الرئيسية / صفحات مميزة / الشعب/النُّخَب: أطروحةٌ في رَفْضٍ الثنائيّة القُطْبيّة: طلال المَيْهَني

الشعب/النُّخَب: أطروحةٌ في رَفْضٍ الثنائيّة القُطْبيّة: طلال المَيْهَني

 

طلال المَيْهَني()

السطورُ التاليةُ استكمالٌ على هامشِ مقالٍ مُطَوَّلٍ نسبياً تم نشره بعنوان “في هجاء الشعبوية”. إذ يَكْثُرُ الحديثُ، على مستوى الحوارات اليومية والثقافة المنتشرة، عن حالةٍ من “التقسيم” بين “الشعب” و”النُّخَب”، وكأننا قُبالة أشياء أو أحياز مُتَنَافِرَةٍ ومَحْشُورَةٍ في “ثنائيةٍ قطبيةٍ” ذاتِ حَدَّيْن لا ثالثَ لهما. ويَسْتَدْعِي هذا موقفاً من حالة “التقسيم” وما يَتَوَلَّدُ عنها، ومن اعتبار “الشعب” و”النخب” وكأنها كينوناتٌ مُنْفَصِلَةٌ ومعزولةٌ عن بعضها.

– 1 –

كما هي الحال مع معظم “الثنائيات القطبية”، يميلُ العقل البشري إلى أن يُسَوِّدَ (أي يَمْنَحَ السيادة) أحَدَ حَدَّيْ الثنائية، عبر تطعيمه بصفاتِ الخير المَحْضِ، ليغدو الحَدُّ الآخر، في شكلٍ تلقائيٍّ أو مقصودٍ، مَصْدَراً للشرور ومِشْجَباً تُعَلَّقُ عليه الأخطاء. وفي هذا السياق المُسْتَقْطَب والمُشَوَّه مفاهيمياً يُعْلِنُ “دعاة الشعبوية” انْحِيَازَهُم إلى صفِّ “الشعب”، والدفاع عنه في وجه “النخب الشريرة”؛ وفي خِضَمِّ هذه النظرة المتجانسة والشمولية تبرز ضَحِيّتان؛ الأولى: “الإنسان/الفرد”، أما الضحية الثانية: “الشعب” باعتباره مجموع الأفراد.

– 2 –

“دعاة الشعبوية” في الغالب محسوبون على “نخبٍ” استطاعت الإفادة من حالة “التقسيم”، ثم انفصلتْ عن “النخب” شَكْلِيّاً لتعودَ وتَتَسَلَّلَ وتَدّعِي شعبوياً النُّطْقَ باسم “الشعب” والدفاع عنه ضد “النخب”. هذا الانحياز الخطابي الشكلي إلى صفِّ “الشعب”، الذي تمارسه “النخب الشعبوية”، هو انحيازٌ ظاهريٌّ كونه يؤدي، في شكلٍ غير مباشرٍ، إلى تكثيف امتلاكها للقوة، وممارستها لدورٍ وصائيٍّ ومُسْتَتِرٍ على “الشعب”. ويَتَرَسَّخُ هذا الانحياز الظاهري عبر سَعْي “النخب الشعبوية”، قولاً وفعلاً، إلى المحافظة والترويج للصورة النمطية “للشعب”: الفقر، الجهل، البؤس، الشقاء إلخ. حيث تَمْنَحُ الاستمراريةُ المَلْحَمِيّةُ لهذه الصورة النمطية الفرصةَ لتقويل “الشعب” ما يُرادُ له أن يقول، مع تَجْذيرِ حالة “التقسيم” بين “الشعب” و”النخب”. “دعاة الشعبوية” طلّابُ سلطةٍ في صيغةٍ مُخَاتِلَةٍ: تجسيدٌ صارخٌ “للحَرْبَاء” في سياق الشأن العام، وإهانةٌ صريحةٌ وتشويهٌ عميقٌ للسياسة باعتبارها فَنّاً بشرياً.

– 3 –

تختلف ممارسات “النخب الشعبوية” عن التفكير الماركسي التقليدي الذي يَسْعَى، نَظَرِيّاً على الأقل، إلى إلغاء أو اجتثاث “النخب”؛ فهي ليستْ مصدراً للشرور فقط: هي الشرور ذاتها! “فالنخب” مفرزاتٌ للرأسماليةِ المَقِيتَةِ التي تَسْتَغِلُّ البروليتاريا وتُعيقُ تطورها. كما تختلفُ “النخب الشعبوية” عن اليمين النخبوي الاستعلائي الذي يُعْلِي من “النخب” (السلطوية، الأهلية، المالية إلخ) ويزدري “جموع الشعب” التي تغدو هي الشرور ذاتها، وعليها بالتالي أن تلتزمَ الصمت وتُظْهِرَ طقوس الطاعة “للنخب” التي تكفلُ وحدها كَبْتَ الشرور. هذه الممارسات التي تتبعها “النخب الشعبوية”، أو التي تسعى إليها بعض الأجندات اليسارية واليمينة، غير دقيقةٍ كونها تَعْتَبِرُ حالة “التقسيم” بين “الشعب” و”النخب”، و”الثنائية القطبية” المُتَوَلِّدَة عنها، وكأنها مُسَلّمَاتٌ صحيحةٌ لا تُمْكِنُ مُساءَلَتُها. بل تتعاملُ مع كلِّ ذلك وكأنها ظواهر أزلية/أبدية وثابتة ومنقوشة في نظام الطبيعة.

– 4 –

بالتأكيد فهذه الظواهر (حالة “التقسيم” بين “الشعب” و”النخب”، و”الثنائية القطبية”) جزءٌ من الواقع؛ لكنه “واقعٌ سائدٌ”: وأنْ يكونَ الواقعُ “واقعاً سائداً” لا يجعلُ منه مرجعيةً مطلقةً تقاسُ من خلالها الحقيقة. “الواقع السائد” مُصْطَنَعٌ ومُتَوَلِّدٌ كنتيجةٍ لنشاطٍ بشريٍّ تراكميٍّ هو، بِحَدِّ ذاته، رَدَّةُ فعلٍ على أزماتٍ تاريخيةٍ عميقةٍ تترك آثارها في المجتمعات. وتنشأ نتيجة ذلك فئاتٌ تَعْتَقِدُ/يُعْتَقَدُ أنها مضطهدةٌ تكون عُرْضَةً لاستغلال فئاتٍ تَعْتَقِدُ/يُعْتَقَدُ أنها أكثر قوة. ويتطور هذا الاعتقادُ الأوّليُّ والمَوْهُومُ بالاختلاف إلى اختلافٍ حقيقيٍّ. ثم يتزاوجُ الاختلافُ في امتلاكِ القوة مع الخَلَلِ في تنظيم استخدامها، ليدفعَ بالبشر إلى خَلْقِ وتَصَوُّرِ أحيازٍ اعتباطيةٍ وتعسفيةٍ ومتخيلةٍ “للتأقلم” مع المُعاش والمحسوس (عِوَضاً عن تغييره أو محاولة تغييره). وتلعب العلاقةُ التبادليةُ، على مستوى الأفراد والجماعات، دوراً أساسياً في هذه السيْرورة المعقدة – فبعد خلق الأحياز، وبعد فرضها، والقبول بها (طَوْعاً أو كُرْهاً)، لا بُدَّ لهذه الأحياز من أن تَسْتَمِر عبر تواطؤٍ مُضْمَرٍ ولا واعٍ على القبول بهذا الاستمرار؛ ما يعني ضِمْناً عَدَمَ المَسَاسِ بالأزماتِ العميقة التي تبقى في تفاعلٍ وتَضَخُّمٍ تحت الرماد، وبعيداً عن أيِّ نقد (هذا إذا افترضنا أن التفكير النقدي متاحٌ أصلاً).

– 5 –

وهكذا يتم، وفقاً لمناهجَ مَوْهُومَةٍ، خلقُ حالةِ “تقسيمٍ” بين “الشعب” و”النخب”، ثم ترسيخ حالة “التقسيم” في “ثنائيةٍ قطبيةٍ” وفَرْضِها عبر قبولٍ تواطؤيٍّ بها من قِبَلِ “الشعب” و”النخب”، يتلوه سَعْيٌ إلى المحافظة عليها كجزءٍ لا يتجزأ من “الواقع السائد”، وكأنها عنصرٌ من عناصر الذات، ومُكَافِئٌ للحقيقة (أو ما يُرادُ له أن يبدو وكأنه مُكَافِئٌ للحقيقة). وفي بعض الأحيان تنطلقُ “ثوراتٌ” من هنا ومن هناك، لكنها تبقى مَحْصُورَةً في حدود “الثنائية القطبية”، لتهدف إلى مُجَرَّدِ تبادلٍ في المواقع القطبية والامتيازات المرتبطة بها، أو إلى انتزاع مزيدٍ من الحقوق مع الإبقاء على المواقع القطبية. هذه “ثوراتٌ” مبتورةٌ لأنها تكتفي بالانتفاض في وجه ظواهر “الواقع السائد”، دون أن تعالج جذور هذه الظواهر، ودون أن تتجرأ على إحداث تغييرٍ حقيقيٍّ عبر التصَدّي للأزمات العميقة التي كانت السبب الجوهري في إنتاج “الواقع السائد” في الأصل.

– 6 –

لهذا فعِوَضاً عن الرفض الخطابي لهذا “الواقع السائد” والقبولِ المُضْمَرِ به، وبَدَلاً من الانطلاق منه والبناء عليه وكأنه حقيقةٌ مطلقةٌ (كما تفعل الشعبوية ومعظم المقاربات الفكرية)، لا بد من رفضه فعلاً وقولاً، ورفض التسليم به، ورفض المحافظة عليه أو الانحياز إلى أحد ظواهره أو أطرافه. لا بد من الخروج من أسْرِ “الثنائية القطبية”، والابتعاد عنها كي يَتَسَنَّى للمُراقِبِ النَّظَرُ والتمَعُّنُ في كامل المشهد. وسيسمح ذلك بإدراك “الثنائية القطبية” كتظاهُرٍ على مَسْرَحِ التجربة البشرية المتراكمة، ويُمَهِّدُ بالتالي لتفكيكها دون الالتزام المُبَسَّط بأيٍّ من حَدَّيْها. “فالنخب” جزءٌ من “الشعب”، ومقياسٌ ظاهرٌ لهذا “الشعب”، وانعكاسٌ لتَوَاطُؤِ أفراد “الشعب” على القبول بهذه “النخب” كحَيِّزٍ مَوْهُومٍ ومنفصلٍ عنه. أما “الثنائية القطبية” فهي، أولاً وأخيراً، منتجٌ مغلوطٌ يسبح في فضاء “الواقع السائد”، وعَرَضٌ جانبيٌّ لأزماتٍ عميقةٍ يتم السَّعْيُ، في اللاوعي، إلى إبقائها مُسْتَتِرَةً.

– 7 –

تقع مسؤولية هذا الرفض على كَاهِلِ جميع الأفراد وخصوصاً “المثقف” الذي استفاد عملياً من “الثنائية القطبية”، وامْتَلَكَ، عبر الاستفادة منها، الأدوات اللازمة لتفكيكها. “المثقف” الذي لا يَتَّخِذُ من الثقافة لصاقةً للتفاخر والتمييز، بل يُحَوِّلُها إلى وازعٍ إنساني وواجبٍ مفروضٍ عليه، ويعتبرها فضيلةً أصيلةً وفِطْرِيّةً تَجِبُ مشاركتها مع الجميع. يُفْتَرَض بهذا “المثقف” أن يبني ويُحَدِّدَ مواقفه بعيداً عن الإعلان عن اصْطِفَافِهِ المُبَسَّطِ مع أحد طرفي هذه “الثنائية القطبية” (أو غيرها). بل عليه الغَوْصُ عميقاً في تفكيكه “للواقع السائد” وظواهره بعد أن يتخلّى عن سطحية الطرح الشعبوي أو الاستعلائي الساذج، وبعد أن يتجاوز الصورة التقليدية للتنوير الهَرَمي المُتَّجِه من القمة إلى القاعدة. كلُّ ذلك في سبيل إعادة التعيين لظواهرِ “الواقع السائد”، والكشف عن تهافت واعتباطية “الثنائية القطبية”، والعمل المُخْلِص على إلغائها، وعلى رَدْمِ الهُوَّة المَوْهُومة والمصطنعة بين “الشعب” و”النخب”.

() كاتب سوري

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...