صفحات الثقافة

احتفاءً بيوم الشعر العالمي: شعراء يقرأون واقع حياتنا بقصائد الأيام/ صفاء ذياب

 

 

ما الشعر في عالم وحشي كالذي نعيشه؟ وماذا يمكنه أن يفعل لنا حتى لو سعينا ضحينا بأرواحنا من أجل أن يبقى ناصعاً؟ هذان السؤالان يدوران الآن في أذهان أغلب الشعراء، غير أنهما يتناسلان لأسئلة من الصعب إحصاؤها وسط ما يحدث لنا.. فهل تراجع الشعر أمام إنسانيتنا المنهارة فعلاً، وترك منصته للرواية من أجل توثيق يومياتنا توثيقاً حقيقياً؟

ربما يمكننا أن نعيد قراءة واقعنا الشعري وقصيدتنا التي لن تكتمل في اليوم العالمي للشعر.. أسئلة لا نهاية لها، وشعراء يتكاثرون وسط خراب الأرض.

صعود إلى السماء

الشاعرة السورية فرات إسبر تنظر لهذا اليوم من منظار مغاير، فتقول إن الزمن يتقدم والحداثة تأخذ طريقها بدون توقف، لا يمكن مقارنة الشعر في الماضي بما هو عليه في زمن الحداثة، وما كان يقال شعرا في زمن الأسلاف تغيرت ملامحه في زمن الحداثة، حداثة فن القتل والتخريب والموت الذي يدور في عالم اليوم. وتطرح إسبر تساؤلاً في يومنا هذا: إنّنا نشهد تحطم العالم والإنسان، ماذا سيفعل الشعر في هذا الخراب؟ قائلةً: الشعر فنٌ يحمل ُمسوؤلية كبيرة، ماذا أقدمُ لشاعرٍ تُقطع رأسه من قبل «داعش» مع أولاده، أو شاعر يحكم عليه بالموت بسبب قصيدة أو نص يفتي بها شيخ جاهل؟ الشعر تأمل وحياة. تأملٌ لا يفهمه الحاكمُ ولا رجل ُ الدين، كلاهما معاد للحرية، الحرية وحدها تشبه الشعر الذي لا أفق له ولا يدركه إلا قلة من عالم البشر! فنرى الشعر ملاذاً لنا من الموت والجفاف من التصحر الروحي الذي نعيشه. ولكن للأسف، الشعراء يجتمعون في حلقات الذكر، لقد غيّرت الحرب الإنسان وجردته من روحه. قديما ً كان الشعراء روح الأمة وتاريخها وذاكرتها وما زلنا نقرأهمُ إلى اليوم، ولكن شعراء اليوم يعيشون في حالة من الثبات والغيبوبة، لا دور لهم ولا صوت أمام هذا الواقع المرير، ينادون بتحرر المرأة وهم عاجزون عن فعل أي حركة أو موقف أمام سبي النساء والاتجار بهن، في حين لم نشهد موقفاً جماعياً موحداً بين الشعراء، لما يحدث من أحكام تعسفية وقتل وقطع رؤوس بريئة ولكل ما يقوم به «داعش» من أعمال وحشية.

وتكشف إسبر أن الحداثة غيّرت العالم، غيرت الأرض، لكن هذا التغيير لم يشمل الشعراء، الذين ما زالوا في حالة الثبات، وما يزال الشاعر ينتمي إلى القبيلة والعشيرة والطائفة، وأصبح الشعراء يهدرون دماء بعضهم بعضا ويكفّرون كل من لا يجاريهم في ميولهم السياسية والدينية. «بكلمات قليلة ومعبرة، آمل أن يحدث هزة في مملكة الشعر الأرضية، لأن الشعرَ بمعناه الحقيقي عندي هو صعود إلى السماء».

إنسانية متوحشة

وعلى العكس من رأي فرات إسبر، يؤكد الشاعر المصري فتحي عبد السميع على أن الشعر قيمة إنسانية عرفتها كل الثقافات منذ عصور ما قبل التاريخ، وهو رفيق دائم للإنسان طوال مسيرته، عاش مع اختلاف نصيب الناس من الثقافة، أو اختلاف تصوراتهم الذهنية عن العالم، وكلما اضطربت حياة الإنسان كان الشعر حاضراً وبقوة، لأنه خُلق من أجل ترويض اضطراباتنا، وزرع التوازن والتناغم في حياتنا عن طريق الجمال والكشف. «هكذا ظهرت قصيدة الغزل مع اضطراب الوجدان في حالة الحب، وظهرت قصيدة الرثاء مع اضطراب الوجدان في حالة الفقد، وظهرت قصيدة الفروسية مع اضطراب حياة الجماعة وتعرضها للخطر». مضيفاً: المدارسة الفنية تظهر أيضاً في ظل اضطرابات معينة، كما هو حال السريالية التي ظهرت في ظل اضطراب العقل الأوروبي الذي أسفر عن ملايين من القتلى. الاضطراب سُنَّة بشرية، يكمن أحيانا وينفجر في أخرى، يختفي في منطقة لكنه يرجع إليها مرة أخرى، والشعر سنة إنسانية، كلما انكمش عاد مرة أخرى، لكنه لن ينقرض أبداً، وقيمته الأساسية تكمن في قدرته على التعامل مع اضطراباتنا الداخلية، في تنظيمنا من الداخل، وفي منحنا القدرة على عيش حياتنا بحكمة. غير أن حال الشعر مثل حال الأرض، تحاصره الشراسة الإنسانية المتوحشة، والسطوة المادية الكاسحة، وتبلغ درجة الأمر حد دفعنا إلى القول بنهاية الشعر وانقراضه، لكن الشعر لن ينقرض إلا بانقراض الأرض واندثار الإنسان، وإذا كانت البشرية تهمش الشعر الآن، أو حتى تركله، فهذا لا يعني نهاية المطاف، لأن البشرية عودتنا على التقلب، ومراجعة تصوراتها عن العالم، فأوروبا التي كانت مجنونة منذ أقل من قرن، ولا تعرف إلا تدمير ذاتها، تحولت إلى واحة هادئة لا تعرف إلا تعمير ذاتها، لكن الهدوء لا يعني زوال الاضطراب، بل يحمل بذوره، والإنسان الذي عرف الزهو بالعلم بات يبحث عن الحكمة، وهذا البحث يقود إلى الشعر، إلى الوسيلة الفعالة التي لا تلقننا الحكمة، بل تعلمنا كيف نعيش حياتنا بحكمة وعمق. كل فرد يمكنه أن يفعل الكثير لذاته المضطربة عن طريق الحفاوة بالشعر، وما ينطبق على فرد ينطبق على جماعة، وعلى الإنسانية كلها.

شرعية التعبير

إن مقاربة مسألة الشعر كانت وستبقى من المسائل الشائكة بحسب الشاعر اللبناني كامل فرحان صالح، إذ أربكت مؤرخي الأدب منذ طرد أفلاطون الشعراء من جمهوريته، وإعادة الاعتبار لهم مع أرسطو، ثم تفاقم الأمر مجددًا مع النصّ القرآني، عندما اتهم الشعراء بأنهم «يقولون ما لا يفعلون»، وصولاً إلى الشعر المعاصر اليوم، وما نشهده من تباين شديد بين التوجه الكلاسيكي (بمعناه السطحي)، والتوجه الحداثي (بمعناه الفوضوي)، فكيف بالحريّ إذا أراد المرء مقاربة «الشعر في عالم مضطرب مثل الذي نعيش فيه»؟ مضيفاً: مهما يكن من أمر، يمكن القول إن الشعر عامل من ضمن العوامل المساعدة على فهم الواقع وروحه، وتغييره إلى حدٍّ ما، أما في الحالة العربية الراهنة، فيحتاج المرء إلى التمهل قبل قول ذلك، إذ من هو الشاعر العربي المؤثر اليوم؟ في حقيقة الأمر، يصعب أن نجد إجماعًا على شاعر معين، وإذا أردنا الأخذ بتاريخ الشاعر وإنتاجه، وفاعليته ثقافيًّا واجتماعيًّا، يبرز إلى الذهن الشعراء: نزار قباني، محمود درويش، أدونيس؛ الأول مات قبل أن يعلنوا وفاة العرب، والثاني هجر البساطة إلى الرمزية الشعرية العالية، والثالث بدأ غريبًا وسينتهي غريبًا… ولا يرى صالح أن الشعر يحتاج إلى شرعية التعبير عن الواقع ليكون شعرًا، ولا الواقع يحتاج إلى الشعر ليكتسب شرعيته، وتحولاته؛ فربّ قصيدة عن الحبّ تهزّ مشاعر الأمة فرحًا، وربّ ثورة تنتصر، فتكون مهمتها الأولى رمي الشعراء في السجن.

أكثر من هذا الأسى

وفي حديث الشاعر عماد فؤاد معنا، يقول «ليس من عادتي الحديث عن الأشياء في مناسباتها الخاصة، والشِّعر ليس في حاجة إلى يوم مخصّص له كي نتذكّره، فهو موجود على الدوام في كلّ شيء حولنا، في ما نشهده يومياً من لحظات ألم تجفل لها قلوبنا، افتح الجريدة، أي جريدة، وبنظرة سريعة من عينيك على الأخبار والصور، ستجد الشِّعر موجوداً»، بل إن حضوره صار طاغياً، هذه الصورة مثلاً: قارب يحمل لاجئين لحظة وصولهم برّ الأمان، أنظر إلى الوجوه جيداً، إلى دموع الفرح، وابتسامات الخلاص، أنظر إلى هذه الأمّ كيف تتشبّث بأطفالها الأربعة وهي جالسة تبكي على حافّة القارب، هل رأيت؟ الشِّعر لا يحتاج أكثر من هذا الأسى كي نراه حاضراً. الشِّعر بالنسبة لفؤاد فرصة للهرب من هذا العالم المضطرب الذي نحياه اليوم، فرصة كي نبتعد عن الأسئلة والاستفسارات التي تطرحها علينا تفاصيل أيامنا ومشاكل حياتنا، تصوّر لو كنّا نحيا مثل هذا الخراب الكامل من دون شِعر أو كتابة، من دون موسيقى أو سينما، الفنون بمختلف أشكالها تساعدنا في تحمّل خراب عالمنا المشوّه هذا، أتعامل شخصياً مع الكتابة على اعتبارها الضفّة التي أستطيع، من آن إلى آخر، أن أنفض عليها همومي وأتخلّص من كلّ ما يحيط بي من خراب، في محاولة منِّي لبناء وهم ما، وهم أستطيع أن أستظلّ به قليلاً، أو أحتمي به مما يحيط بي من تفاصيل لواقع خرب..

الشِّعر.. الكتابة في مطلقها، ملاذ أخير، وعلينا أن نتعامل معها على هذا النحو، شخصياً لا أتحرّر مما أعيشه إلا حين أغرق في كتاب ما، ورغم أن هذا الغرق لا يزال حدوثه نادراً، إلا أنّني لا أملّ البحث، وحين أجده.. لا أضيعه أبداً.

قابلية التشكّل

في حين ينظر الشاعر السوري فواز قادري إلى الشعر بوصفه قلق الإنسان الدائم، قبل أن يضطرب اضطرابه الأخير.. طارحاً سؤالاً جديداً: متى كفّ العالم عن أن يكون نداء الكائنات والأشياء السريّ التي تزيد الشعر اشتعالاً، وتكتشف في منعطفاته الأكثر شراسة، حاجته لهذا التوازن المفقود في عالم يختل على الدوام، كلّما اشتدّ خراب هيكله المبني على يقينيات هشة ليست قادرة على الصمود في وجه عاصفة طارئة أو عاصفة تتكون أمام عينيه وتأخذه معها، من دون أن تترك له فرصة أن يقف في وجهها، أو أن يؤخّر تسارعها على الأقل، حتى لا تحيله حطاماً ليست له قيامة؟ ويضطر أن ينتظر زمناً شاسعاً حتى يرتّب أسئلته الأكثر إلحاحاً ويعطيها الأولوية من جديد. ويبين قادري أنه كي نعتبر هذا السؤال يمتلك مشروعيّة جديدة، وكونه يشكل حالة اكتشاف لم تكتشف من قبل لهذا الاضطراب. كل ما في الأمر، قد تصبح الأشياء أكثر قابلية لتشكيل بؤر ذات أشكال غير مسبوقة، وحالات ذات حريق ملوّن لأثاث الروح القديم المطمئن. برؤية قادري، إلا أنه الاستجابات الشعرية قد تكون أقل توهجاً في بادئ الأمر، في هذه الفداحات الاستثنائيّة، وفي الخراب وحطامه الذي يرتفع صرحاً أعلى مما قد راكمته الإنسانية على مدار قرون؛ من معارف واستجابات لقلقه الطاعن عميقاً، في الفلسفة وعلم الجمال والحياة المعاشة لملايين البشر، حطام وحرائق كلّفته تجارب وآمالا تعبت شعوب قارات بكاملها، حتى راكمتها ودفعت ثمنها أرواحاً لا تحصى (كما في الحروب الكونية الأولى والثانية على سبيل المثال) قبل أن تستتب وتكنس رماد جثث ستبقى طويلا تزكم القلوب والعقول قبل الأنوف. وما الملاحم الشعرية الخالدة، إلّا بعض هذه الاستجابات اللاحقة بعد أن عصفت الحروب بدول عظمى وامبراطوريات تشابهت في المآل.

وحين نبتعد عن الكلام النظري العام، ونتكلم عن العياني الذي يحرق مهجة الشعر ويحاول أن يحيله إلى صراخ عال من شدّة الألم، ويذهب هباء بعد أن تبرد الجراح، ستتفتّح لاحقاً وردة الشعر وتفوح في ضمير الإنسانية المتخاذل، إلى أمد غير قصير، كشعر أصيل استجاب بعد أن تشرّب كل ما يحتاجه الإبداع من زمن وتأمّل، ناهيك عن الاستجابات السريعة للقليل الذي سيستطيع أن يتنفّس الحريق ويحيله إلى شعر له ملامح ونبض ما تعتّق في الألم. لن نجد أنصع من مثال الحالة السورية التي تكالبت على ثورتها أغلب دول العالم.

ألعاب الشعر

الشاعرة الكويتية منى كريم تبيّن أن المعجزة أن يظل الشعر طريقاً ممكناً في هذه المجتمعات التوليتارية، فكثيراً ما يخلص الشاعر العربي نفسه من الأعباء عبر النظر إلى الشعر بطريقة ميتافزيقية باعتباره وحياً مباغتاً أو موهبة خالصة أو عاطفة سخية. مضيفةً: من الجيد أن تكون هنالك طرق متعددة للنظر إلى الشعر وممارسته، فمثلاً في ظل الطغيان المستمر للرواية، يظل الشعر فضفاضاً بما يكفي ليحتوي أدوات وألعاب الأدب ومن بينها السرد. ورغم تكاسله وتقاعسه، يظل الشاعر مركز النص. هنالك من انتهى به الأمر في السجن نتيجة لألعاب جمالية بسيطة لا يألفها السلطويون، وهنالك من يجعل من الشعر اعترافات عاطفية تغازل المسامع بسهولة أو حتى بسذاجة. «أنا أتطلع إلى الشعر الذي يعي أهميته في مثل هذا السياق كفرشاة فلسفية للفرد. كتب أدورنو مرة أن كتابة الشعر فعل بربري بعد جرائم أوشفيتز التي ارتكبها النازيون، بل يزعم أدورنو أنه من المستحيل كتابة الشعر على اعتبار أن الفنان الحقيقي عالق في مأساة تجسيد الذهني والتجريدي، بحيث قد تصبح أكثر المحاولات وعياً مجرد دردشة تنظيرية. ويأتي اعتراض أدورنو هذا من حقيقة أن النقد الثقافي يمر بنهاية بائسة هي ديالكتيك الثقافة والهمجية. وهو ما يجعل من محاولات تجسيد الذهني اسفنجة تمتص العقل بأكمله».

في الشعر العربي المعاصر، تبحث كريم عن الشاعر الذي يسمح لمسافة بينه وبين هذه الاسفنجة. فنان يعبر إلى ذاته عبر الحسي والفكري، من دون أن يستسلم لصورته ككتلة واحدة وساكنة. جسد يسمح بزلات مكثفة لعقله المحبوس احتماءً من حياة المطلقات.

أشكال بلاغية

ثمة إجابات تشبه الوصفات الجاهزة، مثل قولك أن الشعر مخلص، الشعر خلاص، وما يبقى يؤسسه الشعراء والأمثلة كثيرة على ذلك، استناداً إلى قول الشاعر العراقي عبود الجابري، لكن الحقيقة مغايرة لذلك كله، فالشعر شأنه شأن بني البشر مجروح في ذاته ودمه يقطر في كل ناحية، ولا أحد يتبع مسيل الدم هذا ليصل حيث ينام الشاعر طريحاً بجانب قصيدته، فقد صرنا نكتب من الشعر ما يمنح الموت شكلاً بلاغياً، صرنا نجمل الموت لنسرق آهة من قارئ يجد ما نقول شبيهاً بأوجاعه، ونتفنن في تلوين الوجع ليبدو فاتناً بين يدي مترف يستعذب اللوحات التي نرسمها بقلوبنا، وذلك لعمري منتهى المازوشية التي قادت الشعر من أذنيه ليشرب من مياه لم تعد عذبة، والغريب أننا نفرح عند الفراغ من كتابة ما نراه شعراً، ونحن نعرف أننا نهدي عذاباتنا وعذابات الآخرين كتذكارات للعالم، والأغرب من ذلك أننا لا نتلقى إجابات وافية تخبرنا أن الرسالة وصلت.

ويسرد الجابري أنه كانت للشعر إسهامات كبرى في تأريخ الأحداث وتوثيقها، لكنه أصبح الآن رديفاً للخيبات، سواء على صعيد البلاد أم على صعيد الاحتفاء بالشعر والشاعر، فكل ما يحيط بنا يأخذنا صوب جداوله ويعيدنا إلى الصحراء بعطش أكثر ضراوة، الناشر، وسائل الإعلام، السلطان الذين يشتهينا طبولاً، القارئ الذي يريد أن ترقصه حروفنا وحتى الشعر الذي يمتحن إخلاصنا له في عالم مضطرب مثل الذي نعيش فيه.

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى