الرئيسية / كتاب الانتفاضة / أكرم البني / المبادرة الروسية –مقالات مختارة-

المبادرة الروسية –مقالات مختارة-

سورية بين الدب والحمار…/ عمر قدور

يريد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الإيحاء بأن بلاده أمسكت نهائياً بالملف السوري، إذ يحذّر المعارضة السورية بفقدانها مواقعها في مجمل العملية التفاوضية إذا امتنعت عن حضور لقاء موسكو. وهو تحذير من المرجح ألا يكتسب أدنى صدقية لولا تبرع جون كيري وزير الخارجية الأميركي، في اليوم نفسه، بتصريح يؤيد فيه المساعي الروسية (لجمع الأطراف السورية في محادثات سلام). في الواقع، كانت الخطط الروسية قريبة جداً من الانهيار، فأطراف من المعارضة السورية، بما فيها تلك التي تربطها بموسكو علاقة جيدة، أعلنت تحفظات قوية على مجمل الخطة، وأيضاً على الجوانب الإجرائية فيها، بخاصة دعوة شخصيات موالية للنظام واحتسابها على المعارضة.

وإذا كان مفهوماً منذ البداية ألا تنطلق المبادرة الروسية من دون موافقة أميركية، فإن تبرع كيري بإنقاذها يؤشر إلى الإسناد الخلفي الذي تقدمه إدارته، ويذكّر بولعها بما يدعى سياسة اللعب من الخلف، أي أننا على الأرجح أمام مبادرة لا تقدّم فيها الإدارة تنازلات علنية في الشأن السوري، لكنها تضغط مواربةً على المعارضة لتقوم هي بتقديم التنازلات المطلوبة تزامناً مع إقصاء مجموعة «أصدقاء سورية» التي أطاحت الإدارة فاعليتها على مراحل، وصولاً إلى إنهاء دورها الإنساني. في الوقت نفسه، أطاحت الإدارة ائتلافَ المعارضة، الذي سبق أن نال اعترافاً تمثيلياً منها ومن دول أخرى فاعلة في الملف السوري، وبذلك مهدت الطريق للقوى التي لا تشترط رحيل الأسد في تسوية سياسية مأمولة.

غير أن دعم المبادرة الروسية لا يعني تبنيها بالمطلق. فسياسة اللاعب الخلفي تحتاط من مسؤوليتها عن الفشل، وقد تفسح في المجال أمام الآخرين ليثبتوا فشلهم. هكذا، على سبيل المثل، لا تظهر الإدارة مسؤولة عن فشل مجموعة أصدقاء سورية، على رغم فرملتها المندفعين فيها، ولا تظهر مسؤولة عن بؤس المعارضة على رغم تخليها عن دعمها وتنصلها من الكثير من الوعود. بل، حتى لا تظهر مسؤولة عن الفشل الإيراني والروسي في سورية، فهي قد أتاحت عملياً لحليفي النظام تقديم أقوى أنواع الدعم، وهما من فشل في إنقاذ النظام حتى الآن.

إذاً، من المرجح للإدارة الأميركية الاحتفاظ بتوقعات منخفضة من لقاء موسكو المقبل، وإذا لم يكن النجاح ممكناً فلن يضيرها الفشل بشيء، ولا يُستبعد أن تعمد إلى إفشاله حين تقتضي سياستها ذلك. الأولوية الآن في السياسة الأميركية هي محاربة «داعش»، ولا مانع من اتفاق المعارضة مع نظام الأسد لعزل المتطرفين ما دام ذلك يصب في أولويتها. تنحية الأسد لم تكن لها الأولوية يوماً، مع أن الإدارة تحبّذ حلاً من دونه، لكنها طوال السنوات الخمس الماضية لم تضغط من أجل تنحيه. ما تسمّى عقدة الأسد ربما قد تكون وجدت طريقها إلى الحل، حيث لا تمانع الإدارة في بقائه مجرداً من بعض الصلاحيات التنفيذية، بينما «الشريك» الروسي يعمل على منح المعارضة حصة تنفيذية صغيرة خارج منظومتي الجيش والمخابرات تحديداً.

اتفاق الطرفين يجرى تظهيره على أرضية مكافحة الإرهاب، وليس إطلاقاً على أرضية الحقوق المشروعة للسوريين. الاتفاق مبني على أن أجهزة الجيش والمخابرات الحالية هي وحدها من يستطيع مكافحة الإرهاب، ومن دون تغيير حقيقي في تلك الأجهزة. التشكيك الدائم في قدرة المعارضة السورية على تسلم هذا الملف يعني القول بأحقية نظام الأسد به من جهة الروس، أما المخابرات الأميركية فقد اختبرت سابقاً التعاون الجيد الذي أبداه النظام إثر أحداث أيلول (سبتمبر)، وعلى رغم اعتراضها على ازدواجيته في ما يخص مكافحة الإرهاب لم تعلن على نحو حاسم أنه شريك للإرهاب، باستثناء تصنيفه القديم على لائحة وزارة الخارجية. ثم، إن فشل المبادرة الروسية قد لا يزعج الكثيرين. فالروس أنفسهم لم يكونوا إلى وقت قريب من دعاة الحل، وإذا لم يتمكنوا من فرض رؤيتهم في المفاوضات فلن يتأسفوا على انهيارها. الحليف الإيراني ليس مستعجلاً الحل، على الأقل لا يريده الآن وبمعزل عن مفاوضات الملف النووي. النظام السوري، كشأنه منذ حوالى خمس سنوات، لا يمانع في عملية غير جادة تمنحه مزيداً من المماطلة والوقت. في الجانب الأخير، قد يلتقي النظام والإدارة الأميركية التي لم تمانع في منح النظام مهلة تلو الأخرى، لا محبة به وإنما لغياب سياسة أميركية قوية واضحة إزاء الملف السوري.

سورية، بخلاف ملفات أخرى شائكة، تبدو كأنها من مخلفات الحرب الباردة، حيث لجأت القوتان الكبريان إلى احتكار ملفها بعيداً من القوى الدولية والإقليمية الأخرى، ومنذ اتفاق «جنيف – 1» بينهما تنازلت الإدارة الأميركية لنظيرتها الروسية عن أوراق كثيرة، منها التفسير الروسي للاتفاق. ذلك يعيد إلى الأذهان عهد القطبين من جانبه الأكثر سوءاً، حيث لم يكن الاتفاق بينهما خارج القضايا الاستراتيجية الكبرى إلا تنازلاً عن النفوذ في إحدى الدول الصغيرة من أحدهما للآخر. مفاوضات موسكو قد تشبه عربة يجرها الدب الروسي ويدفعها الحمار الأميركي، وربما يكون ضرورياً التذكير بأن الديموقراطيين هم تقليدياً أقلّ انخراطاً في شؤون المنطقة العربية، وأقل حماسة للتغيير فيها، من نظرائهم الجمهوريين. وإذا كانت سياسة الديموقراطيين تميل تقليدياً إلى حقوق الفئات الأدنى اقتصادياً واجتماعياً في الولايات المتحدة فهي لا تُظهر الاهتمام نفسه تجاه الفئات أو الشعوب المضطهدة خارج أميركا، بل إن الديموقراطي أندرو جاكسون الذي كان أول رئيس يستخدم الحمار كرمز للتقرب من الطبقات الأدنى، هو ذاته الذي وقع على قانون ترحيل الهنود الحمر إلى الغرب الأميركي بالقوة.

سورية ليست أوكرانيا، بالنسبة إلى أميركا وإلى روسيا، ما يجمع الطرفين هنا عدم امتلاك سياسة فعالة. الروس، ما عدا تفضيلهم بقاء النظام الحالي بكل مساوئه، لم يتقدموا خطوة إلى الأمام بدعوتهم شخصيات يريدون فرض بعضها على المعارضة، وأخيراً يريدون فعل ذلك تحت تهديدات لافروف. أما إدارة أوباما فلسان حالها يشبه ما قاله إسحق رابين يوماً ما، عندما تمنى أن ينام ويفيق فيرى قطاع غزة قد غرق في البحر. المفارقة أن غياب سياسة أميركية فعالة هو ما يدفع موسكو إلى الصدارة، وهو أيضاً بسلبيته التامة ما ينذر بفشلها.

الحياة

 

 

 

لمبادرات سلام في سورية لا لأقنعة استمرار الحرب/ برهان غليون

أصبح من الواضح، اليوم، بعد إعلان أكثر من طرف من أطراف المعارضة السورية، رفضه تلبية دعوة القيادة الروسية في بدء مفاوضات مع نظام الأسد من دون شروط، ولا أجندة محددة، ولا اعتراف مسبق بالمعارضة طرفاً، ولا بشرعية المطالب التي تبنتها، بالوكالة، عن ملايين السوريين الذين قاموا ضد حكم الديكتاتورية، وضحوا بأبنائهم، واضطروا إلى النزوح عن أحيائهم ومدنهم وبلادهم، أقول أصبح من الواضح أن موسكو خسرت المبادرة التي كانت قد أطلقتها، وتفاءل سوريون كثيرون بإمكانية أن تكون بداية الخروج من المحرقة التي وضعهم فيها النظام. وسبب هذه الخسارة، أو بالأحرى الفشل الذي لم يكن أحد يتمناه أو يسعى إليه، هو تجاهل الروس هذه المطالب الشرعية والمشروعة بالذات، واستهتارهم بالمعارضة السورية إلى درجةٍ اعتقدوا فيها أن من حقهم، وفي وسعهم أن يعينوا هم أنفسهم بالاسم من ينبغي أن يكون في وفدها المفاوض، ومن لا ينبغي أن يكون، واحتقارهم عقلها بتخيلهم إمكانية دفعها إلى التضحية بإطار مؤتمر جنيف، والذي يستند إلى قرارات دولية واضحة، تترتب عليها التزامات أممية، لمجرد التلويح لهم بزيارة موسكو، ونيل حظوة تسجيل اسمهم في قائمة معارضتها.

وربما شجعهم على هذا الموقف المستهتر بالمعارضة ووعيها اعتقادهم أن الرياح تجري في غير اتجاهها، وأن تبني المجتمع الدولي أجندة الحرب ضد الإرهاب يهدد بتغييبها نهائياً من الصورة، كما يهدد بتغييب القضية السورية بأكملها. كما شجعهم عليها موقف دول عديدة، بما فيها مجموعة أصدقاء الشعب السوري الداعمة للمعارضة، والولايات المتحدة على رأسها، التي لم تعد تخفي أن الصراع على سورية لم يعد يشكل بالنسبة لها الرهان الرئيس، أو أولوية في هذه المرحلة، وأن المطلوب، اليوم، أن يتفرغ الجميع للحرب المشتركة ضد التطرف والإرهاب، الذي سيبقى محور الصراع في المنطقة سنوات، وربما عقوداً طويلة. ويرتبط بهذا التفكير الاعتقاد، أيضاً، أن الخوف من التنظيم الإرهابي سيكون كافياً لتشجيع المعارضة والنظام على التقارب والتفاهم وتقاسم الكعكة والسلطة والنفوذ، بانتظار ظروف أفضل.

والحال أن هذا التصور يعاني من أعطاب عديدة، أولها أن السوريين، على الرغم من مقاومتهم المستمرة للسرطان الداعشي حيثما بسط سيطرته واستقر، لا يزالون يعتبرون أن الخطر الأول على وجودهم هو النظام القائم نفسه، وأن الإرهاب ليس نقيضا له، وإنما هو ربيبه ومكمل

“السوريون، على الرغم من مقاومتهم المستمرة للسرطان الداعشي حيثما بسط سيطرته واستقر، لا يزالون يعتبرون أن الخطر الأول على وجودهم هو النظام القائم نفسه، وأن الإرهاب ليس نقيضا له”

خططه وابنه الشرعي، وأن مواجهته لا يمكن أن تستقيم، ما لم يستعد الشعب السوري وحدته من جديد. ولن يستعيدها في ظل القيادة الفاشلة التي أوصلته إلى ما هو عليه من دمار وخراب وقتل واقتتال، وإنما بإقامة نظام جديد يضمن الأمن والسلام للسوريين، ويحقق مطامحهم المحقة، وينهي إلى الأبد حكم الديكتاتورية والتمييز الطائفي والعنصرية الاجتماعية اللذيْن قادا إلى اندلاع النزاع والحرب.

وثانيها، أن الشعب السوري الذي فقد خيرة أبنائه، في جزئيه الثائر والموالي، سوف يلفظ أي معارض يشارك في إعادة تثبيت حكم الأسد، والتعاون معه، مهما كان الخصم المقابل وفي أية شروط. ذلك أن مثل هذه المشاركة سوف تعني إدانة مطلقة للمعارضة ولشرعية الثورة، وخيانة لأرواح مئات آلاف الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم، من أجل وضع حد لنظامٍ، كان ولا يزال آلة للقهر والإهانة والإذلال والتنكيل، وهو ما يعيشه السوريون حتى الآن، ولم يثوروا من أجل انتزاع مواقع أو مناصب في حكوماته. فلم يكن السوريون بحاجة إلى حرب إبادة جماعية وقتل بالجملة، ودمار ونزوح وتهجير، ليحظى المعارضون، مهما كانوا، بمناصب وزارية. كانت الانتهازية البدائية كافية لإدخالهم جميعا في حكوماته الكركوزية قبل الثورة ومن دونها. ولكن أكثرهم رفضوا هذه المشاركة منذ عقود، وعانوا في سبيل ذلك من كل أنواع التنكيل. قام السوريون بثورة دامية، ولا يزالون مستمرين في تقديم القرابين والضحايا، من أجل الخلاص من الديكتاتورية البغيضة، وليس من أجل المشاركة في حكمها، أو إعادة تأهيل نظامها.

وثالثها، أن مبالغة النظام في تصعيد وتيرة العنف والدمار، بموازاة الإعلان عن مبادرة موسكو والحل السياسي، ليس حجة للتشجيع على التعاون معه، أو لتبرير التنازل عن الهدف الأساسي الذي قدم من أجله السوريون. بالعكس، هو حجة إضافية لرفض الجلوس معه، وعدم مكافأته على جرائمه. القبول بمثل هذا الموقف يعني تبرئة القاتل والتواطؤ معه. وهذا لا يستقيم، لا في منطق العدالة ولا في منطق السياسة ولا في منطق الثقافة ولا في منطق الأخلاق والضمير.

بالتأكيد، ينص اتفاق جنيف، الذي لا يزال يشكل، بالنسبة للمعارضة، الإطار القانوني والسياسي الوحيد المجمع عليه، على أن هيئة الحكم الانتقالية ينبغي أن تتشكل من أطراف من النظام والمعارضة. وهذا صحيح وضروري، لكن بشرط أن لا يكون هؤلاء وأولئك من الذين تلطخت أياديهم بالدم، ومن باب أولى أن لا يكون بينهم من لا يزالون، إلى هذه الساعة، يخططون وينظمون وينفذون جرائم الإبادة الجماعية والقتل الأعمى بالبراميل المتفجرة، ثم إن هذا لا يعني أن هدف الهيئة الانتقالية هو تحسين صيغة المشاركة في السلطة مع النظام. الهدف من المشاركة في حكومة انتقالية هو، وينبغي أن يكون واضحاً لدى جميع الأطراف، الموالين والمعارضين، نقل البلاد إلى نظام ديمقراطي، وإدارة المرحلة الانتقالية، والإعداد لانتخابات نزيهة وشرعية، تترك للشعب أن يقرر مصيره في ما بعد بحرية. وقف القتال أو تخفيف وتيرة العنف مدخل للحل، لكنه لا يشكل حلاً بذاته، وإلا لأصبح مساعدة للنظام على تأهيل نفسه وترميم شرعيته. لتشكيل هذه الهيئة غرض واحد، هو تطمين السوريين الموالين للنظام، وتجنيبهم الانتقام، في مقابل قبولهم بالهدف الأسمى والجامع، وهو التفكيك الطوعي لآلة القهر والقتل والعسف التي يمثلها النظام القائم، والانتقال نحو نظام جديد. إذا لم يكن هذا هو هدف الفريق الموالي من مشاركته في حكومة الانتقال، فلن يكون هناك حل سياسي، ولكن خدعة غليظة سيدفع السوريون ثمنها غالياً في العودة مجدداً إلى ساحات القتال، بل في التصعيد المستمر فيه.

ليس هناك نظام وسط بين الديكتاتورية والحكم بـ”البسطار” أو البوط العسكري والامني، الذي خلده قادة النظام بتماثيل حلت محل تماثيل الأسد في أكثر من مكان، وهو يرمز إلى الاحتقار البدائي للبشر، وإرادة سحقهم بالقوة ودفن القانون، من جهة، والديمقراطية التي تعني أولوية حكم القانون والشرعية الديمقراطية والعدالة والحرية، أي الاحتكام للوسائل السلمية في حل النزاعات الداخلية، من جهة ثانية. ولا يمكن اختراع نظام يجمع، في الوقت نفسه، بين حكم البسطار العسكري الذي يمثله النظام القائم وتاريخه المؤلم لكل السوريين، ونظام الحرية والكرامة واحترام الانسان الذي يتطلع إليه الشعب. لذلك، ينبغي أن يعترف كل من سيشارك في الحكومة الانتقالية من الموالاة بحتمية الخروج من حكم الاستبداد، والدخول في حقبة جديدة من الحكم الوطني الديمقراطي. من دون ذلك، لن يكون هناك حل سياسي، ولن تستعيد البلاد

“ينبغي أن يعترف كل من سيشارك في الحكومة الانتقالية من الموالاة بحتمية الخروج من حكم الاستبداد، والدخول في حقبة جديدة من الحكم الوطني الديمقراطي”

والشعب وحدتهما. أعرف أن هذا الحلم يبدو في الظروف الراهنة صعب المنال. لكن، لا نستطيع ان نتقدم من دون الاحتفاظ به في مخيلتنا، ومن الأفضل أن لا ندخل في مفاوضات على أن نقبل المشاركة في مفاوضات، تهدف إلى تكريس سلطة القهر والقتل وحكم الميليشيات وأمراء الحرب وتقاسم النفوذ في نظام جديد جوهره سحق الشعب وتركيعه واستعباده.

لم تكن مبادرة روسيا سلبية، ولا يمكن الخروج من الحرب الدائرة اليوم في سورية من دون مساهمتها، بل إن تدخلها السياسي مطلوب وواجب، أيضاً، تجاه الشعب السوري الذي جمعته معها صداقة أكثر من نصف قرن. لكنها لا تستطيع أن تلعب الدور المنتظر منها، إذا كان هدفها إنقاذ النظام القائم، مهما قدمت لذلك من مبررات، مثل الحفاظ على الدولة والمؤسسات، أو الدفاع عن الشرعية، أو الوقوف في وجه التدخلات الأجنبية. حتى تتمكن من لعب هذا الدور، عليها أن تحترم تضحيات السوريين الجسام، ولا تستهزئ بالمعارضة التي تمثل، على الرغم من ضعفها وتخبطها وقلة سيطرتها على الأرض، أمل السوريين في التغيير والخروج من نظام المهانة والذل. وليس من مصلحة أحد، روسيا وبقية دول العالم، ترك المعارضة الوطنية تغرق أو تفقد قوتها وصدقيتها، لأن ذلك يعني خياراً مستحيلاً بين إعادة تأهيل من استخدم الأسلحة الكيماوية ضد شعبه، وقتل عشرات ألوف المعتقلين تحت التعذيب، وداعش وأخواتها من التنظيمات المتطرفة التي لن يزيدها تأهيل النظام إلا قوة وتمدداً، والنتيجة استمرار الحرب وانعكاساتها المتزايدة على بقية دول المنطقة والعالم. ولا ينبغي استخدام ضعف المعارضة وانقسامها ذريعة لاستبعادها من الاختيار، بل يشكل ذلك سبباً إضافياً كي تعمل الدول الراغبة في مساعدة سورية على الخروج من المحرقة، على تقويتها وتعزيز صدقيتها، وتقديم المعونة التي تمكنها من أن تلعب الدور المطلوب منها، شريكاً رئيسياً في عملية الانتقال الديمقراطي التي هي وحدها القادرة على وضع حد للقتال، وإطلاق عملية سلام حقيقية ومستمرة في البلاد.

لا يمكن لأي مفاوضات أن تكون إيجابية ومنتجة، تنهي النزاع وتحقق السلام، ما لم تقم:

1- على أسس سليمة وواضحة، تضمن حداً أدنى من العدالة، وهو ما تمثله قرارات الأمم المتحدة وبيان جنيف.

2- ولا يمكن نجاحها من دون أن تجمع الطرفين على هدف مشترك، مهما كان محدوداً، وهنا رؤية سورية المستقبل: مزرعة للأقوى أم وطنا لسوريين مواطنين متساوين وأحرار

3- أن تنطلق من اعتراف الأطراف بشرعية مطالبهم المتبادلة.

4- أن تتماشى هذه المطالب مع القيم والمبادئ الإنسانية المتعارف عليها في عصرنا، طالما لم نسمع من الطرف الآخر، وهو لم يعد طرفاً سورياً فحسب، قبولاً واضحاً ورسمياً، بهدف العملية التفاوضية، وهو الانتقال إلى نظام ديمقراطي تعددي، يحترم حياة الإنسان، ويرفض التمييز والابتزاز بالقوة، تظل جميع المساعي الدبلوماسية التي تقوم بها الدول والمنظمات، والمساعي الروسية الراهنة جزء منها، مجرد مناورات هدفها الاستمرار في تشتيت الشعب والرأي العام السوريين، وتعزيز قدرة نظام القتل والدمار على تحقيق الهدف الذي لم يكف قادته عن الجري وراءه، خلال السنين الماضية، في جميع أعمالهم وخطبهم وأحاديثهم، وعلى الرغم من كل جهود الدبلوماسيين ووعودهم، وهو القضاء على الثورة التي يطابقون بينها والإرهاب، والرهان على المصالحات والهدن المحلية لتحييد المقاتلين، من دون أي تغيير للنظام. وهم لا يعبرون في ذلك عن حلمهم في المحافظة على طبيعة حكمهم العبودي بأي ثمن فحسب، وإنما عن إرادتهم في خنق فكرة الثورة نفسها، بما تضمره من إرادة التحرر والانعتاق، وما تنطوي عليه من نزوع الإنسان العميق إلى حياة أخلاقية حقيقية، تغتني بقيم الحرية والكرامة والعدالة والقانون التي تجعل من كل فرد، مهما كان شرطه الاجتماعي، أو دينه ومذهبه وقوميته، إنسانا، أي موطناً للوعي والإرادة والضمير.

العربي الجديد

 

 

 

ما بعد موسكو/ فايز سارة

نعم آن الأوان للكتابة حول ما بعد موسكو ومبادرتها المتعلقة بـ«الحوار السوري» رغم ان فصول الاجتماع السوري في موسكو لم تبدأ بعد، والتي من المتوقع ان تبدأ بمن حضر من السوريين حسبما أكدت موسكو ذاتها.

اما لماذا الحديث عما بعد موسكو قبل ان تبدأ، فالامر يعود كما هو في الظاهر الى رفض القوى الاساسية في المعارضة السورية الحضور الى موسكو والمشاركة في نشاط، لن يتمخض عنه اي نتائج عملية، يكون لها تأثير على القضية السورية، كما ترى اوساط كثيرة في المعارضة.

وترفض قوى المعارضة الذهاب الى موسكو لاعتبارات كثيرة، اولها ان الاجتماع سوف يكون بلا اية اوراق تحدد اسس الحوار، ولا طبيعة القوى المشاركة فيه، ولا الاهداف، التي ينبغي له ان يحققها، اضافة الى الزمن القصير لوقت الحوار للوصول الى تفاهمات، يعرف الروس أكثر من غيرهم، انها تحتاج الى وقت اطول من يوم واحد محدد لحوار المعارضة، قبل أن ينتقل الحوار مع النظام في اليوم التالي، مع ملاحظة اضافية، لا تقل اهمية عما سبق، خلاصتها انه لن يكون للروس اي دور في الحوار، سوى تأمين المكان الجغرافي وربما الدعم اللوجستي.

لقد فرضت موسكو شكلاً مسبقاً لمبادرتها، من دون ان تستشير المدعوين للحوار، وحين طالب بعض المدعوين بتعديلات على المبادرة، منها دعوة اطراف المعارضة بصفتهم قوى سياسية منظمة، يمكن ان تختار بنفسها ممثليها، اصر الروس على دعوة اشخاص من المعارضة باسمائهم، الامر الذي يوحي، بان موسكو لا تريد تكريس المعارضة بوصفها جماعات، تكون في صف مقابل للنظام، بل كاشخاص لامرجعية سياسية لهم، يمكن الاستغناء عنهم، استبدالهم في وقت لاحق.

للاسباب السابقة سوف تواجه مبادرة الحوار السوري في موسكو فشلاً متوقعاً، وهذا سوف يقضي على فرصة موسكو في ان تكون قوة تأثير في خلق شروط حل سياسي للقضية السورية كما ترى، بعد ان فشلت في ان تكون قوة تأثير في حل عسكري للقضية في السنوات الاربع الماضية من خلال دعمها اللامحدود لنظام الاسد في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية في حربه ضد الشعب السوري ومسيرته في قتل وتهجير السوريين وتدمير بلدهم.

ما بعد موسكو، يفرض تحديات جديدة وجدية على السوريين وعلى المعارضة بشكل خاص، كما يفرض تحديات مماثلة على العالم وعلى اصدقاء الشعب السوري من القوى الاقليمية والدولية، والاساس المشترك لكل التحديات، هو خلق بديل للمبادرة الروسية وغيرها، بديل حقيقي، يأخذ القضية السورية الى حل، وبالحد الادنى، وضع القضية على سكة حل حقيقي.

التحديات الجديدة والجدية امام السوريين، تبدو في ضرورة تكثيف الجهود وراء قوى المعارضة ودعم التوجهات التوافقية فيها، ودفعها من اجل الوصول الى تفاهمات مشتركة، والوصول الى صف مترابط في الحوار مع القوى الاقليمية والدولية من جهة، وصف موحد في اية مفاوضات مقبلة مع نظام الاسد في اطار حل سياسي للقضية السورية، وهي النقاط التي تفرض على قوى المعارضة الرئيسية التعامل معها في المرحلة المقبلة.

ويبدو اليوم، ان في صفوف المعارضة السورية وفي قواها الاساسية، رغبة في مواجهة التحديات المطروحة، وهذا واضح من جولات الحوار، التي تواصلت في اكثر من مكان ولاسيما في تركيا ومصر، وستكون عاصمة الأخيرة مكاناً لحوار واسع للمعارضة في الاسبوعين القادمين، وثمة مسودات تفاهم بين اطراف في المعارضة تم التوصل اليها مؤخراً، ستكون على طاولة الحوار وسط تركيز المعارضين على ضرورة الجدية والمسؤولية للوصول الى تفاهمات مشتركة مكتوبة، يتم الالتزام بها في المستقبل.

اما التحدي الاساسي في المستويين الاقليمي والدولي، فهو اعادة القضية السورية الى دائرة الاهتمام بعد ان تم تهميشها، ثم ادخال القضية في سياق حل سياسي، وهذا دور يمكن ان تضطلع فيه الدول الاقرب من اصدقاء الشعب السوري خاصة الدول الاحدى عشرة، وجوهر الدور، طرح مبادرة تتجاوز مبادرة موسكو ومثلها مبادرة ديمستورا العاجزتين عن خلق وقائع جديدة، وان تضع المبادرة المأمولة القضية السورية على سكة حل جدي وعملي.

غير انه لا بد من قول، ان المطلوب في المستويين السوري والاقليمي الدولي، يفترض توافقهما من جهة وانطلاقهما في آن معاً، ولا بد ان يكون لقاء المعارضة في القاهرة وما ينتج عنه اساساً في هذا السياق، وهنا تكمن مسؤولية المعارضة السورية الاولى والمباشرة في مواجهة حدث موسكو وما بعد موسكو.

المستقبل

 

 

 

خلفيات اجتماعات موسكو واحتمالات نجاحها/ هشام منوّر ()

لا يبدو أحد أكثر حماسة من الروس لإيجاد حل سياسي في سوريا تحت رعايتهم، فبعد نحو أربع سنوات من القتل والتدمير والتهجير، لا أحد يجرؤ على مسك زمام المبادرة في سوريا وتقديم رؤية واضحة لمسار سياسي ينهي الوضع الراهن ويخلص السوريين من عذاباتهم.

حرص الروس على المبادرة لإيجاد هذا الحل ليس منزهاً عن الغايات والمصالح، وهو أقل تأثراً بطبيعة الحال من الدوافع الإيرانية التي ترى في نظام الأسد استنزافاً مستمراً لمواردها وطاقاتها المالية والعسكرية والبشرية وحتى الاستراتيجية، في ظل عجز النظام عن حسم الأمور كما درج على وعد إيران، وتداخل عوامل إقليمية ودولية في الملف السوري، فالروس، بطبيعة الحال، لا يبيعون النظام الفيتو في مجلس الأمن ولا السلاح والعتاد إلا بتمويل إيراني أو مقابل صادرات زراعية سورية، أو حتى قروض وضمانات على عاتق الدولة السورية، لكن حماس الروس هذه الآونة يقف وراء أسباب ودوافع تشي باحتمالات عدة، بحسب قدرة الروس أنفسهم وخصومهم الإقليميين والدوليين على إدارة الملف السوري.

تسارعت التحركات الروسية أخيرًا في اتجاه محاولة بلورة تسوية سياسية للصراع في سوريا، تقوم على خلق توافق ما بين نظام الأسد الذي تدعمه موسكو، والمعارضة السورية التي بدأت في التواصل معها، على نحو قد يمهد الطريق لتحقيق «موسكو-1»، يضاف إلى نجاحها السابق في فصل قضية الأسلحة الكيماوية التي يمتلكها نظام الأسد عن قضية التغيير السياسي في البلاد.

يمكن الاستدلال على هذا التوجه الروسي من خلال تطورين رئيسيين: يتمثل الأول، في زيارة نائب وزير الخارجية الروسي «ميخائيل بوغدانوف» إلى سوريا وإعلانه استعداد بلاده لاستضافة حوار أميركي-سوري في حال تقدمت حكومة النظام بطلب من هذا النوع. ويمثل هذا الموقف الروسي محاولة للبناء على التقارب غير المباشر بين واشنطن ودمشق، والذي يشير إليه إعلان بشار الأسد استعداده لأن يكون «شريكًا« في الحرب ضد ما يسمى تنظيم «الدولة الإسلامية«.

التطور الثاني يتعلق باللقاءات المستمرة التي تجمع مسؤولين روس مع بعض ممثلي قوى المعارضة السورية، وكان آخرها خلال زيارة وفد من المعارضة السورية إلى روسيا، ثم لقاء «بوغدانوف» مع بعض مسؤولي المعارضة في استانبول. ويعبر هذا التطور عن حدوث تحول مهم في المواقف الروسية من الصراع في سوريا منذ مارس/ آذار 2011، فرغم استمرارها فى تقديم الدعم العسكري واللوجيستي والسياسي لنظام الأسد، إلا أنها بدأت في تأسيس علاقات وشبكات مصالح مع المعارضة، ربما استعدادًا لمرحلة ما بعد تسوية الأزمة في سوريا.

توجه موسكو نحو تحريك الحل السياسي في الأزمة التي وصلت إلى طريق مسدود مع اقتراب عامها الرابع على الانتهاء، يمكن تفسيره بمحاولات روسيا الخروج من عزلتها الدولية التي فرضت عليها، بسبب تدخلها في أوكرانيا، حيث بدأت تتجه نحو توسيع شبكة تحالفاتها، وهو ما يبدو جليًا في سعيها لتنشيط العلاقات مع تركيا.

كما تسعى روسيا إلى إعادة تفعيل دورها في سوريا، خاصة بعد قيام الولايات المتحدة بتشكيل التحالف الدولي ضد «تنظيم الدولة»، والذي لم تشارك فيه الأولى. فأكد «سيرغي لافروف» وزير الخارجية الروسي، على أن روسيا تعمل في اتجاه عقد مؤتمر دولي في موسكو، وأشار في 26 نوفمبر/ تشرين الثاني إلى أن «روسيا تواصل اتصالاتها اليومية مع الحكومة السورية، وتسعى في الوقت نفسه إلى إقناع مجموعات المعارضة السورية بضرورة العمل المشترك لصالح بلادها وشعبها«.

يتزامن التحرك الروسي مع طرح خطة المبعوث الأممي إلى سوريا «ستيفان دي ميستورا»، والذي تم تعيينه في يوليو 2014، بعد فشل مؤتمر «جنيف 2» في طرح حل سياسي للصراع، وكان لتمدد «تنظيم الدولة« في الموصل منذ 10 يونيو/ حزيران 2014 ثم إعلانه تأسيس «الخلافة الإسلامية«، أثره في تراجع الاهتمام بالحل السياسي في سوريا والتركيز على مواجهته.

تكمن مشكلة روسيا في عدم اعترافها بمجمل بنود «جنيف 1» خاصة فيما يتعلق بمستقبل الأسد، لا سيما بعد حديث نائب وزير الخارجية الروسي «بوغدانوف»، في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، عن أن «بلاده تعتبر أن مطالبة واشنطن بتنحي الرئيس بشار الأسد غير شرعية ومضرة«، وهو ما يعزز من احتمالات رفضها خطة دي ميستورا، حتى لا تتم مناقشتها في مجلس الأمن.

بالإضافة إلى أن روسيا تواجه عقبتين: تتمثل الأولى، في مشكلة التمثيل السياسي للمعارضة، حيث تتباين مواقف الأطراف المعنية حول توصيف قوى المعارضة السورية التي تنتمي لتيارات مختلفة. وتتعلق الثانية، باستمرار سيطرة النظام على مساحات واسعة من الأراضي السورية، ما يعني أنه لن يقبل بأية تسوية سياسية لا تجعله المستفيد الأكبر منها، خاصة أن قوى المعارضة التي توصف بـ«المعتدلة« لم تعد، طبقًا لاتجاهات عدة، الرقم الأهم في الصراع مع النظام، بعد أن أصبح «تنظيم الدولة« وفصائل مثل «جبهة النصرة« الأكثر تأثيرًا في المعادلة العسكرية. إلى جانب أن قوى المعارضة تبدو منقسمة حول أي تحرك روسي.

تشير التحركات الروسية الجديدة إلى إدراك موسكو أن هناك قواعد لعبة جديدة تتشكل، خصوصاً مع تحول التنظيمات المسلحة في سوريا إلى طرف أساسي في أي تسوية محتملة. ومن هنا ترتبط فرص نجاح تلك التحركات بدرجة توافق المعارضة والنظام على قبولها، وبمدى تحقيقها مطالب الحد الأدنى لكل منهما، فضلاً عن تأييد واشنطن لها، والذي يتأثر بدوره بتطورات الصراع في سوريا.

كما يرتبط نجاح «موسكو 1» بقدرة الروس على مساومة الملف السوري بنظيره الأوكراني، وعلاقاتها مع دول الجوار كالاتحاد الأوروبي الذي يتجه نحو التشدد في مواقفه إزاءها، مما دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الإعلان عن عقيدة عسكرية جديدة تعتبر تمدد حلف الناتو في حديقته الخلفية خطراً لا يقل أهمية عن مكافحة الإرهاب الذي تصدر قائمة أعداء روسيا في المرحلة المقبلة.

ويبدو اتجاه روسيا للنشاط الدبلوماسي في الملف السوري رداً سياسياً أكثر منه رغبة، لامتلاك ورقة لعب جديدة في مواجهة الحصار الاقتصادي الذي تعاني منه بعد انهيار أسعار النفط العالمية، وخسارتها ملايين الدولارات جراء ذلك، وخوفاً من «ليونة» إيرانية محتملة إزاء «الجزرة» الأميركية التي عرضت تفويض نظام الملالي بالتحكم في منطقة الشرق الأوسط، ما يعني بقاء روسيا وحيدة في مواجهة المجتمع الدولي، فسياسة الدب الروسي المعروفة ببرودة تحركاتها واعتمادها على القوة العسكرية، لا تلتفت كثيراً لإيجاد الحلول السياسية إلا بالقدر الذي يؤمن حرية المناورة لها في مواجهة الضغوط المتزايدة، وقد تكون ورقة الحل السياسي في سوريا، الورقة الأخيرة التي قد تلعبها موسكو قبل أن ينفد صبرها إزاء الضغوط، وتعود مجدداً لاستعراض القوة العسكرية وربما استعمالها.

() كاتب وباحث

المستقبل

 

 

 

 

لقاء القاهرة ومؤتمر موسكو/ سمير سعيفان

يكاد موضوع عقد لقاء للمعارضة السورية في القاهرة، للسعي إلى توحيدها حول رؤى مشتركة، يكاد يتحول إلى موضوع لخلافاتها، وهذه مفارقة مؤسفة، فالمعارضة السورية بارعة في الاختلاف على كل شيء. فثمة تنافس على من هو الأب الشرعي لمؤتمر القاهرة بين مجموعة من الأفراد الذين كانوا يجتمعون، بصفاتهم الشخصية، في جنيف منذ شهور، وناقشوا الفكرة وتواصلوا مع المصريين من قبل، وبين هيئة التنسيق التي زارت مِصر في ديسمبر/كانون الأول، وناقشت الأمر مع الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل العربي، ومع وزير الخارجية المصري، سامح شكري، وبين الائتلاف الذي زار وفد منه القاهرة، والتقى وفد هيئة التنسيق وتمت صياغة مسودة بيان مشترك من ست نقاط، وبين أطراف أخرى خارج هذه الأطر، والتي تريد أن تسهم في مؤتمر القاهرة، وزاد في الطنبور نغماً عندما بدأت جماعة قرطبة تتحدث عن مؤتمر القاهرة، وأنها كانت تعمل على عقده. وبالتالي، أصبح السؤال: من هو أب هذا اللقاء ومن سيدعو له؟

رحب نبيل العربي بتبني مؤتمر المعارضة السورية، على غرار مؤتمر 2-3 يوليو/تموز 2012، والذي كان الممثل الأوسع للمعارضة، وأفشله المجلس الوطني يومها. ولكن العربي قال، حسب تسريبات، إنه لا يستطيع استثناء دعوة “الإخوان المسلمين” أو قوى “إعلان دمشق” التي اعترضت الخارجية المصرية على مشاركتهم في المؤتمر.

حددت مصر موعد مؤتمر القاهرة في 23 يناير/كانون الثاني الجاري، لكي يكون قبل لقاء موسكو المزمع عقده في 26 منه، أي لم يبق سوى أيام لتجاوز هذه الخلافات، ما يضع أطراف المعارضة تحت ضغوط كبيرة، ما لا يتيح أي تحضير جيد لأي لقاء، وبالتالي، لا بد من تأجيل هذا المؤتمر الذي يؤمل ويرتقب أن يكون “تاريخياً”.

والمهم، اليوم، أن أطراف المعارضة السورية جميعها تدرك أهمية عقد مؤتمر للمعارضة، يوحد الرؤى والمواقف، وتتوافق على وثيقة أو ميثاق سياسي، وخريطة طريق لحل سياسي في سورية اعتماداً على جنيف، وأن تضع إطاراً تنظيمياً لتنسيق عملها.

بالنتيجة، أول المسائل التي يجب مراعاتها من الجميع أن تتجنب أطراف المعارضة الاختلاف حول عقد مؤتمر المعارضة المنشود، إذ لا ينقصها الاختلافات. وثانيها، أنه لم يبق زمن كاف للتحضير لمؤتمر ناجح في 23 يناير، وأن تأجيله بات ضرورياً. ثالثها، يجب أن يعقد المؤتمر تحت رعاية جامعة الدول العربية. رابعها، يجب عدم قبول اعتراض الحكومة المصرية على مشاركة أي من أطراف المعارضة، فاللقاء تحت رعاية الجامعة، على الرغم من أن معلومات تسربت تفيد بأن الحكومة المصرية لا تتدخل.

جاء التاريخ الضاغط بسبب تحديد موعد لعقد لقاء موسكو في 26 يناير/كانون الثاني، والذي حدد الروس كل شيء فيه على هواهم. وأعتقد أن لقاء موسكو لا يحتاج لتشاور، فرفض الدعوة هو الأمر الوحيد المنطقي، لأن الروس لم يغيروا شيئاً في دعوتهم الأصلية حتى الآن، على الرغم من الملاحظات التي وردت حتى من تيار بناء الدولة وهيئة التنسيق، فالروس هم من اختاروا ممثلي المعارضة، وهذا مبدأ مرفوض، أيّاً كان هؤلاء، فالقبول يعني إلغاء وتهميش أية تنظيمات للمعارضة، واعتبار المدعوين مجرد أفراد سوريين، يلتقون مع ممثلي عطوفة حكومتهم العتيدة، والدعوة تأتي بلا أي جدول أعمال أو برنامج، وهو مجرد لقاء ربما

“لا يجوز للمعارضة أن تساعد موسكو على لعب دور وساطة، ما لم تغير هذه موقفها من الصراع الدائر في سورية، والمنحاز كلياً إلى جانب النظام”

“للدردشة”، وليس تفاوضاً تحت مظلة الأمم المتحدة وفق “جنيف”، بينما يحصد القتل والموت والبرد والبحر السوريين في كل يوم، وحضور اللقاء يعني تنازل المعارضة عن جنيف، على الرغم من أن الروس زعموا أن اللقاء يأتي تحت “جنيف”، ولا يجوز للمعارضة أن تساعد موسكو على لعب دور وساطة، ما لم تغير هذه موقفها من الصراع الدائر في سورية، والمنحاز كلياً إلى جانب النظام، تغيره ليغدو في الوسط، وبالتالي، يعني عقد هذا المؤتمر تلميع صورة النظام بدون أي مقابل، وبذر الشقاق في صفوف المعارضة، وهذا لا ينقصها. فإن غيّر الروس في شروط دعوتهم وفي موقفهم، فدورهم مرحب به.

ستعقد موسكو لقاءها بمن حضر، فدعوها تعقد لقاءً فاشلاً، طالما أن “الائتلاف” لن يشارك، وإن بقيت أطراف المعارضة التي توصف بـ “الليّنة”، وهي تيار بناء الدولة وهيئة التنسيق على موقفهما الرافض للمشاركة ما لم تتغير شروط دعوة موسكو، ولن تتغير كما يبدو. فلن تجد موسكو سوى أطراف تزعم أنها معارضة، وهذا لن يقدم لموسكو وللنظام أية منفعة. وإن كان ولا بد، فيمكن، في هذه العجالة، عقد لقاء تشاوري في القاهرة يضم نحو 70 شخصية معارضة للتشاور بشأن مسألتين:

أسس عقد مؤتمر واسع ناجح للمعارضة، ووضع محددات النجاح والتعاهد على العمل لإنجاحه، والاتفاق مع الأمين العام لجامعة الدول العربية على تبني الدعوة للمؤتمر، وتحديد موعده ومكانه، وأن يكلف أحد المسؤولين في الجامعة بالتنسيق لعقده، وأن يشكل اللقاء لجنة تقنية، تمثل فيها أوسع أطياف المعارضة، تعمل تحت إشراف ممثل جامعة الدول العربية، على اختيار الجهات المدعوة وممثليها وأعدادهم، وتحديد الشخصيات المستقلة التي ستدعى للمؤتمر.

المسألة الثانية، التشاور حول موقف موحد تجاه المشاركة في لقاء موسكو، وإصدار بيان موحد يحدد موقف المعارضة، وفق المحددات أعلاه، لكي تتمكن المعارضة من المشاركة في لقاء في موسكو، يجب تأجيله، إن أرادوا له النجاح.

العربي الجديد

 

 

 

 

ولكن… لماذا موسكو – 1 حول سورية؟/ أكرم البني

ثلاثة آراء يمكن التوقف عندها لتحديد أهداف القيادة الروسية من وراء تحريك المسار السياسي السوري، ودوافع تفردها في الدعوة لعقد مؤتمر في موسكو، أواخر الشهر الجاري، بين النظام وأطراف من المعارضة السياسية والمدنية…

لا يعطي الرأي الأول قيمة سياسية لهذه المبادرة على صعيد معالجة الصراع السوري، إما لأنها حراك في الوقت الضائع وتفتقد لدعم عربي وعالمي حاسم، وإما لأن دورها يقتصر على حاجة روسية لمغازلة جديد المرامي الأميركية بعد أولوية مواجهة تنظيم «داعش»، على أمل تخفيف العزلة وفتح نافذة في الجدار الذي وصلت إليه العلاقات بينهما جراء سياسة الكرملين المتشددة وخاصة في الأزمة الأوكرانية.

أمر يقدر اليوم من قبل واشنطن أن يكون عنوان المؤتمر، مواجهة الإرهاب وتجميع القوى حول دولة تتصدى للتمدد الإسلاموي الجهادي، فهذا يساعدها على خفض سقف اشتراطاتها حول تغيير النظام، والتهرب من واجباتها كدولة عظمى تجاه معاناة الشعب السوري ومن وعودها بتمكين المعارضة المعتدلة، وربما التحرر من التزامات جنيف – 2 ومن أعباء قرارات مجلس الأمن ذات الصلة التي تنص في جوهرها على تشكيل هيئة حكم انتقالي تقود البلاد نحو نظام ديموقراطي، ويدعم ما سبق تواتر الدعوات الغربية لإجراء مراجعة سياسية تعيد توجيه الجهود كي تصب جميعها في الحرب المعلنة على تنظيم «داعش» وأخواته.

بينما يذهب الرأي الثاني إلى اعتبار المبادرة الروسية مجرد محاولة لاعتراض أو إعاقة ما يصح تسميته توافقاً غير معلن بين واشنطن وطهران، أوضحه التنسيق العسكري اللافت بين الضربات الجوية الأميركية ضد قوات «داعش»، وبين دعم إيراني عملياتي لتقدم الجيش وفصائل عراقية مسلحة على الأرض، وإذا أضفنا ما يشاع عن محاولات بناء تفاهم أولي بينهما على هامش مفاوضات خمسة زائداً واحداً، يمكن أن تسفر، بعد لقاءات ثنائية مرتقبة، عن صيغة توافقية ترضي الجميع على صعيدي، الملف النووي وحصص النفوذ في المنطقة، وأضفنا أيضاً سلبية البيت الأبيض تجاه التمدد الحوثي في اليمن على رغم إطاحته نقاطاً مهمة من التسوية التي أقرتها الأمم المتحدة للصراع هناك، نقف عند أهم المؤشرات التي تثير قلق قيادة الكرملين وتزيد مخاوفها من نجاح تقارب بين واشنطن وطهران يشكل الخطر الأكبر على حضورها ومصالحها في المنطقة، ولا تضعف هذه المؤشرات بل تؤكدها بعض التصريحات النارية ضد الولايات المتحدة يطلقها عادة مسؤولون إيرانيون للتغطية والتمويه، أو الجهود التي يبذلها جناح الحرس الثوري المتشدد لإعاقة تعزيز النفوذ الأميركي في العراق، وتؤكدها أيضاً الزيارة الخاصة التي قام بها بوتين مؤخراً إلى تركيا واعتبرت في أحد وجوهها محاولة لاستمالة حكومة أنقرة للعب دور مشترك في مواجهة احتمال تطور توافق أميركي – إيراني يهدد نفوذهما في المنطقة.

الرأي الثالث يربط توقيت المبادرة بمحاولة موسكو استثمار بعض المستجدات المتعلقة بالصراع السوري لقطف ثمار تبدو ناضجة، وتالياً لتحسين أوراقها وقدرتها على المبادرة.. ونسأل، أليس أمراً طبيعياً أن تستفيد قيادة الكرملين من حالة ارتباك معارضة سورية تمر بمرحلة إعادة تموضع جراء التداعيات السياسية التي يفرضها التدخل العسكري الدولي ضد «داعش» وجراء تقدم تنظيمات جهادية، كجبهة النصرة وغيرها، على حساب التشكيلات العسكرية والمدنية المعتدلة في أرياف حلب وإدلب والقنيطرة؟! وأيضاً لم نستغرب أن تستغل موسكو ميل البيت الأبيض لتجميد جهوده في الملف السوري ومنح الساحة العراقية الاهتمام الأقصى، كي تملأ الفراغ وتعمل على تقريب المواقف بين بعض السلطة وبعض المعارضة عسى أن تشق طريقاً أمام تمكين الدولة وإعادة تأهيل النظام على قاعدة العمل المشترك في مواجهة الإرهاب؟!

 

ثم ألا يجوز تشبيه هذه المبادرة بحاجة روسية، تتناغم مع حاجة إيرانية مماثلة، لالتقاط الأنفاس والخروج من مستنقع استنزاف خاضتا فيه طويلاً، خاصة مع تصاعد العقوبات الاقتصادية على البلدين وتفاقم النتائج السلبية التي يخلفها الانخفاض المتواتر في أسعار النفط؟! وأيضاً كم ينفع موسكو اليوم أن تعزز حضورها وفاعليتها في الصراع السوري كي تلاقي خطة الموفد الأممي دي مستورا، في رهان على دعم هذه الخيار لفك الاستعصاء القائم وتخفيف أزمة النظام وإنقاذه من دوامة استمرار قتال لن ينتهي؟!.

أخيراً، إذا تجاوزنا دوافع موسكو من عقد مؤتمر الحوار السوري، وإذا افترضنا جدلاً أن المعارضة السياسية والمدنية قد حضرت موحدة وخرجت بعد اجتماع القاهرة بوثيقة توافقية، وافترضنا أيضاً أن النظام بات على استعداد نسبي لتقديم تنازلات في ضوء حالتي الاستنزاف والإنهاك اللتين وصلت إليهما مختلف قدراته، سيبقى المؤتمر مجرد محطة شكلية تضاف إلى محطات جنيف، ولن يعول عليه لدفع عجلة الحل السياسي إلى الأمام، ليس فقط بسبب محتواه الحواري والتشاوري أو لأن طول أمد الصراع بلور قوى يهمها استمرار الاضطراب القائم، وليس لعجز المعارضة عن التأثير في مجرى الأحداث أمام جبروت جماعات إسلاموية مسلحة، تتحكم بالأرض وترفض بشدة الحلول السياسية، وإنما أيضاً لأن الإدارة الأميركية لا تزال مترددة في وضع ثقلها وراء المعالجة السياسية، وربما لا تزال لديها مصلحة في استمرار الصراع السوري والاستثمار فيه.

والحال هذه، مع تعنت أطراف الصراع وغياب توافق دولي حاسم، ومع ترقب ما تفرزه شدة المأساة السورية من قوى مدنية تنبذ العنف، يرجح أن يبقى سقف التوقعات من محطة موسكو أو غيرها محدوداً، لكن ذلك لا يغير من مركزية الحل السياسي، ومن أهمية التمسك بمبدأ الحوار والمفاوضات، لكن القائم على أسس واضحة وعادلة تقود إلى إقرار خطة طريق توقف العنف وتخفف حدة الاحتقان المجتمعي وحالة التشظي وتضمن وحدة البلاد واستمرار مؤسسات الدولة، والأهم أن تلبي مطلب الناس بالتغيير الديموقراطي وبناء مجتمع مواطنة يلتزم بالمعايير الدولية حقوق الإنسان.

* كاتب سوري

الحياة

 

 

 

روسيا الوسيط الطيب/ فواز حداد

في الأسبوع الماضي مع اقتراب موعد لقاء موسكو، تتالت تصريحات وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف عقب توقعات بامتناع أغلب المعارضة السورية عن المشاركة؛ التصريحات اقترنت بتهديدات، فمن قوله، إن المعارضة السورية الرافضة ستخسر، إلى أن المتغيّبين عن المؤتمر سيخاطرون ويفقدون مواقعهم وقدرتهم على التأثير في جهود السلام، مروراً بأن الحوار سيعقد بمن حضر. أخيراَ، كان تحذيره للمعارضة واضحاً من مقاطعة المؤتمر.

وزير الخارجية الأمريكي جون كيري دعم جهود نظيره الروسي، وأبدى تأييده للمساعي التي يقودها لإجراء محادثات جديدة لإنهاء النزاع المدمر في سورية، ودعم المبعوث الدولي دي ميستورا في مهمته وأعلن بعد لقائه به، عن قلق الولايات المتحدة بشكل خاص بشأن الكارثة المستمرة في سورية التي شردت نحو ثلاثة ارباع سكانها.

إذاً لا جديد من ناحية الدولة العظمى، مازالت أمريكا على عهدها، الأزمة السورية أوكلتها إلى الأمم المتحدة، مع إعطاء الفرصة الدائمة للروس لتجربة أسلحتها وحظوظها سارية. كذلك أصدقاء سورية الأوربيين الذين وجدوا في ضحايا “شارلي ابيدو” حربهم الخاصة، تتيح لهم تصفية حساباتهم مع المهاجرين المسلمين، ما يبيح لهم التضييق عليهم حتى الخناق.

روسيا لديها قناعتها الجازمة بأن الحرب التي أنهكت السوريين تماماً جعلتهم يريدون حلاً باي ثمن، وأن الأجواء مناسبة لاقتياد المعارضة الى مؤتمر يعيد ترتيب شروط المصالحة، ويمهد لإلغاء جنيف 1، أو تعديل بنوده، أو التأسيس لموسكو1 مع وعود مستقبلية بانتخابات حرة نزيهة، على أن يتحكم في الانتخابات البوط العسكري، وكالمعتاد بإشراف أجهزة الأمن. ما الذي تغير؟ لا شيء. النتيجة ستكون نحو 90% ولن تقل عن 80%. هذا ما يعرفه الروس حق المعرفة، وليس بعيداً عن الحقيقة، التزوير قادر على كل شيء. الواضح أنهم لن يقدموا بالمقابل اغراء جديا على هذا الحل الانتحاري لشعب بكامله، وإن كان حسب اعتقادهم يستقيم معه إرضاء المعارضة ببعض المناصب الشكلية، وتجاهل السوريين بأنواعهم كافة، فهم في الداخل مساجين، أو نازحين، وفي الخارج لاجئين، يموتون في البحر، ومؤخراً من البرد.

أي أن روسيا ستكلل جهودها البيضاء بإنقاذ السوريين من الموت، لا من المعتقلات، ومن دون تقديم أية ضمانات للعائدين إلى بلدهم، إذ لا حصانة للإرهابيين. في الحقيقة ليس بوسعها ذلك، والدليل أنه حتى في سبيل إنجاح مؤتمرهم العتيد غير المعروف فيما إذا كان حواراً أو مشاورات أو تبادل آراء، أو منتدى لطرح الآراء، أو عرضاً للأفكار، وربما استعراضاً للعضلات… لم يتمكنوا من اثبات مقدرتهم على التأثير في النظام بإطلاق المعتقلين من النساء على الأقل، وليس على ابداء حسن نيته، فالنظام يعتمد بالدرجة الأولى على نواياه السيئة، ولن يخسرها حتى بإطلاق الأطفال، لكن ثمة مجال للتفاهم حول بعض التفاصيل الصغيرة، وهي حتى لو كانت تافهة تسهل الحل السياسي المنشود، ما يبشر بتليين مواقفه، غير ان ايران التي وافقت على المؤتمر تشددت تجاه تنازلات صغيرة، فهي أول العارفين بأنها قد تقدم وتؤخر. التنازلات الصغيرة، أتفه من أن تذكر، لا يدري المعارضون المدعوون عنها شيئاً، من فرط تفاهتها.

الروس بموقفهم الضعيف والمختال هذا، وما يشوبه من تحايل مفضوح، يستحيل عليهم تبرئة أنفسهم من نظرة الشعب السوري إليهم: روسيا بوتين بلد عدو، هذا بصريح العبارة، طالما أنهم يُقتلون بأسلحة روسية لا تتوقف عن التدفق الى سورية، كما واثبتوا خلال سلسلة من الفيتوات أنهم لا يقلون استبداداً عن النظام، وما مسارعتهم هذه لا يجاد حل ما إلا خشيتهم خسارة ما وظفوه في سورية قبل حلول أوان استثماره. المشكلة ليس في أنهم ينظرون باستخفاف الى المعارضة، سبقهم إلى ذلك اوباما، ولا عدم اعتبارهم الانتفاضة ثورة شعبية، بل في أنهم لا يقيمون وزناً للشعوب، فهم مجرد قطيع، نظرة مدينون بها إلى ستالين الذي أخضع الشعب الروسي، وعلى منواله فعل بوتين.

دفع السوريون أثمانا هائلة، تحت ظلال شعارات الممانعة والمقاومة، غير أنها لم تعد مقنعة، ولا السوريون طيعون بعدما خسروا الآباء والأولاد والأحفاد والذين في القماط، والذين لم يولدوا بعد، وانتهكت اعراض نسائهم، وتشردوا في ارجاء الأرض، وماتوا في البحار … لم يبق جريمة لم ترتكب في حقهم.

لذا ينبغي على الروس وأمثالهم من المتطوعين للوساطة النظر إلى الأزمة السورية بواقعية، وبكثير من الإنسانية، هذه التي تغيب عن المجتمع الدولي، كأن الإنسانية مخصصة لشعوب دون أخرى.

المدن

 

 

 

 

روسيا جزء من الأزمة لا الحل/ د. وحيد عبد المجيد

لا ترقى الدعوة الروسية إلى «لقاء تشاوري» بشأن الأزمة السورية إلى مستوى المبادرة، فلا تصور لعناصر حل سياسي متكامل تضمنته الدعوة، ولا خطة محددة لإدارة حوار بطريقة منظمة في مدى زمني معين، ولا سعي إلى وقف إطلاق النار، ولا حتى إلى هدنة مؤقتة جزئية من النوع الذي يدعو إليه المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا في حلب، كل ما تنطوي عليه الدعوة الروسية هو أن يجلس أشخاص من المعارضة الوطنية تختارهم موسكو من دون معايير واضحة مع ممثلي نظام بشار الأسد.

وإذا كانت لهذه الصيغة دلالة، فهي أن روسيا تريد أن تتحرك في لحظة تراها مواتية لها في ظل التعقيدات التي تواجه حرباً يشنها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد الإرهاب، وفي ظل عدم تحقيق هذه الحرب نتائج ملموسة حتى الآن، وفي غياب أي تحرك سلمي في أزمة تقترب من نهاية عامها الرابع، يظهر فراغاً يُغري كل باحث عن تعظيم دوره للتحرك فيه، وهذا نمط معروف ومتكرر في العلاقات الدولية والإقليمية، فليس عيباً أن تتحرك دولة، أية دولة، سعياً إلى استثمار وجود فراغ ما في لحظة معينة لتحقيق مصالحها أو تعزيزها، فما العلاقات الدولية إلا مصالح في سطرها الأول وفي محصلتها الأخيرة.

غير أن ثمة مشكلة بنيوية تواجه تحرك روسيا في مساحة تعتقد أنها تستطيع أن تُعَّزز مصالحها فيها، فهي طرف رئيس في الأزمة التي تريد أن تكون وسيطاً فيها، بل إنها أحد ثلاثة أطراف خارجية متورطة فيها بشكل مباشر وعلى مستوى لا يقل عن القوى الداخلية المتصارعة، أما الطرفان الخارجيان الآخران، فهما إيران ومنظمات تابعة لها في المنطقة من ناحية، وجماعات العنف وتنظيماته الإرهابية وفي مقدمتها «القاعدة»، و«داعش» من الناحية الثانية.

وإذا كانت إيران تقاتل فعلياً في صف نظام الأسد على الأرض، من خلال الحرس الثوري و«حزب الله» ومنظمتين عراقيتين مسلحتين على الأقل، فروسيا هي المصدر الرئيس لإمداده بالأسلحة والذخائر، بما فيها قطع غيار الطائرات التي تجعل أية منطقة تقذفها «قطعة من جهنم».

وفي الوقت الذي وجهت موسكو الدعوات إلى اللقاء الذي تسعى إلى عقده بين 26 و29 الجاري، كانت طائرات الأسد التي يقوم خبراء روس بصيانتها تشن غارات مدَّمرة، وتصب حممها على عدد من المناطق حول دمشق وفي حلب.

لقد كانت العمليات الجوية هي المصدر الرئيس لقدرة نظام الأسد على الصمود منذ اندلاع الانتفاضة ضده، حيث أتاحت له ضرب آية منطقة دون رد أو عقاب. وفي ظل إنهاك قوات النظام البرية، واعتماده على تجييش مجموعات «الشبيحة» ثم استعانته بمقاتلين أرسلتهم إيران ومنظمات لبنانية وعراقية تابعة لها، ازدادت أهمية القوات الجوية، وصارت هي أهم عناصر عدم التكافؤ في الصراع لما تتميز به من قدرة على استنزاف المعارضة. فليست هناك منطقة في سوريا بمنأى عن هجمات الطائرات، حتى بعد أن فقدت القوات الجوية خمساً من قواعدها الرئيسية الخمس والعشرين وتعرض سبع أخرى منها للحصار. وكانت القوات الجوية التي يعود «الفضل» إلى روسيا في تمكينها من العمل بشكل يومي تقريباً لما يقرب من أربع سنوات، هي الدافع الأول وراء عسكرة الانتفاضة السلمية نتيجة عجز المعارضة الوطنية عن السيطرة على معظم المناطق التي ثار الشعب فيها خلال الشهور الأولى، وبسبب انشقاق عدد متزايد من ضباط وجنود جيش النظام، سواء لأن ضمائرهم لم تتحمل القصف الوحشي العشوائي للمدنيين، أو لأنهم فقدوا أقارب لهم أو عائلاتهم كلها. ولذلك تتحمل روسيا مسؤولية كبرى عن عسكرة الانتفاضة، وما تلاها من دخول تنظيمات إرهابية وتوسعها، وهذه هي المعضلة الأعظم أمام أية محاولة لإيجاد حل سلمي في سوريا، التي تتحول يوماً بعد يوم إلى مجموعة من «الكانتونات» المتحاربة، ويتنامى فيها الإرهاب. ولذلك فحتى لو لم تكن روسيا طرفاً مباشراً في الصراع على نحو يتعارض مع دور الوسيط، فقد أصبح أي حل سلمي حلاً سلمياً مرهوناً بمواجهة الإرهاب، وتغيير البيئة التي أنتجته وتغذيه حتى الآن. ولما كان نظام الأسد هو أهم عناصر هذه البيئة، يصبح تغييره، وليس السعي إلى إعادة تأهيله على الطريقة الروسية هو بداية الطريق إلى إنقاذ سوريا.

الاتحاد

 

 

 

 

“موسكو – 1” الذي مات قبل أن يولد!/ محمد مشموشي

لعل أدق توصيف لحركة موسكو الحالية باتجاه الحرب السورية، وتالياً لنهايتها من دون نتيجة، ما قاله الرئيس السابق لـ «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة» أحمد معاذ الخطيب عشية موعد ما سمي «موسكو – 1» نهاية كانون الثاني (يناير) الحالي. أعلن الخطيب في بيان له أنه «لا بد من إجراءات جدية لأية مؤتمرات ترعاها جهات داعمة للنظام… وأولها إلزامه بإيقاف القصف الوحشي لشعبنا، للمستشفيات والمدارس والمدنيين والأماكن السكنية، بما يشكل إحدى أكبر الجرائم في تاريخ الإنسانية».

بل لعلها في واقع الأمر أولى نتائج الدعم غير المحدود، سياسياً وديبلوماسياً وعسكرياً وحتى مالياً، لنظام بشار الأسد من روسيا فلاديمير بوتين طيلة الأعوام الأربعة الماضية. النتيجة التي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن موسكو فقدت، من بين أمور أخرى كثيرة، دورها كوسيط يمكن الوثوق به أو كعامل مساعد على الحل في الحرب السورية التي غرق فيها بوتين إلى ما فوق أذنيه.

وطبيعي أن تدرك إدارة بوتين ذلك، كما تدرك في الوقت ذاته أنها لا تملك (وربما لا تريد؟!) إقناع حليفها الأسد بإيقاف حربه المجنونة ضد شعبه، بعد أن اعترف هو شخصياً، فضلاً عن بوتين إياه، بأن لا حل عسكرياً للأزمة في سورية. فلماذا إذاً مبادرة موسكو هذه، وماذا تتوقع أن تنتهي إليه، إذا كانت مبادرتها الأولى («جنيف – 1» ثم «جنيف – 2») قد اغتيلت بيدها وبيد حليفها قبل نحو عامين من الآن؟

يبدو أن بوتين، كما حليفه الأسد، يحاول أن يستغل الآن نقاط الضعف لدى المعارضة (قوى الثورة الحقيقية المتراجعة عسكرياً من ناحية، و «داعش» و «جبهة النصرة» اللذين يقاتلانها من ناحية ثانية)، فضلاً عن نقاط الضعف الدولية المتمثلة بتردد الغرب، وإدارة باراك أوباما تحديداً، إن في مواجهة الأسد ونظامه أو في محاربة الإرهاب، من أجل تحقيق ما عجز الحليفان عن تحقيقه خلال الفترة السابقة. وما عجزا عن تحقيقه، سياسياً وعسكرياً ومادياً ومعنوياً على حد سواء، ليس بقاء النظام من دون تغيير فقط، إنما بقاء الأسد على رأسه أيضاً… فهما باتا في حكم المنتهيين، ولو لم تصدر ورقة نعيهما الرسمية بعد.

لكن ما كشفته حركة موسكو الراهنة أنها، وفي هذا المجال بالذات، باتت أعجز من دمشق نفسها. ذلك أن الفكرة التي صاغها وزير الخارجية سيرغي لافروف، وجال بها على بعض دول المنطقة نائبه ميخائيل بوغدانوف قبل فترة، افترضت عقد لقاء لقوى المعارضة المختلفة في موسكو أولاً، على أن يليه، في حال الاتفاق بين هذه القوى على موقف واحد وتشكيل وفد موحد، لقاء آخر مع وفد يمثل النظام لمناقشة مطالب الطرفين وما يمكن إجراؤه من إصلاحات في النظام، على طريق التوصل إلى حل سياسي ينهي أربعة أعوام من نزف الدماء.

وعلى هذا الأساس، استقبلت موسكو في الأسابيع الماضية كلاً من معاذ الخطيب ورئيس «هيئة التنسيق» حسن عبدالعظيم وغيرهما من معارضي الداخل والخارج تحضيراً للأمر. لكن ما حدث بعد ذلك أن موسكو تراجعت عن خطتها هذه لمجرد أن النظام رفض عقد لقاءين منفصلين وأصر على الاشتراك في المؤتمر من بدايته، أي عملياً على الالتقاء بوفود وشخصيات متعددة ومختلفة في ما بينها كما كان موقفه من مساعي الحل السياسي على الدوام.

كذلك، فإن موسكو لم تقدم أي معطى جديد يساعد على الحل، ولا حتى تعهداً بالتزام موقفها السابق من بنود «جنيف – 1» لجهة تشكيل «هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات كاملة»، ولا عملت بعد ذلك على تلبية أي من مطالب المعارضين الذين تشاورت معهم في موسكو أو إسطنبول أو القاهرة.

كان مطلب الخطيب، فضلاً عن وقف القصف الوحشي كما قال، هو أن «أساس مقدمات التفاوض إطلاقُ سراحِ المعتقلين، خصوصاً النساء والأطفال»، وأن «بيان جنيف يشكل الأرضيةَ لكل عمليةٍ سياسيةٍ تؤدي إلى وضع انتقالي لإنقاذ سورية». أما مطلب عبدالعظيم، فكان أبسط من ذلك بكثير: «على السلطة أن تبادر إلى خلق مناخ ملائم للحوار يسمح للمعارضة بأن تثق هذه المرة بجديتها، وذلك بالشروع في تنفيذ البنود الستة في خطة (المبعوث الدولي – العربي السابق) كوفي أنان كبادرة حسن نية، لا سيما لجهة إطلاق المعتقلين السياسيين وبينهم القياديان في هيئة التنسيق عبدالعزيز الخير ورجاء الناصر (اعتقلا قبل حوالى عام لدى عودتهما من موسكو)، وكذلك لؤي حسين رئيس تيار بناء الدولة وغيرهم».

لم تفعل المبادرة الروسية شيئاً من ذلك، ولا حتى قدمت وعداً بأنها ستفعل عشية المؤتمر، بينما لا يزال مسؤولوها يتحدثون عن «موسكو – 1» باعتباره لقاء سورياً – سورياً من دون تدخل خارجي، ثم عن «حل سياسي» للمأساة السورية المديدة يمكن أن يخرج من هذا المؤتمر.

أغلب الظن أن ما يحاوله بوتين، من خلال مبادرته، الظهور في صورة أنه وبلاده ليسا في عزلة دولية بسبب غزوه شبه جزيرة القرم ومشكلته مع أوكرانيا، ولا في مأزق سياسي – اقتصادي كبير نتيجة الانخفاض الهائل في أسعار النفط والعقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة على روسيا.

لكن المؤكد في الوقت ذاته، ولأسباب تتعلق ببوتين نفسه وبحليفيه السوري والإيراني، أن مبادرته هذه قد ماتت قبل أن تولد.

وإذا كانت مقاطعة الخطيب للمؤتمر من ناحية، وعبدالعظيم من ناحية ثانية، و «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة» من ناحية ثالثة، تعني شيئاً في هذا السياق، فهو أنهم سيكونون ممثلين للنظام ولمعارضة الداخل المتحالفة معه… وأن «موسكو – 1» لن يكون مختلفاً في قليل أو كثير عن «دمشق – 1» الذي طالما تحدث عنه النظام من أيام تكليف فاروق الشرع برعايته في عام 2011 وما تلاه من تشريعات، وتشكيل حكومات، وإجراء انتخابات بلدية أو نيابية أو حتى رئاسية أخيراً.

* كاتب وصحافي لبناني

الحياة

 

 

 

سورية: موت شنيع لـ «المبادرة الروسية» قبل ولادتها/ عبدالوهاب بدرخان

توقع كثيرون، وتمنى كثيرون، أن لا تنجح المبادرة الروسية من أجل حل سياسي للأزمة السورية. الذين توقعوا هم الذين يريدون وقف القتل والتدمير، اليوم قبل الغد، ويتطلعون الى حل حقيقي لم يروا ملامحه سواء في مراقبتهم ما يصدر عن موسكو ومبعوثها ميخائيل بوغدانوف أو في استقرائهم المواقف الدولية الاخرى. أما الذين تمنوا الفشل، وفي طليعتهم الايرانيون، فلا يريدون للمأساة القاسية التي يعيشها الشعب السوري أن تنتهي، طالما أنهم يحققون استفادة قصوى منها. لكن أحداً لم يستشرف شيئاً مشابهاً لهذا الموت الشنيع لـ «المبادرة» حتى قبل أن تبصر النور. ولا عزاء للذين راهنوا عليها ثم تبيّنوا أنها سراب، ولعلهم تعلّموا شيئاً من هذه التجربة.

لا شك في أن الجميع وقع في فخّ أن روسيا دولة كبرى، ولا يمكن أن تبادر إلا بعد أن تكون درست خطوتها مع جميع المعنيين. لكن طبع «الدب» الروسي غلب على تطبّعه، اذ لم يفطن الى أن دور الوسيط يستلزم انزياحه ولو قيد أنملة عن الانحياز لنظام بشار الاسد، بل اندفع الى ما هو أسوأ حين وجّه الدعوات الى الحوار الى أشخاص معارضين (بعضٌ منهم موالٍ جداً)، أي أنه تولّى بنفسه تشكيل وفد المعارضة، وعندما برزت اعتراضات أطلق العبارة الانتحارية القائلة إن الحوار «سيعقد بمن حضر»… حسناً فعل بالإنكشاف المبكر، فما أن أعلن «تيار بناء الدولة» (رئيسه لؤي حسين معتقل) رفضه صيغة الدعوة، حتى أصدر الرئيس السابق لـ «الائتلاف» معاذ الخطيب بيانه القوي الذي أجهز عملياً على المسعى الروسي، ثم نُشر مضمون رسالة حسن عبد العظيم المنسق العام لـ «هينة التنسيق الوطني» (اثنان من قيادييها معتقلان، عبد العزيز الخيّر ورجاء الناصر) الى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يطالبه فيها بتوجيه الدعوة الى كيانات سياسية لا الى أشخاص، وبالضغط على النظام لوقف القصف واطلاق معتقلين لإشاعة مناخ ملائم للحوار.

كانت روسيا عوّلت كثيراً على مشاركة معاذ الخطيب لإضفاء «شرعية» على تحركها، فهو من «معارضة الخارج» ولم يفوّت فرصة إلا دعا الى حقن الدماء والبحث عن حل حتى لو تطلّب التحدّث مع النظام، لكنه اشترط دائماً خطوات انسانية يبرهن فيها النظام «حسن النيّة». وتوقعت سيناريوات متصوّرة أن يكون الخطيب رئيساً مقبولاً لحكومة «مختلطة» قد تنبثق من حوار موسكو، لكن الرجل لم يبدِ ولا مرة سعياً الى أي منصب. وعندما دعي لزيارة موسكو بحث وشاور ثم قرر التلبية برفقة وفد صغير (يقال أنه سافر على حسابه) ليسمع ويتأكد بأن ثمة مبادرة في الأفق، لكنه فوجئ حين أبلغه بوغدانوف أن لافروف سيستقبله ليسمع منه «بلا مناقشة». وعرض الشيخ معاذ أفكاره انطلاقاً من توجّهه المعروف، كما كرّره في بيانه الأخير قائلاً أن»لا حل من دون رحيل رأس النظام والمجموعة التي ساقت سورية الى المصير البائس الذي وصلته اليوم». لكن لافروف سأل «اذا رحل الاسد فماذا ستفعلون، ومن سيضبط المقاتلين؟». كان ذلك اشارة واضحة الى أن الموقف الروسي لم يتزحزح، لكن كان لا بدّ من انتظار الصيغة التي سيُخرج بها دوره كـ «وسيط».

ها هو قد أخفق تماماً، اذ قاده تبنّيه شروط النظام والشروط الايرانية الى افتضاح «مبادرته». كان كثيرون راهنوا عليها، آملين بأن تكون هادفة ومتوازنة، إلا أن الوقائع بيّنت أنها استهدفت أمرين: 1) استغلال احباطات المعارضة وتشتتها وخلافاتها لتذويبها في اطار رخوٍ يسهل دفعه الى تسوية هزيلة قوامها بضعة حقائب وزارية. 2) نسف مرجعية «جنيف 1» ونصّها على حكم انتقالي لمصلحة «حوار موسكو» كمرجعية جديدة… وبما أن الهدفين يصبّان في مصلحة النظام فقد فُهم أن حليفيه (روسيا وايران) يسعيان الى اعادة ترميمه، فأوضاعه هو الآخر لا تقل اهتراءً عن أوضاع المعارضة. وأياً تكن تمنيات الحلفاء والخصوم فإن فرصة حل يبقي رؤوس النظام فاتت منذ زمن، اذ لم يعد خياراً ولا يمكن فرضه أو تمريره.

صحيح أن الدعوة الروسية أشارت الى بيان «جنيف 1» لكنها ركّزت على «مكافحة الارهاب»، أي عودة الى صيغة جاء بها وفد النظام الى مفاوضات جنيف، والى صيغة توفيقية اقترحها الاخضر الابراهيمي ولم يقبلها النظام لأنها تضع البحث في «هيئة حكم انتقالي» بموازاة مكافحة الارهاب. لكن موسكو خططت عملياً لحوار من دون أجندة تسهيلاً للتلاعب بالأولويات، وفي تقديرها أن «أصدقاء سورية» انقرضوا تقريباً، وأن المواقف الاميركية دفعت المعارضة الى اليأس اذ تبدو واشنطن متخلّية عن التزاماتها تجاه المعارضة وأكثر اهتماماً بتلزيم قطع الملف السوري وتوزيعها كـ «مصالح» على الأطراف الاقليمية، وهذه صارت بدورها مهتمّة بالحصص التي تحصّلها. لذلك اعتبر الروس أن الفرص سانحة لتغيير قواعد اللعبة ومعايير الحل السياسي، بالاستناد شكلياً الى «جنيف 1» والاعتماد عملياً على موازين القوى على الأرض.

عندما بدأ الحراك الشعبي لم يكن هناك ميزان القوى اصلاً، بل كان النظام بكامل قوته، وقد استخدمها، ولم ينجح في اخماد الانتفاضة، وحتى عندما تعسكرت هذه قسراً ظل التفوّق الناري للنظام، ثم عندما مكّنه الايرانيون من استعادة بعض المناطق بدت انتصاراته توكيداً لاستحالة بقائه، كما هي حاله اليوم. والفارق كبير بين تسوية على أساس موازين القوى يفرضها الغازي المحتل، وبين حل سياسي يقوم على تنازلات متبادلة ويرمي الى صيغة تنصف الشعب وتحصّن التعايش بين فئاته. لذلك برقت الآمال عندما طرحت المبادرة الروسية، لعلها القاطرة الملائمة للنظام كي يقدّم تنازلاته، لكن هذا كان مجرد وهم لأن البنية النفسية للنظام تمنعه من تقديم أي شيء خيّر لشعبه. وفيما باتت «المبادرة» مترنحة ظهرت تكهّنات بأن النظام قد يقوم بخطوة لانقاذها، كأن يُفرج عن المعتقلين أو العدد الأكبرمنهم، ولو من قبيل «احراج» المعارضة، فهل يفعل؟

كانـت المعـــارضة وافقت على الذهاب الى حوار على أساس «جنيف 1»، لكنها رفـــضت أن تختار موسكو المشاركين فيه بناء على «فيتو» النظام على كيانات وأشخاص محددين. في أي حال يُحسب لموسكو ما لم تتقصّده أصلاً، ذاك أن «الحصانة» المبدئية التي أمّنتها لوجوه معارضة الداخل مكّنت هذه من فتح حوار جدّي مع معارضة الخارج، بل أتاحت لهما بلورة تقارب في الرؤى. وهذا معطى جديد يُظهِر للمرّة الأولى أن عناصر «الحل» الذي يطمح اليه «الائتلاف» و «هيئة التنسيق» يمكن أن تكون واحدة. أي أن التحضير لحوار موسكو أدّى الى فرز واضح بين قوى المعارضة المتبنية لمطالب الشعب وتلك المدجّنة أو الموالية (قدري جميل، على سبيل المثال) التي طلب حسن عبد العظيم من لافروف أن يصار الى ضمّها الى وفد النظام. ومن الواضح أن جميع كيانات المعارضة الحقيقية مدركة أن كل ما استطاعت الحصول عليه، وبثمن باهظ جداً، هو ورقة «جنيف 1» التي أُثبت مضمونها في القرار 2118 (المتعلّق بـ «صفقة» تدمير ترسانة السلاح الكيماوي) وأكتسبت بذلك «شرعية» دولية.

ولعل هذه الروح الجديدة التي انبعثت من عثرات المعارضة هي التي شجعت الخارجية المصرية على المضي في عزمها على دعوة كياناتها الى حوار موسع للاتفاق على رؤية موحدة للحل السياسي. لكن مصادر المعارضة دعت الى معالجة الاعتراض على دعوة ممثلي «الاخوان المسلمين» و «اعلان دمشق» الى حوار القاهرة، ففي أفضل الأحوال سيُعتبر إقصاؤهم رضوخاً لرغبة النظام الذي يعتبرهم أدوات للدور التركي، ويحمّلهم مسؤولية تحريك الانتفاضة الشعبية ثم انشاء «المجلس الوطني» كأول كيان للمعارضة في الخارج.

* كاتب وصحافي لبناني

الحياة

 

 

 

أميركا تدعم مبادرة روسيا تجنّباً لانخراطها في سوريا كما في لبنان ملء فراغ/ روزانا بومنصف

محض وزير الخارجية الاميركية جون كيري من جنيف المساعي التي تقودها روسيا من اجل اجراء محادثات جديدة بين النظام والمعارضة السوريين في لقاءات مباشرة يفترض ان تعقد بين السادس والعشرين والتاسع والعشرين من الشهر الجاري في موسكو تأييده. كما اشاد في الوقت نفسه بالجهود التي يقوم بها مبعوث الامم المتحدة للسلام في سوريا ستيفان دو ميستورا على اثر عقد لقاء بينهما في جنيف في موقف فسرته مصادر ديبلوماسية متابعة بمحاولة الديبلوماسية الاميركية تشكيل رافعة لمنع انهيار تحركين روسي ودولي في اتجاه سوريا يملآن الفراغ الدولي راهنا في ظل غياب اي جهود حقيقية لحل النزاع بحيث قد تجد الولايات المتحدة نفسها في حرج وضغوط قوية من اجل التقدم وعدم ترك تواصل الحرب في سوريا على ما هو عليه. ذلك ان الدوران في فلك المبادرتين المذكورتين يعفي واشنطن من مسؤولية البحث عن توافق على حل ما للازمة السورية في الوقت الراهن في انتظار الانتهاء من الملف النووي الايراني ما قد يجبرها على القيام بجهود او بمبادرة ما في حين ان حماسة الادارة الاميركية للموضوع السوري لم تتبدل ولا تزال على فتورها او برودتها بحيث لا يؤمل منها اي انخراط فعلي على هذا الصعيد اللهم باستثناء توجيه الضربات العسكرية الجوية لمواقع تنظيم الدولة الاسلامية. فالمحادثات التي دعت اليها روسيا توشك على الفشل في ظل تراجع افرقاء اساسيين من المعارضة السورية عن المشاركة فيها مما يفقد موسكو ورقة مهمة حاولت توظيفها من اجل تقوية موقعها وتعزيزه في مواجهة ما تواجهه من عقوبات وضغوط من الدول الغربية. وبدا موقف كيري من المبادرة الروسية بمثابة نفي لاي مسؤولية اميركية عن فشل المحادثات المرتقبة على الاقل من خلال عدم تشجيع المعارضة السورية على المشاركة فيها في ظل التوتر الراهن بين الولايات المتحدة وروسيا نتيجة تفاعل المواقف بعد ازمة اوكرانيا او من خلال دفعها الى عدم المشاركة. وانهيار المبادرة الروسية التي تقول موسكو انها مبنية على بيان جنيف واحد من دون التزام حرفية المرحلة الانتقالية التي تقضي بان تعود صلاحيات السلطة التنفيذية الى الحكومة الانتقالية بدلا من بقائها في يد الرئيس السوري بشار الاسد في ظل تمسك هذا الاخير باستمرار الامساك بالامن والجيش ودعم موسكو وايران ذلك سيكون امرا سلبيا جدا لموسكو التي تحاول ان تدفع بوساطتها في الموضوع السوري جنبا الى جنب مع تسويق تفسيرها للحل او لبيان جنيف واحد. ما يعني ان هذه القاعدة لا يمكن ان تشكل اساسا لانطلاق الحوار. وهي نقطة تصيب في الوقت نفسه في العمق المبادرة التي يستند اليها المبعوث الدولي دوميستورا ايضا، ولو انه يقارب الازمة السورية من زاوية اخرى انطلاقا من وقف للنار يفترض ان يؤدي في نهاية الامر الى عملية سياسية على اساس مفاوضات بين النظام والمعارضة.

ووزير الخارجية الاميركي اعرب في الوقت نفسه من جنيف عن امله ان يكون لجهود الامم المتحدة التي يقودها دو ميستورا تأثير، فيما ترددت معلومات ان المبعوث الدولي الى سوريا الذي افيد عن الاحتمالات الكبيرة لتوليه ادارة الفراغ الدولي في سوريا لدى تكليفه من مجلس الامن تبنى مقترحات لمركز الحوار الانساني في جنيف تقول بتجميد القتال في سوريا بدءا من حلب على قاعدة مقاربة لامركزية واسعة وبقاء الرئيس السوري بشار الاسد بناء على تشجيع ضمني اميركي للسير بهذه المقترحات انطلاقا من ان دو ميستورا لم يكن ليندفع من دون الدفع الاميركي ولو غير المباشر. وذلك مع العلم ان المقاربة التي وضعت وخضعت للتوظيف الاميركي اثارت جدلا كبيرا في المركز المذكور في جنيف انطلاقا من انه مركز مستقل لا يخدم اهداف دول او يعمل من اجلها. في اي حال فان المبادرة لم تلق تشجيعا من دول اقليمية التي لم تستقبل دو ميستورا او استقبلته على مستوى ديبلوماسي منخفض كما فعلت تركيا مثلا الامر الذي شكل انذارا مبكرا الى العقبات التي تعترض السير بالمبادرة. في الوقت الذي اثار نشر المبادرة في بعض وسائل الاعلام الاميركية المؤثرة ردود فعل سلبية تخشى مصادر معنية ان تكون خففت من الحماسة التي رافقت التسويق للاقتراح الاساسي الذي يبني عليه دو ميستورا انطلاق مبادرته اي تجميد الصراع في حلب بداية. الا ان مصادر اخرى ترى في الدفع الذي قدمه كيري لدوميستورا في جهوده لوقف القتال في حلب رسالة قد يرمى من خلالها استهداف الجانبين السوريين المعنيين اي النظام والمعارضة. اذ ان النظام السوري الطامح بقوة لان يحظى مجددا بالقبول الاميركي يمكن ان يتلقف الخطة ايجابا لجهة حصول هذه الخطة انطلاقا من ان الخطة قد تفتح الابواب امامه للقبول الذي يود الحصول عليه كما ان المعارضة يفترض ان تتأثر ايجابا بالدعم الاميركي للخطة من اجل السير بها وانجاحها. وتاليا فان الاحتمال المرجح لفشل المبادرة الروسية والذي سيتضح سريعا قبل نهاية الشهر الجاري سيترك المجال لمبادرة دو ميستورا من اجل الاستمرار في محاولة تعبئة الفراغ على نحو يماثل بالنسبة الى المصادر الديبلوماسية ما يسعى الافرقاء اللبنانيون اليه من الحوار في شقيه المسيحي المسيحي او السني الشيعي اي تعبئة الوقت الضائع بما يشغل الرأي العام ويملأ الفراغ في انتظار توافر الظروف لايجاد الحلول.

النهار

 

 

ما وراء أكمة “مؤتمر موسكو”/ إياد أبو شقرا

خلال بضعة أيام تستضيف العاصمة الروسية موسكو مؤتمرا «حواريا» حول سوريا.

ما قيل، وما زال يقال، بأن الغاية من المؤتمر هي «الحوار» بين النظام والمعارضة، وحتى هذه النقطة.. لا بأس بذلك. أيضا قيل، وما زال يقال، بأن روسيا تلعب دور «الوسيط»، وهنا أيضا أي وساطة نزيهة تنهي معاناة الشعب السوري مرحب بها، أو كما يقال بالعامية الشامية «وحبة مسك».. غير أن ثمة إشكاليات عدة تتجلى أكثر فأكثر مع العد التنازلي للمؤتمر المزمع..

من هذه الإشكاليات، أن «الوسيط» أو «راعي المؤتمر» الذي يزعم أنه ينطلق من تفاهم «مؤتمر جنيف – 1»، حليف استراتيجي لنظام آل الأسد وليس وسيطا. وهو لم يكف عن تزويد جيش النظام بحاجته من السلاح منذ تفجرت الانتفاضة الشعبية في مارس (آذار) 2011، ومن ثم، استخدم مع الصين، حليفته الصامتة، «الفيتو» 3 مرات لمنع إدانته ووقف ارتكابه المجازر بحق المدنيين، بما في ذلك استخدام سلاح الطيران والأسلحة الكيماوية.

أكثر من هذا، رفض هذا الوسيط «اللاوسيط»، منذ انتهاء «جنيف – 1»، مطالب المعارضة القائلة بأنه لا يمكن الانخراط بمرحلة انتقالية مع بقاء سلطة تقتل شعبها وتهجره متسببة حتى الآن بكارثة نزوح من الأسوأ في تاريخ العالم الحديث.. لا بل قلب النقاش رأسا على عقب، رافضا أي بحث بأن ما يحدث في سوريا «انتفاضة شعبية» ظلت سلمية لمدة لا تقل عن 8 أشهر على الرغم من تعرضها للقمع بالرصاص الحي والمجازر النقالة والتطهير الفئوي.. مصرّا على أن كل ما يحدث «مؤامرة إرهابية أصولية» ضد النظام وضد سوريا نفسها!

ثم، بما يخص المعارضة التي يزعم «الراعي» أو «الوسيط» الروسي أنه يدعوها لمحاورتها، فإنه بعدما قرر «حدود» الحوار و«سقفه»، رافضا البحث بمرحلة انتقالية لا تشمل بشار الأسد وأركان سلطته الأمنية، ها هو ينسف عمليا الآن الصفة التمثيلية للمعارضة.. ذلك أنه بادر، أولا، إلى انتقاء أفرادها بنفسه. وثانيا، دعاها كأفراد لا كتنظيمات.. ما يعني ضمنيا أنه لا يعترف بأي صفة تمثيلية لأي تنظيم معارض، في حين دعي نظام الأسد كـ«حكومة شرعية» أي كسلطة رسمية.

ثم جاءت ثالثة الأثافي بالأمس، عندما حذر سيرغي لافروف، عميد الدبلوماسية الروسية الباسمة، طيف المعارضين السوريين الذين حظوا بنعمة الكرملين فوُجهت إليهم الدعوة للمجيء إلى موسكو، من مغبة التغيب.. تحت طائلة إضعاف موقفهم التفاوضي!

عمليا هناك هدفان اثنان لموسكو من مؤتمرها المعد خصيصا لنظام مطلوب منه أن يحاور نفسه:

الهدف الأول، شق تنظيمات المعارضة، فتدميرها، عبر اللعب على اختلاف أولوياتها، سواء بين «الائتلاف الوطني السوري» و«هيئة التنسيق»، أو بين معارضة الداخل ومعارضة الخارج، أو بين التيارات الإسلامية والتيارات اليسارية والقومية والليبرالية والأقلياتية.

والهدف الثاني، هو إحراج المعارضة أمام العالم وتصويرها على أنها هي العقبة في وجه أي تفاهم، بينما النظام مستعد للحوار ويلعب وفق الأصول، بل غدا «الشريك الفعلي» في «الحرب على الإرهاب التكفيري» ممثلا بتنظيم «داعش»، و«القاعدة» و«جبهة النصرة» وأخواتهما. وفي هذه النقطة بالذات نلحظ ليس فقط تزكية لطروحات النظام وتغطية لموقف موسكو المتآمر على الانتفاضة السورية منذ يومها الأول، بل نلحظ أيضا تغطية لانقلاب، أو بالأحرى انكشاف موقف إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما من المحنة السورية.

بناء على ما سبق، يتضح أن موسكو تخوض حربا ضد المعارضة السورية، وأن مؤتمرها لا علاقة له بأي حوار موضوعي، بل هو مناورة لتشتيت المعارضة والقضاء عليها في مناخ عالمي ساخط على الجماعات المتطرفة التي ترتكب فظائعها باسم الإسلام. ولقد جاءت عملية الأخوين كواشي في العاصمة الفرنسية باريس باستهداف صحيفة «شارلي إيبدو» الساخرة.. تعزيزا لترتيب الأولويات الأمنية والسياسية دوليا.

اليوم المعركة العالمية هي التصدي لـ«الإرهاب الداعشي – القاعدي». ومع أنه لا بأس في ذلك بتاتا، لأن الإسلام نفسه هو المتضرر الأول من هذا الإرهاب، تتمثل المشكلة الحقيقية في أن القوى المتحمسة لخوض هذه المعركة مكتفية بمعالجة الأعراض بدلا من الجذور والمسببات.. بل، يجب التذكير بأن القوى الإقليمية التي تواصل الزعم بأنها شريك في «الحرب على الإرهاب» كانت لعقود من أخطر المتاجرين بهذا «الإرهاب» وترويجه واستغلاله. والنظام العراقي الحالي نفسه يتذكر جيدا عبر أي حدود كان «الإرهاب القاعدي» يأتي إلى أراضي العراق لمناوشة القوات الأميركية، وبغض أنظار أي جهات!

نحن الآن أمام أزمة مأساوية تفاقمت أكثر مع التبني الأميركي شبه الكامل لمواقف روسيا، وصولا إلى مباركة مؤتمر موسكو. وهنا يجب ألا ننسى أن الرفض الأميركي المستمر لمطالب المعارضة السورية و«أصدقاء سوريا الحقيقيين» بإنشاء مناطق عازلة، وفرض مناطق حظر طيران، والمعاقبة على المجازر – بما فيها استخدام الأسلحة الكيماوية – أدى إلى الوضع الكارثي الذي نرى اليوم داخل سوريا وفي الدول المحيطة بها. وفي ما يلي أبرز ملامحه:

1- أطلقت واشنطن يد النظام باستخدام أي سلاح بحوزته لقمع شعبه وترويعه.. بإحجامها عن تنفيذ أي من تهديداتها له.

2- كبحت واشنطن بسلبيتها «قوة دفع» الثورة، فحالت دون انشقاق مزيد من الضباط والساسة بعدما وجهت رسالة ضمنية واضحة للسوريين، بأنها لا تنوي التصادم مع إيران وروسيا حول سوريا، ولن تفرض على الأسد التنازل.

3- شجعت عمليا، عبر سلبيتها أيضا، إيران على نقل المقاتلين الإيرانيين واللبنانيين والعراقيين.. وغيرهم، كما شجعت روسيا على مواصلة إمدادها النظام بكل أنواع السلاح الذي يحتاجه.

4- أضعفت قوى الاعتدال داخل الانتفاضة السورية وزرعت فيها اليأس، وجعلت «الجيش الحر» أضعف القوى الميدانية المعارضة، بينما أتاحت خلال 4 سنوات لمتطرفي العالم المجيء إلى سوريا والتجمع فيها، ثم نسف غايات انتفاضتها وتشويه صورتها.

ما سيعقد في موسكو «مؤتمر – مؤامرة» لضرب سوريا وانتفاضتها، وهو مثل «مبادرة دي ميستورا»، ما عاد يخفي الكثير وراء أكمته.

الشرق الأوسط

 

 

 

الأزمة السورية بمواجهة شتاءٍ ساخن في موسكو/ فادي الداهوك

الأزمة السورية بمواجهة شتاءٍ ساخن في موسكو يأتي الاعتكاف الأميركي عن الخوض المباشر في ما تحضره موسكو، ليقلل من خيارات هيئة التنسيق

وقت قصير يفصل المعارضة السورية عن الموعد الذي حددته وزارة الخارجية الروسية للرد على دعوتها حول المشاركة في المحادثات التي تستضيفها موسكو في السادس والعشرين وحتى التاسع والعشرين من شهر كانون الثاني/يناير الحالي. وإلى حين انتهاء المهلة التي تبقى منها 24 ساعة، ستجري المباحثات بمن حضر، والحديث عن فشل أو نجاح عقدها أصبح بالنسبة إلى موسكو من الماضي. وهي إن كانت قد جوبهت برفض من الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، إلا أنها ما تزال بانتظار موقف نهائي من أطراف معارضة أخرى غير الائتلاف.

أبرز تلك الأطراف التي تنتظر موسكو منها موقفاً إيجابياً هي هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديموقراطي في سوريا، التي احتجت في وقت سابق، برسالتين بعثت بهما إلى الخارجية الروسية ولم تتلقَ الرد عليهما، على طريقة توجيه الدعوات إلى أفراد وليس إلى كيانات معارضة. لكن الهيئة قد تتجاوز هذه المسألة، على نطاق قيادتها في أقل تقدير، لاسيما وأن العرض الروسي الحالي مغرٍ مقابل خسارتها حضور مؤتمر “جنيف 2″، الذي انفرد الائتلاف خلاله بتشكيل الوفد المفاوض عندما اقتصر على أعضائه. لكن الوضع في موسكو بالنسبة للهيئة مختلف الآن. فحضورها يعني امتلاكها غطاءً أوسع لنشاطها في الداخل بكفالة من الروس، وربما في مرحلة لاحقة من جهات دولية أخرى قد تنضم إلى مساعي الروس، الذين بدأوا فعلياً التفكير بلقاء ما بعد “مشاورات” السادس والعشرين. وفي هذا السياق أشارت مصادر دبلوماسية إلى أن الخطة الروسية تقضي أن يكون اللقاء الثاني “تفاوضياً”، والجهود تنصب على أن يُعقد خارج موسكو، بحضور دولي.

“إذا قرر أحد ما عدم المشاركة في هذا اللقاء، فهو، في رأيي، سيفقد أهمية دوره في عملية التفاوض. ولذلك نأمل في أن يكون مستوى الحضور جيداً”. قال وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف. والكلام موجه بالدرجة الأولى إلى هيئة التنسيق، وهو بمثابة الرد العلني على الرسالتين اللتين أرسلتهما الهيئة للخارجية الروسية. وكلام لافروف يزيد من مخاوف تيار في الهيئة من انزلاقها إلى موقف مماثل للذي اتخذه الائتلاف، لاسيما وأنها باتت تعلم أن مسألة مشاركة الأكراد في المباحثات باتت شبه محسومة، والضغوط التي واجهها نائب المنسق العام لهيئة التنسيق، رئيس حزب الاتحاد الديموقرطي الكردي، صالح مسلّم، باءت بالفشل، وأن الحلف الذي يجمع الهيئة وحزب مسلّم هو خارج حسابات الأكراد في مسألة حضور المباحثات.

إلى جانب الضغط الروسي على الهيئة، هناك ضغط يمارسه الائتلاف، إذ إنه إلى الآن لم يشكّل الوفد الذي سيحضر لقاء المعارضة في القاهرة. فالائتلاف ما زال يماطل بانتظار موقف الهيئة النهائي من مباحثات موسكو. وتشكيل الوفد ثمنه رفض الهيئة للدعوة الروسية، الأمر الذي قد تلجأ الهيئة من خلاله إلى سحب احتجاجها لروسيا، ومشاركتها على نطاق الأفراد.

وإلى جانب تلك الضغوط، يأتي الاعتكاف الأميركي عن الخوض المباشر في ما تحضره موسكو، ليقلل من خيارات الهيئة. فحتى الآن، لا يمكن القول إن الموقف الأميركي هو ضد أو مع ما يُحاك في روسيا. وأقرب توصيف لموقع واشنطن هذه الأيام أنها منتظرة لنتائج اللقاء “التشاوري”، خصوصاً أنه لن يطرح قرارات أو التزامات، وهو موقف يدفع له بقوة المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، دانييل روبنشتاين، الذي خلف السفير الأميركي في دمشق، روبرت فورد بعد استقالته من منصبه، وتؤكده تصريحات وزير الخارجية الأميركية، جون كيري، المهادنة للخطوات الروسية.

لكن من جانب آخر، لابد من النظر إلى الخريطة العسكرية في البلاد، وهو فصل جوهري يطرح على أي طاولة مباحثات تتعلق بالأزمة السورية، إذ إن الأطراف التي ستحضر المباحثات في روسيا لا تمتلك أي سلطة فعلية على الأرض، ما عدا النظام؛ ولذلك استبقت تركيا كل الأحاديث عن مباحثات موسكو، بمد نفوذها لأول مرة إلى غوطة دمشق الشرقية، وتمثل ذلك بإنهاء دور “جيش الأمة”، الذراع العسكرية الوحيدة المرتبطة بالجبهة الجنوبية هناك، التي قد تستخدمها واشنطن للضغط باتجاه أي سيناريو قد ينتج عن “حوار موسكو”. كما أنها أمِنت جانب الائتلاف، ومنعت التيار الذي كان من الممكن أن يدعم مساعي روسيا من داخل الائتلاف، وهو تيار يقوده الرئيس السابق للائتالف هادي البحرة، وبدر جاموس، وعبد الأحد اصطيفو، وصلاح درويش، وعبد الباسط سيدا، والخمسة تلقوا دعوات من موسكو. فتمّ تسهيل إجراء انتخاب خالد خوجة رئيساً للائتلاف، ليخرج في أول تصريح له ويعلن رفض الائتلاف لمباحثات موسكو، إلى جانب سنّه “تشريعاً” في مؤتمرٍ صحافي يعاقب بموجبه من يفكر الذهاب إلى روسيا بالفصل من الائتلاف. ويأتي هذا التحرك التركي اللافت، بالتزامن مع اقتراب واشنطن من البدء في برنامج تدريب المعارضة السورية. وفي هذا السياق، أشار دبلوماسي أميركي في تركيا، إلى أن مشروع التدريب الذي تموله أميركا وبريطانيا، سستضيفه تركيا وقطر والسعودية والأردن، يشارك به 5 آلاف مقاتل كخطوة أولى، وينطلق في آذار/مارس المقبل، وهي الفترة التي تشير التوقعات إلى أنها ستشهد أيضاً لقاء “موسكو-2”.

المدن

 

 

ما سر حب الروس للأسد؟!/ عبد الرحمن الراشد

لا نعلم تفسيرات تشرح لنا موقف روسيا حيال الأزمة السورية منذ بدايتها قبل نحو أربع سنوات، حيث لا توجد هناك معاهدات دفاع مشترك، ولا يمثل النظام السوري قيمة استراتيجية لموسكو في الصراع الإقليمي، وبالتأكيد ليس مؤثرا في التوازنات الدولية، وليست فوق أراضيه معابر مائية، ولا في بطنه مصادر للطاقة، ولا أسواق استهلاكية. كما أن الطرف الآخر، أي المعارضة، لم تعادِ روسيا، بل جربت، وحاولت، تجسير العلاقة معها، رغم المدد الحربي الضخم الذي أوقف نظام دمشق على قدميه بعد انتكاساته العسكرية.

إذا لم تكن هناك مصالح كبيرة، ولا قيمة استراتيجية، ولا صفقات عسكرية أو مالية، فما سر هذه السياسة الروسية المتشبثة بنظام مهترئ، لا مستقبل له؟

خلال السنتين الماضيتين سألت العديد من المهتمين، والنشطين، في الميدان السياسي، على أمل أن أجد مبررا يساعدني على فهم العقل الروسي، ولم يعطني أحد تفسيرا مقنعا يعلل مستوى التزام موسكو الضخم بدمشق الأسد. قيل لي، إنها علاقة ضمن العلاقة مع إيران، لكن هذه تجعلها مسألة ثانوية.

وقيل لي إنها محاولة لاستخدام الأزمة السورية للتفاوض مع الغرب، لكن الغرب غير مهتم بمن سيحكم دمشق غدا. وقيل حب الكرملين للأسد بسبب ميناء طرطوس، القاعدة المتوسطية الوحيدة للبحرية الروسية، لكني أعرف أن المعارضة السورية وعدت باحترام الاتفاقية والسماح لهم بالميناء.

وقيل إن الروس يحلبون سوريا ماديا، وهذا مخالف لحقيقة أن التبادل التجاري مع دول الخليج أعظم من صفقات سوريا التي تدفع متأخرة أو مقايضة من إيران. كذلك، قيل إن روسيا مع النظام حتى تحارب الإرهابيين هناك، لكن نعرف أن موقفها المناصر للأسد سابق لولادة «داعش» و«النصرة» الإرهابيين، والروس هم من حرص على دعم النظام لضرب المعارضة المعتدلة. يضاف إلى ذلك أن المعارضة المعتدلة سبق وعرضت على الروس التعاون لمواجهة الجماعات المتطرفة التي قدمت من مناطق النفوذ الروسية، مثل خراسان والشيشان.

فعلا، لا يوجد تفسير منطقي! خاصة إذا علمنا أن الروس مارسوا نفس الخطأ من قبل، عندما دعموا نظام الأسد بعد تورطه في اغتيال رفيق الحريري، وعطلوا المساعي الدولية لمعاقبته، وساندوه اقتصاديا. وبعد أن حقق الأسد انفراجة في علاقاته مع فرنسا، بعد تولي ساركوزي الرئاسة، طلب وساطة باريس لإصلاح علاقته مع الأميركيين. وقد أخبرني حينها أحد المسؤولين العرب أن الروس غضبوا من استغلاله دعمهم ثم الارتماء في أحضان المعسكر الغربي. وقالوا نحن نعرف أن الأسد سيعود يوما ويطلب نجدتنا من جديد.

طبعا، سياسات الدول تقوم على المصالح، ولو وجدنا هناك مصلحة واحدة تستحق موقف الروس الخادم للنظام السوري لعذرناهم!

الآن، لا تكتفي موسكو بإرسال خبرائها العسكريين لمواجهة الثوار وترسل ذخيرتها وبراميلها المتفجرة، بل، أيضا، تريد إعادة تأهيل الأسد رئيسا! تحاول عقد مؤتمر هدفه إنهاء المعارضة، مقترحة مشروعا سياسيا يقوم على حكومة مشتركة من النظام والمعارضة تحت قيادة الأسد، ومن الطبيعي أن يرفضه المعارضون الذين يمثلون أكثر من ثلثي الشعب السوري، ولن ينجح مهما سعى الإيرانيون والروس من أجل فرضه.

الشرق الأوسط

 

 

 

 

الواهم بعد أنان والإبرهيمي!/ راجح الخوري

لم يكن بشار الأسد في حاجة الى إطلاق رصاصة الرحمة على رأس مؤتمر موسكو الذي يفترض ان يعقد في ٢٦ من الجاري كما أعلن ميخائيل بوغدانوف، بالأحرى لم يكن عليه إلقاء برميل يفجّر كل أحابيل الروس الذين شاركوا في صنع المأساة وهم يتنطحون الآن لحلّها، ربما لأن المؤتمر ولد ميتاً في اللحظة التي أعلن بوغدانوف انه “سيعقد بمن حضر”، بدليل ان الذين سيحضرون هم مجرد كومبارس سياسي عند الاسد وحماته الروس!

لطالما كررت المعارضة ان المؤتمر حفلة تهريج وان روسيا أحبطت مؤتمر جنيف وأسقطت عملية الانتقال السياسي كأساس للحل، وانها تسعى الى تمزيق المعارضة أكثر مما مزّقها الاميركيون، الذين يضحكون الآن في عبّهم امام الفشل المحقق للرفيق سيرغي لافروف. لكن كل التشكيك الإستباقي بمؤتمر موسكو في كفة والضربة القاضية التي وجهها اليه الأسد في كفة !

قبل الحديث عن هذه الضربة، أقول إن في وسع المراقب ان يسمع قهقهة الإيرانيين الذين يديرون بورصة الصراع السوري ببراعة سياسية، لأنه كان سيزعجهم نجاح مؤتمر موسكو وإقفال باب الجبنة السورية، وليس من المبالغة الإفتراض ان كلام الأسد الذي نسف المؤتمر من أساسه كتب باللفة الفارسية!

الاسد أعلن في حديث الى صحيفة تشيكية [لماذا ليس الى “البرافدا” مثلاً] ان نظامه ذاهب الى روسيا “ليس للشروع في الحوار وإنما لمناقشة الأسس التي سيقوم عليها الحوار عندما يبدأ”، وفي هذا الكلام حبكة بارعة كالقطبة المخفيّة في السجّاد العجمي !

ما هي هذه الأسس ؟

انها تحديداً تلك التي سمعها ستيفان دو ميستورا الأحد في ٢ تشرين الثاني في دمشق التي هاجمته، لأنه ذهب اليها حاملاً مقترح المصالحة في حلب، فقيل له “إن الأولوية الآن لمكافحة الإرهاب ومن ثم العمل على الحلول، وإن المصالحة تعني تسليم المعارضة السلاح وعودة المقاتلين السوريين الى كنف الدولة” !

بمعنى ان على المعارضة ان تدفن قتلاها والاحزان وتزحف حافية فوق ركام المدن والقرى لتسلّم ما لديها من سلاح بدائي، ثم تعلن التوبة وتطلب المغفرة… أولم يفهِموا دو ميستورا منذ البداية انهم يريدون لحلب نموذج حمص ؟

واذا كان مؤتمر جنيف في مرحلتيه عجز عن وضع أسس حل يرسم خريطة طريق للإنتقال السياسي، بعدما تولى لافروف تدميره على رأس جون كيري، ما دفع على ما أذكر جيداً الشيخ حمد بن جاسم رئيس وزراء قطر يومها الى الخروج من القاعة مقطباً وغاضباً، فهل يمكن ان تنجح موسكو الآن في حل ينهي الإدارة الايرانية السعيدة للوضع السوري ؟

مستر دو ميستورا يمكنك ان ترتاح الى جانب كوفي انان والأخضر الإبرهيمي !

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أكاديمية التعفيش/ عمر قدور

    الصور التي تتوارد من مخيم اليرموك، وتُظهر قوات الأسد وهي تنهب كل ما ...