الرئيسية / كتاب الانتفاضة / أكرم البني / الأحداث في عام 2014 وتوقعات ما سيحدث في 2015 –مقالات مختارة-

الأحداث في عام 2014 وتوقعات ما سيحدث في 2015 –مقالات مختارة-

 

عام الإسلام والفلول/ عمر قدور

إذا استخدمنا عبارات الفلكيين فلا شك أن عام 2014 كان الأفضل طالعاً لفلول الأنظمة الساقطة، والأفضل للإسلاميين الذين تقدموا في أكثر من موقع في المنطقة. خسارة الإسلاميين في تونس ومصر، على اختلاف النوع والطريقة، توازيها في الجهة الأخرى تقدمهم في سوريا وليبيا والعراق واليمن. تقدمُ الفلول في تونس ومصر، أيضاً على اختلاف النوع والطريقة، واستمرار نظام الأسد مدعوماً بسلسلة معقدة من التحالفات والصمت أو القبول الدوليين، أمور تتلاقى من حيث النتيجة ليس إلا، لكنها تختلف من حيث المقدمات والنتائج المستقبلية.

التطورات السابقة شجعت الكثيرين على إعلان وفاة “الربيع العربي”. فالقوى المدنية تآكلت في الحرب بين الإسلاميين والفلول. تآكلت على صعيد القوة الشعبية، وتآكلت على الصعيد النظري بسبب فقدان الأمل، أي بسبب العودة إلى حالة الإحباط التي ميّزت عقوداً من حكم الأنظمة الساقطة. الإحباط يتضمن إعلان اللاجدوى، وهو حالة ثقافية أكثر منه حالة سياسية حقيقية، لذا يضمر امتناع السياسة في المنطقة، ويبشّر من حيث يقصد أو لا يقصد بامتناعها نهائياً، وكأن شيئاً لم يحدث منذ انطلاق الثورات، بمعنى أنه يطيح كافة مفاعيل الثورات، وينذر بعدم جدوى تكرارها. أقله ضمن التاريخ المنظور.

اللوحة قاتمة بالتأكيد، وما يجعلها سوداوية تماماً التنظيرات التي تجعل منها شبه مؤبدة، وتلمح إلى أنه لن يكون بالإمكان أفضل مما كان، أو تصرح بعدم أهلية شعوب المنطقة لأفضل مما حدث حقاً. لقد أتت اللحظة التاريخية ففوتناها، هكذا يقول البعض. البعض الآخر يقول أنها لم تأتِ ولن تأتي، لأن شعوب المنطقة لأسباب ثقافية مقيمة غير قادرة على تغيير نفسها لتكون قادرة على تغيير نمط حكامها. نفترض أن للحماسة أو الانفعال دوراً كبيراً في طرح هذه الأحكام عديمة الرحمة، ونفترض حسن النية لدى من انتظروا خلاصاً سريعاً من موبقات الأنظمة فأتت النتائج على غير ما يشتهون. لكن هذه التبريرات كلها من المستحسن بها الدفع نحو قراءة متمهلة ومتحررة من الانفعال لرؤية السنة الأخيرة بوصفها مرحلة من المراحل لا نهاية التاريخ.

وإذ لا يجوز توجيه اللوم لحماستنا وتلهفنا إلى قطف الثمار، إلا أن الانتقال من ثقافة اليأس التي لازمت أنظمة الاستبداد إلى التفاؤل المطلق سيبدو اليوم، على الأقل، في غير محله. بمثل هذا التفاؤل كنا نهمش آثار عقود من الاستبداد المطلق، ونتمثل ثقافة العصر الذي لم يتح لنا حقاً العيش فيه. الموضوعية المفتقدة لا تتمثل على أية حال في أولئك الذين استفزتهم الثورات فراحوا يروّجون لانتقال ديمقراطي تقوده السلطات نفسها، تحت حجّة عدم جاهزية المجتمع، متجاهلين حقيقة عدم قدرة الأنظمة على قيادة التغيير أو حتى المشاركة فيه من موقعها كأنظمة. وهنا قد يكون ضرورياً التذكير بأن واحدة من أهم نتائج الثورات الديمقراطية تتعين في تأهيل القوى المناهضة لها بحيث تقبل اللعبة الديمقراطية وتعمل بموجبها. هذا هو الفارق بين التجربة التونسية ونظيرتها المصرية، ففي الأولى عادت قوى الفلول إلى الحكم بموجب صناديق الاقتراع، بينما لم تُتح في الثانية تجربة إسقاط حكم الإخوان بوسائل ديمقراطية أو حتى شعبية، أي أن النظام السابق عاد كما هو ومن دون تمثّل للتغيير الذي نادت به ثورة يناير.

على صعيد متصل، قد يكون ضرورياً التذكير بأن المنطقة شهدت موجة من التطورات المتسارعة قلّ نظيرها، في خلال السنوات الأربع الفائتة، وهي مدة غير كافية للحكم على مآلاتها. وكما كانت الثورات، ومن ثم التطورات اللاحقة عليها، مفاجئة لمنظري اليوم فالزعم بأن الوضع الحالي سيستقر لصالح الأنظمة السابقة وفلولها أو لصالح الإسلاميين هو زعم ينتمي إلى ما قبل عام 2010، ينتمي إليها بيقينه وحتميته. الأهم أن هذا الزعم لا يلامس العملية الثورية بوصفها تحولاً طويل الأجل، ويستلهم مادته غالباً من الانقلابات “الثورية” التي فرضت رؤيتها للتغيير من فوق، واحتكرت المجال العام مانعة المجتمع من إنجاز رؤيته الخاصة للتغيير الذي يناسبه. هذا الزعم يرى أيضاً في الإسلاميين قوة لا تُقهر سوى بالعنف وحده، فلا يرى فيهم جزءاً من الماضي الذي قد يأتي بواسطة صناديق الاقتراع، تماماً كالنظام القديم الذي قد يعود بالآلية نفسها. العبرة دائماً في التحول الذي يمنع احتكار السلطة وتأبيدها. الثورة، كما علمتنا تجارب عديدة من الانتفاضات المجتمعية، ليست وصفة للتقدم، بل إن مفهوم التقدم الكلاسيكي قد أصبح من الماضي مع التطورات الفكرية التي أتت بها الثورات الطلابية في أوروبا. ومن المعتاد أن تبدأ الثورة من أعلى المطالب وأكثرها طموحاً، ثم يتم “استنزافها” من قوى الماضي للقيام بتسوية “تاريخية”. وليس جديداً أن تطرح قوى الماضي أسوأ ما في جعبتها أيضاً ضمن عملية التفاوض الشاقة والقاسية، بل العنيفة حتى. لا يوجد نصر تام سوى في الانقلابات التي تمسك بزمام كل مفاتيح القوة، أما الثورات فلم يحدث أن حققت نصراً تاماً على المدى القصير من نشوبها، وفي العديد منها تمكنت قوى “الثورة المضادة” من الانقلاب عليها إلى حين، وذلك التراجع المؤقت لم يمنع العودة إلى استئناف التغيير الضروري.

أن تكون سنة 2014 عام الإسلاميين والفلول فهذه مصيبة، لكنها أقل من الكارثة التي يتوقعها البعض كأننا وصلنا إلى القيامة. “القياميون” وحدهم يظنون أنهم يدوسون، أو سيدوسون، على خط النهاية.

المدن

 

 

 

الثورة السوريّة 2014: صراع ضد الأسد والخليفة/ حمزة المصطفى

شهدت سورية في عام 2014 أحداثاً جساماً على الأصعدة السياسيّة والعسكريّة والإنسانيّة كافة، من دون أن تكسر الجمود، وتنهي الاستعصاء القائم لجهة استمرار الحرب، وعجز أيّ من طرفي الصراع عن حسم المعركة لصالحه.

بدأ هذا العام بعنوانين بارزين، مرتبطين ومتشابكين، أولهما عسكريّ، تمثل بالمواجهة الكبرى في 3 يناير/ كانون الثاني، بين فصائل المعارضة المسلحة وتنظيم الدولة الإسلامية، (داعش)، إثر تجهّز الأخير لاقتحام مدينة الأتارب ومعبر باب الهوى، شريان الإمداد الرئيس لقوات المعارضة في الشمال. ما ميّز المواجهة هو اشتراك غالبية الفصائل فيها، ونجاحها في دحر التنظيم من مناطق عدة، وعزله في جزر جغرافية غير مترابطة (الرقة وريف حلب الشرقي).

وبمقدار ما عكست هذه المواجهة رغبة الكتائب مجتمعة في دحر داعش، وإنهاء انتهاكاته، فإنها عبّرت عن رغبة وتوجه عربي وإقليمي بهزيمة التنظيم، وإنهاء أو تقليص نفوذه في سورية قبل عقد مؤتمر جنيف 2، لقطع الطريق أمام محاولات النظام وحلفائه استثمار تمدد التنظيم، لحرف المؤتمر عن هدفه الرئيس. أما العنوان الثاني فكان سياسياً بامتياز؛ إذ نجحت القوى الدولية الراعية في الضغط على طرفي الصراع، وحثهم على التفاوض المباشر لأول مرة. وعقد جنيف 2 على جولتين تفاوضيتين بين 22 يناير و14 فبراير/ شباط، من دون تحقيق أي اختراق. فشل جنيف 2 في تحقيق أهدافه إطلاق عملية سياسية بين السوريين، تفضي إلى تشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات، لكن الأطراف الراعية لم ترغب بإعلان فشله، لعدم وجود سياسات بديلة.

حاول النظام الاستفادة من الواقع السابق ما أمكن، لتعزيز موقعه العسكري الميداني، وتحقيق مسعاه بعزل المعارضة المسلحة في الأرياف، وإبعادها عن المدن، والمراكز الحيوية والطرق الدولية. على هذا الأساس، وحرصاً على تأمين التواصل الجغرافي بين دمشق والمنطقة الوسطى والساحل، كانت معركة يبرود ومحيطها خاتمة جولاته في القلمون. كما أطبق الحصار على الغوطة الشرقية بعد سقوط المليحة (14 أغسطس/ آب 2014).

من جهة أخرى، حقق شعار “الجوع أو الركوع”، الذي تبناه النظام في حصار مناطق حيوية تسيطر عليها المعارضة، أهدافه بإنتاج هدن ومصالحات، كما جرى في مخيم اليرموك وببيلا والحجر الأسود والمعضمية، والقدم والعسالي، وفي حمص القديمة، بعد اتفاق رعته إيران بين الجبهة الإسلامية والنظام، تمخص عنه خروج المقاتلين المحاصرين (700 يوم حصار)، بأسلحتهم الفردية، وتسليم المدينة للنظام (7 مايو/ أيار).

في ظل المعطيات السابقة، جرت الانتخابات الرئاسية (3 يونيو/ حزيران). وكمثيلاتها في النظم الاستبدادية، فاز الأسد بعد حصوله على نحو 90% من الأصوات. لم تغيّر نتائج الانتخابات في المواقف الدولية، لكنها قضت على ما تبقى من فرص للحل السياسي، ودفعت المبعوث الدولي، الأخضر الابراهيمي، إلى الاستقالة (31 مايو)، ليخلفه ستيفان دي مستورا (11 يوليو/ تموز). أما المعارضة السوريّة، فقد واجه شقها العسكري، في النصف الأول من عام 2014، سلسلة انتكاسات عسكرية، ولم تكسب إلا جولات معدودة في خان شيخون ودرعا، وفي بعض أحياء مدينة حلب الغربية. وتحول الائتلاف الوطني إلى عبء على الثورة، بسبب خلافاته المستمرة وصراعات القوى داخله، ابتداءً من قرار رئيسه السابق، أحمد الجربا، حضور جنيف 2 من دون تحقيق إجماع داخلي، ما أدى إلى انسحاب 40 عضواً، ثم عودتهم، لاحقاً، بعد تسويات انتخابية بين الجربا ومصطفى الصباغ، تمخص عنها انتخاب هادي البحرة (9 يونيو/ حزيران) رئيساً للائتلاف، وصولاً إلى حل هيئة الأركان وتعيين هيئة بديلة، وانتهاءً بأزمة الصلاحيات بين الحكومة والائتلاف، وما نتج عنها من سحب الثقة من حكومة أحمد طعمة، وإجراء انتخابات جديدة، فاز فيها طعمة نفسه (15 أكتوبر/ تشرين الأول).

كان تجحيم نفوذ داعش وعزله ضمن مدينة الرقة وريف حلب الشرقيّ، أبرز إنجازات المعارضة المسلحة في النصف الأول من عام 2014. آنذاك، رجحت مؤشرات عدة انهيار التنظيم في سورية، أو افتقاده مقومات البقاء على المدى الطويل. لكن أسباباً عدة داخلية: اختلاف حسابات الفصائل وتوجهاتها، غياب الدعم الدولي، انشغال المعارضة بقتال النظام، وخارجية: انتفاضة العشائر المسلحة في العراق، وسقوط الموصل (10 يونيو)، قلبت التوقعات رأساً على عقب. فقد وظّف داعش الزخم العسكريّ والمعنوي الذي تحصّل عليه عراقياً في معركته داخل سورية، فحاصر دير الزور وأريافها، وسيطر (15 يوليو) على معظم مساحتها، بعد طرد الفصائل المنضوية في مجلس شورى المجاهدين، وأمّن، للمرة الأولى، تواصلاً جغرافياً بين مناطق سيطرته في كل من العراق وسورية، فأزال الحدود، وأعلن الناطق باسمه، أبو محمد العدناني (29 يوليو)، عن إقامة الخلافة الإسلامية، وتعيين أبو بكر البغددي خليفة للمسلمين.

غير أن صعود تنظيم الدولة وتوسّع نفوذه، بدّل حسابات الولايات المتحدة واستراتيجيتها، واضطرّها للعودة للتدخل العسكري، بعد تشكيل تحالف ضم دولاً عربية وغربية (مؤتمر باريس) لمحاربة تنظيم الدولة وحرمانه من الملاذ الآمن في سورية. لكن غارات التحالف في سورية (بدأت في 23 سبتمبر)، لم تستهدف داعش فحسب، بل قصفت مواقع لجبهة النصرة، وحركة أحرار الشام، وجبهة أنصار الدين، ما أثار تساؤلات عدة عن خطط التحالف وأهدافه والطرف المستفيد.

وعلى الرغم من أثرها البليغ، لم تنجح غارات التحالف، وبعد ثلاثة أشهر، في الحد من توسّع تنظيم الدولة في العراق وسورية، وحقق التنظيم اختراقات مهمة أمام قوات المعارضة السورية، في ريف حلب الشمالي والغربي، وأمام ميليشيات وحدات الحماية الكردية في عين العرب (كوباني)، وأمام قوات النظام بسيطرته على الفرقة 17 (25 يوليو)، واللواء 93 في الرقة (8 أغسطس)، ومطار الطبقة (27 أغسطس)، وصولاً إلى حصاره مطار دير الزور، مطلع ديسمبر.

خلال عام 2014 وقعت الثورة السورية ضحية بين فكي كماشة؛ النظام وداعش، وكشف عن لامبالاة دوليّة بأسوا كارثة إنسانية يشهدها القرن الواحد والعشرون، ترجمت سياسياً من خلال مبادرة المبعوث الدولي الجديد، دي مستورا، وطروحاته عن “تجميد القتال”، و”تخفيض مستوى العنف”. لكن ثوار سورية لم يركنوا أو يستسلموا للواقع المر، ونجحوا، لا سيما في الربع الأخير من عام 2014، في تحقيق انتصارات عسكريّة مهمة ومتتالية في المنطقة الجنوبية (سجن غرز، صوامع الحبوب، حواجز اللواء 112، تل الحارة، تل أحمر، تل الجابية، الشيخ مسكين، ..إلخ). وفي ريف إدلب، كان جديدها السيطرة على معسكري وادي الضيف والحامدية بشكل عوّض قوات المعارضة خسارة بلدة مورك الاستراتيجيّة. يبقى أن العام شهد، إلى جانب صعود داعش، توسع نفوذ جبهة النصرة، لا سيما بعد المواجهة الأخيرة مع جبهة ثوار سورية في ريف إدلب.

العربي الجديد

 

 

 

النظام السوري في 2014: مباهج دلال صهيوني وإسرائيلي/ صبحي حديدي

بدأ الشهر الأول من عام النظام السوري، 2014، بواقعة وحدث؛ كلاهما على صلة مباشرة بالموقف الصهيوني، القياسي، وكذلك الموقف الإسرائيلي، الحكومي، من آل الأسد. أما الواقعة فهي مقالة كتبها الأمريكي الصهيوني دانييل بايبس، الذي قد يكون الناطق الأبلغ بتفاصيل الوئام بين «الحركة التصحيحة»، أي الأسد الأب والابن معاً، من جهة؛ وإسرائيل، مؤسسات وشخصيات وقوى، داخل الكيان وخارجه، من جهة ثانية. كذلك يظلّ بايبس في عداد قلّة من المعلّقين الصهاينة يعلنون (على خلاف كثرة تشترك بالقناعة ذاتها، ولكن تبقيها طيّ الكتمان) تفضيل بقاء الأسد في السلطة (بوصفه «الشيطان الذي نعرف»)، لأنّ أيّ بديل آخر لن يكون في صالح إسرائيل، إذا لم يشكّل خطراً عليها.

مقالته تلك بدأت باعتراف شخصي يتقنع تحت ستار النقد الذاتي الخفيف: عنوان «ساندوا الأسد»، الذي حملته مقالة نيسان، 2013، كان «غير دقيق بعض الشيء، وتوجّب أن يكون: ساندوا أيّ طرف يخسر في الحرب الأهلية السورية»؛ كتب بايبس. ولكي يشرح ما آلت إليه تأملاته حول كيفية ترجمة هذا المطلب، تابع يقول: «يشقّ عليّ هذا، ولكني أصادق على دعم الجبهة الإسلامية. هنا أيضاً، ليس لكي تفوز، بل لكي تخوض يوماً إضافياً في المعركة ضدّ النظام الأسدي البغيض، ومناصريه الإيرانيين وحزب الله». لافت، إلى هذا، أنّ المقالة نُشرت قبل بدء الصدامات العسكرية المباشرة بين «داعش» والكتائب الإسلامية الأخرى، في ريف حلب والشمال عموماً؛ الأمر الذي ساق بايبس إلى تبيان «المنطق» وراء أحدث تطورات تفكيره: 1) «ليس علينا أن ندعم أيّ طرف على أمل انه سيفوز، بل فقط لكي يمنع الطرف الثاني من الفوز»؛ و2) لأنّ «مساعدة الجهاديين السنّة في سوريا ضدّ النظام يخدم التوازن»، في ملفّ البرنامج النووي الإيراني.

في نيسان (أبريل) 2013، خلال حوار على واحدة من اشهر أقنية التلفزة الأمريكية، لم يجد بايبس أيّ حرج في مطالبة الغرب بضرورة التدخل عسكرياً لصالح الأسد: «موقفي ليس نابعاً من أي تعاطف مع نظام الأسد أو إعجاب به، فهو نظام فظيع جدير بالازدراء. ولكني إذْ أنظر إلى الموقف ككلّ، نظام الأسد البغيض، والمتمردين الذين يزدادون فظاعة، أعتقد أنّ الأفضل لنا هو أن يواصلوا الاقتتال فيما بينهم. لا أريد منتصراً في هذه المعركة يتولى قيادة سورية، ويصبح جاهزاً لقتال جيرانها. ونحن في حال ستراتيجية افضل إذا ركّزوا على بعضهم البعض، وهذه نقطة ستراتيجية وليست إنسانية».

هي كذلك، بالتأكيد، ستراتيجية وليست إنسانية؛ ولكنها، أيضاً، تكتيكية على الأمدية القريبة، بل القصيرة الوشيكة، لأنّ حكمة التفكير هذه تُختصر في الفرضيات التبسيطية التالية: الأسد دكتاتور وفاسد وقاتل أطفال، ولا خلاف على هذا؛ وهو ليس حليف إيران بقدر ما أصبح تابعاً لها ورهينة، بدليل قتال «حزب الله» إلى جانبه… ولكن، ما هَمّ الغرب في هذا كله، ما دام النظام قدّم، وقد يقدّم في أية لحظة، خدمات مباشرة لمصالح الغرب في المنطقة؟ وما هَمّ، إذا كان جيشه لم يطلق طلقة واحدة في الجولان منذ 1973، وصواريخه تسقط على حلب دون أن يكون صاروخ واحد منها قد اخترق أجواء إسرائيل؟ وما هَمّ، إذا كان لا «يمانع» و»يقاوم» إلا على مستوى اللفظ فقط؟

وأمّا الحدث، بعد الواقعة، فقد كان إعلان وفاة أرييل شارون؛ حين صارت متاحة، أكثر من ذي قبل، فرصة إماطة اللثام عن حقائق الدعم الهائل، وغير العادي في الواقع، الذي حظي به نظام «الحركة التصحيحية» من جانب شارون، شخصياً. وكان الأمريكي دانييل فريدمان ـ المحرر البارز في مجلة «فوربز»، لسان حال شرائح نخبوية من رجال المال والأعمال، وراعية التنظير الدائب للأمن الاقتصادي والاستثماري الخاصّ بالشركات الكونية العملاقة ـ في طليعة القلائل الذين تولوا كشف حقائق الدعم الشاروني لآل الأسد. لم تكن مصادفة محضة، في المقابل، أنّ فريدمان كان من طينة بايبس: أحد أبرز المطالبين، علناً، بالإبقاء على نظام آل الأسد في سوريا، بوصفه نظام «الشيطان الذي نعرفه»، أفضل من أيّ «شيطان قادم» لا نعرفه.

كتب فريدمان: «بسبب الخوف من سيطرة الإخوان المسلمين قام رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون بتحذير الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، في سنة 2005، من مغبة إسقاط الأسد. حجته كانت التالية: الشيطان الذي تعرفه خير لك. وذلك بالرغم من تحالفه مع إيران وحزب الله». ولكي يوضح الحجة أكثر، من جانبه هو هذه المرّة، أضاف فريدمان: «كذلك رفعت من رصيد الأسد عند الإسرائيليين أنّ سوريا ضبطت حدودها مع إسرائيل بشكل صارم جداً. والاستثناء الوحيد كان في أيار (مايو) [2011]، حين سُمح لبعض المقاتلين الفلسطينيين بمهاجمة الجانب الإسرائيلي من الحدود ـ على سبيل التذكير بما ينطوي عليه الأمر من رهانات».

ومن موقعه كرئيس وزراء، وكذلك بصفته السياسية كزعيم لحزب «كاديما»، طالب شارون بعدم تشديد الضغوط الأمريكية (ومثلها الفرنسية، أيام الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك) بحيث تهدّد بانهيار النظام. ولتذهبْ إلى الجحيم، طبقاً لمنظومة تفكير شارون، أوهام «شرق أوسط جديد» ديمقراطي، يبدّل سوريا إلى أية حال، حتى الديمقراطية منها، ويمكن أن يُلحق الأذى بإسرائيل. وما نفع سوريا جديدة، تقوم على أنقاض القديمة، إذا كانت ستعيد فتح ملفات الجولان المحتلّ، أو تنشّط الجبهة السورية، شعباً وجيشاً ودولة ومؤسسات، بما يكفل استيلاد أخطار جدّية غير مسبوقة على أمن إسرائيل؟ الدلائل كانت تشير إلى تجسّد مواقف شارون، هذه، في مواقف خلفه بنيامين نتنياهو، ومعه غالبية ساحقة من ساسة إسرائيل وجنرالاتها.

والحال أنّ شارون، لو استطاع إبصار المشهد السوري من داخل غيبوبته، طيلة أشهر الانتفاضة الشعبية السورية، كان سيقرّ عيناً إزاء ثمار خياراته في مساندة آل الأسد: أسلحة الجيش السوري كافة، المدفعية والصاروخية، والدبابة مثل المروحية والقاذفة، وصواريخ «سكود» مثل الأسلحة الكيمياوية… استُخدمت ضدّ قرى وبلدات ومدن سورية، لا كما استُخدم 1٪ منها ضدّ إسرائيل. وهذا الجيش، الذي ظلّ المواطن السوري يقتطع من لقمته اليومية ليسلّحه طيلة عقود، استدار نحو الشعب السوري لا كما واجه أية وحدة عسكرية إسرائيلية، في أيّ يوم؛ فضلاً عن أنه فقد صفته كـ»جيش وطني»، وصار أقرب إلى ميليشيات ومرتزقة ومفارز ذات تكون طائفي رثّ وهشّ.

وخواتيم السنة، مثل بداياتها، لم تبخل في تقديم البراهين على طبائع، ومباهج، هذا الدلال الذي تنعّم به آل الأسد من جانب إسرائيل؛ ولا يغيّر من الحال، بل لعلّه يوطدها أكثر، أنّ يأتي البرهان من… إيران، دون سواها! ففي تصريح، جسور والحقّ يُقال، أعلن حسين أمير عبد اللهيان، مساعد وزير الخارجية الإيرانية للشؤون العربية والأفريقية، أنه «إذا أراد التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش تغيير النظام السوري، فإن أمن إسرائيل سينتهي»، حسب وكالة فارس الإيرانية؛ و: «إيران حذرت أمريكا وسائر الدول المتحالفة معها من أنّ السعي لإسقاط نظام بشار الأسد، خلال المواجهة القائمة مع داعش، سيعرض أمن إسرائيل للخطر».

وبهذا فإنّ العام 2015 قد يبرهن أنه الأسوأ على آل الأسد، ما خلا في ملفّ واحد: أنّ الدلال الإسرائيلي مستمرّ، دون كلل او ملل، وباستمتاع وابتهاج!

 

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي

 

 

 

 

عام البرابرة في سورية/ بشير البكر

يمكن اعتبار عام 2014 الأكثر دموية في مسار العنف الذي استخدمه النظام ضد الثورة والشعب في سورية. وعلى الرغم من أن الأعوام التي سبقت لم تكن أقل هولاً، وخصوصاً 2013 الذي شهد إقدام النظام على استخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين في غوطتي دمشق، فإن العام المنصرم كان الأكثر جنوناً وتوحشاً وبربرية بحق المدنيين العزّل، حيث وصل عدد غارات القتل والترويع البرميلية، في بعض الأيام، إلى أكثر من عشرين غارة على مناطق متفرقة، تمتد من دير الزور، مروراً بالرقة وحلب وحماه وريف دمشق، وصولاً إلى ريف درعا. وتجاوز عدد الضحايا من المدنيين في بعض الأيام 200 قتيل.

اتّسم العام الذي انصرف بأن النظام السوري تصرف من دون رادع، في ظل صمت دولي وتغطية إيرانية روسية. ولذا، أطلق لنفسه العنان، فأبان عن بربرية ليست معهودة، ولا مثيل لها في الحروب التي شهدها القرنان الحالي والذي سبقه، وأهم مزايا هذه البربرية، أولاً تقتيل المدنيين. وتشير وقائع الغارات البرميلية على ريف حلب خصوصاً، أنها تتعمّد استهداف التجمعات البشرية ذات الكثافة العالية، من أجل إلحاق أكبر أذى بالسكان، الأطفال والنساء والرجال والشيوخ، الأسواق والمساجد وأفران الخبز والمستشفيات، أي كل ما هو محرّم في أخلاقيات الحروب بين الأعداء. والمظهر الثاني للبربرية هو حصار التجويع ومنع دخول الغذاء والدواء، بما في ذلك قطع الماء والكهرباء والوقود عن بلدات بكاملها، مثل داريا والمعظمية في ريف دمشق، بالإضافة إلى الإعدامات الجماعية والسجون والاعتقالات وحالات الاغتصاب التي تعرّضت لها نساء سوريات، وهناك منظمات، مثل الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وثّقت حالات لا شبيه لها في النزاعات الأهلية، حتى تلك التي حصلت بين القبائل البدائية من آكلي لحوم البشر في مجاهل أفريقيا.

أما الوجه الثالث للبربرية فهو التهديم. وبالإضافة إلى نزعة القتل المتأصلة في الذين يقفون وراء قرارات الاستهداف المنهجي للمدنيين، هناك نزعة تدمير العمران، وهي لا تفرّق بين مسجد وفرن خبز وسوق ومستشفى ومدرسة ومواقع تراثية، الأمر الذي يكشف عن خلفية همجية، لا تحترم قيمةً، ولا تقف عند رادع، وقد صار واضحاً أن النظام يتجاوز تنفيذ تهديد أطلقه، في الأيام الأولى للثورة، بأنه سيحوّل سورية إلى تراب، وهذا ما حصل، حتى الآن، في بعض المدن التي تم تدمير معظمها، مثل دير الزور وحلب وحمص وريف دمشق.

يستحق العام 2014 أن يوصف، على الصعيد السوري، بعام عودة الوحوش من الغابات. مأساة السوريين لا يمكن توصيفها لأنها تفوق الكلام، وتستعصي على الخيال، وليس من الإنصاف الاكتفاء بقوانين العدالة من أجل محاسبة هؤلاء القتلة في المستقبل، بل يجب أن يوضعوا في أقفاص، ويعرضوا في حدائق الحيوان، كنماذج لافتراسيين جدد، لم تعرف سلالة الوحوش مثيلاً لهم. وعلى العموم، لا يمكن تفسير استهتار النظام بأرواح السوريين وتاريخهم الحضاري العمراني وممتلكاتهم، إلا من منطلق الاحتقار الذي مارسه بحقهم، طوال أربعة عقود من حكمه، وهو نتيجة تراكم موروث من الانحطاط والعنف، تربّت عليه أجيال النظام منذ مجازر حماه وحلب في مطلع ثمانينات القرن الماضي. يومها تمت تسوية أحياء سكانية كاملة فوق رؤوس ساكنيها في حماه. ومنذ ذلك الحين، صارت تربية أجهزة النظام قائمة على هذا الأساس، وآخر ما تفكر به هو حياة الناس. ومهما كانت مآلات النزاع، ستصبح هذه السلوكيات مجالاً خصباً للدراسات الاجتماعية والسلوكية. وبالتأكيد، لن تقف الدراسات عند الأساليب المتبعة في علوم النفسية المَرَضيّة، بل سوف تستدعي استنباط أساليب وطرائق جديدة، تذهب حتى ظروف انتقال هذه الحثالة من الغابات إلى المدن.

العربي الجديد

 

 

 

2014:عام “داعش”/ بكر صدقي

ما من حدث يمكنه أن يفوق في أهميته على إعلان دولة الخلافة، في حزيران 2014، إذا فكرنا بجردة لأحداث العام الذي نودعه. ليس بالنسبة إلى منطقتنا المضطربة فقط، بل على مستوى العالم. ولا تقتصر عالمية تداعيات ظهور هذه «الدولة الإسلامية» على قيام تحالف دولي ضم أكثر من ستين دولة بقيادة الولايات المتحدة لمحاربتها بهدف تحجيمها والقضاء عليها، بل تتجاوز ذلك إلى مصير خرائط راسخة أخذت تتداعى، ومجتمعات أخذت تتفكك، وأفكار وقيم وبداهات سقطت في اختبارات الواقع.

على المستوى السوري، كاد ظهور داعش واستيلاؤه على مساحات واسعة، في الشمال والشمال الشرقي، أن يقضي على آخر آثار ثورة الحرية والكرامة التي اندلعت في وجه نظام دمشق الكيماوي ربيع العام 2011، لولا الحرب المستمرة على المدنيين التي يشنها النظام المذكور بثبات ومبدئية، فتذكرنا بأصل المشكلة في سوريا.

وأدى التنافس على الشرعية الإسلامية بين تنظيم داعش والمنظمات الجهادية الأخرى، وأبرزها جبهة النصرة – الفرع السوري لمنظمة القاعدة، إلى تمدد الأخيرة في بعض المناطق على حساب بقايا الفصائل المسلحة المحسوبة على الجيش الحر، كما إلى تطبيقها لرؤيتها للشريعة الإسلامية على السكان في تلك المناطق، أسوةً بداعش، بعدما كانت تتجنب ذلك مرحلياً.

ودخلت فصائل الجيش الحر في مأزق خوض الحرب على جبهتين معاً ضد عدوين قويين هما النظام من جهة، وداعش وأخواتها من جهة ثانية في الشمال، وضد النظام وجبهة النصرة في الجنوب. الأمر الذي أضعفها وقلص إلى حد كبير المساحات التي تسيطر عليها.

وعلى مستوى الدول المتدخلة في الحرب السورية، تضاربت الأولويات وتغيرت التحالفات. قبل كل شيء حل التحالف الدولي ضد «الدولة الإسلامية» عملياً محل مجموعة «أصدقاء الشعب السوري» فسقط هدف إسقاط النظام السوري، في أجنداتها، ليحل محله هدف القضاء على داعش أولاً بعد «تحجيمه» الذي قد يستمر سنوات وعقوداً وفقاً للرؤية الأمريكية القائدة للتحالف. وتم احتواء الخلاف القطري – السعودي لمصلحة المنظور السعودي الغالب في المجموعة الخليجية التي ترى في الإسلام السياسي الخطر الأكبر على أمنها القومي. فيما بقيت تركيا أردوغان تغرد وحدها خارج سرب التحالف الدولي، وتقاوم ضغوط حليفها الأمريكي.

وفي العراق، أدى اجتياح قوات داعش السريع للموصل وإعلان دولته الإسلامية إلى إسقاط حكومة المالكي وقيام تحالف جديد بين بغداد وأربيل، بعدما كان بارزاني مضى بعيداً في طريق الاستقلال بإقليم كردستان عن السلطة المركزية. ومن جهة أخرى، ابتعدت قيادة الإقليم عن أنقرة بمقدار اقترابها من طهران، لينعكس ذلك بصورة مباشرة في الاتفاق النفطي بين بغداد وأربيل، إضافةً إلى التعاون الحربي بينهما ضد «الدولة الإسلامية».

لكن تداعي أحلام الاستقلال عن بغداد لدى بارزاني، قابله صعود لافت لحزب العمال الكردستاني من خلال فرعه السوري (PYD) بمناسبة معركة كوباني التي لم تنته بعد. فقد شكل تقاطع الأجندات بين هذا الفصيل الكردي والولايات المتحدة إزاء خطر مشترك هو «داعش» فرصةً للتيار العام لحزب العمال الكردستاني العابر لحدود الدول القائمة ليكون في صف الأقوياء. وهناك دول غربية أخذت تطرح بجدية رفع اسم الحزب الكردستاني من قوائم المنظمات الإرهابية.

وهكذا تدفقت مساعدات الدول الغربية من السلاح والعتاد، بسبب داعش، على كل من إقليم كردستان وكوباني معاً. كما أن التنافس التقليدي بين التيارين البارزاني والأوجلاني تراجع لمصلحة التعاون بينهما، سواء في معركة شنكال العراق أو معركة كوباني سوريا. وكان ذا قيمة رمزية كبيرة وصول تعزيزات من بيشمركة بارزاني إلى كوباني لمؤازرة قوات «الحماية الشعبية» ذات المرجعية الأوجلانية، عبر الأراضي التركية. وقد تم هذا العبور على رغم القيادة التركية التي كانت تتمنى سقوط كوباني بيد داعش، لا حباً بهذا التنظيم الإرهابي، بل لأن من شأن نتيجة مماثلة أن تضعف حزب العمال الكردستاني الذي تخوض حكومة العدالة والتنمية معه «معركة» السلام.

بعيداً عن هذه التداعيات السياسية الكبيرة لإعلان دولة الخلافة، أدى سلوك هذه وطريقة تعاطيها مع السكان حيثما حكمتهم، إلى انطلاق نقاش اجتماعي واسع حول الإسلام ودوره في دنيا الناس. نقاش لا يشبه الجدل العقيم السابق بين العلمانية والإسلام والصراع الوجودي بين أنصارهما الإيديولوجيين. فللمرة الأولى، في العصر الحديث، يخوض دين الإسلام اختباراً عملياً بهذه الجدية ويلاقي ردود فعل اجتماعية قوية وواسعة النطاق من داخل الاجتماع الإسلامي، وليس من خارجه كما حدث بعد هجمات الحادي عشر من أيلول 2001. من المحتمل أن يشكل هذا الاختبار منطلقاً لإعادة نظر جذرية في المفاهيم السائدة لدى التيارات الإسلامية وعنها.

الحدث الكبير الثاني، في العام الذي نودعه، هو التدهور الدراماتيكي في أسعار النفط الذي يتوقع له الخبراء أن يستمر لفترة طويلة. من المحتمل أن كلاً من إيران وروسيا سيزداد وضعهما الاقتصادي والسياسي ضعفاً وهشاشةً في العام الجديد. إيران في مفاوضاتها النووية مع الستة الكبار، وفي صراعها الإقليمي مع جوارها العربي (العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين). وروسيا في نزاعها مع الغرب حول المشكلة الأوكرانية.

مع تمنياتي لقراء «القدس العربي» بعام جديد كله خير.

 

٭ كاتب سوري

القدس العربي

 

 

 

 

2014..التأسيس للمستقبل السوري/ غازي دحمان

يمكن اعتبار 2014 سنة مفصلية وفارقة في الحدث السوري، بالنظر للوقائع التي أسسها الصراع الجاري، وطبيعة الرهانات التي عملت أطراف على تطويرها، فضلا عن الآليات المستخدمة في الصراع، وقد شكلت هذه التوليفة ديناميكة صراعية، يقدّر أنّه سيكون لها تأثير مباشر على مسار الأحداث وتشكيل المستقبل السوري، وربما المحيط الإقليمي في المرحلة المقبلة، حيث يفيد تفحص الديناميات المشغّلة للحدث السوري بأن محركات الصراع ازدادت شراسة ورسوخاً، ما يجعل إمكانية نزع مفاعيلها أمراً غير ممكن، في الأمد المنظور، في مقابل ضعف في محفزات السلام، وغياب أية قوة وأفكار مؤثرة في هذا الاتجاه.

لم تكن سنة 2014 جيدة للسورين بكل المقاييس، فقد تأكد فيها ذهاب الوضع العسكري في سورية إلى نوع من الاستقرار”الإستاتيكو”، شبه النهائي، بعد أن أنجز كل طرف تأسيس البنى الخاصة، لتكريس سيطرته في المواقع التي يقيم بها، وبات واضحا أن هامش الحركة والتغيير صار صعباً على الطرفين، ضمن الصيغ القتالية الحالية التي ثبت أنّها غير قادرة على تغيير موازين القوة بشكل مؤثّر، باستثناء بعض النّقلات الهامشية، هنا وهناك، وتبدو هذه المعادلة هي المقيمة، فترة طويلة، ما لم يحدث تدخل خارجي، لا يبدو أنّه قادم. وعلى ضوء ذلك، باتت الجغرافية السورية مقسّمة بين ثلث تسيطر عليه جماعة الأسد وثلثين يسيطر عليهما الثوار وبعض الفصائل الإسلامية، ويتزامن ذلك مع استمرار وضعية السيولة الجغرافية للإقليم السوري.

وتكشّف في سنة 2014 أن التغييرات الديمغرافية الحاصلة في الواقع السوري مديدة، بل هي انعكاس لتوجهات سياسية، أكثر منها تداعيات ميكانيكية للحدث، إن لجهة إفراغ مناطق معينة في الجغرافية السورية، أو لجهة استقرار النزوح السوري في بلدان الجوار والمهاجر البعيدة، وقد ظهرت مؤشّرات عن عمليات إعادة توطين يقوم بها نظام الأسد، وخصوصاً في حلب ودمشق وحمص، لعناصر غير سورية وعمليات شراء عقار واسعة ومموّلة من إيران، في مقابل توجّه غربي إلى إعادة توطين بعض النازحين السوريين إلى بلدان الجوار في بلدان ثالثة.

في 2014، تشكلت جغرافية وطنية سورية جديدة، حيث انتهى، بدرجة كبيرة، تشكّل الأوساط الاجتماعية” البيئات” لكل مكون، أو طرف بالمعنى الصراعي، بحيث بات كل وسط مغلقاً على ذاته، ويتضح ذلك من خلال التفاعلات الحاصلة ضمن هذه الأوساط، عبر تشكيلها الجماعات القتالية الممثّلة لها، والتي تشترك معها في منظورها للحرب، وتدعمها معنوياً ولوجستيا، وتكاد هذه الظاهرة تغطي جغرافية ما كانت تسمّى الوطنية السورية، ولا تقتصر على المكونين الأساسين المتحاربين، السنة والعلويين، لتأخذ المجتمعات السورية وضعيّة التمترس خلف جدرانها الطائفية والعرقية، وصولاً إلى إغلاق كل منافذ التواصل بين المكوّنات السوريّة، باستثناء الحوار الحربي في ميادين القتال.

ولعل ما زاد من تعقيدات الأمور أن الدولة السوريّة شهدت حالة من الانهيار الواضح لمؤسسّاتها، وعلى الرغم من بقاء هياكلها بحكم استمرار سيطرة النظام على قلب العاصمة ومراكز المدن، إلا أنّ هذه المؤسسّات تحوّلت إلى وجود صوري، ولم تعد موجودة إلاّ في إطار الإجراءات ذات الطبيعة السلبية في المناطق التي تقع تحت سيطرة بقايا نظام الأسد، فيما تفقد قدرتها على تأمين الخدمات العادية، في ظل اقتصاد تعطلت كل عناصره، ووصلت إنتاجيته إلى درجة الصفر، وقد تبلور، بشكل واضح، الاقتصاد القائم على خدمات الحرب، أو الحاصل نتيجة تفاعلاتها، وفي الوقت الذي أعلنت حكومة النظام عن ميزانية للعام 2015 بمقدار حوالي 7،5 مليارات دولار، فيما تحتاج سورية ما يعادل 10 مليارات دولار لتغطية نفقات استيراد النفط وحده!

سلّطت 2014 الضوء على التفاعلات المتشابكة والمعقّدة التي أفرزتها الحرب في سورية، وخصوصاً على صعيد التحوّلات الإقليمية، فقد تمظّهرت، بشكل كبير، الصراعات الطائفيّة والإثنيّة التي صارت تملك شرعيّة وحضوراً وجرأة في الإعلان عن نفسها، وهي تضيف تعقيدات عديدة على المشهد الإقليمي وممكنات الحل فيه، فقد برزت، بوضوح، تمفصلات الحالة الكردية على مساحة الإقليم، ووقوعها في إطار التشكّل، قضية سيكون لمفاعيلها تأثيرات كبيرة على مسار تطوّرات الأوضاع في المنطقة، كما ترسّخت حدود الصراع المذهبي على خطوط انقسام تمتد في سورية والعراق ولبنان بشكل واضح.

في مقابل ذلك، تأكد في سنة 2014 استحالة حصول توافق دولي للحل في سورية، وترسخّت حقيقة النزاع الدولي الذي تشعّب على طيف عريض من القضايا والملفات العديدة، بحيث تحوّلت الساحة السورية جراءها إلى ساحة هامشية، بعيدة عن الاهتمامين، الإعلامي والشعبي، بها، فيما خطفت الحرب على داعش الأضواء عن القضية السورية التي ستتحوّل إلى مجرد مشكلة على هامش الأزمة التي تثيرها داعش، سواء فيما تعلّق بأمن الأقليات في المنطقة، أو فيما خصّ قضيّة المجاهدين القادمين من أوروبا وأولئك الذين من المحتمل عودتهم.

في سنة 2014، توزّعت القضية السورية على مروحة واسعة من الأزمات، ضاعت معها ملامح الأزمة الأساسية وعناصرها، وترسخّت الأزمة بوصفها فرصة لأطراف دولية ومخاطرة لأطراف أخرى، تشكّلت على ضفاف الأزمة سياقات عديدة، يفتح بعضها مسارب جديدة، والخوف أن يؤدي استمرار الحفر فيها، أو تركها تتشكّل وفق أعنتها، إلى تعميقها وتحويلها إلى منجرفات لن يكون ممكناً ردمها، ويبقى أنّ ما أسّسته سنة 2014 سيحمل تأثيراته الكبيرة على الواقع السوري، الأكيد أنّ بعضها ستبدأ بالتمظهر في 2015.

العربي الجديد

 

 

 

السوريون على مشارف عام جديد!/ أكرم البني

بعيداً من تنبؤات المنجمين وخبراء الفلك، ربما يتوقع السوريون جيداً ما الذي ينتظرهم في العام المقبل، أوضحه المزيد من تفاقم الصراع الدموي وما يخلفه من ضحايا ودمار ومشرّدين، ومن تشاؤم ويأس بخلاص قريب من كارثة يرجح أن تخرج عن السيطرة وتزداد حدة واتساعاً.

في البعيد، ومن مخيمات اللجوء، سوف تتصاعد أكثر فأكثر أنّات المعذبين والمعوزين وهم يكابدون شروط حياة تشتد قسوتها حيث تتراجع فرص حصولهم على المواد الغذائية والرعاية الصحية طرداً مع التراجع المتوقع للقدرة الأممية على تأمين هذه الاحتياجات الضرورية، وسيكون الأطفال أكثر المتضررين، فلن يحمل لهم العام المقبل المن والسلوى، بل الأخبار عن أعداد قتلاهم والمشوهين منهم بسبب المرض أو سوء التغذية، وعن المصير المفجع لمن تم تجنيدهم في شبكات التسول والجريمة والدعارة وبخاصة من القصر.

وفي البعيد أيضاً سوف تتضح أكثر الاحتجاجات الخجولة لطالبي اللجوء والمهاجرين إلى بلدان غربية، فثمة معاناة غير متوقعة من ظروف حياة لا تليق أو لم ترض «أحلامهم»، ربما بسبب قصور الإمكانيات المخصصة لاستيعاب هذا الفيض منهم، وربما بسبب صعوبة تأقلمهم مع محيط أجنبي بات متحفظاً وأحياناً معادياً، فكيف الحال بالنسبة إلى اللاجئين في بلدان الجوار مع ما نراه كل يوم من حالات ازدرائهم وإذلالهم وامتهان كراماتهم لمجرد أنهم سوريون.

وفي القريب يرجح ان تتعمق معاناة السوريين في عامهم الجديد وبخاصة ملايين النازحين ومن وجوه كثيرة، بدءاً بالبحث المضني عن مأوى ولقمة عيش وعن ذويهم من المعتقلين والمفقودين، مروراً بتراجع فسحة الأمن والآمان مع انتشار حواجز وجماعات مسلحة غير منضبطة، يمكنها أن تعترض أياً كان وتبتزّه أو تقرّر مصيره كما يحلو لها من دون خوف من المساءلة والحساب، ثم تصاعد وابل القصف والقذائف التي تسقط بصورة عشوائية على الأحياء السكنية من دون اكتراث بما تخلّفه من ضحايا ودمار، ومروراً بالتردّي في شروط الحياة جراء تعطل غالبية المشاريع الإنتاجية وتدهور القدرة الشرائية وتفشّي غلاء فاحش، ربطاً بصعوبة تأمين مستلزمات حيوية كالغاز والمازوت، وتفاقم مشكلات الانقطاع المتواتر للماء والكهرباء، وانتهاءً بتهتّك البنية الخدمية الصحية والتعليمية، وأبسطها عودة بعض الأمراض السارية بعد أن طواها الماضي، وتزايد أعداد الأطفال المشردين الذين باتوا من دون تعليم وضاعت فرصهم في بناء مستقبلهم.

وفي القريب أيضاً وفي المناطق الخارجة عن سيطرة السلطة، سوف تزداد شروط عيش السوريين سوءاً وتعقيداً بسبب الحصار المزمن ونمط الحياة الذي تفرضه المعارضة المسلحة هناك، يزيد الطين بلة، والحصار حصاراً، تنامي حالات الفساد والتواطؤ مع تجار الحروب للاستئثار بكل شيء على حساب حاجات البشر، وأيضاً العقوبات الشنيعة التي تنفذها الجماعات الإسلاموية بحق من يخلّ بما وضعته من قواعد ونواهٍ، كقطع الرؤوس والأيادي والجلد والصلب والرجم وغيرها، ثم سبي النساء وفرض زواج الفتيات القاصرات من مجاهدين في أعمار آبائهم، عداكم عن التجنيد الإجباري لألوف الأطفال وزجّهم في قتال مكشوف يوازي الانتحار أو تحويلهم قنابل موقوتة يتم تفجيرها من بعد.

وعند السؤال عن جدوى التحركات والمبادرات التي نشهدها هذه الأيام كالمسعى الروسي لعقد مؤتمر حوار بين السلطة والمعارضة، وعما إذا كان العام الجديد سيحمل فرصة جدية لوقف العنف والشروع بمعالجة سياسية للاستعصاء القائم، يأتيك الجواب من عيون السوريين حين تفيض بحزن ساخر ومرارة عميقة.

صحيح أن وقف العنف بات ضرورة لإعادة الاعتبار للطابع السياسي للصراع، وصحيح أن إعلان التزام الجميع الحوار هو اعتراف واضح وإن متأخــــر بفشل خيار الحرب وتراجع صريح عن منطق القوة والغلبة وعن الدعوات المتبادلة للحسم والسحق، لكن يبدو أن لا مكان للتفاؤل عنـــد السوريين بأن تقف بلادهم في العام المقبل علــى مشارف مرحلة جديدة تحتل فيها المعالجة الســـياسة الحيز الأكبر، ربما لأنهم خير من يدرك طابع أطراف الصراع التي في غالبيتها تزدري الســـياسة وترفض تقديم تنازلات تفتح الباب أمام حلول سلمية والتي عادة ما تلجأ للتفاوض كي تربح الوقت وتتوغل أكثر في الفتك والتنكيل عساها تحقق «انتصارها المرتقب»، فكيف وقد باتت محكومة بمراكز قوة وجماعات مسلحة يهمها استمرار الوضع القائم لما يدره لها من نفـــوذ وامتيازات! وربما لأنهم خير من يعرف إن قرار وقف العنف والبدء بمعالجة بؤرة الصراع السوري سياسياً، لم يعد بيد أطرافه الداخلية بل رهينة قوى خارجية لها مصلحة في تركه مفتوحاً، ربما حتى آخر سوري، طالما لا تزال خريطة النـــظام الإقليمي الجديد في طور الصياغة ولا تـــزال الخلافات مستمرة حول حصص النفوذ، وطــالما ثمة حاجة للاستثمار غربياً في هذا الصراع بدليل حرص التحالف الدولي على الاكتفاء بكسر شوكة داعش وتحجيمه، مرة لاستجرار مزيد من الكوادر الداعمة له إلى المقتلة، ومرة لاستنزاف الخصوم والضغط عليهم، ومرة ثالثة كي تبقى داعش وأخواتها فزاعة لشعوب المنطقة حتى لا تفكر مرة أخرى بحقوقها وحريتها وكرامتها.

أهو حظ السوريين العاثر ألاّ يكترث أحد بمشاهد موتهم وعذابهم وتشرّدهم ودمار بنيانهم؟! أم ابتلاؤهم بقوى متصارعة لا تقيم للإنسان وزناً وتحكمها مصالح أنانية وأوهام عن جدوى العنف ومنطق كسر العظم؟! أم انتماؤهم إلى بقعة حيوية كانت ولا تزال محط اطماع الغير؟! هذه الأسئلة تتردد بألم ومرارة على كل لسان عند النظر الى ما آلت اليه الأمور، مشفوعة مع إطلالة العام الجديد برجاء جمعي، بأن ينجلي هذا الليل الطويل وتنتهي هذه المحنة، كما لو أن السوريين البسطاء توافقوا أخيراً، على اختلاف مواقعهم، على ضرورة الخلاص من هذا الوجع والخراب وعلى الرفض الصريح لاستمرار العنف ولأية دوافع تسوّغ هذا الاستهتار المخزي بأرواح البشر ومستقبل وطنهم.

الحياة

 

 

 

 

كتاب عرب

 

 

 

جردة حساب لسنة لا تمضي/ حسن شامي

في نهاية كل عام تجتاحنا رغبة محمومة في تعريف ما انقضى. نتطلع إلى العام، تحديداً في لحظة أفوله لنلقي على أنفسنا وعلى الآخرين سؤالاً عما كانه هذا العام. ويتخذ السؤال حيناً صيغة التساؤل الفلسفي عن الماهية والمعنى والجدوى، ويتخذ حيناً آخر صيغة الاستفهام السردي عن مكانته في التاريخ الفردي والسيرة الخاصة وحاجتها إلى إيقاع زمني. وقد يتخذ أيضاً صيغة التساؤل البحثي عن موقعه في تاريخ مجتمعات فقدت السيطرة على مصائرها.

يبقى أن التساؤل هذا، على تنويعاته المتصلة بشواغل مختلفة، هو بمثابة تقليد يرقى على الأرجح إلى ثقافة زراعية ما زالت فاعلة في العديد من تعبيراتنا الحديثة، وإن كان نصيبها من القيمة المعرفية قد تضاءل وضمر كثيراً. فكما يتساءل المزارعون والفلاحون عن ماهية الموسم المنقضي نتساءل نحن عن حمولة السنة المنقضية من حياتنا كما لو أنها موسم رقمي في زمن ما بعد الثورة الصناعية. قد يصح مثل هذا التوصيف على بلدان خبرت تحولات التحديث الصناعي وما بعده. تشخيص الأمر في بلداننا يحتاج بالطبع إلى التروي وعدم الاستسهال. فزمن بلداننا أزمنة اجتماعية مختلفة ومتدافعة. وهذا بالضبط ما يجعل سؤالنا أقرب إلى المطابقة بين السنة كوحدة رقمية مجردة والموسم الزراعي.

لنقل إن الموسم، أي حصيلة العام الآفل، جاء عامراً وحوادثه، كيفما التفتنا، لا حصر لها. وإذا شئنا اعتماد قراءة جنائزية، من بين قراءات أخرى للربيع العربي، جاز القول إن عدّاد الموت غير الطبيعي تسارعت حركته أكثر من الأعوام الثلاثة السابقة. فآخر إحصاءات المرصد السوري لحقوق الإنسان تتحدث عن سقوط أكثر من 76 ألف قتيل عام 2014 نصفهم من المدنيين. وتتحدث إحصاءات أخرى رسمية عن مقتل أكثر من 15 ألف شخص في العراق وهو أعلى رقم منذ عام 2007. في ليبيا حرائق متنقلة وفوضى وحروب شمشونية قبلية لا تنتظم في أي سياق سياسي جدير بهذه الصفة. حتى أن فرنسا الدولة الدائمة العضوية في مجلس الأمن طلبت من المجتمع الدولي التحرك لمنع تحويل ليبيا إلى ملاذ للإرهاب. لا حاجة للحديث عن اليمن وآخر التفجيرات الانتحارية فيه حيث سقط عشرات القتلى. ودشنت أفغانستان نهاية العام وانتهاء المهمات القتالية لقوات الأطلسي بسقوط قذيفة أطلقها الجيش الأفغاني على حفل زفاف مما تسبب بمقتل أكثر من عشرين مدنياً. والتذكير بالحالة الأفغانية ليس إضافة كمية إلى جدول الفظائع العربية. فحاضر أفغانستان وماضيها القريب باتا من بين النماذج التي يقاس عليها حاضر عدد من بلدان الربيع العربي وربما مستقبلها. وتكاد تونس أن تكون وحدها استثناء يظهر فيه أن الناس قرروا ترجيح كفة الشرعية التمثيلية الانتخابية على الشرعية الثورية ما دامت هذه الأخيرة مفتوحة دائماً على احتمالات دموية من السهل إطلاق عنانها ومن الصعب جداً وقف كرتها النارية.

قد يكون العام المنصرم 2014 هو بالفعل من أكثر الأعوام عنفاً وصخباً. لا نستغرب إذاً أن يرى كثيرون أنه عام «داعش» بامتياز. فتنظيم الدولة الإسلامية سعى بكل الوسائل إلى احتلال واجهة النزاعات الكثيرة التي تعج بها مجتمعات المنطقة. وصب التنظيم المذكور جهداً ملحوظاً في استعراض العنف والتوحش بطريقة مشهدية مستخدماً تقنيات الاتصالات والتواصل الحديثة لترسيخ قطبيته الجهادية وقدرته على اجتذاب مخزونات كبيرة من العنف والاستئصال والتسلط. مشهدية العنف البربري هذا تسلسلت فصولها ذبحاً وتفجيراً انتحارياً شمشونياً وسبياً للفتيات والنساء، الإيزيديات خصوصاً، وقتلاً يطاول كل الخصوم والمنافسين. طغيان هذه المشهدية جعلت كثيرين يرون الموت الطبيعي في زمن «داعش» الملحمي ضرباً من الحظ الطيب وحسن الطالع. على أن العام المنقضي ليس عام «داعش» إلا إذا شئنا اختزال التاريخ وظواهر العنف المتعدد الدلالات إلى لحظة مشهدية صارخة ومثيرة. صحيح أن «داعش» استثار تشكيل تحالف دولي ضده بقيادة الولايات المتحدة ومشاركة دول تأمل التأثير من خلال مشاركتها على وجهة التدخل الأميركي أكثر من اقتناعها بضرورة وضع حد لأعمال تنظيم دولة الخلافة وتحطيمه للحدود الوطنية المرسومة للدول منذ سايكس – بيكو، وتنامي جاذبيته لدى الناقمين على كل شيء والمتشوقين إلى القرصنة الحديثة وفتواتها وفروسيتها الثأرية. يضاف إلى ذلك التباس موقف تركيا الأردوغانية حيال الحرب المعلنة على «داعش». والتباس الموقف التركي يحاكي أشكالاً من الافتتان بالقيمة الاستعمالية لظاهرة «داعش»، وهو افتتان تفصح عنه تبريرات دعاة علمانيين أقسموا على الثبات على تصور جامد حول الأعداء والأصدقاء.

عام 2014 المنقضي هو أيضاً عام الإسلام السياسي كما تعبر عنه تجربة الإخوان المسلمين، خصوصاً في مصر حيث يجري تدوير زوايا حبكة النظام السابق ومقايضة التطلع العام إلى الأمن والاستقرار بتحطيم الإخوان وإخراجهم نهائياً من اللعبة السياسية التي لم يحسنوا الخوض فيها عندما أوصلتهم الشرعية التمثيلية الانتخابية إلى رأس السلطة. وهو عام إيران ليس بسبب المفاوضات الشاقة حول الملف النووي وتناوب العصا والجزرة في التعاطي الدولي، الأميركي خصوصاً، معها، فقط، بل بسبب الإصرار على أبلسة موقعها الإقليمي. وهذا ما يتيح للغرب أن يواصل لعبة الاحتواء المزدوج والتفاوض على حافة المواجهة.

في نهاية العام المنقضي رأينا أيضاً الغائب الأكبر عن الربيع العربي، أي الفلسطينيين وقضيتهم، يعودون إلى الواجهة. فالرفض الأميركي، والبريطاني، للمشروع الفلسطيني القاضي بتعيين سقف زمني للتفاوض والاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة جاء تتويجاً لسياسة مبهمة قائمة على ابتزاز الفلسطينيين وتغليب لغة ميزان القوى على لغة القانون والحقوق الدولية. قد تكون السلطة الفلسطينية بصدد تحقيق انتصار أخلاقي على جوقة الوعاظ الدوليين. لكن فشل الاقتراح يضع على المحك استراتيجية السلطة الوطنية ويعرّضها لمراجعات قاسية.

والحق أن العرب يتحملون قسماً من المسؤولية عن الشقاء الفلسطيني وانسداد آفاق تسوية تتمتع بالحد الأدنى من العدل واحترام الحقوق. وعندما بدأت انتفاضات الربيع العربي رأى البعض في خفوت الحديث عن القضية الفلسطينية، بل حتى في إهمالها، أمارة على نضج ورشاد زاحف وواعد. ثم ظهر أن هذا الإهمال يندرج في حسابات لأولويات إقليمية وسلطوية داخلية لا تربطها رابطة بلغة الحق والعدالة وبناء الدولة الوطنية والمدنية.

الحياة

 

 

2014-2015:الواقع أكثر خيالاً/ حازم صاغية

هذه المرّة أُصيب التكهّن بالكساد. أشكاله جميعاً لم تُعطَ الفرصة التي كانت تُعطاها مع انتقالات سابقة من عام إلى عام. التنجيم لم يحتلّ الرقعة التي كان يحتلّها في التداول. الخيال العلميّ لم يظهر له أثر. الخيال الإبداعيّ المبنيّ على وقائع صلبة ضمر بدوره.

الواقع كان، هذه المرّة، أقوى من الخيال. الكارثة كارثيّة بما لا يحوجها إلى أدبها أو إلى علمها أو إلى خرافتها. الرؤيويّ الذي تستدرجه إلى حياتنا مناسبة رأس السنة بات يقيم في حياتنا إيّاها، طارداً الخيال، بل طارداً الرؤيويّة.

بلدان ومجتمعات طارت، أو أنّها في مهبّ الطيران، كما في روايات «الواقعيّة السحريّة». سوريّة، العراق، اليمن، ليبيا… إنّها تعود القهقرى إلى ما قبل النشأة والتشكّل، بعد الانتدابات ثمّ بعد الاستقلالات. و «داعش» الذي هو عميل هذا التحوّل التاريخيّ يجرح نرجسيّتنا بما يكفي.

الدين، وهو ما ربطه مؤرّخون ومستشرقون، بـ «الشرق»، ليست أحواله كما كانت لعقود مديدة. هناك افتراقات غير مسبوقة في فهمه وفي تصوير دوره. وهي وإن لم تتحوّل بعد إلى نظريّات متماسكة، فإنّها باتت تتّسع لزفرات حادّة، ولشكوك وطعون لا تزال حبيسة التواصل الاجتماعيّ ووسائطه.

النفط الذي تشكّلت بموجبه، منذ أربعين عاماً، اقتصادات المنطقة، والكثير من سياستها وثقافتها، وأغلب إعلامها، ربّما بدأ زمنه يأفل.

وثمّة «تفاصيل» في السياسة لا تقلّ إدهاشاً شهدها العام 2014 وستعيش معنا في العام الجديد. فإيران، على ما يبدو، لم تعد «دولة مارقة». إنّها دولة قلبها سحر «الساحر» دولة محترمة. وهي، ومعها سوريّة الأسد، صارتا حصنين لـ «مكافحة الإرهاب»! تركيّا، كذلك، لم تعد البلد المختبر للزواج العتيد بين الإسلام والديموقراطيّة. رئيس جمهوريّتها رجب طيّب أردوغان ينأى بها، بخطى كبرى، عن محاولة عقيمة كهذه.

لكنْ ربّما كان الأهمّ على المدى البعيد تلك الهجرات الضخمة، لا سيّما في سوريّة والعراق، التي تسبّبت بها قسوة الاستبداد والاحتراب الأهليّ. المشهد مؤلم بطبيعة الحال، لكنّ المشرّدين، هذه المرّة، يختلفون عن قوافل سابقة عرفها التهجير والاقتلاع في منطقتنا. فهم يفيضون بالملايين داخل بلدانهم وفي بلدان الجوار. لقد خسروا كلّ شيء في المكان الذي كانوا فيه ولم يكسبوا في الأمكنة التي أتوا إليها سوى العدائيّة والاضطهاد والاصطدام بوقائع معقّدة لا تقلّ عن تعقيد الوقائع في البلدان التي صدروا عنها. لقد خسروا في زمن لم يعد يوجد فيه من يملك شيئاً يعطيهم إيّاه.

النازح العراقيّ متمرّس بالنزوح. فالكرديّ سبق أن تعرّض لهذه التجربة، وكذلك الشيعيّ، وقبلهما المسيحيّ الأشوريّ. أمّا اليوم فباتت التجربة شاملة. وهي، في سوريّة، تضرب السنّة العرب أساساً من دون أن تستثني أحداً… لقد عُمّمت الحالة الفلسطينيّة وضُخّمت، هي التي بدت لنا ذات مرّة استثنائيّة لا تتكرّر، أو أنّ الغرباء الآتين من خلف البحار هم وحدهم الذين يرتكبونها.

هذه الموجة الهائلة قد تفضي إلى فوضى عارمة، وقد تؤدّي إلى خلطات سكّانيّة جديدة ليس هناك اليوم من يملك صورة عنها. لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه، فيما يواجهنا هذا التحوّل الهيوليّ: لماذا استطاعت إسرائيل التي تشكّلَ سكّانها من أطراف الأرض الواسعة، هم الذين ينقسمون إلى خمسة أخماس متمايزة، أن تتجنّب هذا الخيار المُرّ؟

لنتواضع قليلاً، ونحاول الإجابة عن هذا السؤال الحارق.

الحياة

 

 

 

 

عام البغدادي!/ الياس حرفوش

مهما حاولنا الابتعاد من هذه الحقيقة، وإغماض عيوننا خجلاً، لا نستطيع سوى أن نعترف بأن العام الذي ينقضي سيسجَّل في تاريخ العرب على انه عام أبو بكر البغدادي و «دولته الإسلامية». هي مأساة حقاً أن تكون هذه الصورة السوداء هي التي تبقى من «إنجازات» 2014 في الحقل العربي، لكن سواد الصورة لا يلغي الواقع. على أرض أهم حاضرتين من حواضر العرب التاريخية، ومن حلب السورية الى الفلوجة العراقية، يتمدد «داعش» فارضاً سلطة «دواوينه» وقوانينها على ملايين البشر، الذين نجوا من مدافع دباباته وسكاكين جزاريه ومن مآسي التهجير التي خلفتها قواته حيثما حلّت.

صحيح أن «داعش» فشل إلى الآن في استعادة السيطرة على عاصمة العباسيين، على الرغم من سقوط الموصل سريعاً في يده في أواخر حزيران (يونيو) الماضي. وصحيح أيضاً أن تقدم «داعش» في عين العرب اصبح بطيئاً، ولم تعد سيطرته على المدينة الكردية مضمونة كما كان الحال عندما باشر هجومه عليها، لكن هذا لا يلغي أن التنظيم لا يزال قائماً ولا تصحّ الاستهانة بنفوذه على الأرض التي تتواجد قواته فيها، ولا بحال الرعب التي ينشرها بين أتباعه وخصومه على السواء، كما لا يمكن تجاهل ارتدادات ما يمكن أن نسميه «حالة داعش» بين الجاليات المسلمة في الدول الغربية، والتي تدفع بفتيان وشباب من هذه الجاليات الى مغادرة هذه الدول للالتحاق بجيش «الدولة الإسلامية».

سوف يتوقف كثيرون من مؤرخي المستقبل عند هذه الظاهرة الخطيرة التي تعمل على العودة بمجتمعاتنا وبثقافتنا إلى عصور سحيقة، كما تعمل على إسقاط حدود الدول والكيانات الوطنية تحت ذرائع واهية، بحجة فساد أنظمة الحكم فيها أو فشل هذه الكيانات في حماية مصالح مواطنيها. لكن التاريخ سيتذكر أيضاً الظروف التي رافقت قيام هذا التنظيم الإرهابي وانتشاره في سورية والعراق، واستغلاله مناخ النقمة العارمة في البلدين على نظامي نوري المالكي وبشار الأسد.

لم يكن قيام «داعش» مسألة حتمية. إنها ردة فعل، ومثل كل ردات الفعل لا بد للمعالجة من العودة إلى الأسباب. لا بد من النظر إلى إمعان نوري المالكي ومن وراءه في الهيمنة والتسلط واستئثار فريقه بمغانم الحكم، وما أدى إليه من معاداة فريق كبير من السنّة العراقيين لمشروع الدولة الوطنية. كذلك الحال في سورية، التي تحولت نتيجة سياسات الأسد وارتكابات مسلحيه وجرائم عصاباته إلى مشروع إيراني للهيمنة والتمدد في قلب العالم العربي.

لقد شجعت السياسات المذهبية الإيرانية في مناطق نفوذها، من العراق وسورية وصولاً إلى لبنان واليمن، على قيام حالات مذهبية متطرفة من الجهة الأخرى، هي الحالات التي يسعى تنظيم «داعش» لاستغلالها في عملية الاستقطاب التي يقوم بها بين جيل من الشباب يرفض الهيمنة الإيرانية في بلاده، ولا يرى في الوقت ذاته أن نظامه القائم يوفر رداً مناسباً عليها.

بسياساتها هذه نجحت إيران في تقديم صورة قاتمة عن القوى التي تقف في وجهها، وبفضل هذه السياسة أيضاً نجحت إيران في دخول شراكة في الحرب على الإرهاب مع «الشيطان الأكبر» الذي كان الى وقت قريب يعتبر نظام طهران «داعماً للإرهاب». هكذا لم يعد الغزل المتبادل بين الجانبين مستهجناً، كما سمعنا على لسان الرئيس الأميركي باراك أوباما في حديثه الاذاعي الأخير الذي دعا فيه طهران إلى الاستفادة من هذه الفرصة «للتصالح مع العالم»، كما اعتبر أن التوصل الى اتفاق حول ملفها النووي يسمح لها بأن تصبح «قوة إقليمية ناجحة للغاية».

بحجم الصورة السوداء التي تبقى عن العالم العربي في عام 2014، بنتيجة ارتكابات «داعش» وجرائمه، تقف إيران في صف المستفيدين من هذه الفرصة. لقد ساهمت سياساتها في التفكك الذي يضرب العالم العربي ويقسّم مجتمعاته الى كيانات مذهبية متناحرة. وها هي اليوم تتفاوض مع أعدائها السابقين على حصتها من تلك الكيانات.

الحياة

 

 

 

“داعش” في2015: الهروب الى سورية؟/ جويس كرم

صعود “داعش” كان الحدث الأبرز لهذا العام على المستوى الدولي والإقليمي. فمن سقوط الموصل الى خروج رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الى تشكيل تحالف دولي وجه حتى اليوم أكثر من 1200 ضربة جوية في العراق وسورية، تحول التنظيم الى التهديد الأكبر لأمن المنطقة في رأي المسؤولين الأميركيين، وبقدرة قتالية وعسكرية وعددية تفوق تنظيم “القاعدة”.

2014 كان عام “انتصارات داعش” بدمويتها ووحشيتها، من الرقة الى الموصل حيث أعدم رهائن وارتكب مجازر بحق مدنيين وسبى نساء وقضى على مستقبل أطفال، لبسط سلطته على أكبر كم ممكن من الاراضي والاستيلاء على مصافي النفط. فعل ذلك مستفيدا من تهميش حكم المالكي للسنة والأكراد في العراق، وغض نظام الأسد النظر عنه وأحيانا التواطؤ غير المباشر معه بضرب المعارضة السورية. انجازات “داعش” كانت خاطفة في سرعتها ومرعبة في أساليبها، غير أن معظم المؤشرات بعد أربعة أشهر من الضربات والتحولات في الساحة العراقية تعكس هشاشة مكاسبه وصعوبة الحفاظ عليها في العام المقبل، وتطرح فرضية إمكان هروبه في اتجاه سورية، الملاذ العسكري والسياسي الأكثر أمانا له.

مؤشرات التراجع بدت في خطاب “داعش” نهاية العام، وتحويله النظر عن خسائره في العراق وفي صفوف قياداته بالحديث عن اصدار عملة ذهبية، بينما هو عاجز عن ضمان أقل متطلبات الحياة في مناطق سيطرته. وتكشف صحيفة “واشنطن بوست” ان شح مياه الشرب وتعطل الصرف الصحي وتعطيل المنهج الدراسي تطبع مناطق التنظيم.

وتشير الصحيفة الى أزمة يعانيها التنظيم في حكم الرقة والموصل بعد تدمير الضربات الجوية عددا من مصافيه، واغتيال عدد من قيادييه، كان آخرهم “حاكم” الموصل حسن الجبوري، وتذمر الأهالي من قلة الموارد. فتعطيل المدارس والجامعات، واثارة الذعر في نفوس السكان بالاعدامات، لا يعبر عن دولة واثقة في حكمها او سلطتها.

وتتحدث “فايننشال تايمز” عن صعوبات تواجه مقاتلي “داعش” الأجانب في تحصيل رقائق البطاطا “برينغلز” ومشروب “ردبول” التي يحلو لهم تناولها أكثر من الأكل السوري والعراقي التقليدي.

دولة “داعش” الفضفاضة هي أقرب الى دولة على “يوتيوب”، وتصطدم على أرض الواقع بنفايات مكدسة تنتظر من يجمعها وأمراض بحاجة الى من يعالجها. فأي دولة ترهن قوت أهاليها بسوق سوداء يعتمد على بيع النفط سراً الى رجال أعمال وأنظمة دول عدوة وصديقة؟

زخم “داعش” الإعلامي ونجاحه منوط بعدد الرؤوس التي يقطعها وإطلاق شعارات وتهديدات في مجلة “دابق” على الانترنت ضد باراك اوباما وديفيد كاميرون من دون ان يسقط ايا من طائراتهم، وفيما العراقيون والسوريون الضحايا على الارض.

سياسيا، يزيد المشهد العراقي من التعقيدات امام “داعش”، مع خسارته عددا من القرى والقيادات، وعمل التحالف والحكومة العراقية على تشكيل قوة “حرس وطني” من القبائل استعدادا لمعركة الحسم في الموصل. رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي وبحسب مسؤولين أميركيين يعمل على تصحيح العلاقة مع دول إقليمية بينها تركيا والإمارات والسعودية التي زارها اخيراً.

وبالنظر الى داعش نفسه، فان التحالف الذي يستمد قوته منه قد يتفكك أمام الضغوط العسكرية والخلافات الأيديولوجية. فما الذي يجمع قيادات عسكرية بعثية من عهد صدام حسين بمقاتلين أجانب بعضهم اعتنق الاسلام حديثا ويبحث عن مغامرة استشراقية وقتالية ورومانسية في الشرق.

المؤشر الوحيد الذي يلعب لمصلحة داعش هو تأخر الحل السياسي في سورية وجمود مساعيه هناك بشكل لا ينبئ بمرحلة انتقالية قريبة. وهذا يعزز نظرية انتقال التنظيم الى سورية العام المقبل، مع ازدياد الضربات في العراق، وتأكيد أوباما بشكل صريح بأن الاولوية لبغداد، وأن ادارته لا تسعى حاليا الى حل نهائي لحرب سورية او لزيادة الدور الاميركي هناك.

الحياة

 

 

 

 

رؤى لبنانية سورية واحدة/ ساطع نورالدين

بانتظار معركة دمشق الكبرى المرتقبة في العام 2015 بين النظام السوري وبين داعش، والتي تعجّلها المبادرة الروسية بدل ان تستبقها وتتجنبها، فان لبنان سيكون في الاشهر ال12 المقبلة شاهدا على تعايش فريد بين انهيار الامن واضطراب السياسة، وبين ازدهار الاقتصاد وتحسن المعيشة.. على غرار ما كان يحصل دائما في الحروب والازمات الكبرى التي مر بها وترافقت مع فيض من الاستثمارات والمساعدات.

المبادرة الروسية في شكلها الحالي وفي اهدافها المحددة، هي أقرب الى طرفة، ميزتها الوحيدة انها ستكشف ذلك التحول الهائل الذي انتجته الثورة السورية في اعوامها الاربعة الماضية، حيث تساقط الثوار الاوائل، المدنيين والعسكريين على حد سواء، وتساقطت مؤسساتهم وتشكيلاتهم الواحدة تلو الاخرى، وظهر جيل جديد من المحاربين الاسلاميين، المعتدلين والمتطرفين وطبعا المعتوهين، الذين ورثوا جبهات القتال ومقاعد التفاوض، باستثناء تلك المقترحة من قبل موسكو، وباتوا نجوم المشهد السوري وصنّاعه الوحيدين.

لن تكون المبادرة الروسية مسلية ابدا، لانها ستؤدي الى المزيد من التوتر والتصلب من جانب النظام الذي سيظن انه بات قاب قوسين او ادنى من الانتصار واعادة المعارضين المدعوين الى موسكو الى حضن الوطن، او الى بعض حقائب الحكومة الجاهزة لهم، على نحو ما فكر في خريف العام 2011، ويكون الله قد عفا عن سقوط ربع مليون قتيل ومليون جريح وعشرة ملايين نازح.. وهو ما لا يمكن ان يغفره الخليفة ابو بكر البغدادي، ولا العشرات بل المئات من الامراء والشيوخ الذين يحكمون الارض السورية على امتدادها بشرع الله وقصاصه.

في ظل هذه التحولات السورية الخطرة، سيكون اقرب الى الجنون التنبوء بانه يمكن ان تتاح للبنانيين فرصة انتخاب رئيس جديد للجمهورية، باعتباره العنوان الرئيسي لاعادة بناء الدولة واحياء الثقة بمؤسساتها، السياسية المفرغة من محتواها، والعسكرية والامنية المتهالكة التي تواجه تحديات يومية متزايدة، لا تؤهلها للصمود طويلا، اذا ما تفككت حاضنتها الشعبية واهتز شبه الاجماع الذي تحظى به حتى الان. عندها يمكن ان تضيع بسهولة المليارات السعودية الاربعة، وتسقط السلطة كلها امام ذلك الزحف الاسلامي المتقدم من خلف الجبال الشرقية.

الحوارات الداخلية التي انطلقت في الاونة الاخيرة وستستمر في العام المقبل، هي أشبه بالمبادرة الروسية، بل لعلها صدى لها، وبالتالي ستفشل معها: هي تدور بين خصوم سياسيين يفقدون الشرعية والشعبية، يتكاذبون الى حدود مثيرة للسخرية. والاسوأ ان ثمن فشلهم، المحتوم، سيكون باهظاً في السياسة كما في الامن. والتجربة الاولى بين “التيارين”لا تشي بالعكس، ولا تعد بما هو اكثر من الترفيه، ولا تتعهد باحتواء اي شقاق او خلاف، ولا باستيعاب اي من المتربصين بالمتحاورين.

لكن هذه الصورة البائسة تصبح هامشية الى حد ما، عندما يتراءى ان الوضع الاقتصادي اللبناني يتجه نحو المزيد من التحسن. انهيار اسعار النفط والغاز- الذي يتعامل معه بعض اللبنانيين باعتباره كارثة!- هو في الواقع هبة من السماء، تخفف الاعباء المعيشية على الغالبية الساحقة من اللبنانيين، كما تحد من الخسائر المالية على الدولة اللبنانية، الناجمة أساساً عن فواتير الطاقة المرهقة، وتزيح عن كاهل الطبقة السياسية   مسؤولية العجز عن التوصل الى تفاهم على استثمار مخزون النفط والغاز اللبناني الموجود في قعر البحر.. والذي فقد جدواه التجارية حالياً، وبات بمثابة ثروة مرصودة للاجيال اللبنانية المقبلة؟

.. لكنها فقط النظرة الاولى على الكرة البلورية، التي يحلو التدقيق بها في مثل هذه الايام، برغم ان الاسد أوقف الزمن، وبرغم أن البغدادي أعلن الهجرة.. وأصبح الرجلان من علامات الساعة التي تنذر السوريين واللبنانيين معا، في عامهم الميلادي الجديد.

المدن

 

 

 

ثورة فقدت روحها/ موناليزا فريحة

كثيرة هي الامثلة عبر التاريخ عن ثورات لفظت ثوارها الاوائل أو انقلبت عليهم الا أن قلة قليلة جداً من الثورات عرفت هذه التحولات بالسرعة والقسوة اللتين شهدتهما الثورة في سوريا.

الثورة السورية التي تكمل سنتها الرابعة قريبا أخفقت حتى الان في تحقيق هدفها الرئيسي باستبدال نظام مستبد بدولة ديموقراطية غير طائفية، الا أن خسارتها الكبرى تكمن في فقدانها لا شعاراتها الاولى فحسب، إنما أيضاً أكثر شبابها الاوائل الذين زرعوا الامل بالتغيير في نفوس الشعب السوري والشعوب التواقة الى الحرية.فمن لم يقتل من شباب الثورة على ايدي قوات النظام وميليشياته أو دك في سجونه، قضى برصاص المجموعات المسلحة وسواطيرها، أو اختفى أثره في دهاليزها أو اكتفى بالجلوس على الحياد.

في سنتها الرابعة، خسرت الثورة روحها. صارت “الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة” وجهها البشع. الغرباء استباحوا المدن العتيقة ونصّبوا انفسهم اسيادا على سكانها، حفنة من الشعوب سرقت احلام الشباب بالحرية وفرضت عليهم كوابيسها الطائفية. أمراء حرب سوريون وغرباء يتقاسمون ساحة المعركة مع النظام وسط خيبة كبيرة لاولئك الذين جازفوا بحياتهم وكل ما لديهم في سبيل دولة حلموا بها طويلا وصارت اليوم أبعد من أي وقت مضى.

مجموعات متطرفة تتقاتل في ما بينها:”داعش” تحارب “النصرة”، و”النصرة” تقاتل “أحرار الشام”، و”جيش الاسلام” يتعارك مع “جيش الامة”، والكل يحارب الكل في حرب عبثية تزداد فوضوية وتهدد بتحويل سوريا بركانا من الحقد الطائفي يقذف حممه في كل الاتجاهات.

في شمال البلاد حيث حققت الثورة انتصاراتها الاولى، يضطر أفراد “الجيش السوري الحر” أو ما تبقى منه للعمل تحت مظلة الجماعات المتشددة أو البقاء في الخفاء أو الفرار الى تركيا.لم يعد للشباب الذين كانوا أول من رفع شعار اسقاط النظام، مكان على الارض،بعدما تحولت المنطقة امارات طائفية بامتياز. صارت ” النصرة” السيد المطلق، ولا فصيل مسلحا قادر على التحرك من دون إذنها. وفيما يحتفظ المقاتلون غير المنتمين الى منظمات جهادية ببعض الحرية على الجبهة الجنوبية، فانهم مدينون لـ”النصرة” بأكثر المكاسب التي حققوها أخيرا.فلولا العمليات الانتحارية للجبهة، لما كانوا استطاعوا اختراق دفاعات النظام.

… كانت 2014 سنة قاسية جدا على ثورة سوريا. فيها أطلق النظام والجهاديون معا رصاصة الرحمة على حلم التغيير. الساحة باتت خالية لقوات الاسد وحلفائه في جبهة وللجهاديين في جبهة ثانية.وإذا كان “أًصدقاء الشعب السوري” سعوا حقا الى ارساء هذه المعادلة الجديدة لابقاء الاسد في السلطة (اللازمة الجديدة التي ترددها المعارضة السورية في المنفى) فيخشى أن تكون سوريا مقبلة في 2015 على حرب افناء ضارية لن توقفها لا اتفاقات جنيف ولا مبادرات دوميستورا ولا أفكار موسكو.

النهار

 

 

 

العام الإيراني.. سوريًا/ عبد الرحمن الراشد

نحن ندخل على عام يحمل معه ملفات الحروب الإقليمية، وتبقى القضية السورية هي قلب الأزمات التي تضخ الخطر إلى بقية المناطق. السبب ليس في النزاع بين الطرفين السوريين، الحكومة والمعارضة، بل لأنه صراع بين دول الشرق الأوسط. فإن نجح الإيرانيون في الإبقاء على النظام برئيسه بشار الأسد، سيكونون قد حققوا عمليا الاستيلاء على العراق وسوريا ولبنان. سوريا هي مفتاح أمن العراق. وتبعا لذلك، تكون إيران قد نجحت في فرض وجودها على منطقة الخليج، ومن الطبيعي أن تعترف الولايات المتحدة بالواقع الإقليمي الجديد، الذي يكون قد غير ميزان القوى القديم، الذي دام لعقود في المنطقة.

والمثير أن انتصار الإيرانيين لن يتم من خلال المعارك العسكرية على الأرض، بل عبر المناورات السياسية. أما ميدانيا، فإن حليفهم، الأسد، لا يزال منذ سنتين محاصرا في العاصمة دمشق، ولا يبسط سلطته إلا على ثلث سوريا، وفي العراق وضع السلطة المركزية ضعيف، ومحكوم بدعم داخلي وخارجي.

أما كيف يمكن لإيران أن تفلح سياسيا فيما فشلت فيه عسكريا، فإنه يعود إلى مشروع دبلوماسي من مناورتين؛ الأولى: إقناع الغرب بأنها تستطيع أن تواجه الجماعات المتمردة، مثل «داعش» في سوريا والعراق، وها هي إيران تشارك لأول مرة في تاريخ الجمهورية في القتال جنبا إلى جنب مع القوات الأميركية، في قصف مواقع «داعش»، وتقاتل بقوات وخبراء عسكريين على الأرض أيضا في سوريا والعراق. وهذا التطور الإيراني يحدث نتيجة التلكؤ الخليجي والغياب المصري.

والثانية: إقناع العرب البعيدين عن النزاع السوري، مثل مصر، بحلول سياسية، في واقعها تدفع الخليجيين للاعتراف بهزيمتهم في مواجهة النظام الإيراني في سوريا، الذي لا يزال يمثله الأسد منذ تسلمه الحكم بعد أبيه في عام 2001؛ مصر، لأنها انشغلت بثورتها بقيت بعيدة عن النزاع، وتبنت منذ البداية موقفا سلبيا من أحداث سوريا، في فترتي حكم «الإخوان» برئاسة محمد مرسي، وكذلك تحت إدارة حكومة عبد الفتاح السيسي الحالية. وقد حاول النظام السوري مغازلة المصريين لسنوات، مخترعا رواية أن هناك مؤامرة على الجيوش العربية، محاولا دغدغة الاعتزاز المصري بقواته المسلحة، وكلنا نعرف أن هناك فارقا شاسعا بين المؤسستين العسكرية المصرية والسورية؛ فالثانية تمثل طائفة صغيرة، وتستخدم الأمن والجيش لهذا الغرض. وقد أكمل الروس الدور بمحاولة تسويق المشروع الإيراني تشكيل حكومة تضم معارضين، وتبقى تحت رئاسة الأسد. عمليا، مجرد ديكور للنظام كما كان، وكما هو الآن!

وبالنسبة للمصريين، فلا يرون الخطر الإيراني يهددهم مباشرة، إلا من خلال منظور توازن النفوذ والمصالح الإقليمية. وأنا واثق، لو أن نظام مبارك قائم اليوم، لكانت مصر أكثر تشددا في إقصاء الأسد، ودعم الثورة السورية، لأنه كان رأس الحربة الإيراني الذي صارع مصر في غزة والضفة الغربية، ودعم «الإخوان». الحكومة المصرية الحالية إما أنها لا تبالي كثيرا بالعالم كيف يتشكل خارج حدودها، وإما أنها لا تفهمه، أو تختصر في ردود فعلها فقط على معاركها المؤقتة، مثل خلافها مع تركيا.

من وجهة نظري، يبقى الانجرار وراء مشروع المصالحة السورية المبني على إبقاء النظام دون تنازلات حقيقية، خطأ كبيرا، سيمكن الإيرانيين من العراق فورا، ومن الخليج لاحقا. وهو أمر ستقبل به الولايات المتحدة، لأنه يصب في مفهوم رؤيتها الجديدة، بالتعامل مع أي واقع جديد سيتشكل في منطقة الشرق الأوسط، والتحلل من التزاماتها الإقليمية السابقة. أما الروس فإنهم يلعبون الدور المساند لإيران وسوريا، كما كانوا، وسيدعمون الفوضى في المنطقة، لأنها في معظمها منطقة مصالح لأوروبا الغربية والولايات المتحدة. وفي رأيي، أيضا، سوريا لن تستقر بحل سياسي لا يحسم عسكريا الوضع على الأرض، وسيطول نتيجة إصرار إيران على دعم الأسد، من جهة، ومن جهة أخرى بسبب دعم الأتراك جماعات مسلحة سيئة، مثل «جبهة النصرة»، خارج مشروع المعارضة المدني الذي يمثله الائتلاف، بطوائف وأعراق السوريين كلهم. والأرجح أن الأتراك سيغيرون موقفهم بعد أن يكون الوقت قد فات، وهم بدعمهم الجماعات المتطرفة يعززون وضع الأسد دوليا، ويلمعون صفحة النظام الإيراني.

الشرق الأوسط

 

 

 

 

أكثر أمناً… مع البغدادي!/ زهير قصيباتي

الإسبان أولاً… بدأوا العام 2015 قبل 24 ساعة من موعده، كأنهم يستعجلون الخلاص من سنة كئيبة، بسبب ضيق أحوالهم المعيشية، وخواء جيوبهم.

بالمقارنة، ماذا عسانا نقول، نحن العرب، مسلمين ومسيحيين؟

قبل رأس السنة، ودّعنا باراك أوباما، أو ودّع 2014 بفيتو على مشروع قرار فلسطيني، يحدد موعداً لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي. هدية مسمومة وإن كانت الأسباب معروفة، على خطى كل رئيس أميركي، ديموقراطي أو جمهوري. الأدهى أن يسخر أوباما من عقول الجميع، وهو يعلن مع إنهاء المهمات الحربية للحلف الأطلسي في أفغانستان، أن العالم أصبح أكثر أمناً، والولايات المتحدة باتت آمنة.

سقطت سهواً من ذاكرة الرئيس الأميركي حملة التفجيرات التي تكثّفها حركة «طالبان» في قلب كابول، وسقطت بهفوة مذبحة التلاميذ في بيشاور، وباتت حرب «داعش» على المسلمين والمسيحيين والإيزيديين، حدثاً يومياً عابراً في العراق وسورية، لا يستحق الذكر لدى أوباما… فطائرات التحالف تؤدي مهمتها في تعقّب الأجيال الجديدة من «القاعدة»، وكفى.

العالم «أكثر أمناً»، والدليل القتل اليومي في أفغانستان وباكستان، واليمن وسورية والعراق وليبيا… والدليل مسلسل الإبادات للسوريين الذي تعتبره موسكو بكل راحة بال، مجرد «أزمة»، وتكتفي واشنطن بكلام بائس للتنديد به.

ينام العربي على وسائد الاستقرار والهناء، لأن لديه فرص العمل والحريات والرخاء، والحق في محاسبة المسؤولين والمفسدين، ومحاكمة المافيات واستبدال الحاكم، ومساءلة الأحزاب ورجال الدين الذين يركبون موجات التطرف لانتزاع مكاسب، ولو بتضليل المتدينين والمتحزّبين.

لا يفكر العربي في ركوب قوارب الموت للهجرة، فالرغيف رفاهية، والأمن في أبهى عصوره… مجرد براميل متفجّرة لتأديب «حاضنات» المعارضين والثوار، من حين إلى آخر، وسيارات مفخخة وقنص وقذائف مدفعية على المنازل… ملايين النازحين من سورية، مئات الألوف هُجِّروا في العراق.

لا صراعات طائفية ولا مذهبية ولا عشائرية، كل الجمهوريات العربية تتسابق على صناديق الاقتراع، لتداول السلطة، والاحتكام إلى الحوار وحرية القرار، لا البطش والإقصاء وسلاح الخراب الشامل.

لماذا «داعش» إذاً؟ نجم 2014 لم يأتِ من كوكب آخر، سيأتي مَنْ يصنّف الأمة بأنها فاشلة، ارتكزت ردحاً مديداً على إنتاج الكلام، واستهلاك المؤامرات والانقلابات، وبعدها اقتسام الدولة مغانم وحصصاً… حكومات راهنت طويلاً على تهجير الشباب للتخلص من عبء إنتاج فرص العمل والإبداع. وبين مرحلتي تكفير الشباب وتضليلهم، عقود من الزمن هي الفارق بين السلطة المستبدّة ودولة «الخلافة» المُخادِعة. في كلتا المرحلتين، وقود المعركة والحرب هو جيل الإنتاج والإبداع الذي يدفع الثمن باهظاً.

العالم أكثر أمناً؟… من بنغازي إلى طبرق ودرنة، ومن حلب إلى درعا وعين العرب، وصنعاء وعدن وإب، ومن الموصل إلى الأنبار وكربلاء، لا يرفّ لأوباما جفن، هو يشمئز فقط، و «إيبولا» داعش لم يضرب في الولايات المتحدة. على العرب أن يقتلعوا أشواكهم بأيديهم، وما على واشنطن سوى أن تقبض فاتورة التسليح والتدريب.

نودّع 2014 بفائض الأمن من المشرق إلى المغرب، ومشاهد الخراب من اليمن السعيد إلى «قلب العروبة النابض»، باتت مجرد صُوَر عابرة. أما أولئك السوريون الذين أصبحوا لاجئين في الأوروغواي، فإنما يذهبون للسياحة في وقت ضائع، بعدما سئموا فائض الاستقرار والرفاه في بلادهم. في مشهد آخر من العام المنصرم بكل سواده، يتبرّع أوباما بنفقات رحلة للعرب، من غوانتانامو إلى كازاخستان… مكافأة لصبرهم على اعتقالهم 11 سنة من دون تهمة ولا محاكمة.

في مشهد ثالث لنعيم العرب، يضرب إيبولا الفساد لبنان، يتطوّع مَن في السلطة لحماية اللبنانيين في مرحلة ضياع جمهوريتهم… الفساد لم يستثنِ الماء والرغيف، بعد العقول، المافيات غول أخطر من الحروب الأهلية، جيش بلا جنسية.

آفة ليست حكراً على اللبنانيين، في بلد ضاعت حدوده أيضاً بين ضربات الحرب السورية وعواصف اللجوء، وأنواء الرياح المذهبية.

لروسيا مثلاً حصة، مع فسادٍ ضخّم ثروات خيالية، قبل فرض العقوبات الغربية. وفي أميركا يفتخر سيناتور سابق (الديموقراطي مايك غرافل) بإعلان خططه لترؤس شركة تسوّق الحشيشة، لأسباب طبية و «ترفيهية».

2014 هو عام أبو بكر البغدادي وأوباما وفلاديمير بوتين وخامنئي. كلهم «مرشد» على طريقته، أوباما يغازل طهران، وخامنئي يغازل واشنطن، كلاهما يستفز العرب ومصالحهم، وجاهز لإقصائها منذ سنوات.

الرئيس الأميركي يتفهّم إيران أكثر، العرب منهمكون يتجرعون كأس «داعش»، وضجيج الحروب يحجب دبيب النظام الإقليمي- الإيراني الذي ما زال بلا شهادة ميلاد رسمية.

الحياة

 

 

 

عام إيران/ حـازم الأميـن

في موازاة الذهول الذي خلّفته “داعش” جرّاء طوفانها في العام 2014 على عالمنا وإقليمنا ونسائنا وأقلياتنا، ثمة ذهول موازٍ لم يُتح له أن يُسجل لأسباب كثيرة. إنه طوفان الإمبراطورية الإيرانية الخمينية.

وهو طوفان يفوق طوفان “داعش” لجهة المساحة التي اقتطعها. لبنان في المنطقة المباشرة للنفوذ الايراني، وفي سورية انتقلت السلطة من حزب البعث إلى الحرس الثوري الإيراني، وفي العراق يُشكل قاسم سليماني رأس حربة مواجهات الجيش العراقي مع “داعش”، أما في اليمن فقد أحكمت الذراع اليمنية للحرس الثوري الإيراني، أي جماعة الحوثيين، السيطرة على العاصمة صنعاء وهم بصدد المزيد من التمدد.

ويُمكن والحال هذه أن يحمل العام 2015 “فتحاً” جديداً لهذه الامبراطورية الناشئة، فقد أعلن الأميركيون نهاية عملياتهم العسكرية في أفغانستان، ولإيران حدود طويلة مع أفغانستان، لكن لها أيضاً ذراع مذهبية في تلك الدولة، هي جماعة الهزارة، وهي من الأقليات الكبرى في أفغانستان، وتنتشر على مساحة جغرافية واسعة تصل إلى قلب العاصمة كابول.

ومن المرجح أن يعني انسحاب واشنطن من أفغانستان لايران ما عناه لها انسحابها من العراق، أي المباشرة في قضم تلك الدولة التي ربما لن تكون سهلة لكنها ممكنة في ظل ضعف الهوية وتبعثرها بين الأقوام والجماعات. مع العلم أن باكستان النووية والجارة السنّية الكبرى لأفغانستان ربما تعاملت مع الطموحات الايرانية على نحو ما تعاملت تركيا (الجارة السنية الكبرى للعراق) مع استحواذ طهران على بغداد، أي بتململ تقتصر أصداؤه على منافسة غير متكافئة بين الإندفاعة الايرانية والحذر التركي.

نعم عام 2014 ومثلما هو عام “داعش” هو أيضاً عام الامبراطورية الإيرانية. فطهران تُفاوض واشنطن وتُقايض الملفات، وتتقدم على مختلف المحاور. ربما (لا بل من المرجح) أن تستعيد هذه السنة (2015) حماس من الدوحة وأنقرة، وهي إذ تُمسك بـ”المقاومات الاسلامية والبعثية والفلسطينية” تحوز على إعجاب واضح من تل أبيب، ولا يُضيرها هذا الإعجاب. وهي أيضاً اذ تمنع انتخاب رئيس للجمهورية في لبنان قبل أن تدفع واشنطن ثمنه في ملفات أخرى، تُهدي الأكراد في العراق، وهم آخر حلفاء واشنطن، سلاحاً وجنوداً وخبراء.

من المؤكد أن ثمة مجازفة في هذا التوسع، ذاك أن امبراطورية فئوية ولا تحمل لمُستَعمَريها وعوداً بشيء غير احتلالهم، لن يدوم نفوذها طويلاً. فزمن الامبراطوريات أفل مع انهيار آخرها، أي الامبراطورية السوفياتية، وعندما كشف فلاديمير بوتين عن رغبات في معاودة المحاولة لقنه العالم في نهاية عام 2014 درساً لن ينساه. وإيران أقل قدرة وكفاءة من روسيا البوتينية.

كل هذا لا يمنع من القول إن عام 2014 كان أيضاً عام الامبراطورية الإيرانية.

موقع لبنان ناو

 

 

 

إيران والوقاحة الإمبرياليّة/ حازم صاغية

الأخبار التي تطالعنا، مع انتهاء عام وبدء عام جديد، يتصدّرها الإعلان عن تجديد الوقاحة الإيرانيّة وتزخيمها في التعبير عن الطموحات الإمبرياليّة لطهران. والحال أنّ الإمبرياليّة كثيراً ما تتكتّم على أطماعها، محاولةً التركيز على ما يجمعها بالآخرين، أو على خدمة أغراض نبيلة وإنسانيّة مشتركة. ومن هذا القبيل، مثلاً، نرى الرئيس “المعتدل” حسن روحاني يحاول أن يتواضع فيؤكّد على “عدم الحاجة إلى تواجد أيّ قوّة أجنبيّة في المنطقة مهما كانت الذرائع، وأنّ إيران تستطيع إلى جانب دول المنطقة الدفاع بصورة جيّدة عن أراضيها وعن المنطقة”. لكنْ حتّى روحاني، الذي كان يلقي خطابه على متن مدمّرة “جماران”، أثناء استعراضه وحدات القوّات الجويّة والبحريّة الإيرانيّة المشاركة في مناورات “محمّد رسول الله”، لا يلبث أن يجافي التواضع، معبّراً عن ابتهاجه بأن “الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة قادرة اليوم على حيازة وبناء أقوى خطوط دفاعيّة في الخليج وبحر عُمان والمحيط الهنديّ”.

 

بيد أنّ الوقاحة التي لا مواربة فيها، ولا حاجة إلى تزويقها، هي ما تنضح به كلمات نائب القائد العامّ لقوّات الحرس الثوريّ الإيرانيّ، اللواء حسين سلامي، الذي اعتبر أنّ الحلفاء يتّخذون “الثورة الإسلاميّة والباسيج (التعبئة الشعبيّة) نموذجاً” لهم، مؤكّداً أنّ طهران “تساهم في صوغ نظام سياسيّ وأمنيّ جديد” في عموم المنطقة.

ولم يقف السيّد سلامي عند هذا الحدّ، بل مضى متحدّثاً عن البلدان العربيّة بلداً بلداً وكأنّه يعدّد الأملاك العسكريّة لبلاده فيها، كما يعيّن الوظائف والمهمّات التي أوكلتها إليها. فهو يعدّد بالحرف مفاخراً بإنجازاته: “العراق يملك حاليّاً جيشاً يستند إلى القاعدة الشعبيّة، وهو أكبر بعشرات المرّات من حزب الله اللبنانيّ من حيث العديد، وقريب من تعاليم الثورة الإسلاميّة”. أمّا سوريّا فـ “هي الأخری تملك جيشاً شعبيّاً يرتبط بالثورة الإسلاميّة ويستند إلى نموذج الباسيج”. ويتابع سلامي: “في اليمن، هناك تنظيم أنصار الله الذي يستلهم مفاهيم الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة”، وكذلك “هناك الجماعات الجهاديّة الفلسطينيّة، وهي في مواجهة مستمرّة مع الكيان الصهيونيّ”.

وعلى عكس رئيسه روحاني، الذي يحاول التحايل والتمويه، فإنّ سلامي في غاية الصراحة والشفافيّة. فهو يرى أنّ “الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة اليوم لا تعمل على نشر الثقافة التي توقظ أذهان العالم الإسلاميّ وتنمّيها فحسب، بل تعمل على تفعيل المواجهة التي سحبت البساط من تحت (أقدام) القوی الأجنبيّة في المنطقة”، ولا ينسى التذكير بأنّ هذه الأخيرة “ما زالت تبحث عن نظام سياسيّ وأمنيّ جديد” فيما “الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة تساهم في إنتاج هذا النظام”.

لا شكّ أنّ هذه اللغة التي تجهر بإعلان طبيعتها التوسّعيّة والإمبرياليّة تراهن على مخاطبة الولايات المتّحدة الأمريكيّة بطريقة تختلف عن طريقة المخاطبة التي يعتمدها روحاني. فعند سلامي ومن يمثّلهم، ليس المطلوب مجرّد تجميع للأوراق التفاوضيّة الكثيرة، بل أيضاً تأميم تلك الأوراق وتملّكها بشكل كامل، بما يلغي دور القوى المحلّيّة الصغرى تماماً. وهذا فضلاً عن إسباغ الابتزاز بالقوّة العسكريّة المحض على هذه الأوراق المملوكة حصريّاً.

وما من شكّ في أنّ أحداثاً كثيرة تجري اليوم تشجّع ساسة إيران على المضيّ في طريق الوقاحة هذه. فإلى السخاء الأمريكيّ والغربيّ حيال طهران، تجهد روسيا إلى توسيع دورها في الموضوع السوريّ، من خلال “الحوار” الذي تهدّد برعايته، ويطلب الرئيس اليمنيّ عبد ربّه منصور هادي وساطة العُمانيّين معها علّها تُقنع الحوثيّين بتسهيل مهامّه.

لكنْ، وفي الحالات جميعاً، يبقى الأهمّ وجود عراقيّين وسوريّين ولبنانيّين وفلسطينيّين ويمنيّين يرضون بأن يتحدّث الإيرانيّون بالنيابة عنهم في ما خصّ بلدانهم وشؤونهم. هنا يكمن السرّ الأعمق وراء الوقاحة الإمبرياليّة.

موقع 24

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هل انتهت المغامرة الإمبراطورية الإيرانية الطويلة؟/ بكر صدقي

    في عصر هيمنة الإيديولوجيا القومية العربية، في الستينيات ومطلع السبعينيات، شاع لدى كتاب ...