الرئيسية / صفحات الكتب / مراجعات كتب / الفتنة/ كنعان مكية

الفتنة/ كنعان مكية

 

فتنة» كنعان مكية والخذلان العراقي المتجدد/ عقيل عباس

«فتحت أفكار الطاغية أبواباً، فدخلناها. سقط الطاغية، فأصبحنا مدمنين إرثه: الخيانة». بهذه الكلمات على لسان الراوي في لحظة وعي متأخر وفاجع يلخص الراوي التراجيديا العراقية الحالية. إنه الخذلان وامتداداته الكثيرة الغائرة في جسد حياة العراق الذي تتبعه بجرأة واضحة، وأحياناً صادمة، رواية «الفتنة» للكاتب العراقي، كنعان مكية، الصادرة مؤخراً بالإنكليزية بعنوان آخر أكثر انسجاماً مع موضوعها: «الحبل».

تحكي الرواية حياة راويها الذي يظل من دون اسم، وتساؤلاته التي تفتتح بها احداثها بدءاً بمشهد اعدام «الطاغية» (صدام حسين) حيث الراوي شاهد عيان، وانتهاءً بحوار متخيل وكاشف له مع صدام قبل ساعات من شنقه. الراوي مقاتل شاب في التيار الصدري من النجف أعدم والده في انتفاضة ١٩٩١ وعاش في بيت عمه، القيادي الصدري، الذي اصبح معيلاً وأباً روحياً له. تبدأ تساؤلات الرواي بنقده طريقة اعدام «الطاغية» كدليل على فشل منظومة الحكم الجديدة في التصرف كدولة تنفذ اعداماً قانونياً على نحو مهني بدل فوضى انتقام طائفي متهور. فطبقاً للراوي كان الإعدام انتصاراً لصدام وليس للدولة اذ ان «الحكومة… كانت غائبة في غرفة الإعدام كغيابها عن البلد بأكمله، غياباً ملأه الطاغية بحضوره». كان ذلك الخذلان الأول: الحكومة التي خذلت حلم العراق الجديد.

تتسع الخذلانات باتساع أسئلة الراوي، ويتمحور معظمها حول فك لغز الحدث الرئيسي للرواية: جثة «العميل الأميركي» قرب مرقد الإمام علي في النجف في 10 نيسان (ابريل) ٢٠٠٣ والتي يصر الجميع على الصمت في شأن اسم صاحبها وسبب قتله حتى يأخذ جدار الصمت هذا بالتداعي تدريجياً تحت إلحاح اسئلة الراوي. الأجوبة تكشف خذلانات اخرى تزداد عمقاً وصدمةً على امتداد الصفحات التي تغطي اهم الأحداث السياسية بين ١٠ نيسان ٢٠٠٣ يوم مقتل الخوئي الابن و٣١ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٦ يوم اعدام صدام، خصوصاً تلك التي تتعلق بالصراعات الشيعية – الشيعية وأبرزها تلك الدائرة بين عائلتي الصدر والحكيم.

يكتشف الراوي ان صاحب الجثة هو السيد عبد المجيد الخوئي ابن المرجع الأعلى للشيعة بين ١٩٧٠ و١٩٩٢ ابو القاسم الخوئي.

لم يكن وجع الخذلان المتعلق بالخوئي الابن مرده فقط ان بعض اهل المدينة قتلوا ابن مرجعهم السابق وتركوه ملقى في الشارع تغطيه بطانية، بل ايضاً اكتشاف ان الآمر بالقتل هو «سيدنا»، ابن مرجعهم اللاحق، الذي يدين له الراوي وعمه بالولاء المطلق في اشارة الى السيد مقتدى الصدر. والراوي يكشف ايضاً تشابك تاريخه العائلي بالسيد عبد المجيد الخوئي، فوالده المعدوم كان صديقاً حميماً لعبد المجيد منذ الطفولة، فضلاً عن تشارك الاثنين في مخبأ سري في النجف بعد نهاية انتفاضة ١٩٩١ هرباً من السلطة قبل ان تفلح في اعتقال والد الراوي في المخبأ لوشاية مقرّب منه، بعد مغادرة الخوئي له. والخذلان الأكبر يأتي مع الصدمة الأخيرة التي تهز عالم الراوي عندما يكشف له صدام في الصفحات الأخيرة ان الشخص الذي وشى بأبيه هو عمه!

لكن الخذلانات الأعمق هي تلك التي يقترفها «البيت الشيعي» اي الثلاثة عشر شيعياً الممثلين في مجلس الحكم، او من تسميهم الرواية تهكماً «عصابة الثلاثة عشر». فعلاوة على خذلانهم صديقهم في المنفى (عبد المجيد الخوئي) عند تغطيتهم على قتلته الحقيقيين، خذل هؤلاء البلد بلجوئهم الى الطائفية لصناعة سلطتهم وقيادة البلد على دروب الدمار والدم والكراهية، إذ «يتحوّل الساسة إلى طائفيين حينما يكونون ضعفاء»، كما تقول شخصية رئيسية في الرواية.

تحتفظ الرواية بمقدار هائل، وربما مبالغ فيه، من الغضب إزاء هذا البيت أو من تسميهم «العراقيين الأجانب» الذين يشكلون «العصابة»، وتصفهم بأنهم «بلا جذور»، وهو الهاجس الذي يحرك أفعالهم في تشابه جوهري مع «الطاغية» الذي يكرهونه، لكنهم يكررونه بمشاركتهم اياه دوافعه التي تغذي الكراهية. فـ «عندما لا يكون لدى الإنسان قاعدة وسمعة بين اهله، يُضطر الى اختلاق اعداء ليخيف ويخادع عامة الناس. وهذا ما كان يفعله الطاغية».

في صفحات الرواية تضيع الحدود الفاصلة بين الشخصي والعام في انتباهة دقيقة تلتقط بذكاء معنى الاستلاب التراجيدي للفرد بواسطة السياسة. فالأحداث الشخصية، فرحاً وحزناً وفراقاً ووعياً، لا تتشكل عبر خيارات فردية مكتملة، بل عبر اضطرارات عامة تصنعها كينونات سياسية في سياقات صراع مختلفة («الطاغية»، «السيد»، «العصابة»، «إيران»، «أميركا» ألخ) تختلط فيها انتماءات ملتبسة تتمحور حول معان لا تقل التباساً عن الطائفة والعِرق والوطن والشعب والجماعة السياسية والاختلاف.

وفي انتباهة اخرى، تتقصى الرواية التحولات الفكرية والهوياتية عبر اجيال مختلفة في السياق الشيعي، في ما يبدو استرجاعاً سياسياً للذاكرة يقاوم التعتيم الاجتماعي والعائلي عليها. فإذا كان الراوي وصديقه الحميم، حيدر، القائد في جيش المهدي والمسؤول عن تهجير وقتل سنّة في بغداد، ينتميان الى جيل الإسلام السياسي ويحملان استعداداً لكراهية الآخر العراقي المختلف مذهبياً، فإن جديهما ووالد الراوي، ينتمون الى الجيل الماركسي العراقي الأقدم، بانفتاحاته الإنسانية والمثالية، لكنْ العقيمة في سياق العنف العراقي. انه جيل الأبناء الذي يخذل آمال الآباء.

يبرز هذا الخذلان الجيلي عبر صدمة المغايرة ونفاد الحلم مما تمسك به بمأسوية بعض كلمات والد الراوي في رسالته المهربة من سجن الرضوانية قبل اعدامه في ١٩٩١. فهو يخاطب زوجته بعد وصفه اهوال السجن: «لم يعد العراقيون يشبهون ما كانوا عليه سابقاً، لقد تغيروا بسبب كل هذا العنف الذي يحيط بهم ويحكمهم فأصبحوا غلاظ القلوب. سامحيهم حبيبتي وعلّمي ابنك ان يسامحهم. علميه ألاّ يسعى إلى الانتقام بسبب ما حصل لوالده وألاّ يكره».

في عالم الراوية، يتصل تناسل الخذلانات بخذلان تاريخي وتأسيسي يحدد مسارات الهوية الشيعية عراقياً عبر ثيمة الذنب التاريخي الدائم: «دخلنا نحن الشيعة هذا العالم ونحن ضحايا. ولكننا ايضاً خذلنا إمامنا عليه السلام بتخلينا عنه. بكلام آخر خنّاه. هذا المزيج الذي رافقنا تشكلت عليه هويتنا، نتكىء عليه كّما يتكىء العجوز على عكازته ليمشي».

وغضب المؤلف واضح من عجز الأنتلجنسيا الشيعية عن كسر دوامة الذنب هذه عبر تجربة حكم ايجابية تتجاوز أسر الماضي وفخاخه المعتادة.

الحياة

 

 

 

 

 

أدب الخراب الأصيل/ حسام عيتاني

تنضم رواية كنعان مكية «الفتنة» الصادرة أخيراً، الى ما يمكن ان يُطلق عليه اسم «أدب الخراب الأصيل».

لائحة طويلة من الأعمال الأدبية، الروائية خصوصاً، تناول كتّابها على اختلاف مدارسهم الفنية وانتماءاتهم السياسية، ظواهر العطب العميق في مجتمعاتنا ونزوعها الى العنف والقتل والتدمير الذاتي في معزل عن أثر الخارج وتحريضه ودوره في ترسيخ الشقاق ثم الاقتتال الأهليين واستغلالهما وتوظيفهما في جداول أعماله السياسية.

في «الفتنة» يحضر الاحتلال الأميركي للعراق كمكمل للنزاعات القديمة بين العراقيين السنّة والشيعة وبين الشيعة أنفسهم، كما يأتي التدخل الإيراني ليزيد عمق الصراعات الشيعية – الشيعية ويستغلها لأهدافه. يصح الكلام ذاته على علاقات الهزارة مع الباشتون، على سبيل المثال في رواية الأفغاني خالد الحسيني الأولى «عدّاء الطائرة الورقية»، او عمل البريطاني – الهندي سلمان رشدي «العار» حيث يرسم الخريطة التي مهدت الطريق الى الانقلاب العسكري بقيادة ضياء الحق في باكستان.

في الأعمال العربية لا تندر الأمثلة كذلك. نجدها على سبيل المثال في روايات الياس خوري مثل «الوجوه البيضاء» و «الجبل الصغير» و «غاندي الصغير» و «يالو» (او الاعمال التي تناولت الواقع اللبناني عموماً)، حيث تظهر خطوط التصدع الاجتماعية العميقة التي لا تنفك تنقلب الى حروب يتداخل فيها العاملان الشخصي والعام. او ان يحمل المشارك في الحرب عنفه ليفجره على شكل جريمة «عادية» على نحو ما فعل «يالو». اعمال قريبة الى هذا الوصف نجدها عند خالد خليفة في «لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة» وفواز حداد في «السوريون الأعداء» وغيرها. يصح ان تضاف هنا لائحة فرعية تضم أدب السجون والمنافي.

مفهوم أن لهذا النوع من المعالجة الاجتماعية – السياسية للواقع العربي من خلال الأدب، أسلافاً مثل اعمال عبدالرحمن منيف وجبرا ابراهيم جبرا، بيد أن المهم هو أصالة الخراب في المجتمعات في المشرق العربي وتلك القريبة منها والتي لم تؤدّ أعمال الغزو والاحتلال إلا الى تظهيرها وتضخيمها وإخراجها من جحورها الأزلية. ومفهوم أيضاً ان الأعمال الأدبية ليست دراسات توثيقية اجتماعية واقتصادية وفيها مجال واسع للتخيّل ولاستخدام الادوات الفنية المختلفة ضمن سياق الرواية. لكن ذلك لا يلغي النصيب، الكبير في بعض الأحيان، من تصوير الواقع وعكسه.

تشريح المآسي الاجتماعية وعلل الجماعات والأفراد صنعة قديمة في الأدب الذي لا تتوقف مهمته او رسالته ههنا. من «جرمينال» أميل زولا و «بؤساء» فيكتور هوغو مروراً بديستويفسكي في «الجريمة والعقاب» و «مذلون مهانون» وليس انتهاء بأعمال شتاينبك وفولكنر الخ… لكن ما يتعين الانتباه اليه ويمثل فارقاً اساسياً بين الأعمال الأدبية العربية ونظيرتها الغربية، يشبه ما تعيشه المجتمعات والشعوب العربية منذ عقود وخلاصته الطلاق البائن بين تشخيص المشكلة وبين القدرة على علاجها.

لا يعنينا هنا التصنيف السياسي لكاتب «الفتنة» وليست مهمة تلك الزوبعة التي يطلقها نقاده على مواقفه عشية الاحتلال الأميركي للعراق. ليس لأن مكية اعتذر عنها في الصفحات الأخيرة من الكتاب المذكور، لكن لأن ما تسعى هذه السطور اليه هو ما سماه رونالد بارت «الدرجة صفر للكتابة» حيث لا مكان للكاتب في نصه اذ يستقل هذا عن صاحبه وينشئ حياته الخاصة، على رغم ما على هذه المقولة من مآخذ.

بكلمات ثانية، يبدو أن الأعمال الأدبية العربية استطاعت على مدى عقود رؤية الأمراض والآفات السياسية والاجتماعية والثقافية، فيما تقيم السلطات القادرة على الاستفادة من الرؤى هذه في قارات أخرى.

الحياة

 

لتحميل الكتاب اتبع الرابط التالي

 

الفتنة/ كنعان مكية

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

86 − = 77

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة حوارات مختارة مع روائيات وروائيين/ هاشم شفيق

      ليس ثمة من شغف أخاذ في الحياة الروائية، وفي عالم المُتخيَّل، أكثر ...