صفحات العالم

من طهران الى غروزني الى دمشق


الياس خوري

ذكّرني الحوار الذي اجرته قناة ‘الدنيا’ السورية مع بشار الأسد، بالمقولة التي أطلقها مؤسس حزب الكتائب بيار الجميل في بداية الحرب الأهلية اللبنانية الطويلة. يومها وفي مواجهة الخطاب الاصلاحي الذي تبنته الحركة الوطنية، رفع الشيخ بيار شعار: النظام = الكيان.

اي ان قائد الحزب الأكبر والأكثر تأثيرا في الوسط المسيحي، وضع اللبنانيين امام أحد خيارين، اما بقاء نظام الغلبة الطائفية او اعادة النظر في الكيان اللبناني، وهي دعوة مبطنة الى التقسيم، و/او العودة الى لبنان الصغير، اي الى حدود متصرفية جبل لبنان، التي فرضتها الدول الأوروبية على الباب العالي، بحجة ‘حماية المسيحيين’.

الرئيس السوري استعاد المنطق نفسه: الوطن = النظام والنظام = الرئيس!

فاذا اردت حماية الوطن من ‘المؤامرة’، فأنت تدافع عن النظام البعثي، واذا وجدت نفسك في صف النظام فأنت مع الرئيس الى الأبد، من دون مناقشة. اما اذا اردت اسقاط الرئيس فأنت تُسقط النظام، واذا سقط النظام ضاع الوطن!

المعادلة الأسدية اكثر تعقيدا من المعادلة التي صاغها بيار الجميل. فالزعيم الكتائبي الراحل تكلم لغة طائفية صريحة، تستند الى خوف اقلوي متوارث، وتحوله الى اداة لتخويف الآخرين واخضاعهم. اما الرئيس السوري فانه ينتمي نظريا على الأقل الى ايديولوجية قومية عابرة للبني الطائفية، تسعى الى ايصال ‘الرسالة الخالدة’ التي بشّر بها مؤسس حزب البعث، ميشال عفلق، وهي رسالة توحيد الامة العربية وبعثها من السبات. اما كيف تحولت الرسالة الخالدة الى حكم ابدي متوارث، والى جحيم قمعي وسبات سياسي، والى سلسلة من الهزائم الوطنية، فتلك مسألة يجب البحث عن اجوبتها في البذور الفاشية داخل الايديولوجية البعثية نفسها من جهة، وفي استيلاء العسكريين والأمنيين على السلطة، الذي حوّل تلك البذور الى نظام ممسوك من قبل رجل واحد او من قبل مجلس العائلة من بعده، من جهة ثانية.

يحمل التماهي الكامل بين النظام والوطن التـــــهديد بتدمير الوطن او تفكيكه، وهذا هو جوهر خطاب الأسد، اما الكلام عن ‘المؤامرة’ و’الارهاب’ فهو مجرد تغطية ساذجة لم تعـــــد تنطلي على أحد، فالديكتاتور الســــوري هو اول من عــــــرف ذلك، منذ اللحظات الأولى لاندلاع الثورة السورية، حين نزل مئات الالوف الى الشوارع في درعا وحماه وحمــص ودير الزور وريف دمشق مطالبين بحريتهم وكرامتهم، ومعلنين ان طريق الحرية الوحيد هو اسقاط النظام.

وكان جواب النظام هو المراوغة الدموية، معتقدا انه يستطيع من خلال قتل اكبر عدد من المتظاهرين القاء الرعب في قلوب الناس.

مرّ المشروع القمعي للنظام في مرحلتين:

المرحلة الأولى التي سوف نطلق عليها اسم: المرحلة الايرانية، امتدت من بدايات الثورة، حتى قصف حمص واجتياح بابا عمرو، اما المرحلة الثانية المستمرة الى اليوم فسنطلق عليها اسم: المرحلة الشيشانية.

في المرحلة الأولى حاول النظام تطبيق الخطة الايرانية في قمع ‘الثورة الخضراء’، التي اندلعت في ايران بعد ‘اعادة انتخاب’ احمدي نجاد رئيسا. وقد فشلت هذه الخطة، لأنها استلهمت نموذجا لا يمت بصلة الى الواقع السوري. فالثورة الخضراء تركزت في المدن، وخصوصا في طهران، وكانت غائبة عن الريف الذي حافظ على ولائه للولي الفقيه، كما ان السلطة الايرانية استندت الى شرعية سياسية مستمدة من شرعيتها الفقهية والدينية التي اسسها الخميني. اما الثورة السورية فقد اندلعت اولا في المدن البعيدة عن المركزين السياسي والاقتصادي (دمشق وحلب)، وقد جرّ القمع الوحشي للمظاهرات في هذه المدن الى انخراط البلدات الريفية في الثورة، محولا الثورة الى ظاهرة عصية على السحق بالوسائل الكلاسيكية التي اتبعت في ايران، وقاد الى بداية الانشقاقات في الجيش والى بروز ظاهرة الجيش الحر، والى التسلح الشعبي الواسع. وبدلا من ان تُقمع الثورة، قام الريف بتحفيز العملية الثورية في المدن، حتى وصلت الى قلب دمشق، ونجحت في السيطرة على اجزاء واسعة من حلب. هذا من دون ان ننسى ان النظام لا يستند الى اي شرعية اجتماعية او سياسية او دينية.

فشل النموذج الايراني، قاد الى المرحلة الثانية من القمع، فأستعان النظام بنموذج آخر، هو نموذج سحق الشيشان وتدمير غروزني، وهو النموذج الذي صاغه ‘القيصر الروسي الصغير’ فلاديمير بوتين. نجح هذا النموذج في روسيا الاتحادية عبر اعتماده على القوة النارية الهائلة للمدفعية والدبابات وسلاح الطيران، وانتج تدميرا منهجيا للعاصمة الشيشاتية غروزني.

لجوء الآلة الأسدية الى هذا النموذج والحماس الروسي له يفتقد الى الحكمة، لأنه يتناسى حقيقتين:

الحقيقة الاولى هي ان بلاد الشيشان صغيرة وعدد سكانها حوالي مليون نسمة، وهي جزء من الاتحاد الروسي الكبير الذي يطوقها من كل الجهات. وان انتفاضتها كانت قومية للتحرر من الهيمنة الروسية، وسعيا وراء الانفصال. وهذا لا يشبه وعلى اي مستوى الثورة السورية التي هي ثورة شعب بأغلبيته ضد نظام حكم ديكتاتوري محلي. الثورة السورية ليست مقاومة لحكم اجنبي بل هي ثورة من اجل الحرية والتخلص من الاستبداد.

الحقيقة الثانية، هي ان ‘القيصر الصغير’ في موسكو خاض معركته ضد اقلية قومية ودينية ضعيفة وممستضعفة، ونجح في تصويرها باعتبارها معركة لحماية الروسيا واستعادة دورها. اما ‘المملوك الصغير’ في دمشق، فإنه لا يحارب شعبا آخر، ولا يجتاح مدينة صغيرة اسمها غروزني لا يصل عدد سكانها الى اربعمئة الف نسمة، بل يحارب كل المدن السورية.

الحل الشيشاني يتهاوى اليوم، كما تهاوى الحل الايراني في الأمس. واللافت ان الدولتين الداعمتين للنظام: ايران وروسيا، لم تكتفيا بتقديم نموذجيهما القمعيين، بل اغدقتا على النظام كل اشكال الدعم العسكري والمالي، ومع ذلك فهما مصاباتان بالذهول امام عجزه عن الحسم العسكري، ومحبطتان من تفكك الكثير من عناصر آلته السياسية والعسكرية.

بعد فشل المرحلة الثانية، وهي مسألة وقت ودم، سوف يُضطر النظام الى الدخول في المرحلة الثالثة، وسيكون لهذه المرحلة عنوان واحد هو السقوط والتهاوي، وسنطلق عليها اسم: المرحلة الشامية. لن ينجح الأسد حيث فشل الشيخ بيار الجميل. الادعاء الفاشي الليناني الذي روّج للتقسيم، والمستند الى خبرة تقسيمية ‘شُرعنت’ دوليا في القرن التاسع عشر عبر المتصرفية، تهاوى لأنه خيار مستحيل واحمق. اما تقسيم سورية او انشاء منطقة طائفية فيها، (هذا ما يروّج له البعض في الصحافة الغربية والعربية)، فهو خيار اكثر حمقا واستحالة من الخيار الفاشي اللبناني. تقسيم سورية مستحيل سورياً واقليمياً ودولياً، حتى لو كانت هذه هي الرغبة الاسرائيلية، ومشروع انشاء دويلة طائفية فيها ليس سوى وصفة للانتحار. لذا سوف يكون للمرحلة الثالثة اسم واحد هو السقوط، ومع اقتراب هذا السقوط سوف يحاول الأسديون تطبيق شعارهم ‘الأسد او نحرق البلد’، وهم يقومون بذلك منذ فترة.

هذا هو معنى التصرف الأسدي الدموي الذي يقول إن الديكتاتور لن يمضي قبل ان يدمّر البلد.

وكما فشل النظام في المرحلتين السابقتين فإنــــه سيفشل في المرحلة الثالثة رغم بحـــر الــــدم والدمـــوع الذي يصنعه في كل يوم.

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى