صفحات المستقبل

هلاميات..!

 


كان علي ان أدرك مسبقا وليس بأثر رجعي بعد الثورات والانتفاضات أن “الدول” العربية، جميعها، كائنات هلامية…

كما قضت “الدولة” العربية على المعرفة والثقافة، فقد قضت أيضا على “المجرد” و”الملموس” لصالح “المتخيل” او بالاحرى “الهلامي”..

في الاونة الاخيرة ظهرت هذه “الهلاميات” كثيرا، تداولها بين الناس الأبواق الناعقة ليل نهار باسم الحاكم.

فصرنا نسمع عن “المندسين” والان نسمع عن “المتربصين”.

لكن هذه “الدول” وأجهزتها الأمنية، تضيف الى هذه “الهلاميات” صفات إضافية، فتقول:

“كثرة المتربصين بالبلد”، و “القلة المندسة”. ونحن في الحالين لا نعرف من هم المتربصون ولا من هم المندسون لكننا نعرف انهم “موجودون” ربما مثل “البرابرة” في رواية ج. كويتزي او قصيدة قسطنطين كفافي.

ونحن نعرف ان “المتربصين كثر” يعني شكرا لـ”الدولة” للأجهزة الأمنية لأنها تواجه هذه الكثرة الكاثرة ولا سبيل لنا الا دعمها لتسهر على امننا من “المتربصين”..

ونحن لا نعرف “المندسين” لكننا نعرف انهم “قلة” لذلك لا يجب ان نسأل كيف سمح لهذه “القلة” بقدر ما يتوجب علينا شكر الاجهزة لانها كانت يقظة وابقتهم “قلة”. وشكرا لها لانها تقتل وتعتقل لحمايتنا الان من هذه “القلة”، على الحالين شكرا لكم..

و”المندسون” هؤلاء متآمرون ينسقون مع “المتربصين”. يقودون “مؤامرة كبرى متعددة الاطراف”، لذلك يجب أن نقدر الجهود الرامية لكشف خيوط وخطوط وشبكات وقنوات المؤامرة العظيمة لإحباطها، حتى لو لم نعرف نحن ما هي “المؤامرة”، مش مهم، المهم هناك من يعرف عنا.

وفي سياق “التربص” و “المؤامرة” وخباثة “القلة المندسة” تأتي عبارة “البلد مستهدف من اكثر من طرف”..؟

في سياق “الهلاميات” و “الاطراف” عندك مثلا عبارة شاع استخدامها في الخطاب الرسمي العربي منذ معاهدات ومفاوضات السلام وهو وصف إسرائيل بـ”الطرف الاخر”.

وعندما يتحدث مسؤول عربي عن “الطرف الاخر” لا تدري من يقصد، والقصد معروف طبعا، جعل إسرائيل كائن هلامي في ذهن المواطن العربي لتطبيعه.

وعند كل الانظمة العربية خاصة  “الثورية” منها مصطلحات كثيرة “هلامية” مثل :الامبريالية، الثورة، الرأسمالية، الليبرالية..

يشتمون الامبريالية وفي نفس الوقت يبدون حرصا على تمتين العلاقات مع اميركا واوروبا واليابان ويشيدون بمساعداتها والعلاقات معها، اذن ما هي هذه الامبريالية واين تقع ومن المقصود فيها.

يتحدثون عن الثورة، ولا تعرف ما هو المقصود منها القصور والفلل والعسكر والمخابرات والفقر والظلم والجوع والاستسلام، هل هذه هي الثورة؟

وحاليا تجهد الانظمة والميديا التابعة لها في محاولة جعل الثورات والانتفاضات والحركات الاصلاحية حركات “هلامية” يحركها ابطال “هلاميون” قادمون من العالم الافتراضي لا هوية لهم، وغير معروفة مطالبهم، ولا يوجد من يمثلهم.

اما الديمقراطية فهو اكثر مفهوم تعرض لعملية “الهلامية” هذه، وهو اكثر مفهوم تعرض للتعمية والتغييب والجهل.

هذا اضافة الى التناقض بين القول والممارسة، فكيف يمكن جمع “الديمقراطية” مع البطلجة والشبيحة والتخويف والتحشيد والانقسامات المجتمعية والاعتداء على المعتصمين واعتقال الفتيان من مدارسهم…الخ

مؤخرا صارت الحكومات العربية تصف المعارضة كي لا تعترف بها وتعينها وتبقيها كائنات هلامية بـ”الطرف الاخر”، كما فعل رئيس الوزراء معروف البخيت.

يقول البخيت مثلا:” لجنة الحوار ليست مؤهلة في حال موافقة الطرف الآخر من العقد الاجتماعي على هذا التعديل”.

وجعلت “الدولة” العربية كل ما هو معين ومعروف “هلاميا” كالفقر والبطالة والنمو والفساد واسعفها في ذلك لغة الأرقام والإحصاءات والتلاعب فيها والخلط بين الاسباب والنتائج والعلة والمعلول.

وعلى كل، هل يستطيع اي عربي ان يعرف ماذا تقصد “الدولة” وتحديدا الميديا الرسمية عندما تتحدث عن مفاهيم محددة ومعروفة مثل :الدولة، القانون، دولة القانون ، المواطنة، الوطن، الوطنية، القومية، النظام، الامن، التحرير، الموالاة، الانتماء، الهوية، الدستور…الخ

وعندنا ظهر مفهوم جديد للفساد، يزيد من “هلاميته” وهو المصطلح الذي ورد على لسان الرئيس عندما قال بان “الفساد عندنا انطباعي”، يعني نحن واهمون حتى لو كانت الحقائق ساطعة سطوع الشمس..

على فكرة المدرسة الانطباعية في الفن اخذت اسمها من لوحة الرسام كلود مونية “انطباع شروق الشمس”.

المهم..

اخيرا وعندما انكشفت “هلاميات” وهلمنات “الدولة” العربية وجدت في “السلفية” ضالتها.

لكنها، ولكي لا تتخلى عن هلامياتها، صورت هذه السلفية كبعبع، فهي تتحدث عن “فئة ضالة” تكفيرية” و”معادية للاسلام” لكنها لا تتحدث مطلقا عن شيء معين عن قسم محدد من “السلفية” تعرفه الاجهزة الامنية اكثر من غيرها. وقد استفادت من جهل الجمهور او عملية تجهليه المعرفية بشكل منظم وممنهج.

على كل حال، لم تكن “هلاميات” الدولة العربية نتيجة ذكاء خارق لمؤسساتها او للميديا التابعة لها او لاجهزتها انما لانها هي نفسها كانت “هلامية”، وقد سحبت واقعها على لغتها.

وقد اكتشفنا أنها “دولة هلامية”، ومزارع فساد امنية قميعة رعوية وراثية، قابلة للانهيار والتفكك.

وان القائمين عليها، او من يدعون انهم حماتها وبناتها لن يتورعوا عن تفكيك بناها ومجتمعاتها، وتدميرهما وتدمير كل المنجزات التي كانوا يسوقونها لنا على أنها مآثر عظيمة لهم عند اول تظاهرة أو أول اعتصام أو أول فتى يحمل علما ويصرخ مطالبا بالحرية..

 

 

http://www.mohomar.com/mohomar/66180/2011/04/20/538938-..

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى