا مليار ونصف المليار مسلم في الكرة الأرضية، ليس فيهم مفكر إسلامي واحد.

اللغة العربية تعيش أزمة كبرى، ومَن لديه أولاد يعي هذه الأزمة ويعيشها جيداً. والمشكلة ليست في اللغة العربية، فهي لغة عظيمة، بل تكمن مشكلتها في طرق تدريسها. مشكلتها ثقافية، أي أنّ مشكلة اللغة العربية تأتي هي من خارجها، وأول أسباب ذلك الدين الإسلامي، واعتبارها لغة مقدّسة.

^ لكنها سبق أن عاشت عصور نهضة وانحطاط.

} عصر النهضة أحيا اللغة التقليدية. التي كانت فقدت حيويّتها، وفقدت شعريّتها. من أحمد شوقي إلى حافظ ابراهيم، هؤلاء أحيوا النماذج التقليدية القديمة، ولم يحيوا اللغة التي نشأت في القرنين الرابع والخامس الهجريين، حين تمرّد الشعراء، أول مرة، على النموذج العربي. لم يتكلّموا على الأفكار والآراء والقضايا، بل تحوّلوا إلى الحديث عن القنديل والكرسي، أي خلقوا لغة يوميّة شعريّة بديعة جداً. وصار الشعر يتكلّم على الأشياء وليس على الأفكار. وبدلاً من أن يكملوا بهذه الطريقة اعتبروه انحطاطاً، في حين أنني أراه من أجمل عصور الشعر العربي. وهؤلاء أحيوا القصائد التقليدية كالتي ظهرت على أيدي البحتري وأبو تمام والمتنبي، والتي كانت جميلة في زمانها، لكنها استُنفِدَت كلغة شعرية. لذلك أنا أرى أنّ عصر النهضة هو عصر انحطاط على مستوى اللغة. وكأن هناك في البنية العقلية السائدة ما هو ضد كل ما هو حديث. حتى قصيدة النثر، لم تدخل الذائقة الأدبية العربية، ولا تزال بعض الجامعات ترفضها.

^ هذا يقودنا إلى مستقبل الشعر.

} ما دام الحب موجوداً فالشعر موجود.

^ جيل اليوم يعود إلى الكلاسيك. يكتب قصيدة موزونة على غرار التفعيلة. كيف تفسّر ذلك؟

} أعظم شيء في الشعر أنه لا يُحدّد. متى حدّدت الشعر قتلته. وهو قابل لأن يتخذ جميع الأشكال. المهم اللهب داخل الموجود في اللغة التي يكتب بها الشاعر.

المسكوت عنه

^ ما هي أسوأ الفنون اليوم؟

} الكلمة العربية «تعبانة» من جميع النواحي. ما هو الفن إجمالاً؟ أن تعطي أسماء جديدة للأشياء، وأن تسمّي الكون من جديد. الكلمة اليوم قاصرة عن ذلك، إما بسبب منها، أو منا، أو بسبب الوضع الثقافي العام والوضع السياسي. هناك انهيار هائل بحيث أن الكلمة باتت مقصوصة الأجنحة، ما عاد في إمكانها أن تقدّم مشروعاً. وهي ظاهرة موجودة في أوروبا أيضاً. يمكن أن تترجم في الخارج بسبب طغيان العصر الصناعي والانترنت. جميع ذلك يضعف النتاج الشعري. الأمر نفسه ينطبق على العالم كله حيث هناك عناصر تفسّر هذه الظاهرة. ولكن في العالم العربي كيف يمكن تفسير ذلك؟ ليست لدينا تقنيات أو صناعات، ولا نزال مجتمعاً رعوياً طائفياً وقبلياً… حياتنا كلها مشكلة. وأعتقد أن ما يعذبنا أكثر أن في تاريخنا الثقافي المعاصر لم نجابه المشكلات بصراحة، ولم نحلّلها ونفكّكها كي نعرفها. وأنا أستغرب يا عرب كيف أنّ بلداً مثل تركيا، حيث ظل العثمانيون على مدى أربعمئة سنة يدمّرون العرب لغة وثقافة وتاريخاً وها هم قادة العرب يتوسلونهم. لا يوجد أسوأ من تاريخ كهذا، أي أن تكون تركيا قائداً من قادة الثورة العربية. يجب أن نتعاون جميعنا كي نكشف الخلل ونسعى إلى القضاء عليه. المسكوت عنه في المجتمع العربي هو ميدان الكتابة والشعر. ونحن نطوّق المسكوت عنه أكثر فأكثر ونتحاشاه أكثر فأكثر.

^ لكن هناك كشف للمسكوت عنه.

} في إطار واحد. المرأة تتحدّث عن جسدها بحريّة، لكن هذا لا يكفي. خاصة أن الجسد المحكي عنه هو جسد ثقافي، في حين أنّ الجسد الذي يجب أن ينفجر هو الجسد الخاص، الحميم، الأنثوي، جسد الهواجس والأحلام والحريات… بحيث أنك إذا قرأت رواية لسيّدة أو رجل، لا تقرأ ما يشبهها عند آخر. أقرأ جسداً معيّناً بمشكلات محدّدة، لأنه بذلك سوف يضطر كاتبه إلى أن يخرج من الثقافة العامة إلى ذاته. لا يوجد أي إنسان يحلم الحلم ذاته الذي يحلمه آخر، حتى لو كان شقيقه. نحن نشترك في العموميات فحسب. لذلك لا تزال ثقافتنا وكتاباتنا في إطار المشترك العام، الذي هو نقيض كامل للإبداع الخاص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى