الرئيسية / صفحات الحوار / اللّعب مع فريديريكو فلّيني

اللّعب مع فريديريكو فلّيني

 

 

إنّه “الظّاهرة السّينمائيّة الأكثر أهمّيّة بالنّسبة إلى عصرنا هذا”، يقول آنجيلو سولْمي في كتاب عنه. ويكاد يجمع على هذا الرّأي أبرز وجوه السّينما والأدب والفكر في القرن العشرين. حتّى أولئك الذين لم يجدوا في “روحانيّة” فلّيني أو “مسيحيّته” المخصوصة ما يتّسق وفلسفاتهم، فإنّهم لم يقدروا على الالتفات دون عبقريّة الرّجل والفنّان: مستويان، لطالما أكّد المخرج الإيطاليّ اتّحادهما لديه وتطابقهما على نحو عجيب.

ألبرتو مورافيا يقول إنّ معظم الفنّانين يتمسّكون بما هو أيديولوجيّ في فنّهم أكثر من طريقة تمثيل هذا الأيديولوجيّ وتقديمه فنّيّا. إذ حسب رأيه، ذلك المستوى الفكريّ هو ما دفعهم إلى خلق آثارهم دون الفصل بينه وبين المستوى التّعبيريّ. ومع ذلك، فإنّ أيديولوجيا فلّيني وإن لم تكن بالنّسبة إليه موغلة في الفرادة والأصالة، فإنّ له عبقريّة لا نظير لها في مستوى التعبير عنها فنّيّا على نحو مغالٍ في أصالته[1].

ههنا نقدّم، حوارا وجيزا أعدّه السّينمائيّ الفرنسيّ دومينيك دولوش مع المخرج. ووسمه، حين نشره في “دفاتر السّينما” (العدد 57)، بـ “لعبة الحقيقة”: مجالٌ لطرح الأفكار على نحو مقتضب ومكثّف، مواقف ونزعات ذاتيّة وتمثّلات للحياة والإنسان في كلمات برقيّة ولاعبة. ومن أشدّ لعبا ممّن يقنع روسلّيني أنّ يكتب له سيناريو لفيلم مقتبس من قصّة روسيّة لكاتب نسي اسمه، بينما يُنجز الفيلم ويُكتشف بعد سنوات أنّ القصّة كانت منذ البداية لصاحب السّيناريو نفسه، الرّوسيّ المتخيّل والإيطاليّ في الواقع… الإيطاليّ على نحو مبالغ فيه إلى درجةٍ أصبح معها رمزا تاريخيّا وثابتا لأرض روما؟

 

لعبة الحقيقة

-لو كان عليك أن تعيد حياتك من جديد، أيّ مهنة ستختار؟

-السّينما.

-أيّ ممثّل كنت لتفضّل التّعامل معه وتوجيهه؟

-شارلو (شارلي شابلن)

-الموسيقيّ المفضّل لديك؟

-سترافنسكي، وطبعا نينو روتا.

-الرّسّام المفضّل؟

-بوتّيتشالّي.

-بالنّسبة إليك، من هم المعلّمون في مجال السّينما؟

-شابلن وروسّلّيني.

-ما هي الآثار الأدبيّة التي أثّرت فيك أكثر من غيرها؟

-آثار كافكا، أورلاندو فوريوزو ومقالة السّحر لإيليفاس ليفيس.

-أيّ الشّخصيّات كنت لترغب في لقائها؟

-عيسى المسيح، كاغليوسترو، القدّيس فرانسوا والشّيطان.

-لو مُنحت ثلاثة أعمال من القدرة المطلقة؟

-لن أقوم بأعمال أخلاقيّة. ولكن بدل ذلك، سأقوم بأعمال فضوليّة:

أ-سأموت ليوم واحد كي أجرّب إعادة بعث الرّوح.

ب-سأحلّ في حيوان… ثعبان.

ج-سأحلّ في شجرة.

-ما هو العصر والبلد الذين كنت لتفضّل الحياة فيهما؟

-كلّ العصور وكلّ البلدان.

-لو كنت تمارس هواية ما. ماذا ستكون؟

-السّحر.

-هل كنت لترغب في شطب شيء ما من حياتك السّابقة؟

-في أعماقي، ليس لديّ أيّ ندم إزاء الأعمال السّيّئة التي قمتُ بها. لقد ساهمت هذه الأعمال في أن تصنع منّي الشّخص الذي أكونه الآن. (يضحك). إنّ ندمي الوحيد متمثّل في السّماح للمنتجين الذين عملت معهم أن يدفعوا لي أجورا ضئيلة جدّا، أولئك الذين ربحوا ثروات طائلة من أفلامي.

-هل كنت لترغب في إضافة شيء ما إلى حياتك؟

-ربّما، في ما يتعلّق بفضولي إزاء ما هو عجائبيّ.

-أكبر فضيلة إنسانيّة بالنّسبة إليك؟

-محبّة القريب (الجار). إنّه من العسير تطبيقها في الحياة.

-أكبر عيب أو رذيلة؟

-الأنانيّة.

-لو كان عليك أن تموت غدا، ماذا تفعل؟

-سأدفع نفسي إلى أن أكون أكثر انتباها إلى “قريبي”. وفي كنف الهدوء، سوف أحاول فهم الأشخاص الذين يحيطون بي ومعرفة إن كنت شخصا ذا قيمة بالنّسبة إليهم.

-ما الذي تنتظره من الحياة؟

أحيانا، أملك رغبة دقيقة ومحدّدة. ولكنّني، في الغد أنساها. أرنو إلى مزيد من الاتّساق الدّاخليّ والتّجانس في ما يخصّ وجودي وكينونتي.

-متى تكون في أسعد لحظاتك؟

-عندما أكون بصدد التّصوير، لأنّني أنسى الأشياء التي ندمت على عدم القيام بها. وأنسى مخاوفي.

-ما هي هذه الأشياء؟

-…

-ما هي المخاوف؟

-الخوف من السّقوط، من أن أثقل نفسي. هناك خطّ عموديّ في ما هو روحانيّ ينطلق من الدّابّة وصولا إلى الملاك. وعلى هذا الخطّ، نتأرجح نحن. كلّ يوم جديد وكلّ دقيقة هي احتمال لخسارة جزء من الأرضيّة والسّقوط في الدّابّة.

-وماذا بالنّسبة إلى احتمالات الصّعود؟

-إنّها علاقاتنا مع الأقرباء والمحيطين بنا. الحبّ.

-أيّ شخصيّات أفلامك هو الأقرب إليك؟

-شخصيّات “لا سْترادا” الثّلاث، وخصوصا “زامبانو”. في “إل بيدوني”، إنّه “آوغوستو”. كلا الشّخصيّتين هما والدان. لكنّ آوغوستو أكثر اقترافا للذّنب والخطأ. إنّه ماكرٌ لأنّه أكثر وضوحا ودقّة في فكره.

-ما هو موضعك من المسيحيّة؟

-أؤمن بالمسيح، لا بوصفه أعظم شخصيّة في تاريخ الإنسانيّة فحسبُ، بل بوصفه أيضا من يستمرّ في الحياة داخل الكائن الذي يضحّي بنفسه من أجل “القريب” أو “الجار”. “إل ماتّو” هو أيضا المسيح. أنا لا أعرف الدّوغمائيّات الكاثوليكيّة. ربّما أكون مهرطقا. فمسيحيّتي تحافظ على المستوى الخامّ. أنا لا أمارس الطّقوس الدّينيّة. لكنّني أعتقد أنّ الصّلاة يمكنها أن تكون “الجمباز” الذي يجعلنا شيئا فشيئا أقرب إلى ما هو متعال ومتجاوز للطّبيعيّ.

[1] ورد هذا الرّأي في كتاب:

Frederico fellini, Gilbert salachas, Seghers, Cinéma d’Aujourd’hui, 1963, p. 210.

المترجم: أشرف القرقني

ضفة ثالثة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بسمة قضماني: العالم ينتظر بديلاً عن الأسد.. وهذه مسؤولية المعارضة

      جنيف- محمد شيخ يوسف: قالت المتحدثة باسم المعارضة السورية في مفاوضات مؤتمر ...