صفحات المستقبل

هنا دمشق.. بفارق رغيفين/ريم الغزّي

 في رفّة العينِ الأولى..

حين كنت أتابع فيديوهات التظاهرات، كنت أذوي مباشرة في البحث عن اثنين: “ما يقال”، و”أعين المارّة”: كيف يستقبلون الأمر.

 في رفّة العينِ الثانية..

دمٌ ساحق أغرق رئتي البلد، أعين الناس، وفحشٌ في السلوك العام، وأسعار كل ما ليس اسمه “إنسان”.

 في رفّة العين الثالثة..

لم تعد مدينة، ولم نعد بشراً يوحى إلينا، فرغت عن أرواحها وعن أهلها بلادي.

 افتراضياً:

مواقع التواصل لم تعد للتواصل، بل منصّة عرض لـ “ذوات” معظمها هائم. البعض القليل حافظ على توازن من النوع الذي يحفظ ماء الوجه وحسب. لا نحكي لنسمع. لا نحكي لنفهم. لا نحكي رغم أننا لا نتوقف عن الكلام. في العمق شيء آخر يختفي عن أعيننا لكنه جليّ بحجم كوكب. من منّا استطاع المسافة مع ما يحدث؟ قلة نادرة. وإن استطاع ذلك فهل يقوى على الخطوة التالية: “الفعل”؟ على إجراءات تُنتج معنى، وتبني طريقاً؟ أيضا قلة نادرة.

 واقعياً:

باختصار، يجرفُ الظرف البشر نحو البقاء، يأخذهم إلى قعر الغرائز. لا مفرّ. الإجرام الذي يواجهونه، تغزو بشاعته حتى ذرات الهواء. جبابرة العهد الحديث، كيف ما زالوا “إنساناً”، لا أعلم.

 مرّت أعوام ولم أكتب، تُضنيني الفصحى، تحفر عميقاً، تخرج من خلايا كل ما أعمل جاهدة على مواراته، لأقوى على المضيّ.

أنقذني “فايسبوك”، وتوغلت فيه بالعامية، بمفردات محكية، محلية، لها جذور.

جوهر الحكاية أننا نُقتلع اليوم من جذورنا التي اعتدنا، لذا عادت العصبية القبلية تلهو بنا.

أما السخرية، فهي بلسمي الذي يفتح صندوقي الأسود دون ألم. أضحك، ويَضحك من حولي، فننجو من المستحيل الذي يمشي في دمنا الآن.

 2011

مرة، قرأت عن بلد يُكتب فيها على شاهدة قبر الميت عدد الأيام التي عاشها سعيداً، وليس كما هو متعارف عليه: “تاريخ الولادة، وتاريخ الوفاة”.

اكتبوا لي: “365 يوماً” تدعى “العام 2011”.

أمقت الأخبار والأديان والسياسة، وكلما سئلت لماذا، أجيب: لا قانون يحكمها لأفهمها، تتحوّل مع الطقس والمصالح.

الجهل المقصود، والنابع من لا وعي يعرف تماماً أنها أرض الموت، تجاوز مجرّد أنني لا أعرف حتى اسم وزير الخارجية، ولا وزير الداخلية، بل وأخلط بين العنوانين.

ورغم أني أعمل في مجال الفيلم الوثائقي، إلا أني أشحت عقلي تماماً عن عالم الدين والدولة، توغلت في الإنسان، ما يشعر به وما يعيشه، هو الحقيقة وحدها لا غير.

وكنت أعمل يوماً على فيلم عن شاب يعيش مع أهله ومجتمعه مواجهة حول ما يريد وكيف يريد أن يكون هو “هو” وليس هو “هم”. حين التقيت صديقة وقالت لي:

–                     حلال عليهن التوانسة.

بدافع التهذيب لا أكثر ولتعرف أني أنصت إليها سألتها:

–                     ليه؟

–                     ما عرفتي شو صار؟

–                     لا شو صار؟

–                     عم تمزحي!

–                     ليش بدي امزح، شو صار؟

–                     لك مشي بن علي.

–                     مين بن علي.

–                     لاااااااااا انتي مو معقولة.

–                     ما اختلفنا بس مين بن علي.

–                     رئيس تونس.

–                     من وين لوين مشي؟

–                     ترك ترك.. تنحّى.

–                     ليه؟

–                     لك في ثورة بتونس.

–                     بالله؟ ثورة شو؟ كيف يعني؟

–                     انتي مالك خبر؟؟ وين عايشة؟

–                     (ببلادة) بسوريا.

 وأقسم بالله لم أفهم. كل ما أعرفه “شفهياً” عن الثورات هو “ثورة الثامن من آذار” ولا أعرف حتى ما الذي حدث في ذلك “الثامن من آذار”، كما لم أفهم أبداً كيف لمدارس “بنات وأبناء الشهداء” حظوة أكثر من مدارسنا نحن “العاديين”، وصعقني قول فتاة في الثانوية: “كيف هالشهداء لسا عم يخلفوا أولاد وهم ميتين؟”.

ومات عمر أميرلاي.. عدت يومها وفتحت حسابي في “فايسبوك” وكنت قد أغلقته قبل عام ونيف، لأقرأ ما كُتب عن الرجل الدافئ، فـهبّت كل تلك البوستات في وجهي دفعة واحدة، كالطوفان وغرقتُ تماماً، ليال وأنا أقرأ وأقرأ وأقرأ عن ليبيا ومصر. لم أتحرّك لأيام وأنا مشدوهة تماماً بما يجري من عنف. غضبت من كل قلبي وعقلي، ودخلتُ في حمى “الرجاء النشر”، وكأني سأنقذ العالم من شاشتي تلك. وبكيتُ حنقاً يوم سمعت خطاب حسني مبارك، ورأيت الجموع في الميدان. كلماته كانت تغرز في حلقي. وقفزت سحراً يوم “مال”.

في 2011 كان الكل واحد والواحد كلّ.

في 2011 عرفت معنى الحياة. خُلِقَ الفرد.

2012

عام لا أحتسبه أبداً من عمري، لم أكن فيه، لا أعرف عنه شيئاً.

قُتِلَ أخي الأصغر.

 2013

أعود للصّحو حيناً.. وأغيب حيناً..

–                     رجال ملتفّون حول بعضهم البعض، يتهامسون في شارع من شوارع وسط المدينة. التوتر واضح على ملامحهم، لبعضهم نظرات حارقة، لآخرين وجوه بليدة: “فخار يكسّر بعضه مهما جرى”.

الشمس قوية، الهواء ربيعي، الدّخان الأسود أصبح جزءا لا يتجزأ من سماء دمشق، كما أصوات الاشتباكات التي كانت تقترب أكثر فأكثر، شهراً بعد شهر.

عيون اللجان الشعبية ضيقة، تلتهم المارة، هربت جملة إلى مسمعي: “شبابنا محاصرين”.

غليان.. مفهوم وغير مفهوم.. معتاد وجديد.. غريب ومألوف.

هذا النبض المشحون في الشارع ينتقل إليك حتى وإن لم تكن تعلم بما يجري.

بعد نصف ساعة يعصف على محطة تلفزيونية “مغرضة” هذا النبأ:

“قصف إدارة المخابرات الجوية في حرستا”.

–                     فجأة وأنا أسأل عن سعر الخسّ في سوق شعبي، ضاعت صدمتي بين السعر الهائل وبين  زخّ رصاص كان يمكن له أن يحرّر غزة، فإذ بها جنازة لـ”شابّ من الجيش العربي السوري”، كما قيل لي.

اتسعت عيناي بحجم دمشق، من مشهد بريق فوارغ الرّصاص التي افترشت أرضها على مدّ النظر.

مشيت معهم، لم أستطع أن أقاوم صوت الرصاص، خدّرني، أحسسته صوت “الجبل البعيد اللي خلفو حبايبنا”.

سألت: من الفقيد؟

قالت لي إحدى النسوة وحجاب رمادي ينسدل على وجهها (إيراني الطراز): ابن اخته للسيّد.

بلهجة حاسمة أوحت لي بأنه يجب عليّ حكماً أن أعرف من يكون هذا السيّد.

وعند الكنيسة القريبة اجتمع تجار أسواق دمشق، وخوارنة الكنيسة، ليقفوا مع أهل الفقيد، والكل يقول للكل كم هم فخورون ببعضهم، أذهلوني بالحبّ الناضح في إناءاتهم، ودون أن أشعر، تمتمت بصوت عال:

“يا عفو ألله”.

ليلاً كانوا كل أولئك الفخورين، في المطعم يرقصون وكأنّ جارهم لم يفقد أحداً.

لم يخطر في بالي إلا تلك الجملة التي تقول: “جنّت عبيدك يا ألله”.

        أحياناً يتحوّل طلب الحياة من اشتداد الموت، إلى سلوك مقرف.

–                     ثم عاد رمضان ثالث، وحان موعد الإفطار الأخير:

كثرٌ منا وحدهم، لكن العاصمة مازالت فيها بيوت تضجّ بملاعق تطرق في رأسك صحوناً امتلأت دفئاً ونكراناً لكل آخر لا يشبهها.

 –                    والشتاء أيضاً عاد، والقصف ما زال مستمراً، يشتدّ ليلاً في أحيان، ونهاراً في أحيان أخرى، مرّة شاهدته من قاسيون، شاهدت انفجار النار، ليلاً، غبت عن الوعي ألماً.

أنا هنا، وهم هناك. لا أنا أعلم بحالهم، ولا هم يعلمون بحالي. افترقنا عن أطراف المدينة، وحوصرنا في مربعها الأمني الضيق، نختنق في هواماتنا، ونجترّ صبراً لا يشبه في شيء صبرهم هناك. نطمر رأسنا مع كل قذيفة، علّنا وعسانا لا نسمع فحيح عبورها فوق رؤوسنا، أو صوت ارتطامها بهم، وعبثاً، ننجو.

كلّ يوم، كلّ يوم، كلّ يوم، كلّ يوم، ولا تصدقوا من يقول لكم إننا تخدّرنا.

تخرج من حلقنا وتعود إلى حلقنا. كل اختلال التوازن المعلن على الملأ عن سلوكنا هو حشرجة تراكم تلك القذائف في حناجرنا.

 –                    قبل الجنون بأربع خطوات ربما، بدأت أنصت إلى القصف بطرق مختلفة، محال أن يأتي النوم، نسهر مع القاصف والمقصوف، نجلد ذواتنا، ولا نفع لا لنا ولا لهم في ذاك. لكنها رحلة لا مهرب منها، إلى أن نعبر إلى ضفة ما، في العقل، في القلب، في الواقع، أو حتى في الخيال، أية ضفة كانت، المهم أن نرى مرسى لنا.

هل تعلمون أن لكل “موظف” من موظفي القصف شخصيته وإيقاعه؟

اليوم عاد ذاك الذي يحبّ “الدم تك تك”، البارحة كان الذي يحب “الـ تك تك تك دم”.

–                     أُغلقت معظم الطرق في دمشق، لا يصل شرقها بغربها إلاّ ثلاثة أو أربعة طرق، جحيم الانتظار عليها لساعات، “موت أحمر”.

زحام، زحام، زحام، وحواجز حواجز حواجز، تقسيم، لم يتوقف حدّ الأطراف والمركز، بل تعدّاها إلى كل تفاصيل جسد المدينة. سكّان “المزّة” يعتبرون أن منطقة “التجارة”، تقع في قارة أخرى من شدة الزمن الذي يتحمّلون للوصول إليها. الروح هنا في جاهزية تامة للفكرة والتنفيذ. ربضوا كلٌ في منطقته، ليتّقوا شرّ الطريق والزمن والسؤال والبنزين، وكلّ شيء آخر.

 هندسة تفريغ المكان، بدأت أولاً من “المعنى”، الأخلاق، الأحكام، درجات الضوء واللون، الحواس. انعدام كامل للوزن. وفي اللحظة ذاتها، أنت كل الثّقل.

 وأخيراً وصلنا إلى الجنديّ على الحاجز، طلب الهويات، وفتح غطاء المحرّك وصندوق السيارة ثم عاد إلينا:

–                     وانتو شو جمعكن مع بعض؟

–                     عفواً ما فهمت؟

–                     بانياس ودير الزور وطرطوس ودمشق!

–                     لو كنا من الصين وروسيا وإيران، كان منطقي أكتر؟

 وعلى حاجزٍ آخر، قيل لي:

–                     وأين تقع هذه المدينة التي ولدتِ فيها؟

يومها فهمت. لم يشرد الجنود في هويتي طويلاً إذ لم يكونوا يعلمون أين تقع! وخجلوا أن يسألوا.

–                     في الخليج.

–                     (باشمئزاز) ما شاء الله.

–                     في النهاية هم من الوطن العربي (توقعت أنه جواب يسدّ جوع العروبة والقومية).

–                     اسرائيليين قصدك.

وكان لليوم بداية، انتهت هنا.

       “كالقابض على الجمر”

–                     مرّة، بعد إحدى محاولات الاقتحام، توقفت في الطريق بين منطقتي “العباسيين” و”برزة”، على إشارة مرور، بموازاة الكراجات. كان التوقف حينها أيام “اللولو”، واجباً. أما في تلك الليلة، فقد كان حتماً قراراً ممعناً في الغباء، لكن ما شاهدته على يساري: أربع دبابات تحتمي بالبناء الأخير، فوق الرصيف، أذهلني. وعلى اليمين سيارة تاكسي مستقرة في عامود النور، زجاجها هباء، ولا بدّ أن السائق مات قنصاً. لا ذكاء في هذا الاستنتاج. بعد كل هذه الأشواط مع الواقع والصور والأخبار والعبث.

“كل صور العالم سعرها فرنك مصدّي مقارنة بأنني موجودة بحواسي الخمس، بهالمكان”.

كلما اختنقت أتمشى في حواريها القديمة لألمس رائحتها، وأغضّ قلبي عن أغانٍ لم تعهد دمشق سابقاً هذا الانتشار لها، من لطميات وحماسيات للقتل والانتقام.

بالقرب من مقام السيدة رقية هناك قنطرة قديمة هائلة الجمال، رفعت هاتفي لأصورها، هجم من البعيد شاب بلباس عسكري:

–                     ممنوع التصوير في هذا المربع الأمني.

ذهلت، لا يوجد هنا إلا منازل وجامع، وسوق، والحارة اسمها على اسم عائلتي، هنا بيت جدّي وجذري، من هذا الملتحي الذي يحدثني، ويمنعني؟

–                     ما اسمك؟

–                     أسد خيبر.

عمّ الصّمت، انهالت صور أبو قتادة ومن شابهه في رأسي.

بهدوء أجبت:

–                     عاشت الأسامي.

وغادرت إلى لا عودة.

 –                    في بيت الأم، وضعنا باباً حديدياً، وألصقنا كامل بلور المنزل، لنقيها شرّ أن تُقتل برذاذ زجاج أو ما شابه، وقلنا لها:

أما السقف، والجدران، سامحينا، لا شيء في يدنا يردّه عنك، إن حدث.

 –                    على شاهدة قبر أخي ربيع، قلت له إننا محسودون، لأنه عاد لنا كاملاً، أميراً، وكانت له أوراق ثبوتية، وتشييع، وقبر نعرفه ونزوره.

لا صورة أقسى من تلك الأجساد العارية بسبب انفجار ما، ولا من ذاك المسجّل في دفاتر المشافي: “مجهول الهوية”.

 –                    قبّلته حيث خرَجَتْ الطلقة من عنقه، كأنّي أسدّ ما جوّفَتْهُ في قلبي

حدّقت في رائحة دمه على معدن الثلاجة العفنة، رقم 6

بيديّ أنا

لملمتُ بقايا ما تناثر منه في شعره

غسلتُ الحبر الأسود عن أنامله

أسدلتُ الكفن حوله، شبراً.. شبراً

وحملته أنا إلى الصندوق الخشبي كـ”فراشةْ”

وأيضاً كنتُ حين مال رأسه على تراب مسكنه الأخير واستقرّ

ثم حفرتُ اسمه على رخام أبيض كالصقيع

ورغم كل هذا..

تسقط الآن ورقة من هذا الخريف.. تُصدر صوتاً لـ”باب بيتنا”

فأركض.. أسأل: ربيع؟

–                     ولأن كل من أعرف، كل صداقات العمر، والمقرّبين غادورا منذ عامين تقريباً وربما أكثر، بقيت زمناً في عزلة شاقة، وكلما احتجتُ أن أسمع صوتي، أن أغرق في طقس جماعي من أي لون، أبحث وأبحث، ولا أجد، لا سينما، ولا مسرح، لا جماعة في هذه الرقعة المحصورة الآن في ثلاثة عشر كيلو متراً مربعاً (تقريبياً) إلا الجامع أو الكنيسة، أو المخبز. عرفتُ حينها (واقعياً) كيف تأخذ الأديان الصدارة، حين تغيب “الثقافة”.

وقفت في صفّ النساء أنتظر دوري، أتت امرأة محجّبة بالأسود، ريفية من لهجتها، سألتني:

–                     بنتي اسأليه كم رغيف بيطلع لي بـالربطة، 28 أم 30؟

بكيت بكل بلاهة العالم، ومشيت إلى لا عودة.

 هل تعرفون معنى أن تنسحق الحياة في رحى بفارق رغيفين؟

 هنا دمشق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى