صفحات الرأي

الاغتراب وعولمة الإرهاب/ أحمد دياب

 

 

 

لم يحصّل الشبان المسلمون في معظم المجتمعات الأوروبية مقداراً كبيراً من التعليم ويعانون من الفقر، كما أنهم يواجهون تجارب التمييز والتهميش. فعندما يريدون الانخراط في سوق العمل يفشلون بسبب التمييز المضمر إزاء لونهم أو أصلهم الاجتماعي أو دينهم، ومن هذا الفشل يولد فشل ثانٍ وثالث، وصولاً إلى الهامش، ومنه إلى الجنوح أو الأدلجة أو الاثنين معاً. وليست البطالة والتهميش والفقر بالأشياء التي تقود إلى الإرهاب، لكنها تحدث استياء عاماً وشعوراً باللامبالاة تجاه المجتمع، وتخلق مناخاً يعم فيه عدم الاكتراث أو القابلية والرضوخ السلبي والضعيف تجاه الأنشطة الإرهابية. ويرى أعضاء هذه الجماعات أنهم «مسلمون في أوروبا»، تصادف أن عاشوا في أوروبا من دون أن يترتب عليهم اي التزام، وهم ليسوا كـ «مسلمي أوروبا»، الذين يرون البلد الذي يعيشون فيه مثل بلدهم، ولا فرق بينهما. هؤلاء يطلق عليهم «المسلمون المتأوربون» أو الذين يتقاسمون أفراد البلد الأصليين ثقافتهم وقيمهم، والإسلام هو القاعدة الوحيدة لهويتهم الشخصية والعامة، فالإسلام من العناصر الحيوية في تشكيل الهوية، فهو عنصر يخلق التضامن بين جماعات متباينة مزقتها قيود اختلاف الأمم والأقطار والثقافات.

وتستطيع الجماعات الجهادية أن تحشد الشباب المسلم، وذلك بعد أن يتحرروا من الروابط العرقية والوطنية، ويتحولوا إلى الدين على اعتبار أنه الأساس الوحيد لهويتهم، هذه الجماعات تجعل منهم أشخاصاً مثاليين، ويشبعون غرورهم من طريق وصفهم بالنخبة الحقيقية المسؤولة عن شرف وكرامة الأمة.

ومن العوامل المهمة التي تدفع الشباب المسلم للقيام بأنشطة إرهابية، «خواء الهوية» (الاغتراب) أو تفريغها من مضمونها من طريق عزلة الشباب عن الوالدين ونبذهم لأفكارهم، وكذلك عزلتهم عن ثقافة المجتمع الأوسع، وملء هذا الفراغ أو الخواء بهوية دينية تستحوذ على تفكيرهم، حيث تفتقد هذه الجماعات الروابط بالمحيط الاجتماعي الذي يعيشون فيه، فضلاً عن شعورهم بنبذ المجتمع لهم، وعدم إدراجهم ضمن طبقاته المعروفة، وادراجهم ضمن الطبقة المتدنية، وتعريف هويتهم بمفردات دينية إقصائية.

وفي الحقيقة، يطور الأفراد التزامهم نحو مجتمعهم ويشكلون رؤية لمكانهم في هذا المجتمع على أساس تجاربهم وخبراتهم للكيفية التي يفهمهم بها المجتمع ويعاملهم على أساسها، ونظراً للأيديولوجية المهيمنة للدولة الوطنية، فإن المجتمعات الأوروبية توازي الثقافة والهوية الوطنية بالإرث اليهودي – المسيحي، لذا، فإن الفرد لا يمكن أن يكون مسلماً ومواطناً مكتملاً، على الأقل ليس بمقدار متساوٍ، وهذا السبب يفسر الاعتقاد بأن تحول البيض الغربيين إلى الإسلام ليس تخلياً فقط عن دينهم، ولكن أيضاً عن ثقافتهم وهويتهم الوطنية.

ومكث العرب في فرنسا على مدار أجيال، وكذلك الأتراك والأكراد في ألمانيا، والهنود والباكستانيون في بريطانيا، لكنهم ظلوا عرباً وأتراكاً أو باكستانيين، وقيل لهم: «عليكم أن تصبحوا مثلنا إذا أردتم أن تكونوا جزءاً منا». ولأنهم ظلوا على هوياتهم الأصلية، وجد المهاجرون أنفسهم خارج دائرة الانتماء. وبعد جريمة «شارلي إيبدو»، وبالتحديد في 20 كانون الثاني (يناير) 2015، اعترف رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس بأن فرنسا تعاني من «فصل عنصري مناطقي واجتماعي»، مضيفاً أن «الأيام الأخيرة أبرزت الكثير من العلل التي تنخر بلادنا أو التحديات التي علينا مواجهتها وتضاف إليها جميع التصدعات ومواقع التوتر الكامن منذ فترة طويلة ويقل الحديث عنها، مثل الإقصاء في أطراف المدن، وأحياء الأقليات، وفصل عنصري مناطقي واجتماعي واثني سرى في البلاد».

واعتبر النائب الشيوعي في الجمعية الوطنية الفرنسية فرانسوا أسانسي أن «التهميش الذي يعانيه سكان ضواحي كبريات المدن الفرنسية التي ترعرع فيها منفذو هجمات باريس خلق بيئة تفرخ الانحراف والعنف»، قائلاً إنه يحذر منذ ثلاثين سنة من «مساوئ السياسات العامة التي أدت إلى ما يشبه عزلة اجتماعية وحضرية لأهالي الضواحي»، مضيفاً أن «الإقصاء خلق أجيالاً من الشباب لا يشعرون بالانتماء للمجتمع ويحقدون عليه». وأيدت هذا الطرح المحللة السياسية، روزلين فيفر، الخبيرة في شؤون السياسة المحلية، والتي رأت أن هجمات باريس كانت بمثابة «الصاعقة التي أحدثت يقظة مؤلمة على واقع الحيف والتهميش».

ويشير عالم سياسي بارز في مؤسسة «راند» إلى أن «السمة المشتركة للإسلاميين الراديكاليين في أوروبا هي «الاغتراب»، على رغم أن الفشل في المجتمعات الأوروبية الأوسع ليس مؤشراً قوياً للتطرف». ويعتقد مسؤول سابق في وزارة الخارجية الأميركية يتولى الآن تنظيم جهود القطاع الخاص لمواجهة التطرف، بأنه «يجري تضخيم دور الدين في كل هذا الأمر على نحو خطير. عندما ندخل في مناظرة دينية فإننا لن نفوز، لأننا نتجاهل بذلك النقطة الرئيسة المتمثلة في أن المتطرفين يقدمون للشباب شعوراً بالانتماء ومتنفساً للإحساس بروح المغامرة. ينبغي علينا، من أجل مكافحة هذه الأمور، أن نتواصل معهم كشباب أكثر من التواصل معهم كمسلمين». إن الدين ليس المكوّن الوحيد لجيل الإرهاب الحالي الذي يمثل تنظيم «داعش» – وأشباهه – رأس الحربة فيه. فالرسائل التي يوجهها هذا التنظيم إلى الشباب في الدول الغربية، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يزعم فيها أنه «حركة تحرر عالمية» تهدف إلى تغيير العالم وتحريره من الظلم والفقر والتهميش، ولذلك تجد هذه الرسائل استجابة لدى شباب من أصول محض أوروبية يعتنقون الإسلام عشية التحاقهم بهذا التنظيم من دون أن يعرفوا عنه شيئاً، فيتعاملون معه كمجرد راية ينضوون تحتها اعتقاداً في أنها هي راية الحق والعدل التي كانوا يبحثون عنها. ففي حديثه على قناة «فوكس نيوز» بعد هجوم «شارلي إيبدو» في باريس، أشار قائد هيئة الأركان الأميركية المشتركة، مارتن ديمبسي، إلى أن زيادة قوة الإرهابيين تُعزى بصورة أساسية إلى «الإلهام» الذي يأتي من الأيديولوجيا المتطرفة.

* كاتب مصري

الحياة

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى