الرئيسية / صفحات الكتب / مراجعات كتب / “الاعتداء” لهاري موليش: لا تَسامُح مع الماضي/ وجدي الكومي

“الاعتداء” لهاري موليش: لا تَسامُح مع الماضي/ وجدي الكومي

 

 

في أواخر الحرب العالمية الثانية، وفيما كانت هولندا لا تزال محتلة، تقتل المقاومة الهولندية عميلاً للنازيين، أمام أربعة منازل في منطقة مهجورة، يهرع أحد قاطني هذه المنازل ليزيح جثة العميل المقتول من أمام منزله إلى منزل جيرانه، ثم يأتي الألمان، ويقررون الانتقام من العائلة التي تقطن المنزل. ينجو الطفل “أنطون” أصغر أفراد الأسرة، بينما يقتل الألمان والديه، وشقيقه الأكبر بيتر. هكذا، تفتتح حبكة رواية “الاعتداء” للروائي الهولندي هاري موليش، والصادرة ترجمتها حديثاً في القاهرة عن “دار الكرمة”.

لكن، على بساطة هذه الحبكة، لا يبدو موليش (1927-2010)، مهتماً بحبكة أدبية عن الحرب، بقدر ما يبدو مهموماً بشكل كبير بالماضي، والتعامل معه. ففي روايته هذه، وهي أول أعماله المترجمة الى العربية، تقفز قضية الماضي إلى الواجهة. موليش، المعروف بكونه واحداً من أعظم الكتّاب الأوروبيين المعاصرين، يصور حادثة التخلص من العميل النازي على أنها المدخل لبطل روايته، للتحاور الدائم مع الماضي، بكل أبطاله الذين تورطوا، من قرب أو من بُعد في الحادث، محاولاً إيجاد تفسير لتلك الليلة التي كان يجب أن تسير على منوالها، لحياة أسرته، لولا واقعة قتل العميل النازي. يقول في الجزء الأول من الرواية تحت عنوان “1945، عام نهاية الحرب”: “كانت والدته قد وضعت أمامها على الطاولة كنزة من الصوف الأزرق الداكن، وقد اختفى نصفها، كانت تمسك في يدها اليسرى كُبّة صوف تزداد في الحجم، أخذ أنطون يردد بصره بين الخيط الصوفي المسرع جيئة وذهاباً مسبباً اختفاء الكنزة من الوجود، والكنزة بكُمَّيها الممدوين وهي تتحول إلى كرة صوف”.

ليلة عادية جداً، لأسرة تقيم في منطقة منسية، في منزل يحمل اسم “خال من الهموم”، لم يكن أحد منهم يتكلم ولم يكنُ يسمع أي صوت من خارج المنزل. الحرب موجودة منذ الأزل، ومستمرة إلى الأبد. ولا يوجد راديو. يفكرون في التقشف في غاز المصباح، ليكفيهم بضعة أيام، ويتناقشون في تسمية الأطفال بلقب “أنطون” الذي يماثل لقب “أنطون موسيرت” رئيس الحركة النازية، وهو ما عرّض بطل الرواية لمضايقات من أقرانه، لكن دوي رصاصات في الخارج يقطع حياتهم فجأة”. يقول موليش: “في ذلك الصمت المعبر عن الحرب في هولندا، يُسمع من الشارع فجأة دوي ست طلقات”.

يعرف أهل هارلم الهولندية، فاكه بلوخ، المفتش العام للشرطة، أحد أكبر المجرمين والخائنين، وهو الآن هو مضرج بدمائه أمام منزل جيرانهم، كورتفيخ، الذي يخرج مهرولاً مع ابنته كارين، ويسحبان الجثة من مكانه، ليضعاها أمام منزلهم، ثم يعودان مهرولين إلى منزلهما. صعقت أسرة أنطون، فيما الجثة تستقر أمام منزلهم. القتيل راقد، وذراعاه خلف رأسه، ومعطفه الطويل منحسر حتى خصره، يحاول شقيق أنطون الأكبر التخلص من الجثة قبل مجيء الألمان، لكن الوقت يداهمه، ويطبق الألمان على المكان، ويطاردونه، ويقررون القبض على أسرته، بمن فيهم أنطون.

تتلاحق الأحداث، يقتاد الألمان والديّ أنطون، وينقلونه إلى مركز شرطة في “هيمستيده” قبل أن يحرقوا منزله. في محبسه المؤقت، يلتقي بإحدى فتيات المقاومة الهولندية. يناقش موليش في اللقاء بين بطله، وبين الفتاة التي سيعرف أن اسمها تروس كوستر بعد سنوات، فكرة كراهية الفاشيين، وسبل اتقاء التحول إلى فاشيين مثلهم. يقول على لسان تروس: الكره هو الظلام، وهو شيء سيء، على الرغم من أننا يجب أن نكره الفاشيين، وهذا ليس بالأمر السيء، لأننا نكرههم باسم النور، في حين هم يكرهون الآخر باسم الظلام، نحن نكره الكره، لذلك فإن كرهنا أحسن من كرههم، لكن لذلك أيضاً نحن نعاني أكثر منهم، يجب أن نتطبع ببعض خصالهم كي نقدر على محاربتهم، وهذا يعني أن نتخلى عن جزء من خصالنا”.

في مواضع عديدة، شعرتُ بأن الرواية على وشك الانتهاء، وكنت أسأل نفسي: ماذا وضع موليش في باقي هذه الصفحات. لذا، وحينما انتهى الجزء الأول من الرواية، وبدأ الجزء الثاني الذي منحه العام 1952 عنوانا، شعرتُ بأن الحكاية لن تستمر، بل ستتفرع إلى منعطفات أخرى، ربما تكون بعيدة عن الحبكة الأصلية، كالمأساة التي ألمّت بالأسرة. لكن موليش كان يمنح قارئه فرصة لالتقاط أنفاسه، لا أكثر، بينما يتتبع سيرة بطله، وهو يعود مرة أخرى إلى هارلم، ملبياً دعوة صديق لحضور حفلة، فيكتشف أن المدينة خلّدت ضحايا الواقعة في نصب تذكاري. ويذهب إلى بيته القديم، فيجده خالياً، بين البيوت الثلاثة المجاورة. يصف ذكرياته بقوله: “ما تبقى هو تداعيات الحدث. تصعد سحابة الرماد التي أطلقها البركان إلى الغلاف الجوي، تدور حول الأرض ويهطل رمادها سنوات طويلة على القارات كلها”. والحقيقة أن موليش بهذه الجملة، يقول أن شيئاً لا يغادر الأرض، الذكريات السيئة، الأحداث المريرة التي تعرضنا لها، وحتى رحيل أغلى الناس.

يعود موليش للحديث عن الماضي بأكثر من شكل، وأكثر من صورة، فيقول: “إن الأمور التي تلمُ بالإنسان لا تُنسى بسهولة”، وذلك بينما يتوجه أنطون إلى المدينة مرة أخرى ليلبي دعوة صديقه إلى حفلة عيد الميلاد، كما يبرز الماضي مرة أخرى في مواجهة أنطون حينما يلتقي مصادفة نجل “بلوخ” الذي يسمى “فاكه” في مظاهرة عنيفة اجتاحت بودابست في النصف الثاني من 1956.

يعتني موليش بالتأريخ للعالم، فيرصد أن هذا العام كان بداية الصراع بين قطبي السياسة العالمية، الشيوعية والرأسمالية، واندلاع الاضطرابات في بولندا، والهجوم الفرنسي الإنكليزي على مصر، والثورة في هنغاريا وتدخل الاتحاد السوفياتي فيها، ووصول فيديل كاسترو إلى كوبا. هاري موليش بهذا التأريخ يربط عمله “الاعتداء”، بسلسلة اعتداءات اجتاحت العالم، وحوّلته إلى غابة، وفي قلبها يلتقي بنجل الرجل الذي تسبب اغتياله في إبادة أسرته. يناقشان الكراهية. يدافع كل ابن عن أبيه، وتجتاحهما مشاعر متضادة باسترجاع ما حدث. يهتف نجل بلوخ في أنطون: عندما كانت النار تضطرم في بيتك، وصلنا خبر موت أبي. هل حدث وفكرت بهذا الأمر؟ أنا فكرت بما حصل لك، لكن هل فكرت أنت بي؟

(*) “الاعتداء” صدرت عن “دار الكرمة” في القاهرة، بترجمة لأمينة عابد، مباشرة عن الهولندية.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حيوات عربية بعيون استشراقية: السير الذاتية في فترة ما قبل الحداثة/ محمد تركي الربيعو

      حتى وقت قريب، لم تكن توجد سوى معالجتين حديثتين للسير الذاتية العربية ...