الرئيسية / صفحات العالم / الحرب في اليمن موقف ايران وحزب الله –مجموعة مقالات-

الحرب في اليمن موقف ايران وحزب الله –مجموعة مقالات-

 

 

 

نصرالله: سوريا هي الأصل/ ساطع نور الدين

عندما أعلن الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله دخول لبنان في حرب اليمن، وتحوله الى طرف فيها، كان يدرك ان “عاصفة الحزم” الخليجية بدأت بالفعل في سوريا، حتى قبل ان تبدأ في اليمن. لم يكن اعلانه مجرد صدى للموقف الايراني الذي بلغ حد التهديد بقصف المدن السعودية بالصواريخ، ولا كان مجرد ترجمة لحملة سورية لم يسبق لها مثيل على المذهب الوهابي.

التصعيد في الخطاب يتسق مع دور لبناني تقليدي قديم، يتولى فيه الحليف الصغير التعبير عما يأبى الحليف الاكبر البوح به، حفاظاً على خط الرجوع الذي لم يحترمه يوماً اي من الفرقاء اللبنانيين، وساهم في تقديم لبنان اكثر من مرة قرباناً على مذابح الحروب والصراعات الاقليمية الكبرى..مع فارق بسيط لم يلاحظه نصر الله حتى الان، هو ان لبنان لم يعد مغرياً او مجدياً لأحد، بعدما تضاءلت وظيفته ومكانته الى حدودها الدنيا، بالمقارنة مع ما كان عليه في أغلب النصف الثاني من القرن الماضي.

وعليه يصبح التهديد الضمني الذي تلمسه البعض من اعلان نصر الله، بفرض السيطرة التامة على لبنان رداً على الهزيمة المرتقبة في اليمن، مجرد تفصيل صغير، لن يغير من المشهد الاقليمي العام الذي يتجه نحو استعادة الغالبية العربية_السنية غلبتها، وربما لن يحدث الكثير من الخلل في موازين القوى بين الرياض وطهران.. وان كان يمكن ان يرجىء لبعض الوقت التغيير الحتمي في معادلة الحرب السورية.

من بيروت لا تبدو التفاصيل اليمنية واضحة ودقيقة، حتى بالنسبة الى نصر الله الذي اخطأ اكثر من مرة في خطابه الاخير عندما نسب المقاومة الشعبية الى الحلف المشترك بين الحوثيين والرئيس علي عبد الله صالح، مع ان تلك المقاومة تمثل الرئيس عبد ربه منصور هادي وحلفائه وهي التي تتصدر المواجهة ضد الحلف. لكن التفاصيل السورية لم تعد غامضة، حتى قبل ان تشن الطائرات الخليجية غاراتها الاولى على اليمن في 26 آذار مارس الماضي. فالانجازات الاخيرة للمعارضة السورية لم تكن وليدة الصدفة، ولا كانت نتيجة إرهاق قوات النظام والميليشيات الحليفة له. كان هناك قرار خليجي بالالتفات مجدداً الى حرب الاستنزاف السورية المديدة والعمل الجدي على تعديل موازين القوى بين أطرافها.

القرار اتخذ قبل حرب اليمن، عندما حصل الخليجيون على ضوء أخضر اميركي يسمح لهم للمرة الاولى بتطوير دعمهم للمعارضة السورية، ولا يمانع حتى قيامهم بالتعاون مع تركيا بفرض منطقة حظر جوي في شمال سوريا. وهو ما عبر عنه الرئيس باراك اوباما شخصيا، وان كانت ادارته لا تزال تتحفظ على البند الأهم في ذلك الدعم وهو تزويد المعارضين السوريين بانظمة الدفاع الجوي.. وهو الامر الذي تعارضه اسرائيل بشدة، وما زال الاميركيون (والروس) يرفضونه، لانه يمكن ان يؤدي الى حسم الحرب ودخول قوات المعارضة السورية الى دمشق خلال اسابيع، ما يطرح معضلة جدية عن هوية تلك القوات المعارضة، وقدرتها على مواجهة داعش، الذي لم يكن اختراقه الاخير لمخيم اليرموك مصادفة، وقدرتها على احتواء جبهة النصرة أو شق صفوفها، كما هو جارٍ حالياً.

ثمة ما يؤكد بان الخليجيين يشنون غارات جوية على اليمن لكنهم يحققون مكاسب برية في سوريا. الشعور العام هو ان ايران التي توسعت في الاونة الاخيرة بما يفوق طاقتها على الاستيعاب، وبما يذكّر بغزو السوفيات لافغانستان قبيل تفكك امبراطوريتهم، هي الان في طور الانحدار. هي الان “أوهن من بيت العنكبوت”، حسب توصيف مسؤول خليجي بارز، واصبحت أسيرة ذلك البيت الواهن. الدليل الاهم على ضعفها لن يكون في اليمن حيث يمكن ان تتأخر نهاية الحرب الى ما بعد تصفية الرئيس علي عبد الله صالح واحتواء الحوثيين، بل قد يكون في سوريا أولاً ، برغم ما يبدو من صعوبات شديدة تواجه تلك المهمة.

لذلك بالتحديد يشهد لبنان الكثير من الصراخ والقليل من الأثر.

المدن

 

 

 

 

 

 

نصر الله إذ يريدنا “قلعة محاصرة”/ حـازم صـاغيـّة

في مطالع العشرينات وصف لينين، قائد ثورة أكتوبر الروسيّة، الاتّحاد السوفياتيّ الوليد بأنّه “قلعة محاصرة”. وبين ما كان يقصده أنّ ذاك الاتّحاد سيبقى هكذا محاصَراً من القوى الإمبرياليّة إلى أن تهبّ القوى البروليتاريّة في أوروبا فتطيح إمبرياليّاتها وتكسر الحصار عنه.

والأمر اللافت هنا أنّ دولة في حجم الاتّحاد السوفياتيّ، مساحتها هي الأكبر في العالم كلّه، يمكن أن تغدو “قلعة محاصَرة”. ولأنّ الثورة لم تهبّ من الغرب، فقد استمرّت “القلعة المحاصرة” محاصرة حتّى الحرب العالميّة الثانية، حين تمدّد النفوذ السوفياتيّ إلى أوروبا الوسطى والشرقيّة.

وربّما كان لهذه التجربة أن جعلت فكرة التعرّض لـ”الحصار” فكرة ثوريّة، تُستأنَف معها الأساطير الخلاصيّة القديمة التي عرفتها ثقافات دينيّة وغير دينيّة عديدة.

والحال أنّه في 1960 بدأ الحصار الأميركيّ لكوبا الكاسترويّة. والأخيرة، ولأنّها جزيرة صغرى تكاد تشاطئ الساحل الجنوبيّ للولايات المتّحدة، قابلة لأن تستدعي فكرة الحصار أكثر كثيراً من الاتّحاد السوفياتيّ الشاسع.

وهنا، بالتأكيد، فعلت تلك الفكرة فعلها البطوليّ، وأسهمت في إكساب كاسترو الهالة التي اكتسبها على نطاق عالميّ.

وبعد ثلاثة عقود ونصف العقد، فُرضت العقوبات على إيران الخمينيّة التي سبق لها أن افتتحت ثورتها في 1979 باحتجاز العاملين في السفارة الأميركيّة بطهران.

وكان للعقوبات، وإن لم تكن حصاراً، أن عزّزت صورة النظام الخمينيّ كضحيّة وكبطل في وقت واحد.

فمن تعاقبه الولايات المتّحدة، وما هي إلاّ “شيطان أكبر”، لا بدّ أن يمثّل الحقّ والحقيقة، لا في نظر قطاع عريض من الإسلاميّين فحسب، بل أيضاً في نظر قطاع لا يقلّ عرضاً من المناهضين الشعبويّين لـ”الهيمنة الأميركيّة” في العالم.

لكنْ مؤخّراً، قرّر الكوبيّون والإيرانيّون، على ما يبدو، أن يغادروا المثال اللينينيّ المبكر، وأن يفضّلوا الحياة على بطولة زادتهم فقراً على فقر. وربّما أعلنت التوجّهات الأخيرة لنظاميهم الإيديولوجيّين عن بدايات تحوّل، لا في السياسة فحسب، بل في القيم أيضاً.

وعلى رغم كلّ الاختلافات، يمكن لهؤلاء الإيرانيّين والكوبيّين أن يجدوا ما يشجّعهم في تجارب سابقة عرفتها الصين وفيتنام، حيث حلّ الانفتاح محلّ الحصار، وطلبُ الحياة محلّ طلب البطولة، فأثمر الأمر نتائج إيجابيّة ملموسة.

لكنّ السيّد حسن نصر الله لا يعبأ إطلاقاً بالوجهة الكونيّة هذه. فهو لا يريد للّبنانيّين أن يستوحوا ما يفعله اليوم الكوبيّون، ولا حتّى الإيرانيّون الذين يستوحي أشياء كثيرة منهم. إنّه يريد لشعبه أن يكرّر تجربة الحصار والعقوبات، ومن ثمّ الإفقار، التي يبادر الكوبيّون والإيرانيّون إلى طيّ صفحتها.

فأن نعزل نفسنا ذاتيّاً، وأن نجعل من أنفسنا، بمحض إرادتنا، قلعة محاصَرة، هو الهدف المعلن.

موقع لبنان ناو

 

 

تصعيد في لبنان “يوازن” التراجع في اليمن إيران تخوض معركة المساومات على نفوذها/ روزانا بومنصف

على رغم هدوء عاصفة المواقف التي اثارتها مواقف الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله الاخيرة في شأن المملكة العربية السعودية، يستمر تفاعل هذا الموضوع في ظل توقعات بان المعركة التي فتحها الحزب تحت عنوان الدفاع عن اليمن لن تنتهي في المدى المنظور. ويتفق سياسيون واقتصاديون على ان الردود التي قوبل بها الخطاب الذي تضمن كلاما غير مسبوق من حيث الموقف والنبرة والمضمون ضد المملكة العربية السعودية والذي من المحتم ان يترك آثارا سلبية كبيرة على لبنان، هدفت في الدرجة الاولى الى محاولة وقف مفاعيل هذا الكلام وضرره اقتصاديا وسياسيا ومن اجل التأكيد ان لبنان طريقه هي عبر الدول العربية وليس عبر محور آخر. اذ اشار البعض من هذه الردود الى جزء من الاضرار المحتملة والمتمثلة في وجود ما يقارب نصف مليون لبناني في دول الخليج يعودون بعائدات مهمة على لبنان فضلا عن تضرر الاستثمارات الخليجية في لبنان بدءا من موسم السياحة المقبل على رغم تراجع السياحة الخليجية في اتجاه لبنان في الاعوام الاخيرة . وهذه الاضرار ليست الوحيدة المحتملة بل الاقتصاد اللبناني برمته خصوصا مع استمرار التصعيد الذي يجعل من لبنان ساحة صراع اضافية وان لم تصل الى حدود استخدام السلاح. ولكن مع ادراك الامين العام للحزب ابعاد هذه الحملة على الارجح وادراكه خطورة مواقفه على لبنان نتيجة الانعكاسات الخليجية التي قد تستفزها، فان اسبابها تثير اعتقادا بوجود جملة اعتبارات قد يكون ابرزها:

انه تبين وفق المواقف الاميركية ان الولايات المتحدة كانت جدية في ما وعدت به الدول العربية ابان مراحل التفاوض حول ملفها النووي من ان الوصول الى الاتفاق المرتقب لا يعني ان ايران يمكن ان تحصل او ستحصل على موافقة او على جواز عبور الى نشاطاتها في المنطقة. فهذه التأكيدات الاميركية كانت تقابل خلال ما يزيد على سنة من المفاوضات بشكوك كبيرة في ضوء الاستناد اقله من جانب العرب الى غض نظر اميركي عن كل ما قامت به ايران ما دفع مسؤوليها الى تكرار معزوفة السيطرة على اربع عواصم عربية مرارا وتكرارا من دون اي رد فعل اميركي. لا بل ان الاتهامات الخليجية لايران بالتدخل في اليمن بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء كانت تقابل ايضا من الاميركيين بالتخفيف من الانخراط الايراني المباشر والاكتفاء بان ايران تستغل الوضع وتدعم الحوثيين بالسلاح والمال ولا تقودهم ميدانيا . كما ان الادارة الاميركية خلفت انطباعات قوية عن طموحها الى انجاز الاتفاق النووي مع ايران على ان يكون الانجاز الاخير للرئيس باراك اوباما في ولايته الثانية ما يترك مجالا لتثبيت الواقع الميداني قبل وصول رئيس اميركي جديد. وهو ما ادى الى التعاون بينهما في العراق واهمال الموضوع السوري لجهة دعم المعارضة او توجيه ضربات للنظام. الا انه قبيل وضع اتفاق الاطار مع ايران في ملفها النووي وفي المدة الفاصلة عن انجاز الاتفاق النهائي في نهاية حزيران المقبل فتح ملف المنطقة على مصراعيه من باب اليمن على قاعدة التصدي للنفوذ الايراني واعادة ايران في هذا الموضوع بالذات الى داخل حدودها. وهو ما يعني تاليا ان ما جهدت ايران والولايات المتحدة لوضعه جانبا من اجل عدم التأثير على المفاوضات بات جزءا منها وبات يستخدم من اجل التشديد عليها باعتبار ان المسارين باتا يتوازيان، اي المفاوضات في مراحلها النهائية والمساومات على مدى نفوذها في المنطقة، فيما تعمد الولايات المتحدة الى تثبيت وعودها الى دول الخليج لجهة عدم اقرارها لإيران بأي مقابل لقاء ملفها النووي يتعدى ما يتصل به مباشرة.

كذلك لا يهمل مراقبون سياسيون وجود تساؤلات تتصل بخلفيات سعي ايران في التصعيد عبر لبنان واستفزاز السعودية الى درجة تظهير صراع سني – شيعي واضح له مخاطره الكبيرة. البعض يعتقد ان ايران تسعى الى ان تقايض تراجعها في اليمن بتعزيز موقعها او تثبيته اكثر في لبنان وعدم مساومتها عليه اذ ان تحويله منبرا ضد السعودية انما يؤكد صحة هذا النفوذ او قوته وانها لا تنوي التراجع في اليمن فحسب من دون اثمان في المقابل. فيما يعتقد بعض آخر ان ايران وفي ضوء التسليم بعاصفة الحزم او بحسم الموضوع في اليمن لمصلحة دول الخليج وفق ما جاء في مضمون القرار الدولي تحت الفصل السابع والذي حمل الرقم 2116، تخشى وفي ضوء وضع تحالف هذه الدول علاقاتها في الميزان مع الولايات المتحدة ان تمتد هذه العاصفة الى سوريا. واشارة الرئيس الاميركي في حديثه الصحافي الاخير لجهة تشجيعه الدول العربية على القيام بعمل يوقف بشار الاسد عن عملياته ضد شعبه قد تكون اخافت ايران خصوصا ان معلومات صحافية اميركية عن وجود اتصالات خليجية اميركية اقليمية تدفع في هذا الاتجاه مما قد يجعل ايران تخشى على سوريا وما يمكن ان يهدد نفوذها هناك او يعرضه للخطر خصوصا ان الامين العام للحزب اورد النظام السوري في ادبيات خطابه شاكرا صموده ولو ان السياق كان عن اليمن. الامر الذي يدفع هؤلاء الى الاعتقاد بان هناك خشية فعلية من أن يقفل ملف تسوية ازمة اليمن من دون مقابل على تراجعات لا قبل لايران بتحملها أو بقبولها في سوريا وتاليا في لبنان.

النهار

 

 

 

 

بين اليمن وسوريا/ امين قمورية

سوريا ابتليت بالحرب الاهلية وها هو اليمن ينزلق بسرعة الى المنحدر نفسه. حال الدولة الاولى تشبه كثيرا حال الدولة الثانية وان اختلفت التسميات والمنطلقات والظروف، فالازمة واحدة: اقتتال داخلي مفتوح على خلفيات سياسية ومذهبية تحول ساحة لصراعات الآخرين.

لا النظام هنا ولا النظام هناك عادا يجسدان فكرة الشرعية بعدما تقوضت بصورة شبه كاملة في البلدين بحدة الانقسام وتدفق الدم، ولا المعسكران المضادان هنا وهناك يمثلان ثورة بعدما كسر احلامها الارهاب المتطرف والتعصب المذهبي في سوريا وضيعت اهدافها القبلية والتبعية في اليمن.

الازمة في كلا البلدين جذرها داخلي ولكن سرعان ما صارت الدولتان ساحتين لصراع خارجي يمتزج فيه الاقليمي والدولي. وبلغة الحقائق، ايران والسعودية الاكثر انخراطا بين الدول في كلتا الازمتين. كل منهما تستقطب أنصارا وتضخ أموالا لاضعاف الاخرى وتقاتلان بالمباشر او بالوكالة هنا وهناك.

لسوريا الصدارة في الاهتمامات الايرانية، وخسارتها هناك تعني ان ما جنته من انتشار في سنوات تصدير الثورة صار في مرمى النيران، فانكسارها هناك هو انكسار لدورها المتعاظم في الاقليم من العراق الى لبنان. ولليمن الاولوية في الحسابات السعودية، فهناك يتشكل امنها المباشر. وما “عاصفة الحزم” سوى تعبير عن مستوى قلقها من انقلاب موازين القوى لغير مصلحتها في خاصرتها الجنوبية. والحضور الايراني في اليمن لا يستهدف حماية اقلية طائفية او التمركز على باب المندب بقدر ما يستهدف “المناكفة الاستراتيجية” للرياض ومشاغلتها عند حدودها لالهائها عن ميادين الصراع الاخرى في سوريا والعراق ولبنان او الى مقايضة اذا حلت ساعة التسويات.

الدول التي يفككها الاقتتال لا توحدها الا القوة او التسوية. ولعل غاية “الحزم” السعودي في اليمن اعادة توحيده بالقوة تحت جناحها على غرار ما فعلت سوريا في لبنان بعد حربه الاهلية، كي تتفرغ للمنازلة الكبرى في سوريا تحت شعار “ازمات العرب لا يحلها الا العرب”. لكن طهران لن تكف عن خلط الاوراق اليمنية ولن تدع الرياض تستريح الى ان تحصل على تسوية مرضية تثبت لحلفائها حضورا سياسيا مؤثرا والدفع نحو تسويات مماثلة في مناطق الصراع مع السعودية لانتزاع اعتراف خليجي بحقها في النقض في ازمات المنطقة.

وفي ظل هذا الاستنفار الشديد وحدة التجاذب، يبدو الحسم العسكري في اي من البلدين بعيدا وكذلك الحل السياسي. وهكذا فان طريق الجمر الذي تسير عليه سوريا منذ سنوات والذي سلكه اليمن حديثا مرشح لان يطول. اما في حال حصول مفاجأة تسمح بانتصار طرف اقليمي على الآخر او بتسوية بين الطرفين، فسيكون انتصارا على الشعبين السوري واليمني او تصفية لسيادتهما لان حصتهما في اي منهما ستكون صفراً.

النهار

 

 

حول احتمالات تدخّل سعودي- تركي في سوريا/ ألكس راول

بعد ثلاثة أسابيع على إطلاق التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية حملةً جوّية مفاجئة على المقاتلين المدعومين من إيران في اليمن، برزت تقارير تتحدّث عن خطط للقيام بتدخّل سعودي مباشر أكبر بكثير، في إحدى مناطق الحرب في المنطقة، وسيكون له تداعيات عميقة على الصراعات الأساسية التي تواجهها المنطقة حالياً.

إذ نقلاً عن “مصادر مطّلعة على النقاشات” لم تذكر اسمها، قالت صحيفة “هافينغتون بوست” الأحد الماضي إنّ المملكة العربية السعودية تقوم “بممحادثات عالية المستوى” مع تركيا، بوساطة قطرية، لدعم المعارضة غير الجهادية في سوريا من خلال تنفيذ ضربات جوّية سعودية ترافقها حملة برّية للجيوش التركية في الأراضي السورية الشمالية. وأضاف التقرير أنّ البيت الأبيض على علمٍ بالمحادثات منذ شباط، على الرغم من أنّ أحد المصادر التي قابلناها أكدّ على أنّ التدخّل سوف يحصل سواء باركته أميركا أو لم تباركه.

وقد لا يكون مستغرباً، نظراً الى جسامة الادّعاءات الواردة في التقرير، بأن لا يكون جميع المحللين الذين تحدّث اليهم موقع NOW مقتنعين بأن تُثمر أي من هذه المخططات. ولكن من المثير للاهتمام أنّ الصحافي السعودي المخضرم والمستشار السابق للسفير الأمير تركي الفيصل آنذاك، جمال خاشقجي، كتب على “تويتر” تعليقاً على التقرير: “مبدئياً، المعلومات صحيحة”.

وفي محادثة له مع NOW، توسّع الخاشقجي في الحديث عن الموضوع، قائلاً: “المحادثات حول دعم الثوار السوريين جارية، هذا صحيح. والتعاون بين المخابرات السعودية، والتركية، والقطرية، لم يكن يوماً جيداً كما هو اليوم. وهذا يشمل غرفتَي العمليات؛ في الأردن وفي تركيا”. غير أنّ أي تحرّك من هذا النوع لن يحصل قبل أشهر، كما قال خاشقجي، وذلك لعدة أسباب بينها الحرب اليمنية الجارية. وجاء في تقرير لـ Bloomberg الإثنين أنّ الرياض كانت تفكّر في بناء قوّة يمنية برّية ترافق ضرباتها الجوية، ما سيجعل تدخّلها أكثر تعقيداً.

“ما قامت الهافينغتون بوست بتفصيله كان سابقاً لأوانه قليلاً”، قال الخاشقجي لموقع NOW، مضيفاً: “هناك اليمن الذي يُعتبر أولوية بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية. والانتخابات التي تعتبر أولوية بالنسبة الى حكومة حزب العدالة والتنمية  في تركيا. ولذلك فأنا لا أستبق حصول أي أمر بهذه الجسامة قبل نهاية حزيران”.

بالإضافة الى ذلك، قال خاشقجي إنّ “التفاصيل الدقيقة المذكورة في الهافنغتون بوست- أي الضربات الجوّية السعودية مصحوبة بالجيوش البرية التركية- قد تكون مجرّد شيء من بين عدة أشياء يجري نقاشها”، وليست “الخطة النهائية. لكن ما سمعته من عدة مصادر، وما يهم هو بأن ذلك سيكون عنصراً مغيّراً للعبة”.

أما المحللون الذين تحدّث اليهم NOW من تركيا والولايات المتحدة فكانوا أقل اقتناعاً بأن أي شيء مهم مطروح على الطاولة.

“لا أرى بأنّ قيام هذين البلدين بهذا النوع من العمليات مرجّح جداً”، قال جيفري وايت، المهتم بالشؤون الدفاعية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وتابع: “قد يتحدثون عن الأمر، وربما يعملون عليه، وغير ذلك، ولكن لا يزالون بعيدين عن اتخاذ القرار بتحقيقه. الجيش التركي محافظ جداً وحذر جداً. وأعتقد بأنّ القيام بمثل هذه العملية البرية الكبيرة داخل سوريا غير منسجم مع طبيعتهم”.

أويتون أورهان، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية الشرق أوسطية (ORSAM) الذي يأخذ من أنقرا مركزاً له، فيتناول الموضوع بصراحة أكبر، بقوله: “في تركيا، لا أحد يصدّق هذا التقرير، أعتقد بأنه شبه مستحيل”، مضيفاً لـNOW: “تركيا قد ترغب بالتدخّل في حال كلّفتها الأمم المتحدة بذلك، أو كجزء من تحالف دولي واسع يضم حلفاءها الغربيين”، لكن القيام بهذه الخطوة بالشراكة مع السعودية وحدها “أمر مستحيل”.

على الرغم من ذلك، قال أورهان إن تركيا طوّرت علاقاتها فعلياً مع الرياض منذ خصامهما حول إزاحة الرئيس المصري السابق محمد مرسي، الذي تُعتبر إيديولوجية الإخوان المسلمين التي ينتمي اليها متقاربة جداً من إيديولجية الحزب التركي الحاكم أي حزب العدالة والتنمية لكنها غير مرحّب بها في الرياض.

وفي أوائل آذار الماضي، التقى الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان الملك السعودي سلمان في العاصمة السعودية، حيث أعلن الطرفان اتفاقهما على “ضرورة تعزيز دعم المعارضة السورية بشكل يهدف الى تحقيق نتائج”، وفقاً للاعلام التركي التابع للدولة. حيث يُقال إنّ الملك سلمان، الذي جرى تنصيبه في كانون الثاني الماضي، أقل عدائية تجاه الاخوان المسلمين من سلفه المغفور له، الملك عبد الله.

“عقب تتويج الملك سلمان، ثمة علامات على أن هذه التوترات سوف يتم تخطيها وأنّ [السعودية وتركيا] سوف يتعاونان وينسقان أكثر في المنطقة”، قال أورهان، وتابع: “في سوريا، على وجه التحديد، قد يتّبعان سياسات منسجمة، ولكن مجدداً، لن يؤدي ذلك الى تدخل عسكري موحّد مع القوات البرية التركية”.

غير أنّ خاشقجي قال لـ NOW إنه مقتنع بأنّ أي تغيير حقيقي قد يؤدي الى نتائج ملموسة لا يجب أن يأتي من جهة الرياض بل من جهة واشنطن، وأضاف: “لقد بدأ الأميركيون بالتغيّر. وأعتقد بأنّ هذا هو تأثير التدخل اليمني. يجب أن نلاحظ التصريح الذي قام به أوباما في نيويورك تايمز، حيث سأل “لماذا لا نرى العرب يقاتلون في سوريا؟”، ورغم أنّ هذا يناقض بشكل كبير طريقة تصرف إدارته قبل أسبوع واحد فقط على تصريحه، يجب الترحيب به كتغيير إيجابي. وأنا أفسّر ذلك كردّة فعل على المزاج الذي ساد عقب التدخّل في اليمن. ولذلك فأعتقد بأنّ الأميركيين سوف يوافقون على [حصول تدخّل في سوريا] طالما أن المملكة العربية السعودية وتركيا سوف تكونان مسؤولتين عما يجري”.

ألكس راول يغرد على تويتر @disgraceofgod

هذا المقال ترجمة للنص الأصلي بالإنكليزية

(ترجمة زينة أبو فاعور)

موقع لبنان ناو

 

 

 

 

رياح العاصفة اليمنيّة تلفح النظام السوري نحو التقاء أميركي – خليجي لغير مصلحة الأسد/ روزانا بومنصف

على رغم ان أزمة اليمن وتطوراتها طغت على الاهتمام منذ ثلاثة اسابيع وتقدمت تطورات الازمة السورية التي بات يرى متابعوها انها تبتعد عن اي افق لحل قريب على رغم المآسي التي يعاني منها الشعب السوري كما دول جوار سوريا ايضا، فان هذه الاخيرة بقيت في مناقشات الكواليس الاقليمية والدولية جنبا الى جنب مع الموضوع اليمني من زاويتين على الاقل، احداهما هي مسألة المهاجرين السوريين الذين يخاطرون بحياتهم من اجل الهرب عبر البحر والتي باتت تشكل احراجا لدول عدة من الباب الانساني على الاقل على رغم ان هذا الاحراج ليس كافيا لان يضغط من اجل ايجاد حل للازمة السورية قريبا. والزاوية الثانية هي ما تنقله مصادر سياسية عن ديبلوماسيين اقليميين استتباعا لما فجرته ازمة اليمن من صراع مكشوف في المنطقة بين محورين عربي وايراني. ووفقا لهذه المصادر فان ارتياحا اكبر لافق الوضع السوري لاح في ظل هذا الصراع ليس بناء على التطورات الميدانية التي حصلت في مناطق سورية عدة في الاسابيع المنصرمة على رغم ان هذه الاخيرة شهدت تحولا لمصلحة المعارضة في محاور عدة فحسب، بل بناء على جملة معطيات قد يكون اهمها ان المعلومات المتواترة عن المواقف الدولية في شأن سوريا تظهر ان الولايات المتحدة ودول الخليج العربي وتركيا باتت اقرب الى ان تكون جميعها على الصفحة نفسها اذا صح التعبير في رؤية آفاق الوضع السوري ولو اختلفت السبل او المقاربات لكيفية الوصول الى هذه الرؤية التي تتمثل في الاقتناع بان الرئيس السوري بشار الاسد لا يمكن ان يشكل جزءا من مستقبل سوريا وليس هو الاحتمال الممكن لرئاسة او قيادة عملية الانتقال السياسي فيها، وان هناك تفهما اكبر لما كانت طالبت به تركيا لجهة فرض حظر جوي على مناطق سورية. وبمقدار ما لم يكن معولا على مؤتمر موسكو 2 في مطلع هذا الشهر، حيث جمعت روسيا النظام وبعض فئات المعارضة للمرة الثانية هذه السنة، ان يؤدي الى نتائج عملية انطلاقا من اعتبارات عدة، الا ان تشبث النظام ومن يمثله بمنطق بات عقيما في مقاربة الازمة السورية اظهر للمتابعين المهتمين ان النظام عاجز عن تطوير رؤيته للوضع، فلم يقدم اي مؤشر جاذب او داعم لمنطق من يقول بامكان الابقاء على الاسد في موقعه في المدة الانتقالية على الاقل، على غرار ما يبدو عليه في كل احاديثه الصحافية لوسائل اجنبية يتوخى توجيه رسائل منها او لعله ينتظر او يهدف لان يفاوض على اي تنازلات محتملة، يمكن ان يقدمها على طاولة مفاوضات تكون الولايات المتحدة ابرز اطرافها وليس روسيا فحسب.

وينقل زوار العاصمة الاميركية في الاسابيع الاخيرة انطباعات دافعة في الاتجاه الذي تتحدث عنه الدول الاقليمية التي تمني النفس على الارجح وفقا لهؤلاء بنتائج ايجابية من تطورات المنطقة في الاسابيع الاخيرة في اتجاهين على الاقل : الاول ان رغبة الرئيس الاميركي في طمأنة الدول الخليجية التي دعاها الى لقاءات معه في واشنطن وكامب ديفيد في 13 و14 آيار المقبل قد تسفر عن التقاء اكبر في الموضوع السوري في ضوء محاولة الرئيس الاميركي طمأنة الدول الخليجية الى الاتفاق النووي مع ايران، والحصول على دعمها ايضا من اجل ان يكون انجازا حقيقيا لادارة اوباما. وبذلك تستفيد هذه الدول من هذا المسعى الاميركي ليس من اجل الحصول على ضمانات لامنها فحسب، بل لان تدفع واشنطن لان تكون اكثر التزاما لرؤيتها النهائية للوضع السوري وربما اكثر التزاما لمقاربة هذه الدول لمعالجة هذا الوضع، وتاليا الالتفاف على اي مسعى لايران الى تسليم الولايات المتحدة بنفوذها الكامل في سوريا وفي لبنان، على رغم ان ثمة من يعتقد ان الولايات المتحدة سبق لها ان سلمت بهذا الواقع اي السيطرة الايرانية في العراق والنفوذ القوي في سوريا ولبنان في انتظار تثبيت مكاسبها اكثر في سوريا تحديدا ما يساعدها على تأكيد هذه المكاسب في لبنان ايضا.

أما الاتجاه الثاني فهو يتمثل في ان تجربة الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح في اليمن ومحاولته الانقلاب على السلطة الشرعية من أجل العودة الى الحكم بلجوئه الى كل الوسائل الممكنة، ولو ادت الى خراب اليمن كما فعل في تحالفه مع الحوثيين ومساعدتهم في السيطرة على مؤسسات الدولة اليمنية، تعطي اوراقا قوية للفريق الاقليمي الذي يرفض بقاء الاسد حتى في المرحلة الانتقالية في مقابل الرأي القائل ببقائه او رعايته هذه المرحلة كما تطالب روسيا وسواها. فمع ان تجربة كل بلد مختلفة وسبق للاسد ان رفض ان يستنسخ تجربة صالح حين تم التمني عليه بتجنيب سوريا المآل الذي آلت اليه من مآسٍ انسانية ودمار من خلال التنحي عن السلطة وتسليمها لنائبه او لشخص ينتدبه كما حصل مع الرئيس اليمني السابق، فانها مفارقة ان يرتد موضوع علي عبدالله صالح لغير مصلحته اذ لن تود الدول التي اكتوت بتجربة هذا الاخير ان تكرر التجربة مع الموافقة على بقاء الاسد ولو مرحليا بموجب اي اتفاق نظرا الى انه سيفعل المستحيل بدوره من اجل البقاء في السلطة في حال كان لا يزال في المرحلة الانتقالية او العودة اليها في حال خرج من السلطة، بغض النظر عن الاعتقاد الاساسي وهو ان استمرار وجوده في السلطة سيبقي الازمة مفتوحة من دون اي نهاية لها .

 

 

 

الخيط الواصل بين سوريا واليمن

رأي القدس

تشير نتائج المعارك الدائرة في جنوب وشمال سوريا بين النظام وفصائل المعارضة إلى بدء تغيّر في حالة التوازن النسبي التي استقرّت عليها الأوضاع العسكرية هناك وذلك رغم التفوق الناريّ للنظام، وسيطرته على سلاح الجوّ والصواريخ، وتغوّله في استخدام البراميل المتفجرة والغازات الكيميائية، والدعم الذي لم ينقطع من إيران وروسيا.

ففي ريف محافظة درعا قامت المعارضة بالاستيلاء على آخر معبر حدودي مع الأردن، وحرّرت بلدة بصرى الحرير، كما استعادت بعض القرى التي احتلتها القوات الموالية للرئيس السوري فجأة في منطقة اللجاة بين محافظتي درعا والسويداء وكبّدته خسائر في العتاد والرجال بينهم أفراد من الحرس الثوري الإيراني ومقاتلون من جنسيات أخرى، كما سجّلت المعارضة بعض التقدم في ضواحي دمشق كحي جوبر وغيرها.

وتوازى ذلك مع تغيّرات عسكرية كبيرة في شمال سوريا بعد السيطرة على مدينة إدلب، ومعارك يشارك فيها الآلاف تستهدف السيطرة على مواقع عسكرية استراتيجية مثل معسكري القرميد والمسطومة، والتي ترافقت مع بدء معركة «سهل الغاب» في محاولة لتشكيل كمّاشة تطبق على مدينة جسر الشغور، التي في حال سقوطها، ينفتح الباب لتقّدم قوات المعارضة نحو مدينة اللاذقية، وهي عاصمة المحافظة التي تعتبر مسقط رأس عائلة الرئيس السوري ومركز ثقل الحاضنة الاجتماعية للنظام.

تزامن هذا مع اقتراب المجتمع الدولي لاتفاق مع إيران، ومع انطلاق عمليات «عاصفة الحزم» العربية في اليمن، والتوافق الدوليّ عليها، بما في ذلك روسيا التي امتنعت عن استخدام حق النقض ضد قرار في مجلس الأمن ضد الحوثيين وعلي صالح، وما ترتّب على ذلك من نتائج عالمية وإقليمية جديدة، ويضاف إلى كل ذلك حصول تحركات دبلوماسية غير مسبوقة للمعارضة السياسية السورية، وإجراء اجتماع نادر لأقطابها العسكريين والسياسيين في تركيا.

التغيّرات بهذا المعنى لا تتعلّق فقط بكون النظام السوري صار فاقداً للصلاحية إضافة إلى كونه فاقداً للشرعيّة، ولا باستهلاكه لمخزونه من القدرة على الانتقام والوحشية ضد شعبه، ولا بتراجع زخم الميليشيات الأجنبية الداعمة له، ولا تتعلّق كذلك بعودة الدعم المالي والعسكري والتنظيمي للمعارضة، أو حتى بوجود توافق بين داعميها الإقليميين، وخصوصاً السعودية من جهة، وتركيا وقطر من جهة أخرى.

ما تعنيه هذه المعارك هو أن قرار الشعب السوري بإسقاط نظام بشار الأسد الذي رفعته الثورة السورية، ودفع الشعب السوري ثمناً له لا يمكن تصديقه، كان ممنوعاً لسببين أساسيين:

الأول هو أن الإدارة الأمريكية (… وإسرائيل) كانت ترفض إسقاط النظام السوري وتراهن على حصول تسوية تقنع رأس النظام وبعض كبار معاونيه بالخروج من واجهة السلطة إلى الكواليس (كما حصل مع علي صالح في اليمن) وتبقي على النظام.

والثاني هو اختلاف وتنازع أجندات الرعاة الإقليميين للمعارضة السورية، فطرف منهم كان يعتبر محاربة جماعة «الإخوان المسلمين» أهم من محاربة نظام الأسد، وطرف آخر كان يرى أن الحرب على نظام الأسد هي الأولوية السياسية والعسكرية.

كانت النتائج الكارثية لامتناع قرار إسقاط النظام السوري، دولياً وإقليمياً، هي استفحال خطر تنظيم «الدولة الإسلامية» وتأثيره الكبير على الأولويات السياسية والعسكرية العالمية والإقليمية، واستيلاء إيران على القرار السياسي في دمشق، كما كان قرار محاربة «الإخوان» والمراهنة على علي صالح في اليمن سبباً في استيلاء الحوثيين على الحكم وجعل النفوذ الإيراني على الحدود مباشرة مع السعودية.

قرار التصدّي لعلي صالح والحوثيين كان تصويباً للبوصلة العربية في اليمن وسوريا أيضاً، بحيث فرضت المصالح العربية أولويتها على الأجندة الأمريكية (المشغولة بحرب «الدولة الإسلامية» مع إغفال تامّ لمعالجة أسباب صعوده: نتائج احتلالها للعراق وتسليمه لإيران).

وبذلك تراكبت، للمرة الأولى، إرادة الشعب السوري في الثورة وإسقاط النظام، مع إرادة عربية وإقليمية لإيقاف الانحطاط (الذي تلازم مع فرض أمريكا إرادتها على المنطقة) ومواجهة التراجع الاستراتيجي العربي الذي كان له حتى الآن عنوانان رئيسيان: استباحة إيران للمنطقة العربية، وعربدة إسرائيل ضد الفلسطينيين.

القدس العربي

 

 

مصلحتنا ومصلحة “حزب الله”/ دلال البزري

في رسالته إلى «المستضعفين» عام 1985، بعيد تأسيسه، يصف «حزب الله» برنامجه، فلا يتوقف عن ذكر مرجعيته الإيرانية: «العمل بولاية الفقيه القائد»، أمير المسلمين، آية الله خميني»، إيران بصفتها «طليعة أمة حزب الله، التي أسست نواة دولة الإسلام المركزية في العالم»؛ يتحرّك هو على «ضوء سياسي عام تقرّه ولاية الفقيه القائد»، يدعو إلى «اعتماد النظام الإسلامي»، بدلاً من «النظام الطائفي اللبناني العفن»، يقوم هذا النظام على القرآن والأحاديث الشريفة واجتهادات الفقيه الإيراني. وكل ذلك متوَّج بمهمة مقدسة اسمها «إزالة إسرائيل من الوجود». وهذه العبارات الواردة هنا ليست «لقطات» نادرة في هذه الرسالة التأسيسية الأولى؛ إنما هي لازمات تعبر «الرسالة» من أولها إلى آخرها، مكرِّسة المرجعية الإيرانية للحزب، التي كانت تترجم على الأرض بإشراف إيران المباشر على تدريب الكوادر العسكرية للحزب وتلقينه العقيدة الإيرانية الدينية، وتزويده بشتى أنواع السيطرة «الناعمة».

في العام 2009، أصدر «حزب الله» وثيقة حزبية أخرى، فرضتها «التحديات الفكرية السياسية» و»حالة التضخم التي أصابت بنيته التنظيمية والعسكرية الخ»، بحسب أحد المنظرِّين «الناعمين» لمقولاته، إذ يصف هذه الوثيقة، بـ»المراجعة». فيما هي، أي الوثيقة، عبارة عن «لبْننة» للحزب، بالطريقة اللبنانية الدارجة، الشاطرة؛ إذ يعلن فيها الحزب عن ميله إلى «الديموقراطية التوافقية»، يستغني عن اللغة الإيرانية الرسولية التبشيرية، يخفي مرام الدولة الإسلامية بقيادة الفقيه العليم؛ مسهلاً بذلك تكريس وجوده في قلب الدولة اللبنانية ومؤسساتها، معبِّراً عن لحظة استقرار حكومي…

ولكن هذه الأخيرة لم تدم طويلاً، إذ اشتعلت بعدها الثورات العربية، ومعها السورية خصوصاً، فعاد الحزب إلى وثيقته الأولى؛ ليس مثابرة على «إزالة إسرائيل من الوجود»، فهذه المهمة، تحت القيادة الإيرانية، لم تكن جدية الا بالقدر الذي يضعف نفوذ اسرائيل ليخلي للإيراني مكانه… فعاد الحزب الى الوثيقة الأولى إذن، بالنقاط الجوهرية التي كوّنته، أي بالمرجعية والقيادة الايرانيتين.

مع الثورة السورية، ومع عبور ميليشياته الحدود اللبنانية للقتال إلى جانب بشار الأسد، كان الحزب يلحّ على انه يضحي بشبابه «المجاهدين« دفاعاً عن المراقد الشيعية المقدسة. ثم اختفت المراقد لتحتل مكانها «القرى الشيعية المحاصرة في قلب سوريا»، والعمل على «إنقاذ أهلنا هناك». ثم ظهر تنظيم «داعش»، ففرك الحزب يديه فرحاً بإيجاد ما هو أهم من القرى والمراقد: التكفيريون! فانتصبت القامات العلمانية في الحزب، وصار «مشروع المقاومة» يتغذى من توحش «داعش». كان لإسرائيل نصيب في هذه العداوة، إذ انها تغار من الايرانيين الذين سيتولون إدراة العلاقة معنا، فضربت مرة، وهدّدت مرات. هكذا انعقد «مشروع المقاومة» تحت ظلين: إسرائيل والإرهاب التكفيري. فكانت أنبل المعارك وأكثرها حيوية لنمونا وتحررنا واستقرارنا… طبعاً ليس المجال متسعاً هنا للقول بأن دخول الحزب إلى سوريا كان من العوامل التي غذّت الإرهاب في مراحله الأولى بالذات، عندما كانت قاعدته الأيديولوجية تقوم على الحق المذهبي المهدور من قبل مذهب إسلامي آخر، في سوريا والعراق. ولكن في سوريا قبل العراق. لأن هذا الأخير، أي العراق، تتولى أموره عشرات الميليشيات المذهبية تحت القيادة الإيرانية المباشرة؛ فلا يتدخل فيه «حزب الله»، ولا يخطب فيه، إلا بالقدر الذي يستر حقيقة دوره هناك، حقيقة تبادل الخبرات والمرجعيات والطقوس والاخوة… الخ. العراق في أياد أمينة، بين «الحشد الشعبي» (المليشيات المذهبية) والجيش الرسمي، الذي لا يقل مذهبية، و»داعش» والأميركيين والإيرانيين، الوضع فيه «ممسوك»، والحدود العراقية الإيرانية مباشرة وبرية، ليست اسرائيل معنية بها ؛ وبالتالي، ما من حاجة إلى «التضامن» معه على طريقة «التضامن» مع سوريا.

الآن، في اليمن، مع الردّ العربي السعودي على توغل الحوثيين، النظراء المبتدئين لـ»حزب الله» بالمرجعية الفقهية الإيرانية، في قلب اليمن، وقيامهم بانقلاب على مؤسسات اليمن الهزيلة أصلاً… يخرج «حزب الله» من «حكمته» وتلاعبه بالألفاظ، يخرج عن طوره، فيزعق بعصبية فائقة بأن اليمن لن يمر بسهولة، بأن الروح والقلب والسلاح مع الحوثيين الثوريين ضد «مملكة القهر والظلام»، ضد «الوهابية الرجعية البدائية الداعشية». الآن، مع اليمن، لا يعود مشروع المقاومة يخص بلاد الشام وحدها، انما يمتد مظفراً نحو أقاصي الجزيرة العربية. مشروع المقاومة الذي يدافع عنه «حزب الله» في اليمن، والذي نعرف الآن انه كان على صلة اقوى مما تصورنا سابقاً، صار عنده من الأولويات.

ما هي مصلحة «حزب الله» في الجزيرة العربية، في جنوبها تحديداً؟ سيطرة إيران على اليمن، عبر الحوثيين؟ بحيث يصبح مثل لبنان، غير قابل لأن يُحكم؟ متجلّد، موقوف، معلول، فقير، مثل لبنان، الواقع عملياً تحت هذه السيطرة؟ لبنان بـ»حزب الله»، الرائد بتجربته الايرانية؟ وماذا تكون مصلحة لبنان ساعتئذ؟ أن يُضاف إلى لائحة البلدان الفاشلة، دولة شقيقة أخرى؟ ما هي مصلحة لبنان بأن تسيطر إيران على اليمن؟ ما هي مصلحة العرب؟ المسلمين والمسيحيين؟ أن يكونوا بإمرة إيران، «المقاوِمة» لأميركا، بعد «اتفاقها» معها، وانفتاحها عليها ودخولها نادي القوى الإقليمية، صاحبة اليد الضاربة في كل بقعة عربية تشاؤها مصالحها الحيوية وتمدُّد «مجالها الحيوي»؟ ما هي مصلحتهم أن يركعوا لدولة بحثت عن قرارها الحر، فبقي نظامها وعلا مقامها بسلاحها النووي والبالستي؟ هل يعني هذا بأن علينا ان ندافع عن الوجود الإيراني في الخليج لأن ايران هي الأقوى، عسكرياً وحضارياً، ونالت بذلك اعترافاً واحتراماَ، دولياً رسمياً؟ هل هناك من سبب آخر لمناصرة إيران في دعمها للحوثيين؟ نظامها الاجتماعي السياسي؟ القائم على ديكتاتورية الملالي ومرجعياتهم؟ ام نظامها الإقتصادي «النظيف الشريف»؟

طبعا «حزب الله» واخوانه لا يرون المسألة من هذا المنظار؛ انهم، في خضم إداناتهم الشديدة للعصبية السنّية، وتذكيرها بتاريخ الحرمان الذي لم تصنعه… في خضم هذه الإدانة إذن، يريد الحزب إيران من أجل أن ترفع شأن من صودر تمثيلهم، الشيعة، ورثة المستضعفين اللبنانيين، فتكون قوتهم من قوتها. اي ان الحزب، وهو منخرط في قلب مؤسسات الدولة اللبنانية وعلى قمتها، يريد من ايران ان تقويه بصفته ممثلاً لشيعة لبنان؛ تلك هي مصلحة الحزب العميقة والسطحية. وان لا تقتصر قوة هذه الدولة الحامية على بلاد الشام وحسب، أن تمتد الى الجزيرة العربية، فهذا خير على خير، يقوي الحزب، ويرفع من شأنه أمامنا وأمام العالم بأسره. وهذه لعبة لبنانية سبقه اليها كل من السنة والموارنة، ولم يفلحوا بغير تجديد دماء طائفية نظامنا السياسي؛ العلة والنتيجة.

فهل الحزب يعمل لمصلحة لبنان في هذه الحالة؟ كما سبقه السنّة والمسيحيون؟ أم ان تجربته الإيرانية أقوى من تجربة السنّة الناصريين، أو تجربة المسيحيين الأوروبية؟ هل نرى يوماً دراسة مقارنة بين علاقة هذه الطوائف اللبنانية الثلاث مع «خارجييها» ونخلص الى التقاط نقاطها الناتئة المشتركة والمتفرِّدة؟

قبل هذه المراجعة، وبعدما تبينت لنا مصلحة «حزب الله» ككيان سياسي وعسكري موال لإيران، يبقى علينا تحديد مصلحة اللبنانيين المباشرة، كل اللبنانيين: أن يخرج من الشلل وتدور عجلة مؤسسات الدولة، أن لا يبقى سائباً غير مستقر، أن يحمي نفسه بجيشه وبمجتمعه من «داعش»، أن يقف على قدميه اقتصادياً، أن يوقف تدهور أوضاع ابنائه المعيشية والعمرانية والبيئية. وهذه كلها «مصالح» دنيئة، ضئيلة، إذا ما قيست بعظمة الحمى التي يقودها «حزب الله» دعماً للحوثيين في اليمن.

المستقبل

 

 

حزب الله” يحكمنا… لا عار ولا فخر/ بيسان الشيخ

ارتفعت أخيراً في الجلسات والمنابر الإعلامية نبرة تعيّر اللبنانيين بـ «حزب الله»، وتشمت من حكمه لهم، و «سحقهم تحت نعله» للإشارة إلى انكسارهم أمام سطوته. وبغض النظر عن إعجاب كثيرين بالنعال وفاعليتها في دوس الكرامات، يستعين أصحاب هذا الصوت بأدلة صحيحة ومثبتة في السياق اللبناني، للتوصل إلى استنتاجات تقارب الصواب ولا تصيبه.

وغني عن التكرار أن «حزب الله» تسلط على الحياة العامة في لبنان وعطل عمل المؤسسات، ورفع سلاحه في وجه مواطنيه، وانخرط في حروب إقليمية أكبر من حجمه وحجم بلده، ثم استثمرها في الداخل نفوذاً وسلطة وهمينة. وإلى ذلك، ثبت أخيراً وبالدليل القاطع أن أحد أبرز وجوه فريق 8 آذار الذي يرعاه «حزب الله»، أي ميشال سماحة، متورط في نقل متفجرات من سورية إلى لبنان بهدف تنفيذ اغتيالات سياسية، ضد خصوم الحزب والنظام السوري معاً.

وقبل سماحة، كان حليف «حزب الله» المسيحي أي «التيار الوطني الحر»، الذي يسعى زعيمه ميشال عون إلى الرئاسة، مُني بفايز كرم عميلاً إسرائيلياً، فيما سبابة الأمين العام التي يلوح بها محاضراً في النضال والمقاومة، ماثلة في مخيلة اللبنانيين، لا تفارقهم.

ولأن الشيء بالشيء يذكر، يجدر التذكير بأن «حزب الله» استفاد أيضاً من غطاء عربي واسع مكّن قبضته في الداخل. فالتجاوزات التي دشن بها نشأته ومسيرته تعود إلى مطلع الثمانينات وليس إلى تاريخ انخراطه في الوحول السورية.

وكان التعامل العربي العام مع «حزب الله» قام طوال عقود إما على اعتباره مقاومة شريفة ومحقة ضد إسرائيل، بالتالي منزهة عن أي انتقاد، وإما مسألة داخلية، على اعتبار أن «الاستثناء اللبناني» يتيح تسمين حزب طائفي ضمن التركيبة القائمة. لم يدرك الرأي العام العربي الذي أتاحت ظهوره الثورات وميزت بينه وبين أنظمته، خطورة ما يمثله نمو حزب بهذه القوة على حساب الدولة الهشة أصلاً، إلا حين ناله ما نال اللبنانيين قبله.

والأمثلة كثيرة وغير بعيدة. ففي حرب تموز (يوليو) 2006، لم يرتفع صوت من خارج الحدود يندد بتفرد «حزب الله» في إعلان حرب ساحقة ماحقة فيما البلد يتخبط أصلاً في دماء الاغتيالات السياسية. وحتى الأقلام القليلة التي خطت سطوراً في هذا الاتجاه، نقلت مواقف حكوماتها السياسية أكثر مما عكست مزاجاً شعبياً في بلدانها. فيكفي أن صور أمين عام «حزب الله» اجتاحت المنازل وسيارات الأجرة والمحال التجارية في أكثر من عاصمة عربية فيما ضاحية بيروت تدك بالصواريخ الإسرائيلية.

كانت ثمة حاجة شعبية ملحة إلى نصر، أي نصر، حتى جاء «حزب الله» وقدمه للشارع العربي، فتقبله الأخير بطيب خاطر غاضاً الطرف عما أصاب اللبنانيين من خسائر، وما دفعوه من أثمان لا تعوضها صناديق ولا مساعدات أو ملاحم بطولة.

والتجربة نفسها تكررت عندما اجتاحت القمصان السود بيروت في 7 أيار (مايو) 2007، وتلقى بعدها اللبنانيون تعاطفاً خافتاً ودروساً في الوطنية وكيفية حسن اختيار اللحظة السياسية.

وهذا الشارع – الشوارع العربي نفسه، الذي ساهم في تكريس سلطة أمر واقع وألوهية نصر مزعوم، لا يكتفي بالشماتة مما آلت إليه الحال في لبنان، بل يطالب اللبنانيين بالتصدي لحزب كان أبناء ملته (المطعونون اليوم في وطنيتهم) أول من وقف في وجهه.

والحال أن ذلك القمقم الذي فتح دفعة واحدة، قد يفيد في إطلاق نقاش جدي حول مفاهيم أساسية مثل معنى الوطنية، والتحالف السياسي وحدوده والتمييز بين الشعب والسلطة. ذاك أن الافتراض الذي يجمع اللبنانيين كلهم تحت مظلة «حزب الله»، يجعل من الشعب والسلطة التي «تسحقه» أو ترعاه، كياناً واحداً متجانساً. ومرد ذلك إلى ثقافة عميقة ومتجذرة من التماهي بين الرئيس والمرؤوس، والسلطة أو الحكومة أو النظام، والشعب، حتى عندما يثور الأخير، كما نشهد منذ 2011.

لكن ذلك لا ينطبق على لبنان لسبب بسيط أن لا سلطة فعلية فيه، ولا حكومة ولا نظام… بل مجرد شعب يتدبر أموره، إلا في حالة «حزب الله» التي تشكل استثناء ضمن الاستثناء اللبناني.

وفي المقابل، ليس أكثر دلالة على محاولة إعادة تكريس تلك الثقافة التي تماهي القاعدة برأس الهرم، إلا من ميز بين لبنانيين «شرفاء» وآخرين «خونة»، وحصر وكالات الوطنية إما بمن هم أعداء صريحون لـ «حزب الله»، أو مؤيديون لثورة هنا وسياسة خارجية هناك. وتلك ليست إلا لغة «حزب الله» نفسه حيال خصومه، وليست استعادتها في سياق اتهامه من دون دلالة.

عموماً، ثمة لاعب أســاسي يتحمل جزءاً غير قليل من المسؤولية في ذلك كله، ويتجاوز الحزب وبيئته والدول التي ترعاه، أو تلك التي خفقت قلوب مواطنيها له. إنهم خصوم الحزب الســـياسيون من فريق 14 آذار الذين عـلق عليهم اللبنانيون آمالاً كبيرة، فلم يصيغوا خطاباً وطنياً جامعاً حين أتيح لهم ذلك، ولم يرتقوا بتحالفاتهم السياسية الخارجية إلى مستوى مقبول من الشراكة والندية.

الحياة

 

 

 

 

 

مشكلتنا مع إيران… “طوابيرها الخامسة”/ محمد مشموشي

لا عيب في أن تكون لدولة ما، أية دولة في العالم، طموحات سياسية، وحتى أطماع، خارج نطاق حدودها الجغرافية، لا سيما في زمن القرية الكونية الحالي وحاجة الكل للكل فيه، كما بات معترفاً به الآن. العيب، الذي يصل الى حد الجريمة ان لم يكن الخيانة الوطنية، أن تتبنى أطراف وقوى سياسية في هذا الخارج، وإن بدعاوى ايديولوجية أو سياسية أو طائفية، تلك الأطماع بكل ما فيها من أخطار على بلدانها، ثم أن تدافع عنها على طول الخط، بل تحمل السلاح الذي تتلقاه من هذه الدولة تحديداً، من أجل هذه الغاية.

هذه هي حالنا الآن، بين ايران الحالمة بدور اقليمي (امبراطوري فارسي وفق قولها) من ناحية، وبين ما يشهده لبنان والبحرين وسورية والعراق واليمن من ناحية ثانية. والواقع أنه ينبغي القول، من دون تحفظ أو تردد، ان مشكلتنا ليست مع ايران، بل أساساً مع تلك القوى السياسية والحزبية والميليشياوية (والحكومية، كما هي الحال في سورية والعراق) التي تؤيد مــشروع ايران هذا وتردد ليل نهار أنها ليست سوى «جنود» في جيش «الولي الفقيه» في ايران.

وفي السياق، لا بد من القول انه اذا كانت لنا مشكلة حقيقية مع هذه الدولة، فهي أنها أنشأت هذه القوى تحت عناوين وادعاءات مختلفة، ثم سلحتها ومولتها ودربتها لتشكل ما يجوز اعتباره «طوابير خامسة» في بلدانها من جهة، وللقيام بالمهمة المرسومة لها ايرانياً من جهة ثانية.

أكثر من ذلك، فقد بقيت ايران وخطتها هذه في الظل طيلة العقود الثلاثة السابقة، تارة تحت عنوان فلسطين وتحرير الأراضي العربية المحتلة، وتارة أخرى بدعوى التراجع العربي في مواجهة ما تسميه «الاستكبار العالمي». «الوكلاء» هؤلاء كانوا يقومون بالمهمة، ولم تكشف هي عن وجهها الا بعد أن اضطرتها الى ذلك أحداث «الربيع العربي» مطلع العام 2011. ادعت أولاً أن الثورات في تونس ومصر وليبيا واليمن هي مجرد صدى لثورتها الخمينية العام 1979، لكنها لم تجد ما تفعله عندما وصلت الثورة الى ما تعتبره عقر دارها في سورية الا أنها دخلت مباشرة في حرب نظامها المجنونة ضد شعبه، بمقاتليها وخبرائها و»حرسها الثوري» في جانب من الحرب، كما بوكلائها اللبنانيين والعراقيين والباكستانيين والأفغان في جانب آخر منها.

لكن معضلة المنطقة في الواقع تبقى في تلك «الطوابير الخامسة» التي زرعتها طهران في أكثر من بلد فيها، والتي تعطيها اما عناوين مظلومية مذهبية تاريخية، أو شعارات أقلوية تشمل فئات غير اسلامية أيضاً في مواجهة الأكثرية السنية الطاغية في الإقليم. وصحيح أن القوى والميليشيات التي رعتها ايران في هذه البلدان لا تعبر حكماً عن الرأي العام الشيعي فيها، إلا أن الصحيح أيضاً أنها تمكنت بمساعدة المال والسلاح الإيرانيين، كما بالترغيب والترهيب، من ادعاء النطق باسمها حتى في القضايا المحلية الضيقة التي تخص بلدانها، وليس بإيران ومشروعها في عموم المنطقة فقط.

هكذا، على سبيل المثال لا الحصر، شكلت حملة الشتائم التي قادها «حزب الله» ضد السعودية على خلفية «عاصفة الحزم» اليمنية، وقبلها حفلات التصفيق لإعادة انتخاب رئيس النظام السوري بشار الأسد ولفوز رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي في انتخابات بلاده، وفي المقابل تأييد الأسد والمالكي لكل سياسات «حزب الله» المدمرة للبنان، أكثر من «وحدة موقف» كما يقولون في وصفها… انما اشارات لما ستكون عليه الحال عندما يكشف «الولي الفقيه» عن أوراقه في المنطقة.

ولهذا، لم تخرج من الأطراف الثلاثة كلمة واحدة عن اعلان طهران قيام «الإمبراطورية الفارسية، وعاصمتها بغداد»، ولا قبله عن سقوط أربع عواصم عربية (والخامسة على الطريق) في يدها، أو عن قيام «الحرس الثوري» بتحرير 85 في المئة من الأراضي السورية من أيدي ثوارها، كما لم تقل عن «الاتفاق/الإطار» مع الولايات المتحدة سوى العبارات التي ردّدها بعد التوقيع عليها معلّمها ووفده المفاوض في طهران.

لكن الأنكى أن هذه الأطراف، وكلها عربية، تزعم أن ما تفعله ايران وتدعمها هي فيه انما يصب في خدمة ما تسميه «القضايا العربية» وليس «الولي الفقيه» أو حتى أعداء العرب. بل انها تدعي أنها هي التي تمثل نبض الشارع العربي وتطلعاته القومية وليس نخبه السياسية والثقافية أو حتى أنظمة الحكم فيه.

هذه هي المعضلة التي يصح القول ان منطقة كاملة في العالم لم تشهد مثلها على مر التاريخ الا ما شهدته أوروبا في الحرب العالمية الثانية على أيدي النازية. ولا تحديداً، قام «الطابور الخامس» فيها بما يقوم به لدينا سوى مثيله ربما في فرنسا وفي غيرها.

ومشكلتنا مع ايران، ومع هؤلاء، هي هذه من دون ما عداها… بما في ذلك طموحات «الولي الفقيه» في أن يكون له دور كبير أو صغير خارج حدود بلاده.

الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...