الرئيسية / صفحات الرأي / الدولة المدنية والإسلاميون

الدولة المدنية والإسلاميون


طيب تيزيني

مع اندلاع الثورات العربية منذ ما يزيد على نصف عام، راحت تبرز مجموعة من الاستحقاقات السياسية والفكرية والقضائية والتعليمية وغيرها، استجابة للمطالب الجديدة. وإذ كانت هذه الاستحقاقات تشكل مطالب عامة لجموع المنتفضين، إلا أن بعضها له خصوصية محددة بالنسبة لفريق أو آخر منهم. وهذا ينطبق على مسألة الدولة المدنية وموقعها من الفكر الإسلامي السياسي الراهن. وسنلاحظ أن ذلك ذو تاريخ بعيد في العالم العربي، بل يمكن القول إنه يعود إلى أواخر العهد النبوي في القرن السابع الميلادي، وذلك في سياق هجرة النبي الكريم من مكة إلى المدينة. ويستمر حتى العصر الحديث، وبروز إرهاصات أولية باتجاه حالة من النهوض والتنوير، خصوصاً انطلاقاً من أواخر القرن الثامن عشر، وحتى القرن التاسع عشر وما أعقبه من تحولات كبرى في مصر وسوريا والعراق وتونس، وأخيراً ما حدث في إطار المرحلة الناصرية منذ منتصف القرن العشرين وحتى سبعينياته.

لقد فرضت المسألة المعنية هنا نفسها على الجميع ضمن حالة مفتوحة ومركّبة من التفسير والتأويل الشرعي، المُقرّ بها عموماً وإجمالاً. فهي مسألة لا يمكن إقصاؤها أو تأجيلها، لارتباطها الحيوي بشؤون الناس، إنها مسألة الحكم والسلطة والمرجعيات، التي تحتكم إليها، وقد جاء “دستور المدينة” ليؤكّد على أنها تفرض نفسها على الجميع. وكان النبي الكريم من الحصافة بحيث إنه وضع يده على “آلية” مناسبة لفهم العلاقة بين النص والواقع، ومن ثم لإدراك أن النص “الثابت” من أجل امتلاكه مصداقية، يجب أن يفهم متحركاً، وقد قاد ذلك إلى التمييز النسبي بين متطلبات الواقع وبين الإطار النصي الذي يستوعبها. وهذا ما أنتج تعددية القراءات ومسوغاتها الشرعية. تلك كانت المشكلة، التي رافقت التطور التاريخي الإسلامي- العربي، وهي تبرز الآن في مرحلتنا بقوة، وكان على القوة الإسلامية العربية، والحال كذلك أن تقتحم الآفاق عبر تجاربها العلمية الصعبة وقراءاتها النظرية، وتصل إلى حالة أو حالات من العقلانية والتوازن المجتمعي والتنوير الأخلاقي إضافة إلى التجذّر في وطنها العربي ذي الفسيفساء الرحب، بحيث تعيد النظر نقدياً وبحسب قانون التوازن بين الواقع والعقل، في ما تأخذ به من آراء ومبادئ، وهذا ما راحت مجموعات إسلامية تضعه موضع الفحص والتدقيق، وذلك على نحو يحقق حداً ضرورياً ومتطوراً من التجادل الفهمي بين المشكلات التي تواجهها الآن في ربيع الوطن، وبين الفكر الإسلامي في سياق وهج هذا الربيع.

ولا شك أن قراءة نظرية وسياسية متحركة وعقلانية جديدة، تأخذ في التحقق لدى مجموعات ونخب من الإسلاميين العرب، معلنة أن “مرحلة أو مراحل” التعصّب والانغلاق التاريخي في الفكر الإسلامي السياسي العربي لم تعدْ مقبولة، وهي إن استمرت، فإنها تسيء للواقع المشخص، كما للعقيدة المأخوذ بها، على حدْ سواء. ومن شأن هذا أنه قد يفتح آفاقاً جديدة من المعالجات العقلانية والمدنية والديمقراطية لِما نواجهه راهناً.

إن إقراراً بضرورة تأسيس منظومات فكرية تستجيب لاحتياجات العالم العربي من مثل دولة مدنية تقوم على حقوق الناس جميعاً وبمعزل عن انتماءاتهم الدينية والمذهبية والطائفية، إنما هو استحقاق يقف أمام الإسلاميين والقوميين واليساريين والمدنيين جميعاً لتحقيقه. ونرى أن ذلك حين يأخذ حقه من الاهتمام، فإنه يستجيب لطبيعة المرحلة الجديدة تاريخياً في العالم العربي. أما ذلك (ضمنه سوريا)، فيعني مرحلة النهوض، التي يتمثل حاملها الاجتماعي والسياسي والثقافي في المقولة التالية: من أقصى اليمين الوطني والوطني الديمقراطي إلى أقصى اليسار الوطني والوطني والقومي الديمقراطي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

− 6 = 3

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...