صفحات الثقافة

من سينما حافظ الأسد إلى “سينما القاهرة”/ ريبر يوسف 

 

 

قبل أسبوع، ذهبتُ بضع مرات إلى السينما، كان الخجل يتبعني كما لو كنتُ قاتلَهُ، نال مني الحذرُ فحوّلته إلى عصا، رفعت بها قامتي في الشارع الأفقي، الطويل. وضعتُ الحدث في قارورة معقّدة، وأحكمت فوهتها بتميمةٍ، فيما قلت في نفسي: “هذا سرّي الكبير”. كذبتُ إثره على أخي الذي لا يفكّ نفسه عن حبل تذكيري بالحرب وبوالديّ اللاجئين في شمال دولة مجاورة لسورية. دخلتُ الصالة بسرعة غير متوازنة؛ كما لو كانت الأفعال النبيلة سليلة العار، كما يدخل أحدهم بيت دعارة، اشتريتُ تذكرةً، احتفظَ عاملُ مراقبة الصالة بنصفها لحظة عبوري باب الممر المفضي إلى الشاشة الكبيرة، فكّرتُ لوهلة لو أن في الإمكان الاستفادة من النصف الذي تُرِك بحوزة العامل، تماماً كما يُستفاد من أي شيء في دولة منكوبة زمن الحرب. أسرني الشرود بالحرب التي زرعت مرضها في داخلي وحوّلت الخبز بحد ذاته إلى ترف بشع. اقتعدت كرسياً في الصف الخلفي، بجانب الباب الذي عبرتُهُ من خلال الممر؛ فأخرجَ بالسرعة ذاتها، إذ تداهمتني السعلةُ، ربيبتي، مثل رجال مخابرات على حين غرة. فتح الموظف، الذي لم نكن نراه، النار على الستارة، فدفعها إلى الاستسلام، شاهدتُها رافعةً يديها، الستارة، تتخذ من الزاوية ركنَها الشاق. لست أعلم ما دفعني إلى إسدال جفنيّ بقوة دخيلة عليّ.

في الصالة السينمائية الصغيرة تلك بدأ الفيلم الألماني حقيقة – الفيلم الذي كتبتُ عنه وسأنشره لاحقاً، بينما وفي اللحظة نفسها بدأ المشهد الأول لي في “سينما القاهرة” بمدينة الحسكة السورية. في السنوات الأخيرة تحوّلت صالة السينما الوحيدة، هناك، إلى قاعة تقام فيها الأعراس، كان هناك شغل واضح، دؤوب، من جانب الحكومة السورية، على إغلاق النافذة الوحيدة لنا، نافذتنا المفتوحة على الحياة؛ إذ انعدمت الأفلام السينمائية في صالة المدينة الوحيدة، كان حدثاً يستوجب منا القيام بثورة وإسقاط نظام أغلق عيوننا بالشمع الأحمر، كما لو كنّا محالاً تجاريةً، واحتكر لنفسه مشاهدة العالم وعواصمه الجميلة. في المرحلة الأولى، كان داء إعدام سينمانا الوحيدة، إلى أن عُلّقتْ رقابُنا الجمعية إلى العود ذاته الذي شنق الفن عليه أمام عيون أرواحنا المفتوحة. تزوّج جيل كامل من سكان مدينة الحسكة في (سينما القاهرة)، صعد الأزواج المسرح، أُسدلت الإضاءة عليهم واحداً تلو الآخر، هم الممثلون في الزمن القادم، الزمن الذي تعيشه سورية الآن، الزمن يا رجل.. هل نسيت؟ هم أبطال الأعمال السينمائية التي ستشغل العالم في ما بعد، (في ما بعد) يعني (الآن) في قاموس السوري، الآن، هل تشاهد السينما السورية الآن، عاصرنا نحن السوريين عمليات تصويرها ومونتاجها وعمليات ما بعد المونتاج، ورافقناها واحداً تلو الآخر أدوارَنا إلى دُور العرض السينمائية العالمية (الآن)، رافق السوري أدواره السينمائية من عالم الموت، العالم الذي نقطن فيه الآن. كل دم يُسالُ في فيلم إنما يخصّنا على الإطلاق، أنفقنا ما يقارب أربعين عاماً من أعمارنا إلى أن أنجزنا السينما التي تشغل العالم (الآن).. هل تعلم ما هو (الآن)؟ الآن يا رجل، هل حدث وشاهدت شعباً بمجمله يتزوج في صالات السينما؟ كان هذا المشهد الأول من كل فيلم يخص زوجين الآن؟ دخولٌ مرافَق بالأغاني والدبكات والإضاءة ومن ثم تصفيق للبطلين الجديدين. البطلان اللذان سيتحولان إلى جثتين في ما بعد. بدأ الفيلم الألماني ولم يزل جفناي منسدلين، لا يهم، أشاهد في قلبي الآن سينمانا البيضاء المشعة، في الضوء السحري الذي يوثق بياضَ فستان العروس ببياض الستارة التي ماتت في البلد. البلد يا رجل، هل تتذكر؟ كنا في البلد أركان المعادلة التي تحمل وجهتين معاكستين، استورد النظام سينماه من دول قتلتْ هي الأخرى بدورها سينماها، ومن (القصر الجمهوري)، أو دار سينما النظام، سلطَ النظامُ ضوءَ سينماه على كامل البلد وراقبَنا، كنا فيلمه الطويل الذي دام أكثر من أربعة عقود، كان الضوء مسلّطاً علينا، فيما كنا منشغلين ببناء سينمانا اليومية، التي نحياها الآن. كان النظام يتقدمنا بخطوات في الزمن؟ ففي اللحظة التي كان فيها ضوء (القصر الجمهوري) مسلطاً علينا كنا نحن، الشعب، في مثابة الفيلم المنجز لدى النظام، الذي لم يفعل شيئاً سوى مراقبتنا، كنا سينماه الوحيدة التي استورد آلياتها وأدواتها من دول سوداء. وفي اللحظة تلك، كنا منهمكين في صناعة الأحداث. قتل حافظ الأسد السينما التي كانت قبل سيطرته على البلد، لا فيلم، حتى أنك، إذا ما بحثت، لن تشاهد إلا أفلاماً معدودة قد أنتجت في حقبته الدامية. ترافقنا كامِراتُنا – لم تزل – ليل نهار، هي حرفة السوري الوحيدة، كامِراتنا المثبتة في مكان مجهول داخل أرواحنا، ننقل للعالم سينما مباشرة ونغرقُهُ في التشويق، نحن رواد سينما معاصرة، لم يحدث أن صنع أحدهم سينما مباشرة على الإطلاق، لولانا لماتَ العالم إثر الملل. كامِراتنا منتصبة في كل زقاق منذ أربعة عقود، أستغرب من إطلاق اسم (السينما التسجيلية) على الأحداث في البلد، ربما علينا العمل كي نشرح للعالم أجمع بأننا أنجزنا الشكل الجديد للسينما، وصرنا نضع الأحداث أمام ناظره تماماً لحظة وقوعها؛ “براً وبحراً وجواً وتحت الأرض” ومن خلال الفضاء إذا ما رصدتنا أقمار التجسس للدول الكبرى. تخرج امرأة سورية من خيمتها، في أحد المخيمات للاجئين السوريين في إحدى الدول، وتنقل مباشرة سينماها إلى العالم، تقول: “أخرجُ صباحاً إلى العمل وأعود في المساء مع قليل من الطعام، عندي أربعة أطفال، أحدهم معاق ويعانق، وحيداً، طوال النهار، الترابَ في أرضية الخيمة، منذ عدة أسابيع وأنا لا أملك نقوداً لأشتري مادةً منظفة أغسل بها ثوبي الوحيد”. انتهت سينما المرأة. هكذا؛ خرجتُ من السينما لأدخل مرة أخرى في دوري السينمائي الحياتي، والذي لا أعرف متى وكيف نهايته.

*شاعر من سورية يقيم في برلين.

نص من كتاب “كُتّاب سوريون ضدّ البشاعة”، إعداد وتقديم الشاعر السوري محمد المطرود، مترجم إلى الهولندية، سيصدر قريباً.

ضفة ثالثة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى