الرئيسية / صفحات الرأي / الثورة السورية: زمن انفجارات الإسلام السياسي وتشكله الجديد/ عقيل حسين

الثورة السورية: زمن انفجارات الإسلام السياسي وتشكله الجديد/ عقيل حسين

 

 

لأن الربيع العربي كان قد زعزع طبقات المجتمع العربي ودوله الحديثة، فإن الثورة السورية، كانت المجال الحيوي الذي تصدعت داخله، أطر تقليدية وصور راسخة لقوى الإسلام السياسي الحديث. تلك القوى التي كانت إلى ما قبل اقتحامها الثورة السورية، قد حافظت على تماسك هذه الأطر والصور إلى حد يقترب من القداسة غالباً، كـ”حزب الله” و”القاعدة”.

ولا يتوقف ذلك عند حد تفجر المواجهة الطائفية التي انفجرت كما لم يحدث من قبل، ولا عند انخراط القوى التي تُصنف نفسها على أنها إسلامية في هذه المواجهة، بل إنه وفي حيز الثورة السورية، عاشت الحركة الإسلامية تحولاتها الكبرى، على صعيدي الشكل والمضمون. وذلك إلى درجة سيكون منطقياً معها أن يسجل التاريخ لاحقاً، أن زمن الثورة السورية، كان إعادة صياغة “الإسلام السياسي” في العصر الحديث.

الجهاد فوق الجميع

عناوين وأهداف مختلفة، اجتمعت كلها تحت شعار “الجهاد”، الذي جعل كل القوى الإسلامية العسكرية، السنية والشيعية، تتدفق إلى ميدان المواجهة في سورية أو “الشام”، بعد محاولة قصيرة من المواربة الاضطرارية مع بداية الثورة، مارستها هذه القوى رغم أنها لم تكن تريدها.

تهاوت الثورة في كل من البحرين واليمن قبل سوريا، نتيجة هذا الانفجار الطائفي الذي بدا محبباً للكثيرين ومنعشاً لهم أيضاً، وما بقي فقط، هو الحديث السياسي والقراءة الاستراتيجية!. في البحرين، هُزمت إيران مبكراً جداً، مع انتشار قوات “درع الجزيرة” في المملكة الصغيرة، في العام 2011. وفي اليمن، احتاجت السعودية لتحالف أوسع وأبعد من دول “مجلس التعاون الخليجي” لمواجهة المدّ الإيراني. لكن في سوريا، كان الأمر مختلفاً.

فهنا، ومنذ اللحظة الأولى، بدا أن طهران وقواها، لديهم ما يشجعهم على المضي حتى النهاية، حتى وإن أدى ذلك إلى تهشم ما تبقى من صور وشعارات، كالمقاومة وفلسطين، أو “الموت لأميركا – الموت لإسرائيل”. ذلك الرصيد كان قد خسر تيار “الممانعة” جزءاً كبيراً منه قبل ذلك، في أكثر من مكان ومناسبة. لكن في سوريا كانت إيران وتيارها تخسره دون اكتراث حقيقي، لصالح التركيز على الهدف.

لا توجد هنا لحظة زمنية يمكن تسجيلها، باعتبارها تأريخاً لأسبقية الحضور في بحيرة دم الثورة السورية، وهل كان شيعياً أم سنياً، لكن الطرفين في النهاية، يؤكدان أن حضورهما في هذه الساحة كان تحصيل حاصل، وفرصة ما كان يجب تفويتها. فالحرب في سوريا بالنسبة لكليهما، هي حرب وجود. حرب تراها الجماعات الإسلامية السنية وقد تأخرت جداً، بينما تراها القوى الشيعية، التي طالما استعدت لهذا اليوم، وقد جاءت في وقتها.

الزمن الرسمي

استدراكاً، فإن الحديث عن تعطيل فريضة الجهاد شيعياً، بانتظار ظهور الإمام الغائب، أصبح حديثاً بلا معنى ولا أهمية منذ زمن غير قصير. وعليه، يمكن القول، إن “الدفاع عن المراقد الشيعية المقدسة”، وهو الشعار الذي رفعته المرجعية في إيران، في يد “جهادها السوري” وتغطية للانخراط العلني والمباشر لـ”حزب الله” اللبناني في سوريا، الذي برز كما لم يكن من قبل مع نهاية العام 2012، يمثل اللحظة الرسمية لإعلان “الجهاد الشيعي” في سوريا. إعلان أتاح لأصحابه إمكانية تجنيد المزيد من المقاتلين، ومن مختلف الجنسيات، للقتال إلى جانب قوات النظام.

قبل ذلك، كان “حزب الله” متواجداً، وكذلك “الحرس الثوري” الإيراني، بالإضافة إلى قوى شيعية أخرى من العراق، لكن بشكل محدود وغير علني. إلا أن الفشل في وقف الانهيار المتسارع لقوات النظام وقتها، جعل “التحالف الشيعي” يتخلى عن آخر ما تبقى من لباقة وسياسة، ويندفع ليدخل المعركة دون مبالاة.

هذا الحضور العلني والمباشر لـ”الجهاد الشيعي” في سوريا، جعل إعلان “الجهاد السني” في “الشام” وبشكل رسمي، حقاً لا يقبل المواربة أو التأجيل، بعدما كانت ممارسة هذا الحق قد بدأت فعلاً من قبل. لكن “لقاء استاد القاهرة” الذي حضره العشرات من قادة الجماعات الإسلامية، والذي افتتحه الرئيس المصري السابق محمد مرسي، في حزيران/يونيو 2013، يمكن اعتباره اللحظة السنية المقابلة للّحظة الشيعية السابة، حيث تم في هذا اللقاء، إعلان الجهاد السني “نصرة لسوريا”.

تحولات كبرى

على عكس ما قدمه إعلان الجهاد شيعياً لقواه في سوريا، والتي حصلت منه على منتهى الإلهام والمباركة، واندفعت متماسكة في المواجهة نحو هدف محدد وبقيادة ومرجعية موحدة، فإن إعلان الجهاد السني في سوريا، مثّل لحظة تاريخية من تفجر الصراع الداخلي بين قواه. وهو صراع تجاوز مسألة “إعادة تشكل الحركة الإسلامية السنية”، من خلال العنف البيني الكبير الذي رافق هذه العملية، وأثر على إدارة ونتائج المعركة الأساسية لهذه الحركة. وهي حالة لن يكون ممكناً الإحاطة بها وفهمها، فضلاً عن التنبؤ بنتائجها، إلا بعد سنوات بكل تأكيد.

لقد كان العام 2013 بحق، عام التحولات الكبرى في تاريخ هذه الحركة، وخاصة بالنسبة للتيار السلفي الجهادي، ولو أن الأمر اقتصر فقط على انقسام تنظيم “القاعدة”، لكان وحده كافياً لجعل هذه اللحظة جديرة بهذا التوصيف.

في 29 نيسان/أبريل 2013، أعلن أبو بكر البغدادي قيام “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، هذه “الدولة” التي كانت قادرة في خلال عام، على توسيع مناطق سيطرتها بشكل مدهش في هذين البلدين. الأمر الذي جعل قادة هذه “الدولة” يتحسسون مدى ضخامة ما حققوه، فاندفعوا معلنين نهاية عهد التنظيمات، وإلغاء الحركات، وضم جميع الجماعات السنية بالعنف الساحق والإكراه، إلى صفوف الدولة المنتظرة “دولة الخلافة” التي تم الإعلان عنها في حزيران/يونيو 2014.

لكن هذه الجماعة التي حطمت حدوداً سياسية عمرها مئة عام، حطمت في الوقت ذاته، تماسك ووحدة تنظيم جهادي كبير، لطالما قدم نفسه على أنه المرجعية والرمز للتيار السلفي الجهادي بكامله. فتنظيم “القاعدة” الذي تصدع وانقسم في زمن الثورة السورية وميدانها، لدرجة احتاج معها إلى جهود خارقة من أجل أن ينقذ نفسه، ويحافظ على وجوده واستمراريته، ليس في سوريا مع “جبهة النصرة” وحسب، بل وفي كل مكان تواجدت فيه “القاعدة”. فالصراع خارج سوريا والعراق، بين تنظيمي “القاعدة” و”الدولة الإسلامية” ليس على الأرض، بقدر ما هو صراع على العنصر البشري، ومن أجل الاستحواذ على الخطاب السلفي الجهادي.

في الاتجاه الآخر

ولأن البغدادي قد قرر أنه من الطبيعي الارتقاء من حالة التنظيم إلى حالة الدولة، في سياق ما أسماه –ضمن خطاب إعلان “الدولة”- “التطور الطبيعي والحتمي للجماعة”، ولأن الدولة الجديدة قد تنكبت أكثر آراء السلفية الجهادية تصلباً، وتبنت أدبيات التيار اليمينة المتشددة فيه، بشكل لا يقبل التردد أو التشكيك، فإن “القاعدة” وبقية جماعات السلفية الجهادية، وبل وجميع تيارات الحركة الإسلامية السنية، وجدت في ذلك، اللحظة المناسبة لمواجهة ما تهربت منه دائماً على صعيد النقد الذاتي والمراجعات.

وفيما تحضر بقوة على هذا الصعيد “حركة أحرار الشام الإسلامية” باعتبارها المثال الأبرز للمراجعة الفكرية داخل الحركة الجهادية، وهو حضور له ما يبرره ويفرضه بالتأكيد، وخاصة لناحية الآراء الجريئة في نقد منهج “السلفية الجهادية” التي قال بها قادة الحركة وضمنوها أدبيات جماعتهم خلال العام 2013 (صادف وكان عام مقتلهم الجمعي) فإن ما جهدت من أجله القوى الأخرى على الساحة السورية لا يمكن تجاهله.

وإذا كانت مراجعات “القاعدة” قد ظلت أقل جرأة، ونحت باتجاه تعويم “الإصلاحيين” من قادتها ومنظريها، الراحلين منهم والأحياء، بالشكل الذي تضمن معه أنها لا تأتي بجديد أو خارجي، يعرضها لهزات إضافية أمام جمهورها وقاعدتها، ويضمن لها في الوقت ذاته، حجز مكان في عربة المراجعات والتجديد، فإن “جيش الإسلام” الذي كان الحالة الأكثر “محلية” بين قوى الإسلام السني على الساحة السورية، مثّل بدوره لحظة التحول الكبرى في تاريخ تيار “السلفية العلمية” التي لم يسبق لها من قبل حمل السلاح، ومثلها في ذلك مثل “السلفية الدعوية” التي أنتجت من خلال “لواء التوحيد” ولأول مرة أيضاً، قوةً مقاتلةً تمثلّها، وإن لم يكن بشكل ناجز ومستقر.

طبعاً لا يتوقف الأمر عند ذلك، لا على صعيد المواجهة الطائفية السنية-الشيعية، التي تفجرت ساحقة آخر ما تبقى من مجاملات، ولا على صعيد التحولات التي شهدتها قوى الإسلام السني بمختلف تياراتها، الجهادية والسياسية.

فالأرض السورية التي كانت “بركانية” خلال السنوات الخمس الماضية، كانت خصبة بما يكفي أيضاً، لكي تمنح مثلاً “جماعة الإخوان المسلمين” في سوريا، فرصة جديدة لإعادة بناء نفسها. وهو أمر لا يبدو أن الجماعة أجادته، حتى الآن. ومثلها في ذلك مثل الجماعات والقوى الإسلامية الجديدة، التي ولدت للتو من هذه الأرض وفي فضاء الثورة، لكنها ما تزال مرتبكة وهي تبحث عن هويتها، في الوقت الذي يبدو فيه، أن إيران “الثورة الإسلامية”، و”حزب الله”/”المقاومة الإسلامية”، قد بلغا –في المقابل- مع الثورة السورية، وفي زمنها، وبمواجهتها، منتهى الوضوح والتحقق وكمال الهوية.

المدن

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...