صفحات الثقافة

“نوح” ومُشْكِل البراءة/ أحمد بيضون

 

 

يحظى جمهور السينما في بيروت، هذه الأيام، بمشاهدة ‘نوح’، فيلم دارن آرونوفسكي الضخم. مُنِع الفيلم في البلاد العربية الأخرى وتقدّم الأزهر الصفوف مستعيداً الحجّة القائلة إنه يجوز لنا النظر إلى صور الحكّام والمُفْتين ولكن يَحْرُم علينا تمثيل الأنبياء في صُوَر. في لبنان، تحاشت الرقابة الحَرَج بسطرين على الشاشة يسبقان انطلاق العرض ومفادهما أن الفيلم يروي قصةً ‘تاريخية’ لا علاقة لها بالعقيدة الإسلامية. فظهر أن مرجعيةً مسلمة (أو أكثر من واحدة) هي التي شاءت أن تستبعد تبنّيها القصّة بالصيغة التي اعتمدها (أو ابتكرها) الفيلم. هذا فيما بقي الموقف المسيحي، في صيغته اللبنانية، مكتوماً.

والحال أنه لا يوجد ما هو مجانب للواقع مجانبةَ وصف هذا الفيلم بالقصة ‘التاريخية’. فحتى تاريخه، لم يعثر فوق جبل أرارات على بقية لسفينة نوح التي بناها عمالقة كانوا ملائكة عوقبوا بالتحجّر. وكان لهذه البقية، لو وجدت، أو لما يقوم مقامها، أن تستوي وثيقةً تسند نسبة هذا النبي وقصّته إلى ‘التاريخ’، بالمعنى المعلوم لهذا الضرب من المعرفة. لا تزال القصّة إذن قصّة دينية مائة في المائة. وإذا جاز أن يداخلها بعض الخيال فإن تصديقها يبقى مسنداً إلى الإيمان لا إلى دليل حسّي يصحّ وصفه بـ’التاريخي’.

ولكن ما لنا وللبحث في مبلغ التبحّر الذي بلغه الأمن العامّ اللبناني في أصول المعرفة التاريخية. فإن ثمّة في الفيلم نفسه ما يستبعد الرجوع إلى التاريخ بما هو وقائع موقوتة أي مقترنة بزمن. وفيه ابتعادٌ بيّنٌ أيضاً عن قصّة هذا النبي في الصيغة التي أوردها العهد القديم. بل إنه يمكن القول في ما يتخطّى كلّ مفارقة أن الافتراق المتعمّد عن معالم النصّ التوراتي جاء مزكّياً لنوع من التحليق عبر التاريخ مبتغياً تمكين القصة السينمائية من الدخول في مواجهة شفّافة لمشكلات قائمة في عالمنا المعاصر.

أو ان الأصحّ أن نرى الصفة المعاصرة لهذه المواجهة ممكنة، على وجه التحديد، بسبب فرضية رئيسة استقاها الفيلم من مصدره الديني: تلك هي الفرضية القائلة بوجود مشكلات غير محدودة الوجود بزمن، وذلك لتأصّلها في حال الدنيا والبشر تأصّلاً تتبدّل صيغه من زمن أو مكان إلى غيره ولكنّه يبقى عصيّاً على البطلان. هذه المشكلات، في حالة الفيلم، هي مشكلات الشرّ المقيم في نفوس البشر وما يتبعه من خطيئة وما يبدو مستثنى منه من حالات البراءة وما يفترضه هذا الاستثناء من اختلاف في معاملة السماء للأبرياء بحيث لا يؤخذون بجريرة الأشرار الخطأة. حتى إذا بدا أن المعاملة بقيت واحدة على الرغم من اختلاف الحالات، طُرح السؤال الكبير المتعلّق بإمكان وجود الشرّ، لا في نفوس البشر وحدها، بل في نظام العالم بعمومه.

ولعلّ هذه القابلية لاستخراج أسئلة تقع في ما يتعدّى التاريخ هي ما جعلني، وأنا أشاهد فيلم آرونوفسكي، أفطن إلى ‘الطاعون’، رواية ألبير كامو، وإلى مشهد منها، على وجه التحديد، هو ذاك الذي ينفجر فيه الطبيب ريو في وجه الكاهن بانيلو وهما يشهدان معاً موت طفل القاضي أوتون بالوباء، بعد عذاب مهول… يصرخ الطبيب في وجه الكاهن الذي كان محمولاً بإيمانه على اعتبار الطاعون عقاباً إلهياً لخطايا المدينة:

‘هذا، على الأقلّ، كان بريئاً. أنت تعلم ذلك حقّ العلم’.

أمكن إذن أن أَسْبَح ألوفاً من الأعوام لا يعلم عددها أحد: بين طوفان نوح الذي هو أصلٌ جديد للخليقة كلّها وطاعون وهران الذي يتخيله كامو في أربعينات القرن العشرين (أي في أعوام الحرب العالمية). فالواقع أن المسألة التي تنعقد حولها عمارة الفيلم كلّها إنما هي مسألة البراءة التي تلقي بظلّها على وجاهة العقوبة المنزلة بأبناء قايين، أي بمعاصري نوح جميعاً من جنس البشر: وهي عقوبة الطوفان الذي يجهز على بشرية ذلك الوقت برمّتها.

والبراءة التي يمثّلها الطفل الميت في رواية كامو يمثّلها في فيلم آرونوفسكي شخص ‘نائل’، الصبية المنتمية إلى شعب الأشرار والتي أغرم بها حام بن نوح وحاول أن يبلغ بها أمان السفينة ولكن والده حال بينه وبين تحقيق بغيته. ذاك ما حمل حاماً، وهو في غمرة النقمة على أبيه، على الضلوع إلى حين… في مؤامرة لقتل هذا الأخير أعدّها ملك الأشرار الذي تمكّن من التسلل، وهو جريح، والاختباء في السفينة.

كان نوح مصمّماً على تنفيذ خطّة الخالق القاضية بالإبقاء على الحيوانات وحدها لعلّة براءتها وبوضع حدّ لوجود البشر بعد أن أفسدوا الأرض وبجعل نوح وأبنائه آخر من يبقى على البسيطة من هذا الجنس إذ يمتنع عليهم أن يتناسلوا. وكان الصدوع بهذه الإرادة يقضي ألا تدخل السفينة امرأة يسعها أن تلد. فاقتُصِر الأمر، لهذه الجهة، على امرأة نوح وعلى صاحبة ابنه سام وهي فتاة كانت العائلة قد تبنّتها بعد أن عثرت عليها مصابةً بجرح حكم عليها بالعقم.

والحقّ أن امتناع التناسل هذا على عائلة نوح وبقاءَ اثنين من أبنائه الثلاثة بلا نساء والثالث مع امرأة عاقر إنما هي تفاصيل نقع عليها في الفيلم ولا نقع لها على أثر ولا عين في نصّ العهد القديم. بل إن هذا النص يشير، بخلاف ذلك، إلى دخول نسوة بني نوح السفينة مع أزواجهن وهو بطبيعة الحال ما أتاح تجدّد البشرية بعد الطوفان.

عوض الأخذ بالحلّ التوراتي هذا، تُشفى الصبية العاقر في الفيلم وتحمل من سامٍ بن نوح. وهو ما يضع نوحاً أمام مشكل البراءة على نحوٍ أشدّ فظاعة هذه المرّة. فهو يقرّر أنه إن وضعت امرأة ابنه ذكراً فلن يكون ثمة بأس في تركه يكبر ويموت على غرار كلّ حيّ. فلا تكون إرادة الخالق قد عُصيت لأن هذا الوليد لن يتناسل بدوره. وأما إذا كانت المولودة أنثى فسيكون على نوح قتلها. والحال أن امرأة سام تضع أنثيين لا واحدة. وفيما يرى حام ويافث المستوحدان أن الخالق أرسل إليهما طلبتهما، يدرك نوح الوليدتين شاهراً سكينه ليقتلهما وهما بين ذراعي أمهما. هذا المشهد الرهيب ينتهي إلى عجز نوح الذي تدركه الرقّة عن إنفاذ الإرادة الإلهية هذه المرّة… وحين تنحسر مياه الطوفان ينصب الخالق قوسَ قزح علامةَ رضاً منه وأَمارة عهد جديد يعقده مع بني الإنسان متخلّياً عن رغبته في إفنائهم. فيسع نوحاً أن يدعو أولاده إلى التكاثر والانتشار في الأرض.

هي البراءة إذن. يفلح الحبّ أو الرحمة في الكشف عنها حيث توجد وفي نصبها ضدّاً للشر المنتشر ومانعاً، على الأخصّ، من شمول الجماعة كلّها بالخطيئة دون رويّة أو تمييز. في آخر مطافه، يبدو هذا الفيلم عمل رفض للعنف المعمّم الذي يُحْمَل على أنه استجابة لإرادة أو لقيمة عليا وتمثّله، في عالمنا، حملات الفتك الاستبدادية والحروب. تُكْتشف البراءة حين يقرُب العنف من أقرب البشر إلى القيّم عليه: من حفيدتي نوحٍ ههنا أو من ابن إبراهيم في فصل لاحق من الكتاب نفسه. ولكن هذا القرب لا يعدو أن يكون ذريعةً لاكتشاف البراءة وهو لا يستنفدها ولا يُبْطِل ضرورة البحث عنها حيث توجد بل يشير إلى هذه الضرورة.

والحال أن هذاالفيلم مليء بإشارات إلى عالمنا الحاضر، بما فيه من عنفٍ وتمييز يضربان الجماعات بلا تمييز بين أفرادها. ويركب بعض هذه الإشارات مركب المزاح. هكذا نرى جدّ نوح العجوز يعرض على مُجالسيه مشاركتَه كأساً من الشاي! ولا ينقص النكتة، بما تعلنه من مغايرة للزمن، إلا أن يسألهم هل يفضّلون تويننغ أم لبتون؟

‘ كاتب لبناني

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى