صفحات الثقافة

نمرُ الغابة يلعبُ في عينيكِ/ سيف الرحبي

أمومة

 

 

أمهاتُنا اللواتي خلّفناهنّ وراءنا

يجلسن الآن في بهو البيت

بجباهٍ موشومةٍ بالأرق

وسواعد أنهكتْها الحقولُ

وفحولةُ رجالٍ ماتوا.

يجلسن الآن على عتبة رنينٍ غامضٍ

الأحاديثُ، كأنما مرّت عليها أحقابٌ،

لا نكادُ نصغي لوقع حفيفها العابر

إلاّ ويمتلئُ البهوُ بالغياب.

 

 

موسيقى

 

حين أخرجُ من البيت

أترك الموسيقى مفتوحة

تحرسُ أرواح الموتى.

موسيقى القدماء

التي تحملُ رائحة العشب

وتحرسُ حدائق بابل

معلّقةً في الأعماق

حين أخرج من البيت

أتركُ كلّ شيء مغلقاً على نفسه

عدا الموسيقى تضطربُ في الرُدهات الخالية

وعدا بضعَ محاراتٍ،

التقطتُها من الشاطئ القريب

ليلة العاصفة

 

 

صحراء

 

 

في هذه الصحراء العاتية

الصحراء التي تسيلُ مع الشمسٍ كثباناً وشياطينَ

تناسلَ الأسلاف جَدّاً بعد جَدّ

ونبتْنا مصْل أشجارٍ صخريّة

راكضين بين الشاطئ والجبال

بأرجل حافيةٍ وقلبٍ مكلوم.

كبرنا مع الجمال والحمير

قُدنا القطيع إلى مساقط الوادي

وشاهدنا القطا تغيبُ مع السراب

نصبْنا شباكاً للثعالب

وأخرى لوعولِ الغيب،

وحين سافرنا إلى بلدان العالي

لم نجد أثراً للأضحية في ثيابنا

ولم نجد ضالّة الحنين

 

 

قهوة الصباح

 

في الصباح المبكر

والنوم ما زال أفقاً مكتنزاً بالمرايا،

تمشي خطوتين،

متعثراً بأحلامك..

أحلام أنيقة عن مذابح

عن نساءٍ بعيدات.

السرير، وحيد ومأهول بالريح

(من أي نجد أتيت

هذا الصباح، أيتها الريح؟)

خطوة ثالثة تصلك بالمريخ

بعد أن تكون قد أفرغت النافذة

من البكاء.

تجلس أمام الموقد بكفٍ أصفر.

الحيطان تبلع ريقها الجاف،

الشمس تتسلّل بين الشقوقِ

ذئبة وديعة

والركوة تغلي،

مثل مدينة يتشرّد

سكانها في رأسك

 

جفاف

اندلقت مياهُ العالم

في جوفي

فشربتها دمعةً.. دمعةً

ومضيت.

 

 

امرأة الأنباط

 

كأنما الحياةُ انفجرت

دفعةً واحدةً من مضيق

كأنما السنونُ ساقت جيوشها إلى الحافّة

كأنما البحرُ

كأنما الحاناتُ والمقاهي

ومساءاتُ المدن الكبرى.

نمرُ الغابة يلعبُ في عينيكِ

وأنت تحدّقين في بحر هائج

حذاء الأوابد الدكناء

بشعرك المسترسل في الريح

كأنما كنت قادمةً من عصورٍ أخرى

تبدين شبق الذئب تجاه الفريسة

وريبة المسافر نحو الطريق.

 

قادمةً من عصور أخرى

معبأة بأحلام شاقة

بنظرة تتكدّسُ تحت سفحها الأزمانُ،

الأزمانُ الخوالي التي تصهلُ في ردهاتها

الأحصنة.

 

وحيدةً مثخنةً بالبرد والنعاس.

تكتظُ الفنادقُ بروادها الأنيقين

والأنفاقُ بمشرّديها

وتكتظُ السماء بالملائكة والمعجزات،

وأنت مكتظّةٌ بالصحراء

بهدير الأنباط

قادمين من ضفاف الصخر.

 

كأنما الحياةُ

انبثقت دفعةً واحدةً

عندما التقينا لأوّل مرةٍ

في البلاد البعيدة عن مولد الشمس.

 

 

خطوات

 

أمشي أحسّ أن تحت قدمي

سماء تضطرب بكامل ضحاياها

وفوق رأسي أرض توقّفت عن

الدوران،

أسمع رعد خطواتٍ ورائي

خطوات أشخاص قادمين

من الماضي

صامتين كأنما على رؤوسهم

الطير.

أيها الماضي تراجع قليلاً

كي نكمل نزهة اليوم.

 

 

رياض الصالح الحسين

 

 

دائماً.. في غرفتك المكفهرةِ

بالتعب

تبحث عن ربوة الخيال

عن مشاجراتٍ جديدةٍ تحت المخدّة

عن ذكرى خبّأنها “الفتيات” بين الجدائل.

الضيوف المزعجون يزورونك

في نعاسٍ عابر

ولا تستيقظ إلا بعد حقبةٍ من النوم،

في غرفتك الضيقة التي أعرفها جيداً،

لتبحث عن أشيائك الصغيرة.

 

العربي الجديد

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى