صفحات المستقبلمالك ونوس

هل تفعلها موغيريني؟/ مالك ونوس

 

 

انطلاقاً من رؤيتها أنّ “الأزمة في سورية التي تدخل عامها الخامس تعد أكبر أزمة إنسانية في العالم”، يبدو أن الممثلة السياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، قرّرت التحرك لإيجاد آلية لحل القضية السورية، وهي آلية، ربما تكون على غرار التي أدت إلى التوصل إلى اتفاق بين المجموعة الأوروبية وإيران، بشأن برنامج الأخيرة النووي، في 14 يوليو/تموز الماضي في فيينا. ولكن، وبالقياس مع أهمية الملف النووي الإيراني، لا تعد الأزمة الإنسانية الدافع الحقيقي لذلك التحرك، إذا ما أخذنا عامل وجود القوات الروسية في سورية، أخيراً، وخطورته، من الناحية الجيوسياسية، بالنسبة لصانعي القرار الغربيين، علاوة على موضوع تدفق اللاجئين السوريين وغيرهم إلى أوروبا.

وكانت موغيريني قد صرحت بذلك، في بيان أصدرته عقب لقائها المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، في بروكسل في العاشر من الشهر الماضي. وقد ناقشت معه، السبل المثلى لمساهمة الاتحاد الأوروبي في مبادرات الأمم المتحدة الخاصة بالشأن السوري، بما فيها اقتراح دي ميستورا مجموعة عمل حول سورية وإنشاء مجموعة اتصال دولية، إلا أن موغيريني عادت، بعد ذلك، إلى الاستفادة من الجو الذي ساد في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، الشهر الماضي، وخيّم عليها الموضوع السوري، للحديث عن إعادة إحياء المجموعة الدولية 5+1 التي تشكلت لحل مشكلة البرنامج النووي الإيراني، لحل الأزمة في سورية، مع احتمال دعوة دول أخرى من المنطقة، للمشاركة في المجموعة، وخصوصاً العربية السعودية وتركيا.

من المحتمل، أو شبه المؤكد، أن لدى الغرب مفتاح حل الأزمة في سورية، وهو لا يستخدمه سوى حين يتألم. وقد حبس ذلك الحل طوال فترة تقارب السنوات الخمس، هي عمر الأزمة في سورية، إلا أن شيئاً ما تغيّر جعل هذا الغرب، وخصوصاً أوروبا، جعلها تفكر في إطلاق الحل من حبسه، متأثرةً بآلامٍ بدأت تشكو منها. فها هي موجات الهجرة أخذت تؤلمها، وبدأ حكامها يدركون أن أوروبا هي الكيان الوحيد الذي يتأثر، مباشرة، بالنزاعات الواقعة خلف الطوق الأوروبي. وإن كانت الولايات المتحدة الأميركية تصنع أزمات على غرار العراق وأفغانستان، وتزكي نيران أزمات أخرى، فإن أوروبا هي أول من يتلقى تداعيات الأزمات في العالم، لبعد الولايات المتحدة الجغرافي، والذي يبقيها بعيدة عن موجات الهجرة أو عن الأعمال الانتقامية.

وقد شهدنا، في الأشهر الأخيرة، تدفق موجات اللاجئين السوريين إلى أوروبا بشكل لم يسبق له

“ربما يكون التدخل الروسي هو الدافع المسرّع لتدخل الغرب لفرض حل سياسي، وفق آلية حل الخلاف حول النووي الإيراني” مثيل، وبطرق لم يعرفها العالم، تبين أن سالكيها لا يأبهون بالمخاطر المصاحبة لتنقلهم، مقابل الوصول إلى بر الأمان. وهو أمر لا يقدم عليه سوى من وصل إلى مرحلة من اليأس، بعد أن تقطعت به السبل للعيش وفق أبسط المعايير، واكتنف الغموض رؤيته للمستقبل. ودفعت موجات الهجرة هذه دول الاتحاد الأوروبي إلى التفكير في أساليب جديدة، للحد من تلك الموجات، حيث رأى بعض من قادة الدول الأوروبية أن السبيل الوحيد إلى ذلك إيجاد حل للقضية السورية على المدى الطويل، وتحسين ظروف اللجوء في دول الجوار على المدى القريب. لأنه من الواضح أن وتيرة الهجرة ازدادت بسبب فقدان سكان المخيمات أي أمل في الحل، وبالتالي، في العودة السريعة إلى بلادهم. وأنها ستزداد بسبب هذا الأمر، وبعد تواتر قصص النجاح في وصول من سبقوهم. لذلك، رأينا، بعد حادثة غرق الطفل السوري، عيلان كردي، والصدى الذي لاقته حول العالم، زيارة رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، مخيمات اللاجئين السوريين في لبنان والأردن، والزيارة المزمعة للرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند في أكتوبر/تشرين أول الجاري. والتركيز على تحسين شروط العيش الإنساني للاجئين في المخيمات، والإضاءة على مخاطر الهجرة غير الشرعية لحضهم على عدم المغامرة.

ولكن، لم يكن للغرب أن يتحرّك بشكل جدي أكثر، ويبحث في سبل لحل القضية السورية، إلا بعد أن استشعر خطورة التدخل العسكري الروسي في المنطقة. فانتقال روسيا من دعم النظام السوري، عبر مده بالسلاح والذخيرة، إلى مرحلة التدخل الفعلي على الأرض، قد ينظر إليه الغرب باعتباره وجوداً يتيح لروسيا حرية التحرك، انطلاقاً من بيئة صديقة، سورية والعراق، وصولاً إلى منطقة محيط قطرها يصل إلى آلاف الكيلومترات. وربما ينطلق، لاحقاً، من سورية، ليطاول ليبيا واليمن والعراق، مع إمكانية تغطيته كل المنطقة العربية، وخصوصاً الخليج العربي. وما يشكله ذلك من تهديد للمنطقة وللمصالح الغربية فيها، ولا سيما وأن القوات الروسية قد تجد في المنطقة، المرحبة بوجودها، مستقراً لها فترة لا يعرف أمدها، تحتاجه موسكو في إطار مسعاها فرض نفسها قطباً عالمياً.

لا شك أن التدخل العسكري الروسي في سورية يعتبر عامل إطالة لأزمة البلاد، وليس مساعداً على حلها، وهو جاء في فترةٍ كثر الحديث فيها عن حل سياسي. فالغارات الأولى للطيران العسكري الروسي أظهرت عبثية هذا التدخل، إذ أنها استهدفت المعارضة المصنفة معتدلة، وبيوت السكان الآمنين، فيما أعلن القادة الروس أنها استهدفت تنظيم الدولة الذي تعتبر محاربته مبررهم للتدخل في سورية. لكن ما استهدفته الغارات تجعل كل التبريرات غير معتد بها. وتعطي انطباعاً أن المهمة الرئيسية للتدخل خلط الأوراق وزيادة القضية تشعباً بزيادة عدد الدول المتورطة بالنزاع، وبالتالي، ظهور مصالح جديدة ومستفيدين جدد من الحرب في البلاد.

لذلك، ربما يكون التدخل الروسي هو الدافع المسرّع لتدخل الغرب لفرض حل سياسي، وفق آلية حل الخلاف حول النووي الإيراني. وتأتي موجات الهجرة التي لا يبدو أنها ستتوقف في القريب، ومسعى موغيريني التي هالها حجم المأساة السورية، على المقلب الآخر، لدفع الغرب إلى التحرّك لإيجاد حل. فأن تفعلها موغيريني، مستفيدة من كل هذه العوامل، هو آخر ما تبقى للسوري، في جو عبث الحرب التي لم تعرف حدوداً لفظاعاتها.

العربي الجديد

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى