الرئيسية / كتاب الانتفاضة / رياض معسعس / الثورة السورية: قوة العامل الخارجي وضعف الداخلي

الثورة السورية: قوة العامل الخارجي وضعف الداخلي


رياض معسعس

سارت سورية في رحلة تاريخها بدروب صاعدة هابطة، عسيرة المسالك، كثيرة المطبات، مظلمة المنعطفات، زلقة الحوافي، مبذورة الكمائن، العوامل الخارجية الراسمة لمسارها كانت، ولا زالت، أشد وطأة، وأكثر فعالية، من عوامل الداخل. وما تمر به من منعطف منذ سنة إلا قليلا، يعتبر من أحد المنعطفات انعراجا، وأصعب المسالك وعورة التي عرفتها منذ مهد تاريخها. فالنظام الأسدي المرتبط بأذرع أخطبوطية بتحالفات عربية، وإقليمية، ودولية جعلت عناصر الخارج تلعب دورا كبيرا في تثبيت أرجل حكمه منذ زهاء نصف قرن إلا قليلا. ودعمه في مواجهته للثورة الشعبية العارمة ضده، رغم علمها، علم اليقين، بهمجيته التي لم تساويها همجية هولاكو التتار، أو نيرون روما. فعلى المستوى العربي تدخل كل من قطر والسعودية في منافسة عنيفة، مخفية الظواهر، للعب بالورقة السورية. فقطر، المتحالفة مع دول حلف شمال الأطلسي، تدفع باتجاه دعم الثورة وإسقاط النظام، فهي تريد أن تكون راعية لكل الثورات العربية، إما بالاسلحة والمال والعتاد، كما فعلت في ليبيا، وإما بذراعها الإعلامية في قنواتها الجزيرية، وذلك أضعف الإيمان، في حين أن السعودية، التي تصدر تصريحات بصوت خفيض مبحوح ‘ بوقف العنف ‘ تدفع في الاتجاه المعاكس، لاعتبارات عدة أهمها، تقليص هيمنة شبه الجزيرة القطرية على الدور العربي، الذي كانت الرياض تحظى به لعقود طويلة، وعدم تكرار التجربة الليبية على أقل تقدير. وهي تسعى اليوم لتكرار تجربة المبادرة الخليجية في سورية على غرار ما فعلت باليمن كي لا يقتل الذئب، ولا يفنى الغنم.

اللاعب الثاني في الثورة السورية، والذي لا يقل أهمية أو تأثيرا، هو الدور الجزائري. فالجزائر التي خسرت حليفها الأول في ليبيا تحت ضربات الحلف الأطلسي، وجرجرة الثوار له لا ترغب، البتة، أن تخسر حليفها الثاني في دمشق، رغم تشابه النظامين إلى حد أن يكونا توأمين في أكثر من ناحية. فانبرت محاولة تعطيل أي قرار في الجامعة العربية، كما أنها تحاول جاهدة اليوم للضغط على الدول المنتفضة والتي تخلصت من أنظمتها بأن تتضمن دساتيرها بندا يجعل الجيش ضامنا للأنظمة العلمانية على نسق المثال التركي.

يتبقى العراق الذي يعمل بكل ما أوتي من مساع، ومساعدات لرفد نظام بما يلزم من عوامل استمرارا الحياة بعد أن شل اقتصاده شلا جراء الإضرابات والعقوبات. وفيما يتعلق بباقي الدول العربية فالعين ترمق، والأذن تسمع، والفم صامت.

وإذا تطرقنا لدور الجامعة ا لعربية فهي لا تملك أية صلاحيات إلا بما يمليه عليها مجلس وزراء خارجية الدول العربية وهنا تدخل كعادتها في متاهة اتفقوا على الا يتفقوا.

أما على المستوى الإقليمي فهناك لاعبان أساسيان: تركيا من جانب، وإيران من جانب آخر. فإيران، حليفة النظام الأسدي منذ اندلاع الثورة الخمينية، والتي تعتبر سورية ركيزتها الأساسية في المنطقة، لا تنفك عن دعـــم النظام ماليا ولوجستيا، وبأمور لا يعــــلم بها إلا الله، وويكيليكس. وبالطبع لا ننسى حزب الله في لبنان الذي يصف صف أيران، في حين تقوم تركيا باحتضان الثورة ودعم مجلسها الوطني، واستقبال مهجريها، ولا تتوان عن الدفع باتجاه فرض قرار دولي بإنشاء منطقة عازلة لحماية المدنيين.

وإذا أخذنا اللاعبين الدوليين نجد أن روسيا والصين تتصدران قائمة الدول المدافعة عن النظام السوري وإن كان ثمن ذلك صب الزيت في آلة القتل اليومي لشعب أعزل، رتق النظام فمه بإبرة الصمت لعقود طويلة، واليوم يطالب بالحرية. فهما تعطلان أي قرار يدين النظام الأسدي في مجلس الأمن، في حين تتخذ واشنطن موقفا مائعا بانتظار رؤية واضحة تجلي العمى عن رجحان أي الكفتين لترجح معها. وتبقى فرنسا وبريطانيا بشكل خاص،( والاتحاد الأوربي بشكل عام)، تقفان موقفا صلبا وتسعيان لاستصدار قرار صارم من جلس الأمن يدين نظام القمع في سورية وقتل الأبرياء.

مما تقدم نجد أن كل طرف امتطى هوى معين يتماشى مع أهوائه، وأن عملية الفتل والسحل، والشد والجذب بين الأطراف ليس من شأنها أن توفر على سورية المزيد من المعاناة، فالملف السوري أتخم بالأوراق والأختام، والوعود القزحية.

على مستوى الداخل السوري فهناك نظام شاخ على الخدائع، والدسائس، والفساد، والقمع، وحشو رأس المواطنين حتى النخاع بالشعارات المزيفة. ويقف اليوم بآلته العسكرية والأمنية والشبيحية في وجه شعب ثائر مطالب بالحرية، بعد أن بات الوطن أضيق من جدران السجن. شعب يعيش في الموت، وبات له موعد يومي مع المقابر، كان المهدي في ثورة السودان يوصي ثواره بأن يضع كل واحد منهم كفنه فوق رأسه، وتحول الكفن إلى عمامة كبيرة تضمر الاستشهاد، وانتصرت الثورة السودانية. والثوار السوريون اليوم يحمل كل واحد منهم كفنه فوق رأسه.

‘ كاتب من سورية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...