الرئيسية / صفحات الناس / اختي ترجع الى البيت فجرا

اختي ترجع الى البيت فجرا

عمر قدور

بات خبراً اعتيادياً القولُ بأن عدد من قُتلن في شهر أيار الماضي في سوريا بلغ 309 قتيلات، قبل شهرين من الآن وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل أكثر من 7500 قتيلة منذ اندلاع الثورة، ثلثهن في عمر الطفولة، 40 منهن قُتلن برصاص قناص متيقن من أنه يقتل امرأة، و24 منهن قضين تحت التعذيب في معتقلات النظام. وإذا كانت نسبة من الضحايا قد قضت تحت القصف العشوائي فمن المؤكد أن قسماً لا بأس منهن قد قُتل، بشكل متعمد، في أثناء الاقتحامات والمجازر، فضلاً عن عدد غير محدد من حوادث الاغتصاب التي رافقتها، أو الاغتصاب والقتل معاً.

في المقابل من الإحصائيات السابقة، لا يكفّ مؤيدو النظام، ومن بحكمهم من المؤيدين المتخفّين، عن التذكير بمستوى الأمن المباشر الذي كان موجوداً قبل الثورة، وبخاصة عن التذكير ببعض مظاهر الحريات الشخصية التي لم تعد متاحة بفعل انعدام الأمان حالياً. أشهر تلك المزاعم أتى قبل أشهر طوال على لسان شاب في محطة موالية، هاجم الحرية التي يريدها الثوار، وتحسر على أن أخته لم تعد تستطيع السهر خارجاً والعودة إلى البيت في الساعة الثالثة صباحاً. التلميح الذي لا يخفى في هذا القول أن الثورة “الأصولية” تسببت في حرمان النساء من حريتهن الشخصية، يأتي في المرتبة الثانية تدهور مستوى الأمن الذي يُحمّل أيضاً للثورة مع أنها لم تطاول حتى الآن أماكن السهر المعتادة، بخلاف الحواجز العسكرية والأمنية للنظام التي تطوّقها تحت دعوى الحفاظ على الأمن.

الواقع أن الكثيرين من أمثال أولئك الشاب يخدمون دعاية النظام عن قناعة منهم، ويتمثّلون الفاشية المضمرة فيها من دون أدنى تساؤل عن مصداقيتها أو عن مستواها الأخلاقي. إذ ليس من شأن الشاب، ومن موقعه، التساؤل عن مصير آلاف النساء اللواتي فقدن أبسط حقوقهن وهو الحق في الحياة. من وجهة نظره، هذه خسارة لا تعادل خسارة التمتع بنمط محدد من الحياة يدّعي فقدانه، وهو لا يقلّ وعياً عن مثقفين أشهروا الحجج ذاتها لتبرير اصطفافهم مع النظام، مهما بلغت وحشية الأخير في سبيل بقائه.

لا يهمّ وفق هذا المنظور وجود نسبة كبيرة من النساء اللواتي لم يكنّ يتمتعن بنفس المستوى من الحرية الشخصية، فذلك يعود إلى بيئتهن الاجتماعية حصراً، ولا ذنب للنظام الذي حكم البلاد طيلة نصف قرن مقدّماً نفسه بصفته صاحب مشروع التنوير والتحديث، بل إن التغاضي عن المستويات المتدنية للتنمية وتمكين المرأة التي كانت سائدة يصبح مشروعاً تماماً كرمى لشريحة تأذت الآن فقط باضطرارها إلى تعديل مؤقت في نمط سلوكها. إن منظومة متكاملة مثل التعليم والصحة والعمل يجري تغييبها تماماً لصالح التركيز على نجاح لا ينبغي احتسابه للنظام أصلاً، فضلاً عن تجاهل ما كانت المرأة السورية قد أحرزته في العهود السابقة على حكم البعث، والذي يفوق في المغزى الدعاوى الحالية لأنه تحقق في البيئة الاجتماعية التي توصم الآن بالأصولية.

لا يتوقف دعاة حقوق المرأة السوريون عند العدد الباهظ من الضحايا النساء لأن ذلك لا يُعدّ همّاً حداثياً، ولا يمس الشريحة المستهدفة بخطابهم، فالمرأة السورية ينبغي أن تحقق أولاً المواصفات الشكلانية اللائقة. ومن باب أولى لن يتوقفوا عند الثمن الباهظ الذي ستدفعه المرأة السورية بصفتها ضحية من الدرجة الثانية عندما تكون زوجة أو أماً أو ابنة لقتيل، مع أن الكلفة المستدامة المترتبة على ذلك، سواء أكانت عاطفية أم اقتصادية، ستخلّف إعاقات طويلة الأمد على وضع المرأة عموماً.

لقد كان من أبرز شعارات البعث “القضاء على التخلف”، شعارٌ على ريائه وتهافته من جهة احتكار موقع النخبة والطليعة يُترجم اليوم بأحقية القضاء على “المتخلفين”، فإذا فشل النظام في تطويع المجتمع ونمذجته على النحو الذي يستهوي مثقفيه لا بأس في القضاء على أولئك الذين لا يشبهونهم. على كل حال، ليست المرة الأولى التي يلتقي فيها الفهم العامي للحداثة و”التقدم” مع الديكتاتورية، فهْمٌ يستلهم سرير بروكست الإغريقي، ويستكمل عدته من سقط الحداثة بطبعتها النازية والفاشية مع صمت قاتل عن نقد الحداثة لذاتها.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

− 2 = 3

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

نظرة فاحصة.. القانون 10 في سورية يقلق اللاجئين والدول المضيفة لهم

    بيروت – رويترز أقلق قانون جديد يسمح للحكومة السورية بإعادة تطوير المناطق التي ...