صفحات الثقافة

حكايات سوريّة

 

سعاد قطناني

في سورية لم يعد هناك وقت لسرد حكايات المعذبين حكاية حكاية، فالألم غطى سورية،كل سورية. لم تعد الأماكن تبوح بالذكريات، فالذكريات رفاهية لا مكان لها. لم يعد لأي شيء أي معنى فكل المعاني تصب في الموت. تتفاقز أخبار الموت والموتى من عاجل إلى عاجل ومن شاشة إلى أخرى..تيبست دمعتي وجف قلبي.

هنا مشيت وهناك بكيت…تلك كانت مدرستي وهذه جامعتي..كل هذا الركام كان حكاية مدينة..حكاية عشق ونارنج وياسمين…أو ربما حكاية شقاء وبقاء ورجاء..هل هذي هي دمشق الدمشقي! أم ذاك الخراب هو حمص الوليد..

بت أخاف أن أنام فالنوم موت بين غفلتين غفلة الموت وساعة النصر..والنصر صبر ساعة هكذا قالوا… ولهذا لن أنام بل سأحكي الحكايات…

‘ ‘ ‘

ذات نهار في دمشق، لم تصدق أذنيها حين سمعت في حيها الصغير أصداء أصوات تهتف: الموت ولا المذلة…تناهى صوتهم إلى مسامعها، سرت قشعريرة باردة في جسدها، نزلت دمعة من عينيها، فتحت النافذة، غدا الصوت أقوى، هي جنازة لشهيد، كانت الشمس حارقة في ذلك اليوم الصيفي، توجهت إلى الثلاجة وأخذت ما فيها من عبوات ماء بلاستيكية ورمتها لهم لتخفف من ظمأهم، بكت بحرقة، زغردت، رشت الجنازة بالأرز والملح، صاحت معهم من نافذتها الصغيرة: ليش خايفين، ليش خايفين! غدا الصوت له إيقاع واحد، يخرج من كل النوافد والبيوت، ومن حناجر من وقفوا على طرفي الطريق…تعرفت إلى صوتها…كان عالياً ومجروحاً…مرت الجنازة، بكت ثم بكت ورمت خوفها من الليل والزحام والمخبرين إلى الأبد..

‘ ‘ ‘

لم تغادرها صورة منزلها وحارتها التي تركتها على عجل، قالوا لهم: غادروا وإلا ستتعرضون للموت، فكرت وقالت في نفسها: ماذا سآخذ وماذا سأترك؟ ربما الثلاجة! ربما التلفاز! أطلقت سيارة السوزوكي الممتلئة بجيرانها زموراً تستعجلها، نظرت حولها، وضعت منديلها على رأسها، ثم تركت كل شيء وخرجت!

الآن هي في مكان ما لا يطالها لا قصف ولا رصاص، تتابع الأخبار واصلة الليل بالنهار، تتعرف على المناطق من اسم دكان أو يافطة على زاوية الشارع، هذه داريا هي تعرفها بتفاصيلها الصغيرة، ترى بضعة أشلاء وأجساد محترقة، تنادي ملء صوتها : يا الله ، يا عدل، الا ترى! ألا تسمع! يا الله، لماذا تركتنا وحدنا!! يا الله يا عدل احرقني فقد كفرت، سامحني فقد كفرت! وأجهشت بالبكاء…

‘ ‘ ‘

تجلس في بيتها في غزة تدعو أن يحمي الله أولادها وأولادهم جميعاً، فالقصف يشتد في هذه الليلة، تصلي لعلها صلاتها الأخيرة…تتذكر أختها في مخيم اليرموك يوم قالت لها أثناء العدوان على غزة عام 2008: كان عليك ألا تغادري المخيم..هنا الجيران والأهل…كيف تتركي سورية.. هنا الأمان! أخذت تردد بصوت عال: هنا الأمان! أين الأمان؟ بكت وتضرعت إلى الله أن يحمي أختها وصغارها هناك في المخيم..

‘ ‘ ‘

خرجت من باب البيت، هالها أنها تعيش بين هذا الركام وهذا الدمار الذي أخطأها وعائلتها صدفة، رأت رجالا يركضون وسمعت أصوات عويل..لا شيء في الشوارع سوى الذهول والخوف والبكاء…عادت إلى البيت وكتبت في دفترها: يا أيها الموت اتركنا نعيش أحزاننا دمعة فدمعة، ونتذكر شهداءنا واحداً واحدا، نريد أن نعلق صورهم على الجدران ولا مكان سوى الركام، أريد أن أبكيهم وأحكي قصصهم، ابتعد أيها الموت قليلاً أريد أن أبكي على مهل حتى لو كان هذا آخر ما سأفعله! وانفجرت بحبل من الدموع والألم…

‘ ‘ ‘

الدموع لا تُرجع من رحلوا ولا من غابوا ولكنها تُسكن الروح… منذ عامين غدى الأمل والخوف رفيقيها في أيامها وساعاتها، تجادلهما، تغلبهما في أحيان ويغلبونها في احيان أخرى، وفي غمرة حيرتها تبكي..

‘ ‘ ‘

خلال عامين عرفت ما لم تكن تعرفه عن وطنها..حفظت عن ظهر قلب أسماء شوارع لم تكن تعرفها، ببساطة أكثر تعرفت على وطنها… هناك أحياء لم يكن يرضى أي سائق سيارة أجرة أن يسير إليها بقوله: لا تتسع لشخصين يمشيان سوياً، فكيف ستتسع لسيارتي! اليوم عرفت أن هذه الأحياء وهذه الحارات التي لم تتسع يوماً لسيارة أجرة تتسع لدبابة وباص مليء بالشبيحة…تغيرت معالم الحارات…لكنها باتت تعرفها أكثر…

باتت تتذكر بنات صفها في المدرسة وتذكر مناطقهم وقراهم التي جاؤوا منها إلى حزام الفقر في المدينة…من درعا ودير الزور، من قرى اللاذقية وطرطوس، من حمص وحماة، من قرى حلب، أو من الجولان المحتل… كان الوطن خليطاً من القرويين والمشردين الذين يتشاركون أطراف المدينة والذكريات…حتى أبناء الحي باتت تعرفهم واحداً واحدا، وأخذت تـُكبر في ذاك شهامته رغم أنها لم تر فيه إلا ذلك الفتى الذي يحوم على الدراجة، اليوم رمى كل الأسماء وصار اسمه شهيدا..

‘ ‘ ‘

ذات ليل من ليالي أيلول كانوا يحلمون بوطن وجواز سفر وربما خيمة…ركبوا الرياح والبحرعله سيقودهم إلى بلاد لاخوف فيها،مشبعين بالكرامة، معبئين بالحرية. ركبوا الليل إلى نهارلا ظلم فيه ولاظلام…..في ذاك المركب خبأوا أطفالهم… خبأوا مستقبلا يربط جديلة وآخر بثياب جديدة وحلم، كانوا على أطراف الحلم حين غرقوا مع المركب وغرقت احلامهم ذات ليل، ودفنوا شهداء بعيداً عن سورية ولم يصبحوا على وطن…

‘ ‘ ‘

توقف عمره عند لحظتين، الأولى: كان عمره ثلاثة عشر عاماً وهو يعبر من فلسطين ويدوس على جثث في الظلام باتجاه سورية بعد أن نسيه أهله هناك. الثانية: غدا عمره مايقارب الثمانين عاماً، يهرب من الحجر الأسود ويدوس على جثث في الظلام باتجاه المخيم…

‘ ‘ ‘

في الخامسة صباحاً توقظ صغيرها فهي لا تعرف أين الأمان ولكن معها ربما يكون في أمان، تهمس في أذنه: هل تذهب معي إلى الفرن؟ يبتسم، ينهض من الفراش بسرعة، يلبس معطفه ويربط حذائه. توقظ ابنتها الكبرى وتقول لها: سأذهب إلى الفرن، لن أتأخر…وهي تعلم بقراراة نفسها أنها سوف تتأخر وستنتظر لساعات وساعات لتأتي إن تمكنت بسبعة أرغفة من الخبز، وربما تأتي أو لا تأتي…تصل إلى الفرن والبرد يلفح وجه الصغير ووجهها، تقف بالطابور كالعشرات ممن يسكنون حيها وتنتظر، تسمع قصص من ماتوا من أجل رغيف الخبز، تشد على يد ابنها وتقول له: سنعود إلى البيت بعد قليل، وتنتظر…

‘ ‘ ‘

جارنا، تعرفتُ عليه من خلال صفحة على الفيسبوك اجتهد اقرباؤه بنشر صوره عليها…عرفته وهو شهيد لا أعرف اسمه قبلها أو لقبه، عرفته شهيداً، بكيته وكتبت له: لا أعرفك أو ربما لا أذكرك عندما كنت حياً ترزق..ربما ركبنا الحافلة سوياً ذات مساء طويل… أو ربما كنت طفلاً تلهو بحضن أمك..أو كنت طالباً جامعياً تحلم بكل المستحيل، ربما مررت بقربك وأنت تحمل أكياس الرمل لتبني بيتاً غدا الآن ركاماً، ربما كنت بائعاً للخضار في السوق العتيق، أو لنقل إنك كنت الطفل المدلل الذي نام الحليب على شفتيه، فقط اليوم عرفتك حين علوت شهيداً…إلى كل الشهداء الذين عرفتهم بعد أن أصبحوا شهداء… افتقدكم فأنتم الناس الذي أحب.. كل الناس…

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى