صفحات العالم

يقظة الأحلاف العسكرية العربية/ موسى برهومة

 

 

الخبر الذي نقلته، أخيراً، وكالة أسوشيتدبرس الأميركية عن مصادر عسكرية مصرية، بخصوص رغبة القاهرة في البحث مع مسؤولين في دول خليجية في إنشاء حلف عسكري لمواجهة المسلحين الإسلاميين، وكذلك إمكانية تشكيل قوة مشتركة للتدخل في الشرق الأوسط، يوحي بأن المنطقة مزمعة على الدخول في فصول جديدة من العمل العسكري ضد التهديدات التي تقضّ مضاجع قادتها.

وثمة، وفق التقرير، «مسرحان محتملان لعمل هذا التحالف، وهما ليبيا، حيث سيطر المتشددون المسلحون على عدد كبير من المدن بينها درنة، واليمن حيث استولى المتمردون الشيعة، الموالون لإيران، على العاصمة صنعاء». وليس خافياً الملمح السنّي في تضاعيف هذه النزعة العسكرية للتحالف، ما يعد بمزيد من الاحتقان والتوتر الطائفي في منطقة أضحت فسحةُ السكينة فيها أقرب إلى استراحة محاربين، أو أخذ قيلولة قصيرة، لمعاودة الحفر في الألم والعذاب.

بيد أن التحالف، أو مجرد التفكير في إنشائه، مع أن علاماته في ما خص التنسيق العسكري بادية ومعلنة، يوحي بأن الأطراف المتنازعة التي تريد حماية مصالحها، ترغب في دفع الأمور إلى نهاياتها، وليكن ما يكون!

ويستبطن إعلان الحلف، الذي لن يكون ميدانه سورية أو العراق، النية بأن الحسم العسكري هو الطريقة الأسرع والأضمن للقضاء على التيارات الإسلامية المسلحة التي تموّلها بلدان وأطراف وأقطاب لخدمة أغراضها ومصالحها وإملاءاتها السياسية والأيديولوجية، حتى ليصح الجهر بأن هناك معسكرين آخذين في التبلور الساطع، وأن المواجهة بينهما ستتعدى التلاسن، وتقويض الخطاب المضاد بقوة الذريعة المنطقية، إلى التقويض الذي ترسم علائمه فوهات المدافع، ما يعكس خوفاً مستعراً، ورغبة في الحسم المبكر، قبل أن تعصف النار بالهشيم.

ومن شأن إشهار هذا التحالف، أو على الأقل تسريب الرغبة في إنشائه إلى وسائل الإعلام، أن يكشف الأوراق، وأن يسمّي الأشياء بأسمائها، من دون مواربة أو خجل. فالحرب في ليبيا، مثلاً، وهي الهدف الأول للتحالف المنشود، صارت أشبه بـ»أم الحروب» ضد تطرف الجماعات الإسلامية التي أحالت ليبيا خزّاناً للجماعات المسلحة، ومعبراً لكل «الجهاديين» الذين يجري تدريبهم وتأهيلهم وتوزيعهم على مناطق النزاع في غير بلد ومكان. ومن يحسم المعركة في ليبيا، ربما يرسم مستقبل الإسلام السياسي في المنطقة، سواء لجهة تقويضه، أو تمدده على نحو سرطاني يهدّد بالويل والثبور وعظائم الأمور.

ولن يعدم التحالف العسكري الموعود معاونين، لم يتم الكشف عنهم، لكنهم، بحكم التجربة والخبرة السابقتين، «على أهبة الاستعداد» لإسناد التحالف بما يلزمه. وفي هذا السياق يمكن، ربما، قراءة ما ورد في خطاب العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، خلال افتتاحه الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة السابع عشر، حيث خاطب القوات المسلحة والأجهزة الأمنية: «إن الشعار الذي على جباهكم مكتوبٌ عليه «الجيش العربي»، وهذا الاسم لم يكن صدفة أو مجرد شعار، وإنما هو تأكيد على التزام هذا الجيش بالدفاع عن قضايا الأمة العربية، وترابها وأمنها من أي خطرٍ يهددها. فأمن الأردن جزء من أمن أشقائه العرب، وسيظل هذا الجيش العربي المصطفوي، ورفاقه في الأجهزة الأمنية كما كان على الدوام مستعداً للتصدي لكل ما يمكن أن يهدد أمننا الوطني، أو أمن أشقائنا في الجوار. فالأمن العربي كل لا يتجزأ».

ويمكن تحت يافطة أن «الأمن العربي كل لا يتجزأ» أن يتم تظهير الصور التحالفية بين الأقطار العربية، ما يذكّر بأجواء الاستقطاب العالمي أثناء الحرب الباردة التي كان حدّاها حلف شمال الأطلسي، وحلف وارسو. ولعل أيام العرب القادمات تعيد إنتاج ما تخلص العالم منه. هذه هي حكايتنا مع الزمان. فحين كان الجهل والظلام يعمّان أوروبا، كان عالم العرب والمسلمين يشعّ بالمعرفة في شتى حقولها. الآن الصورة انقلبت تماماً، فما عمل الغرب على التخلّص منه، وبذل دونه الملايين من البشر الذي انصهروا في أتون الحروب، نستأنفه نحن، كأننا لسنا، وحسب منفصلين عن الواقع، بل إننا منتزَعون من التاريخ، ومنذورون للأقدار الغاشمة!

* كاتب وأكاديمي أردني

الجياة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى