ابرهيم الزيديصفحات المستقبل

ليتني سري لانكية/ ابرهيم الزيدي

لا يمكن اختصار رواية المأساة السورية بالنظام والمعارضة؛ أو بالقوتين المتقاتلتين على الأرض هناك. ثمة أبطال للرواية هنا، لم تأت الأخبار على ذكرهم! أشخاص لم يرد في خاطرهم أن المأساة ستأكل أحلامهم البسيطة؛ وأنهم سيشكلون الفصل الصامت الذي لم يُكتَب بعد؛ طلاب وعمال وجدوا أنفسهم فجأةً في خضمّ القلق، تلطمهم أمواج الحيرة والضياع، وقد التقيت بالكثر منهم، في شوارع بيروت ومقاهيها؛ ولكلٍّ منهم قصة، لا بل غصة، البعض يختصرها بقوله: على الله.

ثمة من يحوّلها رواية، منهم الطالب م. و. ع الذي أمعن في الإفصاح، ليواري ما بقي في عينيه من دموع: “قبل أن أتحول من طالب دراسات عليا في الجامعة الأميركية؛ إلى لاجئ يبحث في شوارع بيروت عن فرصة عمل، لم تكن السري لانكيات اللواتي تغصّ بهن المدن اللبنانية مثار اهتمامي، إلا في ما ندر، لأنهن في سياق حياة مختلف عن السياق الذي رسمته لحياتي؛ هذا لا يعني أنني لست معجبا بصبرهن، وقدرتهن على تحمّل الغربة، ولم أكن في هاتيك الأوقات التقي بهن لفترة طويلة، في مكان واحد. فحياتي كطالب كانت موزعة بين الجامعة، والمكتبات العامة، والأنشطة الثقافية، التي لا تخلو منها أيام بيروت، ومساءاتها، إلى أن بدأت الثورة السورية، التي كلما اشتدّ عودها، كانت السبل تتقطع بيني وبين الأهل أكثر فأكثر، فصار لزاماً عليَّ أن أتدبر شؤوني بمعزل عنهم؛ فأعدتُ ترتيب أولويات حياتي، بما يتناسب مع صفة لاجئ، التي تلبّستني، ولم أستطع الفكاك منها. أخذت متابعة الأخبار المكان الأبرز في اهتمامي، وأصبح الاتصال الهاتفي بسوريا ضرورة يومية، دائمة، وملحّة، وخصوصاً بعد الانقطاعات المتكررة لوسائل التواصل والاتصال. إذ ما من لاجئ سوري، يسمع بعودة الاتصالات مع سوريا، إلا سارع في الاتصال للاطمئنان على من تركهم هناك، من أهل وأحبة وأصدقاء. فنتزاحم نحن والسري لانكيات في أماكن الاتصال، في بيروت، مع فروق هائلة بين ما يقلنه لأهلهن وذويهن هناك، وما نقوله نحن. أعتقد جازماً بأن ثمة فروقاً أخرى، هي الأهم بين ما يسمعنه هن، من أهلهن وذويهن، وبين ما نسمعه نحن. يمكن ملاحظة ذلك من خلال قراءة تعابير وجوهنا، وتعابير وجوههن، ومن خلال نبرة أصواتنا، ونبرة أصواتهن، ومن الراحة التي تبدو عليهن، والقلق الذي يبدو علينا، ولا عجب، فهن مواطنات سري لانكيات، ونحن لاجئون سوريون. هنّ جئن بموجب عقود عمل، سواء أكانت عقود عملهن مجحفة أم منصفة، ونحن نبحث عن عمل. الأهم من هذا كله، وجود عدد غير قليل من السوريين، بأعمار مختلفة، ومن الجنسين، يمتهنون التسوّل! إلا أنك لا تجد سري لانكية واحدة في كل بيروت تمدّ يدها لعابري سبيل”.

أليس في كل هذه الاختلافات بيننا وبينهن، ما يدفع اللاجئ السوري في بيروت أن يتمنى أن يكون سري لانكية؟!

أعرف أن البعض من اللبنانيين والسوريين لن يروق لهم هذا الكلام، وأعرف أيضا أنني لم أدفع بعد الثمن الذي يجعلني أزهد بما أنا عليه، إلا أن هذه المفارقات التي نعيشها تجعل من الصعب على اليقين أن يتماسك.

النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى