صفحات المستقبلمازن عزي

المشرق: الصحراء “المقدسة”/ مازن عزي

 

 

في المشرق العربي، تدور حروب على أسس إثنية وطائفية، برعاية إقليمية ودولية، تخفي ضمنها أزمات بيئية واجتماعية-سياسية. فالمنطقة برمتها تشهد حالة من التغيير المناخي مرتبطة بالاحتباس الحراري، خارج قدرة ووعي الطوائف-القبائل على التكيف معها.

انهيار دولتي العراق وسوريا وبداية تفسخ الدولة اللبنانية وظهور “الدولة الإسلامية”، رسم حدوداً نهائية لسايكس-بيكو، ولمفهوم “الدول الوطنية”، وتضمن تفككاً للعقود الإجتماعية التي جمعت الناس. يعود ذلك، في أحد وجوهه، إلى تهافت الدور الرعائي-الحمائي للدول، لصالح تسلط نوى أمنية-عسكرية ذات منابت أقلوية طائفياً، قادت منذ نهاية السبعينيات صراعاً عنيفاً للحفاظ على السلطة والثروة. خصخصة السلطات مذهبياً، وتعميم الجهل والفقر، أخرجا الناس من دائرة السياسة، ومنعا عنها صفة الشعب. انهيار العقد الاجتماعي، كان حصيلة لتحويل سكان تلك الدول إلى مواقعهم البشرية الأولى: الدفاع عن الوجود العاري أمام تغول السلطات الخاصة. فالحياة تحولت إلى عيش مستمر في معسكرات اعتقال كبيرة، ما دفع لبروز أحلاف قائمة على روابط متخيلة، وإعادة انتاجها من منطق الحماية للنوع الطائفي-المذهبي.

في صحراء المشرق، تراجع دور القبيلة في “الإطعام” و”الحماية”، فورثتها الطائفة بالمعنى الحمائي للأفراد، وتمكنت من تشكيل حلف أوسع وأعم منها، في طور انحلال الدول. لكن الطائفة وحدة متخيلة قائمة على تصور ميتافيزقي للعلاقة بين أعضائها والله، وتحصر النجاة الواقعية بخلاص قيامي. سرديات الطوائف الميتافيزيقية، لمجريات المعارك الراهنة على الأرض، تحيل دائماً وأبداً إلى بُعد خلاصي للنوع. فالموت الفردي هو وسيلة لحماية النوع الطائفي، وانبعاث لوعد إلهي بنصر حتمي. ما دفع لأن تدور حروب المشرق الراهنة، بالتزامن: على الأرض، وفي السماء. فمن السماء يتدخل لاعبون مقدسون، ويتورطون في نزاع البشر، كما في قصص الإغريق.

لكن السماء بدورها، باتت تشهد تغيراً خطيراً، فالحرارة ترتفع بلا هوادة، ومصادر المياه تجف، والطقس يتقلب. الصراع على الأرض، يحجب وقائع التغير المناخي، ويرفع سقف الاستشعار به. درجات الحرارة، سجلت أعلى معدلات تاريخية لها في المنطقة. والجفاف الذي ضرب الجزيرة السورية، وتسبب في نزوح مليون إنسان إلى ضواحي حلب ودمشق، في السنوات الأخيرة من العقد الماضي، واعتُبر أحد أسباب اندلاع الصراع الراهن، يبدو مزحة بالمقارنة مع ما يحدث الآن. فالصحراء باتت تتوسع بشكل متزايد خلال السنوات الماضية، ويساعد في ذلك تحطيب المساحات الخضراء الأخيرة، بحثاً عن مصادر للطاقة.

النظام السوري يتخلى عن الصحارى، ويقتطع جزءاً “مفيداً” من سوريا. والشريط الساحلي وصولاً إلى دمشق، الذي تحميه إيران وروسيا، بالمقاتلين والسلاح النوعي والقرار السياسي، يرسم حدود “جزيرة” جديدة في الصحراء السورية، تنحصر فيها مصادر الماء والبقية الخضراء من الأرض السورية. “واحة” على الأرض السورية، يتقاتل الجميع على حدودها. وحين تتسع الصحراء يتسع حلم “الدولة الإسلامية” التي تمثل تجسيداً متطرفاً للوعي الإسلامي، بما حمله من مكافأة للمؤمنين بـ”جنّات تجري من تحتها الأنهار”، وعقاب دائم أبدي للكفار بجحيم كابوسي لا تنطفئ نيرانه. لكن “الدولة الإسلامية” لا تحكم سوى الصحارى بين العراق وسوريا، فكأنها خازن الجحيم الأبدي.

التغير المناخي، متسللاً كالرمل إلى العيون والآذان، يساهم في رفع سقف مطالب جماهير الطوائف لزعمائها، ويطالبهم بدور القبيلة الآخر: “الإطعام”. هنا، تتجانس الطائفة بالقبيلة، وتتلبسها، في وعي أتباعها. لكن الطائفة كيان اجتماعي واسع، أكثر افتراضاً من القبيلة، ويمتلك آليات ومحركات للتمثيل والصعود، تختلف عن القبيلة، من حيث الانتماء للسلالة والمنبت.

التظاهرات التي عمت مناطق الشيعة في العراق تفترض تلك المجانسة بين الكيانين، وتطالب “حكومة” العبادي، بتحسين الوضع المعاشي للسكان الشيعة، بعد موجة الحرّ الهائلة التي أظهرت عجز “دولة الحشد الشعبي”.

في لبنان، تمكنت مجموعات المتظاهرين، من رؤية الأزمة التمثيلية والعجز الملازم للبنى الطائفية-القبلية، وشدت هجومها على “النظام” بغرض إظهار “الدولة”، في حين أن تظاهرات العلويين في الساحل السوري، وشيعة السيدة زينب بريف دمشق، مازالت تطالب بالدور الحمائي للدولة-الطائفة-القبيلة.

التغيير المناخي وموجات الجفاف تطرد سكان المشرق، حين تعجز الحرب عن ذلك، وإذا أضيف ذلك إلى الموت جوعاً، والإفقار المريع الذي ضرب الطبقات الوسطى، وعجز بنى الدول الطائفية عن تأمين الخدمات، يمكن حينها فهم موجات اللاجئين التي يصل بعضها إلى شواطئ أوروبا، ويغرق بعضها الآخر في البحر المتوسط.

الحرب للسيطرة على الأرض، وغضب “الآلهة” المناخي، ستجعل المشرق قريباً، صحراء اليباب “المقدسة”.

المدن

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى