الرئيسية / كتاب الانتفاضة / إياد الجعفري / الفيتو الأمريكي على الأسد/ إياد الجعفري

الفيتو الأمريكي على الأسد/ إياد الجعفري

 

 

ربما يجب أن نتوقع الفيتو الروسي العاشر لدعم نظام الأسد في مجلس الأمن الدولي، خلال أيام. لكن ذلك لن يمنع حراك الأمريكيين نحو إعادة مصير الأسد إلى الواجهة كورقة تفاوضية لإدارة العلاقة التنافسية القائمة مع الروس في سوريا، في وقتٍ يبدو فيه الطرفان الأمريكي والروسي، عاجزين عملياً عن تحقيق غاية مشتركة تجمعهما في سوريا، وهي الحد من النفوذ الإيراني.

 

لكن الروس والأمريكيين لن يملّوا من محاولة لجم التمدد الإيراني في البقعة السورية، أفقياً عمودياً. من جانبهم، الروس، يحاولون سد ثغرة في نفوذهم بسوريا، تتمثل في محدودية وجودهم البرّي حتى الآن، مقارنة بالنفوذ البرّي للإيرانيين. لم ينجحوا بعد في تحقيق ذلك. لكنهم يستمرون في المحاولة. ويتورطون أكثر في الميدان السوري، بصورة تشابه تورطهم التاريخي في أفغانستان، قبل أكثر من ثلاثة عقود.

 

أما الأمريكيون، فما يزالون يراهنون على حليفهم المفضّل، قوات سوريا الديمقراطية، بهدف تهشيم حلم إيران الأثير، بتحقيق الوصل البرّي بين طهران وبيروت، عبر بغداد ودمشق. هذا الحلم الذي تحقق عبر طرق ترابية غير معبدة على الحدود العراقية – السورية، منذ أشهر، يكاد يترسخ اليوم عبر طريق برّي دولي، يربط بين بغداد ودمشق، عبر البوكمال، أحد المعابر الرئيسية الثلاثة، بين العراق وسوريا. لذا، قد نشهد في الأيام القليلة القادمة سباقاً جديداً نحو البوكمال، بدأت ملامحه حينما أعلنت قيادة التحالف الدولي، الأمريكية، أن البوكمال أحد أهدافها، بالتزامن مع سعي قوات النظام السوري والمليشيات الحليفة لها، للوصول في أسرع وقت ممكن، إلى المدينة الحدودية، التي تمثّل المعقل المدني الأخير لتنظيم “داعش”، على الأراضي السورية.

 

في هذه الأثناء، يبدو أن هناك مقايضة كردية تجري مع الأمريكيين، إذ تُظهر مليشيا “قوات سوريا الديمقراطية”، شيئاً من التلكؤ، حيال سيناريو التقدم نحو البوكمال. فالمدينة ليست ذات قيمة عالية بالنسبة للأكراد، إذ لا يهمنا كثيراً فصل عرى التواصل البرّي بين العراق وسوريا، بهدف إزعاج إيران. ذلك هدف أمريكي بالدرجة الأولى. لكن على الأكراد في نهاية المطاف مسايرة الحليف الأمريكي، فلولا غطاءه الجوي، والسلاح الممول من جانبه، لما كان يمكن لهذه الميليشيا أن تحقق ما حققته. لذا، يبدو أن على الأكراد أن يسارعوا بدورهم للغرق في أوحال البوكمال. تلك المدينة التي يُتوقع أن تكون مقاومة داعش فيها شرسة، لأنها آخر معاقله المدنية المتبقية. ويجب أن يتحرك الأكراد بسرعة. ذلك أن قوات نظام الأسد، والميليشيات الإيرانية الحليفة لها، باتت على تخوم المدينة من الجنوب الشرقي، وتتقدم بوتيرة متسارعة، باتجاهها.

 

لكن، ما الذي استجد كي يعيد الأمريكيون مصير الأسد إلى الواجهة كورقة تفاوضية؟.. الجواب كان في ذلك السباق على موارد المنطقة الشرقية من سوريا، ومعبرها الاستراتيجي مع العراق. فالأمريكيون لن يرضوا بأسدٍ إيراني، وروسيا عاجزة عن نزع أنياب الإيرانيين من جسد النظام المُنتهك. وقد أظهرت موسكو أنها قد لا تذهب بعيداً في الصدام مع الإيرانيين، لأنها حتى الآن، لا تمتلك مقومات في الميدان السوري، تسمح لها بالاستغناء عن الحليف الإيراني. مما يعني أن الإيرانيين قد يكونون أصحاب المكسب الأكبر على التراب السوري، في نهاية المطاف.

 

فمنذ هجوم خان شيخون الكيماوي، تشعر الإدارة الأمريكية بشكوك كبيرة حول قدرتها على تحقيق أهداف حيوية في سوريا. ذلك أن أحد أبرز أهدافها، نزع الترسانة الكيماوية للأسد، بالتفاهم مع الروس، قبل بضع سنوات، ثبت أنه كان مجرد وهم. فترسانة الأسد الكيماوية ما تزال موجودة، وقادرة على الفعل. ومع وقوعها في قبضة الإيرانيين. ووجود هؤلاء على تخوم شمال إسرائيل من جهتين، جنوب لبنان، والجولان، يبدو أن المشهد الاستراتيجي ليس في صالح الإسرائيليين. والروس أثبتوا عجزهم عن فعل ما يكفل الأمن الإسرائيلي.

 

لكن، ماذا تعني إعادة مصير الأسد إلى الواجهة كورقة تفاوضية؟.. هي تعني من دون شك، أن العلاقة التنافسية بين الروس والأمريكيين في سوريا، تسير نحو الافتراق، أكثر مما تسير نحو الاتفاق. وعوامل الصراع في تلك العلاقة، تفوق عوامل التنسيق والتفاهم. ويعني ذلك، أن الصراعات الميدانية على التراب السوري لن تتوقف قريباً. وأن مصير نظام الأسد، وقمة هرمه ما تزال غير آمنة، تماماً.

 

بطبيعة الحال، لن يتخلى الروس عن الأسد بسهولة، إن لم يكن لديهم بديل يضمن لهم مصالحهم ونفوذهم في هذه البقعة من المنطقة. لكن الأمريكيين بدورهم يسيرون باتجاه عرقلة المساعي الروسية الحثيثة لترسيم خاتمة للصراع السوري – السوري، وفق التصورات المرسومة في موسكو. لا يعني ذلك بالضرورة، أن مسار آستانة قد يكون في خطر. لكنه يعني أن مسار جنيف قد يستعيد دوره التنافسي، بما يحبط الآمال الروسية في إنهاء الصراع المسلح، بالصورة التي يأملونها، من دون المزيد من التورط العسكري المباشر في الميدان السوري.

 

نهاية عهد الأسد، التي أعلنها وزير الخارجية الأمريكي، ريكس تيلرسون، قبل أيام، هي من دون شك، ورقة تفاوضية لا أكثر. لكن من دون شك، أيضاً، هي تعبير عن معضلة تسد آفاق التفاهم بين الأمريكيين والروس في سوريا، وتتلخص في العجز عن لجم النفوذ الإيراني، الذي بات الأسد، حتى من دون إرادته، أحد تجلياته.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هل هي خاتمة النصرة؟/ إياد الجعفري

    خلال أسبوع فقط، وُضعت اللمسات الأخيرة على ما يبدو أنه مفترق الطرق الأخير ...