الرئيسية / صفحات سورية / الطائفة والطائفية تتدثران بمعطف الحداثة/ مصطفى الجرف()

الطائفة والطائفية تتدثران بمعطف الحداثة/ مصطفى الجرف()

 

 

المحمولات الأخلاقية والأيديولوجية الكثيفة التي تغطي مفهومين متداولين بكثرة هذه الأيام كالطائفة والطائفية، مع ما تحدثه هذه المحمولات من تأثير نفسي قوي ينفّر منهما، تخفي تحتها الحقيقة السوسيولوجية والتاريخية للظاهرة المهمة التي يعبر عنهما هذان المفهومان. إن النفور الأخلاقي الذي تثيره ظاهرة اجتماعية وسياسية من هذا النوع مفهوم ومشروع تماماً؛ من الطبيعي أن ينفر عامة الناس مما يقسم مجتمعهم، ويفشي بين الجيران مشاعر الكراهية، وربما يودي بهم إلى حرب أهلية ضروس يمكن أن تنتهي إلى خراب اجتماعي كامل. ولكن إذا كان من الممكن التعاطف بشكل مباشر مع هذه المعاني الأخلاقية البسيطة وتفهم ضرورتها، فإن الأمر مختلف تماماً ومعقد للغاية مع المعاني الأيديولوجية. بشكل أساسي، تنتمي مصطلحات الطائفة والطائفية السياسية كما تستعمل بكثرة في الأدبيات السياسية الشائعة، لا إلى علم الاجتماع أو علم الاجتماع السياسي، أو علم الأنثروبولوجيا، أو «علم» إنساني آخر، بل هي تنتمي في المقام الأول إلى الأيديولوجيا الحداثوية التي انتشرت لدينا بكثافة، وتبنّتها بنسخها المختلفة أغلب الأنتلجنسيا المحلية، واعتمدت عليها في تفسير الظواهر الاجتماعية والسياسية. تنظر هذه الأيديولوجيا إلى مثل هذه الظواهر على أنها تعبّر عن التخلف الذي يشكل مفهوماً مركزياً في الأيديولوجيا الحداثوية، وبحسبها تنتمي الطوائف، مثلها مثل القبائل والعشائر أيضاً، إلى العصور القديمة، عصور ما قبل الدولة الحديثة؛ وهي بذلك ظواهر خارجية لا تنتمي إلى المنطق الداخلي للحداثة، بحيث لا يمكن فهم الطائفية من خلال هذه الأيديولوجيا إلا بوصفها تلاعباً شريراً من الخارج يجعل هذه الجماعات القديمة المتخلفة ترتد إلى غرائزها البدائية اللاعقلانية. ومن خلال هذه الأيديولوجيا أيضاً يمكن اختصار الصراع الجاري في سوريا ببساطة، وبالاستناد إلى مفهوم الطائفية الذي يركّز على الاختلاف الديني المذهبي، على أنه مجرد امتداد (أو ارتداد) للصراع الديني القديم بين علي ومعاوية، تغذّيه وتشجعه وتموّله أطراف خارجية شريرة ذات أهداف مشبوهة. وهكذا يقاتل العلويون دفاعاً عن دينهم الذي لا يعرف معظمهم أي شيء عن أسراره الباطنية، أبناء السنّة الذين يخوضون جهاداً مقدساً من أجل أن يعيدوا العلويين إلى الدين الحنيف! أنا أرى بالعكس أن هذا صراع سياسي حديث تماماً، ويجب وصفه فقط بلغة الحداثة ومفاهيمها ومصطلحاتها، وأفضل عوضاً عن مفهوم الطائفة أن أستخدم مفهوم الجماعة الإثنية بحسب التعريف الذي يورده له عالما الاجتماع أنثوني سميث وإريك كاوفمان: «الإثنية هي مجموعة من السكان ذات اسم، وذات أساطير عن سلف مشترك، وذكريات وثقافة مشتركة. تجمّع من الناس لديهم وطن، ومشاعر من التضامن الاجتماعي». وبشكل مماثل فإن الفئات الإثنية هي: «جماعات لها (على ما يفترض) سلفٌ أو سلالة نسب مشتركة، ويرافقها دائماً تقريباً معانٍ عن وطن الأسلاف، وعلامات مميزة على شكل حاجز ثقافي». إن هذا المفهوم الذي يتجاوز التعريف الديني للطائفة، يعبر بشكل أفضل بكثير عن التمايز بين الجماعات، وعن كون منطقتنا مؤلفة فعلاً من «شعوب» متعددة، وليس مجرد طوائف دينية مختلفة، وإن كنت سأستمر في هذا المقال باستعمال مصطلح الطائفية، فإنني أستعمله دائماً بمعنى الإثنية بحسب التعريف السابق.

الصراع الأهلي الجاري في سوريا ليس جديداً في المشرق العربي، ولكنه ليس قديماً أيضاً إلى الدرجة التي يراه فيها العقل الاستشراقي الغربي الذي استعيرت منه أيديولوجيا الحداثة. إنه ليس سمة جوهرية ثابتة لعلاقة جماعات شرقية قديمة، تتنازع في ما بينها منذ قرون عديدة بسبب خلافات عقائدية مريرة حول الطريق الصحيح الموصل إلى الجنة. وليس أيضاً علاقة ثأر أبدي بين قبيلتين تحملان تاريخاً طويلاً من الحقد الدفين والكراهية المشتركة. يوضح أسامة مقدسي في دراسته المهمة عن الحرب الأهلية في لبنان عام 1860، وهي أول حرب طائفية كبيرة شهدها المشرق العربي، كيف أن تلك الحرب الوحشية التي دارت بين الموارنة والدروز في جبل لبنان، حدثت بعد تفكك وانهيار النظام السياسي التقليدي القديم الذي كان يقسم المجتمع المحلي إلى طبقتين محددتين من حيث المكانة والدور والوظيفة، ومنفصلتين عن بعضهما بعضاً بشكل كامل؛ طبقة الخاصة التي تملك السلطة السياسية والثقافية، وهي طبقة متماسكة متجانسة إلى حد كبير مع أنها مؤلفة من أفراد ينتمون إلى مذاهب دينية مختلفة. وطبقة «الجهّال»، أي طبقة العوام من الفلاحين والتجار والحرفيين المحكومين، الذين كانوا يعيشون طريقة حياة متشابهة تماماً، وسلماً واحداً من القيم الاجتماعية والأخلاقية، ويشتركون في الولاء لحكم طبقة الخاصة، رغم كونهم هم أيضاً ينتمون إلى مذاهب دينية مختلفة. بحسب هذه الدراسة، فإن ما سبّب فرز المجتمع المشترك إلى «طائفتين» متمايزتين بينهما حدود اجتماعية وسياسية قاطعة، هو دخول أفكار الحداثة الغربية، مثل المفهوم الحديث عن الأمة المتجانسة الموحدة، والمفهوم الحديث عن الدولة التي يجب أن تكون ممثّلة لهذه الأمة ومعبّرة عن إرادتها. هذه الأفكار التي دخلت إلى المشرق مع التغلغل الاستعماري الغربي في جسد الإمبراطورية العثمانية منذ القرن الثامن عشر، والذي فرض إرادته عليها في منتصف القرن التاسع عشر، وأجبرها على إعادة بناء الإمبراطورية بما ينسجم مع المفاهيم الغربية الحديثة ضمن خطة الإصلاح الشاملة التي عرفت بالتنظيمات. في هذا المشروع التحديثي الكبير، ومع وصول هذه الأفكار الجديدة إلى الشرائح الشعبية عن طريق البعثات التبشيرية خصوصاً، ومع اهتمام القنصليات الأوروبية بتصنيف السكان المحليين وفرزهم إلى فئات لكل منها خصائص وصفات أنثروبولوجية ثابتة؛ فئات تمّ النظر والتعامل معها كأقارب وأصدقاء، وفئات أخرى كغرباء وأعداء، بحسب هذه الخصائص التي وضعها الأوروبيون مسبقاً، وبشكل متنوع بحسب المصالح المتضاربة بين الأوروبيين المتنافسين على تقاسم الوراثة العثمانية. ضمن ذلك السياق الكبير كلّه، يمكن القول إن الطائفة الدينية قد «تقمّصت» دور الأمة بمعنى من المعاني، وباتت تطمح إلى الاستيلاء وحدها على مشروع الدولة الحديثة الذي كان قيد التشكّل، وطرد الجماعات المختلفة من أرض ذلك المشروع الجديد، أو حتى إبادتهم، إذا لم يمكن إخضاعهم لإرادة الطائفة-الأمة بشكل كامل.

السياق السوري الحالي للصراع ليس مختلفاً في الجوهر عن السياق الذي سبق ذكره، والإطار النظري الذي تم عرضه باختصار هو الإطار الصالح باعتقادي لتكوين فهم صحيح له: إنه صراع سياسي حديث بشكل كامل للسيطرة على الدولة الحديثة التي انهار نظامها السياسي القديم. في هذا الصراع تأخذ النخب المحلية للجماعات الإثنية دور الأحزاب السياسية الحديثة، وتتقمّص الجماعات الأهلية القديمة دور الأمة الحديثة. ويتم تحشيد العامة حول هذا الحزب أو ذاك، إما من أجل الانتصار للأمة المظلومة، أو من أجل الدفاع عن الأمة صاحبة الامتيازات، التي يهدد المظلومون بسحقها وإبادتها، أو بكل بساطة من أجل أن تكون لكل أمة من هذه الجماعات دولتها الخاصة التي تعبر عن إرادتها. إن كل ما يجري يحدث وفق المنطق العقلاني الصارم إلى حد قاتل للحداثة الغربية!

() كاتب من سوريا

المستقبل

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...