الرئيسية / صفحات الحوار / الكاتب التركي أورهان باموك عن روايته الجديدة: وداعاً اسطنبول التي أحببتها

الكاتب التركي أورهان باموك عن روايته الجديدة: وداعاً اسطنبول التي أحببتها

 

 

تصدر قريباً رواية الكاتب التركي اورهان باموك (نوبل الأدب عام 2006). وتقدم جدارية ضخمة، عن اسطنبول الماضية بحنينها، والتي هي في طريق الانقراض، واسطنبول الحالية. فهو كاريكولوجي، يحفر عمقاً، وفي معظم كتبه، تاريخ بلاده ومواطنيه المتأرجحين بين الشرق والغرب، بين الدين والجيش، بين الاسلام السياسي والعلمانية. وأورهان لم تنقصه الشجاعة في اعلان موقفه من الأحداث السياسية الجارية في هذه التي تهز بلاده، وقد وضعه النظام على اللائحة السوداء باتهامه «شتم الهوية التركية»، وتلقى تهديدات بالقتل من المتطرفين القوميين، أو تصريحه بعدد الأرمن والأكراد الذين قتلوا في تركيا. غاب عدة سنوات في الولايات المتحدة، وعاد، وهو برغم عدم انتمائه السياسي، فله في كل حادثة، أو قضية رأيه الخاص.

هنا ترجمة لمقابلة أجرتها مجلة «الاكسبرس» الفرنسي، يتكلم فيها عن شخصيات روايته، وآرائه ومواقفه، وعن مدينة اسطنبول التي يعشقها، رواية بعنوان «هذا الشيء الغريب فيَّ» صدرت ترجمتها الفرنسية نحن دار كراسيه بباريس.

] هل شربت «بوزا» قبل هذه المقابلة؟

– لا، إنه مشروب ويحب تذوقه في ليلة اسطنبولية يسقط فيها الثلج…

] لماذا وضعت هذا المشروب التقليدي في قلب الرواية؟ أَلحنين الى اسطنبول في طريقها الى الاحتفاء؟

– إنها رواية – تتكلم على المهاجرين الفقراء الذين كانوا يأتون من الأناضول وغيّروا اسطنبول في سنوات 1970 و1980. رواية باعة الشوارع، أحلامهم وحياتهم. كان يمكن أن اختار بائع رز ودجاج، أو قوالب محشي وهي لا تزال في شوارع اسطنبول، لأنني أكلت كثيراً من هذا الطعام أثناء كتابتي الرواية، لكن الـ«بوزا» مهمة لأنها خفيفة التخمير. تحتسي ثلاث كؤوس وتقدّم لك نسبة الكحول ذاتها التي تجدها في زجاجة بيرة. العثمانيون التقليديون، الذين كانوا يحتسون الـ«بوزا»، لم يكونوا يعرفون أنّه يحتوي على الكحول وكانوا يحبّونه كثيراً: كان يشرع زهوة الكحول، حتى جاء رجال الدين ووضعوا في مرتبة الكحول. أتاتورك الذي سمح بتبادل الكحول، في تركيا، أحبه كثيراً. لكن حتى بعد جمهورية أتاتورك العلمانية، استمرت الناس في تناوله: ليس من أجل الكحول بل من أجل الطقوس، لأنه يذكر أيام العثمانيين الجميلة بالنسبة الى الطبقة الوسطى في اسطنبول. يتيح الـ«بوزا» لشخصياتي التساؤل حول هويّتنا.. هل هي مؤسسة على الإسلام، على الدين؟ وعندها، ولأنّ الـ«بوزا» لأنه يحتوي على الكحول فهو محرم؟ أو هل أن هويتنا مبنية على هذه الأمور الصغيرة من تاريخنا؟ وفي هذه الحالة، ألا يشكل مشروب الـ«بوزا» جزءاً من هويتنا؟

] القارئ مأخوذ بهذه الكآبة الجميلة في الكتاب. اخترت بطلاً للرواية بائع «بوزا» – ما زال يعبّر المدينة ليلاً في حين أن اسطنبول ما عادت تريد من هذه الأشياء العثمانية القديمة…

– لا أظن روايتي كئيبة، وما زالت الناس تحتسي الـ«بوزا» اليوم وإن بالزجاجة. روايتي عكس كتاب عن اسطنبول الجديدة، على الحيوية والدينامية لهؤلاء الناس الذين أتوا من الأرياف الفقيرة، والذي، عكس روايات ديكنز، هم فقراء في البداية. لكنهم سيشقون طريقهم في المدينة ويصبحون الطبقة المتوسطة لسنوات الـ2000. مفلوت ليس مثلي. فهو لا يبالي ببورجواز اسطنبول، ومن أزمنة العثمانيين. انه يبني، بطريقة تفاؤلية، اسطنبول الجديدة مع أولاد أعمامه من اليمين المتطرف وأصدقائه من اليسار المتطرف. اجتماعياً، جغرافياً، مثالياً دينياً، فهو مختلف عني، لكن بعد عمل دام ست سنوات من العمل لإحيائه، بدأت أتماهى به من خلال نقطتين، الأولى، هي، أنه عندما يمشي في الليل في المدينة بعصاه، ومعه مشروع البوزا ويرى الظلال، وضجيج الكلاب، والمقابر وكل هذه الأشياء الغريبة، تتحرك مخيلته بطريقة مشابهة لمخيّلتي.

والنقطة الثانية، انه، وبعد قضائه أربعين عاماً في شوارع اسطنبول تدرك شخصية كتابي، مثلي، ان الزمن ينقضي، وان الأبنية، والجسور، وكل ما يلمس شغاف قلبه هو في طريقه الى الانقراض.

كم عدد الناس الذين رأوا مدينتهم تنتقل من مليون الى 15 مليوناً من السكان؟ أنا رأيت، وهذا مخيفة. ومفلوت رأى ذلك، ويفهم أن موجة كبيرة من التاريخ تسحق شيئاً فشيئاً ذكرياته، طريقة حياته.. وبحسب من خلال هذه الفوضى شيئاً جديداً آنياً، وان الاحتفاظ بالأشياء بلا جدوى. وبعد تأليفي كتباً منذ 40 عاماً، فهذا هو ما أحس. وهذا ما يحسه مفلوت أيضاً. ولهذا يمكنني أن أقول «مفلوت هو أنا».

] هل ما زالت، رغم الوضع، رغبتك قائمة في العيش في اسطنبول، المدينة التي كانت مسرح كل رواياتك؟

– أنا دائماً سعيد في اسطنبول، برغم ان الوضع السياسي رهيب. اسطنبول بالنسبة إليّ هي البيت. وبعد المحاولة الانقلابية، رحت ودرست في جامعة كولومبيا في نيويورك، لكني رجعت لأني متشوق لمعرفة ما كان يجري هنا.

«أنا غاضب، وخائب مما أصبحت عليه بلادي». قلت ذلك بعد إعلان اعتقال أحمد وأحمد التان في أيلول 2016 «حرية الفكر في تونس عاشت» كما أضفت.

– من غير الطبيعي قبول أن شخصاً تعرفه سواء كان حديثاً أو كاتباً متخيلاً، يرمى في السجن في بلادك، لأنه انتقد الحكومة. لسوء الحظ، فهذا الأمر غالباً ما يحدث…

اليوم هناك أربعون ألف شخص في السجون لأنهم انتقدوا الحكومة، وتقول لنا منظمات الرقابة العالمية أن هناك 140 صحافياً مسجونون أيضاً. وفي معظم الحالات، فالصحافيون يودعون السجن قبل المحاكمة وهذه القضية يمكن أن تدوم سنوات…

] وتكلمت عندها «ان الدولة قائمة على الخوف». عندما نرى أن هؤلاء الصحافيين متهمون بالارهاب، أيجب علينا اعتبار أن الديموقراطية ما زالت موجودة في اسطنبول؟

– لسنا في نظام ديموقراطي كامل لكن نظام ديموقراطي انتخابي، مع جرعات قليلة من حرية التعبير. فالمحاكم تسيطر عليها السلطة.. ويغذي اللاعقلاني الخوف. الويكيبديا التراثية، مثلاً مقلقة.. ولا أحد يعرف لماذا؟ علماً أن الطلاب يحتاجون إليها.. هذه اللاعقلانية مرتبطة بواقع أن الشكاوى هي عشوائية.. كل فرد يمكن أن يعتقل أياً كان، وسيحققون ما اذا قام ابن عمك بإجراء مكالمة مع «إرهابي» قبل عشر سنوات. فكل الناس «إرهابيون».

] لماذا أردوغان الذي أصبح عمدة اسطنبول لم يذكر على لسان أي من شخصياتك؟

– شخصياتي ليسوا مثقفين وصحافيين. بعضهم يدافع عنه ويصوّت له، لكن دوامغهم تختلف عن المثقفين والصحافيين. بالنسبة الى شخصياتي، فإن القوانين المقررة من البلدية حول تجارة الشوارع أهم من آخر التطورات السياسية. كنت أريد، وأقولها لك، أن أكتب رواية عن الطبقات الاجتماعية التراثية الفقيرة جداً الذين هاجروا الى اسطنبول في سنوات 1970… الكتاب اليساريون الذين جاؤوا قبلي، كتبوا قليلاً عن هؤلاء الناس.. وعندما كانوا يكتبون، فهؤلاء بالنسبة إليهم بروليتاريا، وكانوا يجهلون تماماً الاشكالية الدينية الى درجة أنهم فوجئوا بأن هذه البروليتاريا يمكن أن تصوت للمحافظين. أنا كنت أريد أن أكتب عن هذه الطبقة الفقيرة من دون تجاهل دينهم. وهذا لا يعني أن هؤلاء الناس ينحازون الى الإسلام السياسي، حتى وإن سجّلت الرواية صعوده بقوة.

] فاجأتنا حرية شخصياتك النسائية، لا سيما الأخوات الثلاث، فيديها، رابحه، وسميحة.. تجعلهن يتكلمن بصيغة المتكلم كالرجال؟

– أنا سعيد لأنك أحببتهن، لأنهن مُهمات جداً بالنسبة إليَّ. للمرة الأولى في رواياتي تعارض النساء صدقية التاريخ كما يرويها الرجال. ومن خلال استخدامهن السخرية، يشهدن على الواقع التالي: على قدر ما تتعرض النساء للقمع، يوسعن ذكاءَهنّ، وحسّهن بالسخرية، ولغة مشحوذة، يعبّرن عن غضبهن، ويدافعن عن أنفسهن باللغة، والسخرية.

] هناك خلاف عميق بين الرأي الشخصي للمواطنين والمنحى الرسمي هو برهان قوة دولتنا.. كما جاء في أقلام الصحافي سيلام سيلال ساليك؟

– على امتداد العقود الثلاثة الماضية، أصبح الحكم أكثر فأكثر قمعياً. الناس يُعتقلون لأسباب عشوائية، ومن الطبيعي عندها أن تصبح الآراء الشخصية والعمومية متناقضة. كل الناس يتكلمون بحذر على التلفون، يكرّرون دائماً أن تأخذ ألا تتكلم عن رئيس البلاد علناً، لأن هنا دعاوى كثيرة بتهمة شتم الرئيس، وكثير من المخبرين يتوجهون الى دوائر الشرطة عندما يسمعون شيئاً عن الحكم. لكن هذا لا يغيّر آراء الناس. فقط، هم لا يعبّرون عن آرائهم.

الغضب يتصاعد في الأمة ونحن نحسّه، لكن لا أحد يريد أن ينتهي به الأمر في دائرة الشرطة لأنه انتقد السلطة ذات مساء مع أصدقائه.

] أما زلت، برغم كل ذلك متفائلاً، كما بطل روايتك مفلوت؟

– آه، التفاؤل والتشاؤم. إنه الموضوع المفضّل للمناقشات التي جرت بيني وبين أصدقائي. قبل عشر سنوات، عندما أصابني تعرّضت لمضايقات قال لي أصدقائي هنا وفي الخارج: «أورهان اترك البلاد لحظة»، وهذا ما فعلت. وبعد محاولة الانقلاب العسكري، طلبت مشورة أصدقائي لأنني كنت قلقاً من قوة القمع؛ وهنا كان الأمر يتراوح بين 50/50 بالمئة. بعضهم نصحني بالرحيل وبعضهم الآخر بالبقاء. وضعي الشخصي أقل أهمية مما يحدث في البلاد. فانحزت الى معسكر المتفائلين أهو موقف ساذج؟ سأخبرك على ما يؤسس تفاؤلي: قبل أسبوعين من إجراء الاستفتاء على الساحل الآسيوي، في كاديكو، كان هناك مكان مليء بملصقات الدعاية لـ«نمر».

في كل مكان كان «نمر، نمر، نمر»، وكان صغيراً، لأناس يناضلون بـ«لا». وبالرغم من هذا الحضور الكاسح لأفيشات ودعايات الموافقة بـ«نعم»، وصغر القضاء المخصص حيث يتظاهر الناس، و80% من سكان كاديكون قالوا «لا». حتى في بيئة غير موالية، كانت النتيجة «لا»، مع اعتقالات في الأناضول للذين صوّتوا بـ«لا».

لقد وجدوا الوسيلة لقول «لا». في اسطنبول، أنقره، أزمير، والمدن الكبرى، هيمنت «اللاءات» هذه الأمور هي التي جعلتني وتجعلني متفائلاً.

تقديم وترجمة: بول شاوول

المستقبل

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف عيساوي: “فايسبوك” منبري لتقصي الإلحاد

    حاوره: وليد بركسية “هذه المقابلة ستجعل أي تلفزيون يرفض العمل معي في المستقبل”. ...