صفحات الثقافةممدوح عزام

أدب المنفى: مطرودون ومشتاقون/ ممدوح عزام

 

 

ما هو أدب المنفى؟ هل هو أدب المطرودين، أم أدب المشتاقين؟ هل تغلب على الكتابة الأدبية في المنفى لغة الحنين والشوق وما يمكن أن ينجم عنها من بكائيات، أو من صور للحنين تقدم وطناً وردياً يتضمّن كل العناصر الضرورية والوحيدة لعيش الإنسان؟ أم تغلب عليها لغة المقهور المطارَد الذي أرغمته قوة عاتية، هي هنا الاستعمار المحتل، أو الحكم المستبد، على مغادرة بيته وقريته أو مدينته ووطنه؟

لا نعرف، حتى الآن، ما الذي يمكن أن يقدّمه الأدب السوري في المنفى، أو أدب المنفى السوري. فأعداد السوريين المهاجرين ما تني تتزايد بلا توقف، والوضع الديموغرافي مرشّح لمزيد من النزيف، ولن نشهد أدباً يُكتب على الأرصفة، حيث هم السوريون المهاجرون أو اللاجئون أو عند شواطئ البحار، وإن كنا نتوقّع أن تكون هذه الأمكنة رصيداً ما لذاكرة السوري الذي أُرغم على مغادرة الوطن أو اختار دون إرغامٍ مباشرٍ الرحيل عنه.

ولكن ماذا يمكن أن يكتب السوري المنفي أو المهاجر أو اللاجئ؟ لا تستطيع أي حُزمة اقتراحات افتراضية أن تحيط بالمتخيّل الحكائي أو الروائي الذي تختزنه ذاكرة السوري في رحلته إلى المنافي. فأدب المنفى هو أدب استعادة، حيث “تكتسب أتفه الأشياء حيوية ورهافة.. لا حدّ للبهاء فيهما”، كما يقول هازلت، الذي يسمي مكان الاستعادة “عين الذاكرة”.

وأدب المنفى أدبان: أدب النفي في المكان، وأدب النفي عن المكان. وربما كانت رواية “في المنفى”، للراحل جورج سالم، هي الرواية الوحيدة في الأدب السوري التي تقارب وضع المنفى في المكان، وليس عن المكان.

كانت الرواية قد صدرت في عام 1962، وليس لديّ ما يؤكد أن الروائي أراد التعبير عن اللحظة السياسية المتجسّدة في نظام الوحدة القمعي، أم أن إحساسه الروائي كان من السعة والقدرة على رؤية الحقائق النفسية والشعورية التي تجسّد اغتراب الإنسان السوري الدائم في أرضه وبلاده، بحيث تمكّن من التعبير عنها في هذا النص الروائي الرائد في التعبير عن المنفى.

ومن يقرأ رواية جورج سالم، يدرك أن الشخصية الروائية تعيش غربة روحية، يتم تجسيدها من خلال النفي في المكان. حين يُعيّن معلّماً في بلدة بلا اسم، ترغمه السلطة فيها على طريقة في “العيش” تنصّ على ألا يتعايش مع أحد فيها.

والنفي في المكان تغلب عليه مشاعر الحصار والتضييق والرهبة والعزلة الشاملة. أما النفي عن المكان فيحتاج إلى ذاكرة استرجاعية تستطيع أن تعيد خلق الأمكنة المفقودة. فطبيعة النفي هي التي سوف ترسم، بطريقة ما، مخيلة المكان، شكل حضوره في النص الإبداعي، وفي الغالب فإن النفي في المكان يظهره بغيضاً وعدواً، أما النفي عن المكان فيقدّمه في صورة الفردوس المفقود.

متى يظهر أدب المنفى؟ كم يحتاج المرء من الغياب كي يبدأ في الكتابة عن الأمكنة المفقودة؟ ما علاقة أرض الهجرة الجديدة بشدة الحنين والشوق، أو قوة الشعور بالمطاردة؟

العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى