صفحات الثقافةهيفاء بيطار

نساء بقلوب ميتة

 

هيفاء بيطار

من خلال عملي لسنوات طويلة كطبيبة عيون، لاحظتُ ـ من دون أي تحيّز – أن قدرة المرأة على الحب والحنان والتحمل تفوق كثيراً قدرة الرجل، وتأكدتُ من تلك الحقيقة حين بدأت أهتم بقصص المعاقين وخاصة حين كنتُ إحدى الطبيبات في لجنة المعاقين، وهي لجنة تقيّم وضعهم وتحدد طبيعة العمل الذي يمكن أن يمارسوه، أو عدم قدرتهم على ممارسة أي عمل.

ومن خلال عملي في اللجنة وعملي طبيبة عيون لاحظتُ أن هؤلاء يعيشون ويستمرون في الحياة يوماً بعد يوم، وقادرون على الابتسام والأمل بقوة حب قلب كبير، هو قلب أم.

لاحظتُ – وخاصة في حالات الإعاقة الشديدة – أن كل الأسرة، بمن فيهم الأب، يتمنون الموت للمعاق، أو يتمنون نفيه وإقصاءه في مصحة، كي ينعموا بحياة ليس فيها ما ينغص عليهم رفاهية أنانيتهم.

وهذا ما دفعني إلى كتابة العديد من قصص هؤلاء المعاقين وأهمها برأيي قصة (يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش) وهو قلب الأم بالتأكيد…

أسترسل بهذا الكلام لأنني أتساءل ببساطة شديدة، وبسذاجة شديدة ربما، لو أن النساء يحكمن العالم ويوجهن سياسته، أما كانت القسوة والوحشية أقل!

لكنني حين أتمعن في وجوه سيدات في مراكز قرار حساسة، مثل هيلاري كلينتون وتسيبي ليفني وأنجلا ميركل وميشيل اوباما وكونداليزا رايس وغيرهن، حين أتمعن في وجوههن كما لو أنني أنقـّب في أعماقهن، متمنية لو يملكن قلب أم، كقلب أم بسيطة وفقيرة تتعبد حباً وخدمة لابنها المعاق، ولا تتذمر ولا تحس بتعب بل تستمد قدرتها اللانهائية على الحب والعطاء من قلب الله… من كل قوى الخير والرأفة الموجودة في العالم…

لا أجد قلب أم للأسف في أعماق السيدات النجمات اللاتي يزرننا في بيوتنا كل يوم ويتكلمن ببرود وعجرفة وهن بكامل أناقتهن ووجوههن الشمعية.

وغالباً ما تكون الشاشة منقسمة إلى نصفين: نصف يعرض صوراً مروعة لمجازر يدفع ثمنها الأطفال والنساء، ونصف يعرض صورة إحدى السيدات النجمات في السياسة وهي تتحدث متبنية تماماً سياسة المصالح الخاصة بدولتها، مغيبة ً تماماً قلبها كأم، وراضية أن يكون قلبها مجرد مضخة دم.

ولا زلت أستفز في كل مرة أجد إحدى السيدات من ذوات المناصب الحساسة تتكلم، فتصيبني حالة من التنبه الشديد فأركز كل انتباهي وأحاسيسي على وجوههن الشمعية وأتساءل: لماذا لا يتمردن على سياسة لا أخلاقية وظالمة، ومدمرة لسعادة وأمان ملايين من الأطفال والنساء، والأسر التي لا تحلم إلا بعيش آمن!

ألا يفترض بهن أن يشعرن أن أطفال العالم أطفالهن؟ كيف قبلن المساومة على دورهن الأساسي والجوهري في الحياة، وهو الحب بلا حدود، لأن الحب أساسه العدالة والرأفة والحنو، ليس على الإنسان فحسب بل على كل الكائنات… أن تكون المرأة أماً يعني أن تكون أماً كونية… تنظر وتتعامل بعين المحبة والحنان لكل من حولها.

كم أحس بالخزي حين أجد العديد من الصحف تجري مقابلات مع تلك السيدات ويكون قسم كبير من المقابلة عن عاداتهن الشخصية، ومن يختار لهن ملابسهن، وماذا يأكلن ويشربن… ومَن مصمم الأزياء المفضل لديهن …

ولا أستثني طبعاً زوجات رؤساء الدول اللاتي بدورهن يمارسن دوراً استعراضياً زائفاً في دعم شعوب أذلها القهر والاستبداد والظلم، فنرى زوجة أحد الرؤساء تلبس آخر صيحات شانيل أو كريستيان ديور، وتحتضنُ بحذر طفلاً فقيراً أو مصاباً بشظية أدخلته خانة المعاقين، والسيدة مفرطة الأناقة، والزوجة المصون للحاكم تطبع قبلة يهوذا على خد الطفل البائس.

للأسف هؤلاء النساء اللاتي يتمتعن بالمناصب والنفوذ ارتضين أن يكن مُستأجرات ومجرد موظفات عند قوى لا تعرف للإنسانية معنى، ولا تقيم لابتسامة طفل أية قيمة، ولا يهمها إحلال السلام والطمأنينة في العالم…

نساء ارتضين أن يتنازلن عن أكبر قوة مشرّفة في الكون، قوة قلب مُحب، قوة قلب أم… وأن يقبلن أن يكن خادمات في سياسة ترضى أن تكون ممارسات أسيادها أسوأ من ممارسات حيوان.

كاتبة من سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى