الرئيسية / صفحات الحوار / المفكر السوري جاد الكريم جباعي لـ الراية: سوريا تشهد ثورة شعبية سلمية لأجل الحرية والكرامة

المفكر السوري جاد الكريم جباعي لـ الراية: سوريا تشهد ثورة شعبية سلمية لأجل الحرية والكرامة


النظام دخل في طور الانحلال ولم يعد قابلاً للحياة

الإصلاح السياسي الجدي يعني انقلاب السلطة على نفسها

دمشق ـ شادي جابر

أكد الكاتب والمفكر السوري جاد الكريم جباعي أن الاحتجاجات التي تشهدها سوريا لم تنحسر لأن إصلاحات النظام مراوغة وغير مقنعة، معتبراً أن السلطة لم تقم بأي إصلاح سياسي جدي حتى الآن.. وهي تعلم جيداً أن الإصلاح السياسي الجدي سينهي النظام الشمولي الذي تنتمي إليه وتدافع عنه، وسيضع حداً لرموز الفساد وأصحاب الامتيازات.

 وقال جباعي في حوار مع الراية إن الشعب لن يقبل بعد اليوم إلا باستعادة حقوقه المشروعة ومحاسبة من نهبوا ثروات البلاد وأوغلوا في قتل المواطنين واعتقالهم وتعذيبهم. مؤكداً أن الإصلاح السياسي الجدي يعني انقلاب السلطة على نفسها وتغيير النظام الذي فرض على الشعب فرضاً منذ عقود.

 ورأى المفكر السوري أن الأزمة مفتوحة ويصعب التكهن باتجاهات تطورها، ما لم تعدل السلطة عن خيارها الأمني المدمر وما لم تستجب للمطالب السياسية، وفي مقدمتها عقد مؤتمر وطني يضع خارطة طريق للانتقال بالبلاد إلى نظام ديمقراطي.

 جاد الكريم جباعي كاتب ومفكر سـوري من مواليد العام 1945. حاصل على مجاز في علوم اللغة العربية وآدابها من جامعة دمشق. عمل محرراً ومدققاً لغوياً في هيئة الموسوعة العربية بدمشق وكتب لها عدة بحوث. يدير موقع “سؤال التنوير” الإلكتروني. ساهم مع مجموعة من المثقفين السوريين في تأسيس لجان إحياء المجتمع المدني في سوريا، جمعية حقوق الإنسان في سوريا، ومنتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي. وكان عضواً قيادياً في حزب العمال الثوري العربي حتى عام 1996. نشر عدة كتب منها: “حرية الآخر، نحو رؤية قومية ديمقراطية، قضايا النهضة، المجتمع المدني هوية الاختلاف، المسألة الكوردية.. حوارات ومقاربات، نقد المجتمع المدني”.

 وفيما يلي النص الكامل للحوار:

 >كيف تقيّم الأزمة السياسية التي تشهدها سوريا منذ انطلاق التظاهرات والاحتجاجات منتصف مارس الماضي.. أسبابها.. خلفياتها.. ومآلاتها؟

– اسمح لي أن أتحفظ على تعبير “الأزمة السياسية التي تشهدها سوريا”، لأن سوريا تشهد ثورة شعبية سلمية غير مسبوقة في تاريخها، ثورة من أجل الحرية والحياة الكريمة، هي المخرج من أزمة وطنية مزمنة. وهاتان الحرية والحياة الكريمة وجهان لقضية واحدة هي قضية حقوق الإنسان والمواطن، قضية حق السوريين في إعادة بناء دولتهم الوطنية السيدة المستقلة على أسس الحرية والمساواة والعدالة وسيادة الشعب وحكم القانون. أما الأزمة فهي في الواقع أزمة نظام دخل في طور الانحلال ولم يعد قابلاً للحياة، وسلطة مستبدة فجرها استشراء الفساد وتقاسم المغانم وهو نوع من تقاسم السلطة، حتى تحول النظام السياسي من نظام لإدارة الشؤون العامة إلى نظام لإدارة الفساد وحمايته، وتحولت السلطة إلى مجرد سلطة أفراد ذوي امتيازات، كلهم فوق القانون، ففقدت مؤسسات الدولة طابعها المؤسسي ثم طابعها الوطني العام، وبدت كأنها إقطاعات خاصة لذوي النفوذ. ولو أن السلطة كانت قادرة على سماع صوت غير صوتها لفهمت رسالة شباب سوريا وسارعت معهم إلى ابتكار حل سياسي ينقل البلاد إلى أوضاع ديمقراطية يربح فيها الجميع.

 المسألة في سوريا اليوم مسألة تناقض بين أصحاب حقوق مهضومة ومهدورة وبين أصحاب امتيازات يعدون بالمئات إن لم يكن بالعشرات، ولا حل لهذا التناقض إلا بعودة الحقوق إلى أصحابها. ومعلوم أن أصحاب الامتيازات لا يتخلون عنها طوعاً أو لوجه الله.

> كيف تنظر إلى طريقة تعاطي السلطة مع هذه الاحتجاجات والتظاهرات.. وإلى أين يمكن أن تؤدي؟

– طريقة التعاطي الأمنية مع المظاهرات والاحتجاجات من شأنها أن تفاقم أزمة السلطة وتعمق الهوة بينها وبين الشعب، وقد تولد نوعاً من عنف مضاد وتستدعي تدخلاً خارجياً يأخذان البلاد إلى المجهول. لا يمكن للقتل العشوائي والاعتقال العشوائي والتعذيب الوحشي وحصار المدن وترويع سكانها وحرمانهم من أبسط المقومات الضرورية للحياة أن تكون حلاً لأزمة السلطة. إن أزمة سياسية من هذا النوع لا يمكن أن تحل إلا بالطرق السياسية.

السلطة أنتجت أزمتها واختارت لحلها خياراً وحيداً هو الخيار الأمني / العسكري الذي كشف عن طبيعتها ومدى استهانتها بإرادة الشعب وحياة المواطنين ومصالح الوطن، وهي ماضية في خيارها المدمر، على الرغم من الوعود التي تنثرها بين الحين والحين.

 > ما تقييمكم للخطوات الإصلاحية التي قامت بها السلطة؟ ولماذا لم تؤدِّ إلى انحسار الاحتجاجات برأيكم؟

– الشق الثاني من السؤال يجيب عن الشق الأول: لم تنحسر الاحتجاجات لأن “الإصلاحات” مراوغة وغير مقنعة. لم تقم السلطة بأي إصلاح سياسي جدي حتى الآن، بل هي تشتري الوقت بالوعود. السلطة تعلم جيداً أن الإصلاح السياسي الجدي سينهي النظام الشمولي الذي تنتمي إليه وتدافع عنه، وسيضع حداً لرموز الفساد وأصحاب الامتيازات، وأن الشعب لن يقبل بعد اليوم إلا باستعادة حقوقه المشروعة ومحاسبة من نهبوا ثروات البلاد وأوغلوا في قتل المواطنين واعتقالهم وتعذيبهم.

> ما هو المخرج الأسلم الآن في رأيك.. وما هي الخطوات التي يمكن للسلطة أن تقوم بها؟

– الإصلاح السياسي الجدي يعني انقلاب السلطة على نفسها وتغيير النظام الذي فرض على الشعب فرضاً منذ عقود، وهي غير مستعدة لذلك بعد، إذا كانت قادرة عليه وحدها بمعزل عن إرادة الشعب. ولعل السلطة لا تعلم أن للخيار الأمني حدوداً يصعب تجاوزها، وأنه ليس حلاً لأزمتها. ومن ثم فإن الأزمة مفتوحة ويصعب التكهن باتجاهات تطورها، ما لم تعدل السلطة عن خيارها الأمني المدمر وما لم تستجب للمطالب السياسية وفي مقدمها عقد مؤتمر وطني يضع خارطة طريق للانتقال بالبلاد إلى نظام ديمقراطي.

 > هناك بالفعل حديث عن مؤتمر لحوار وطني، وقد شكل رئيس الجمهورية هيئة للإعداد لهذا الحوار.. ما رأيكم بذلك؟

– لو كانت السلطة جادة في موضوع الحوار لعدلت عن خيارها الأمني وعملت على توفير مناخ ملائم لبناء قدر مناسب من الثقة بينها وبين الشعب، ولكف إعلامها الناقص والكاذب عن تخوين المعارضين والمتظاهرين والدعوة إلى قتلهم علناً، ولفكت هذا التضامن الوظيفي بين الأمن والإعلام، بين من يقوم بالقتل والتدمير والاعتقال والتعذيب ومن يسوغ هذه الأعمال الوحشية ويبررها. ومع احترامي لأشخاص الهيئة التي شكلها رئيس الجمهورية أرى أن تشكيلها على هذا النحو لا يقود إلى حوار جدي، لأن الحوار ينبغي أن يكون بين ممثلي السلطة السياسية وممثلي المعارضة السياسية، ولا سيما أعضاء تنسيقيات الحراك الشعبي من الشباب إلى جانب فعاليات اجتماعية واقتصادية وثقافية ومفكرون وقضاة وخبراء في القانون. إن هيئة تستطيع إدارة حوار شامل يتناول جميع القضايا الوطنية يجب أن يرأسها السيد رئيس الجمهورية ويختار ممثلي السلطة من فريقه السياسي (الحكومة والقيادة القُطرية والجبهة الوطنية التقدمية)، وتختار المعارضة وتنسيقيات الحراك الشعبي والفعاليات المشار إليها ممثليها، ويعد كل فريق أوراقه في مناخ من حرية التعبير، وحرية التظاهر السلمي، بلا شروط مسبقة ولا خطوط حمر أو صفر.

 > السلطة تقول إن الجميع مدعوون للمشاركة في الحوار.. غير أن معظم المعارضين يتحفظون على هذا الحوار بسبب استمرار السلطة في اعتماد الحل الأمني للتعامل مع الاحتجاجات؟

– أعتقد أن المعارضين محقون في ذلك، فلا يمكن أن يشارك أحد في حوار يراد منه صرف الأنظار عن القتل العشوائي والاعتقال العشوائي والتعذيب الوحشي وحصار المدن وترويع المواطنين، أو تبرير هذه الأعمال، بحجة ملاحقة “جماعات مسلحة” مجهولة الهوية ولا غاية لها سوى القتل في أوقات محددة وأماكن محددة، فضلاً عن تعبئة الأقليات وتخويفها من حكم الأكثرية. وإلى ذلك ليس هناك ما يضمن ألا يعتقل أي مشارك في الحوار بسبب رأيه وموقفه. وحين تقول السلطة إن الجميع مدعوون للحوار يجب أن نسألها عن معنى “الجميع”، إذ أن الحوارات التي تجري لا تزال انتقائية وتجري في غرف مغلقة، ولا تزال نتائجها محبطة.

> انعقد في كل من تركيا وبلجيكا مؤخراً مؤتمر للمعارضة السورية، كيف تقيمون نتائج هذين المؤتمرين.. وإلى أي مدى يمكن أن يساهما في إيجاد مخارج للأزمة السياسية في البلاد؟

– السوريون جميعاً معنيون بقضايا وطنهم، سواء كانوا في الداخل أو في الخارج، ومن حقهم أن يقوموا بأي مبادرة يرونها مناسبة. أنا ضد احتكار المعارضة، لأنني ضد احتكار السلطة، وضد أي محاولة لتفريق قوى المعارضة أو النيل منها والتشكيك في وطنيتها، لأي سبب من الأسباب. وما زلت أعتقد أن مركز المعارضة السورية كان ولا يزال في الداخل، ولا سيما بعد ولادة معارضة شابة وديناميكية ومستنيرة، لا يحق لأحد أن يكون وصياً عليها.

 أعتقد أن نتائج المؤتمرين المذكورين كانت إيجابية، إذ تبنى المؤتمرون مطالب الحركة الشعبية لا زيادة ولا نقصان، ولم ينصب المؤتمرون أنفسهم مرجعية وطنية أو جهة وصائية، وكل ما أعلنوه هو دعم الحركة الشعبية مادياً ومعنوياً. وأعتقد أنه ستكون هناك مؤتمرات أخرى في الداخل والخارج للغاية ذاتها والهدف ذاته. ولا بد أن تسهم مثل هذه المؤتمرات في بلورة تصور واضح للتغيير الوطني الديمقراطي المنشود. السلطة التي تدعي أنه ليس هنالك من معارضة (موحدة) تحاورها لا تسمح للمعارضة حتى اليوم بعقد اجتماعات تشاورية أو مؤتمر عام تحدد من خلالها رؤية واضحة تمهد لحوار جدي، بل كانت ولا تزال تسعى إلى اختراق قوى المعارضة وبث الشكوك فيما بينها ومحاولة إجهاضها، وفق آليات الاستتباع والاستبعاد ومبدأ “فرق تسد”، ولا تزال ترميها بتعم العمالة والخيانة والاستقواء بالخارج. أليست مفارقة أن تخوِّن السلطة كل من يعارضها ثم تدعو إلى الحوار؟

 > البعض في التيار الليبرالي والماركسي واليسار في سوريا لا يزال يشكك في نوايا تيار الإسلام السياسي.. هل لديكم هكذا مخاوف من هذا التيار، خاصة إذا ما وصل إلى الحكم؟.

– أنا شخصياً ليس لدي مخاوف لا من تيار الإسلام السياسي ولا من سواه، لأنني ضد مقولة “البديل” التي درجت على تكرارها السلطة والمعارضة التقليدية وبعض المثقفين، فضلاً عن الدول الكبرى. وما زلت أعتقد أن الحديث عن بديل جاهز أو تصور مسبق لما ستكون عليه الحياة السياسية في سوريا هو من قبيل مصادرة الإرادة الشعبية العامة، ولا يمت إلى الديمقراطية بأي صلة. القول الفصل في هذا الموضوع هو لجمعية تأسيسية منتخبة انتخاباً صحيحاً تضع دستوراً جديداً للبلاد يوافق عليه الشعب بإرادته الحرة، يحدد شكل الحياة السياسية ونظام الحكم، وليحكم بعدها من يحظى بأغلبية أصوات الناخبين كائناً من كان، ما دام ثمة تداول سلمي للسلطة ورقابة برلمانية وشعبية على عمل الحكومة.

 > ما رأيكم بحديث البعض عن احتمال حصول تدخل عسكري خارجي في سوريا في حال تصاعد حدة الأزمة التي تشهدها البلاد؟

– احتمال التدخل الخارجي وارد، ويمكن أن يصير احتمالاً راجحاً إذا استمرت السلطة في خيارها الأمني المدمر، واستمرت من ثم في تدمير ما تبقى من شرعيتها، إذا كان قد تبقى شيء منها. لقد كنت وما زلت أرى أن الاستبداد يستقدم التدخل الخارجي بسياساته الحمقاء، ويستقدم الاستعمار أو الاحتلال أيضاً. السلطة هي التي تدفع موضوعياً في هذا الاتجاه، وبيدها وحدها أن تتلافى أي تدخل خارجي بالعودة عن الخيار الأمني إلى الخيار السياسي. يعلم الجميع أن المعارضة السورية بجميع أطيافها ترفض أي تدخل خارجي في الشؤون الداخلية. وهذا لا ينفي ولا يجوز أن ينفي حق المعارضة، بوصفها سلطة ممكنة، أو سلطة بالقوة، في الانفتاح على العالم وإقامة علاقات واضحة وعلنية مع سائر الدول تحكمها المصلحة الوطنية والحفاظ على سيادة الوطن واستقلاله وحق الشعب في استعادة المحتل من أرضه بالطرق السلمية، ولا ينفي حقها في الدفاع عن المصالح الوطنية التي فرطت بها السلطة القائمة أي تفريط، وفي أن يكون لها رأيها في التحالفات والعلاقات الإقليمية والدولية، الاقتصادية منها والسياسية والثقافية.

 > ثمة مخاوف من حدوث فوضى وحرب أهلية في سوريا في حال سقوط النظام قد تؤدي في نهاية المطاف إلى تقسيم سوريا.. إلى أي مدى يمكن للبلاد أن تسير بهذا الاتجاه في رأيكم؟

– ليس هنالك من فوضى أكثر من تلك التي أنتجها النظام في الحياة العامة منذ أربعة عقود، وليس هنالك حرب أهلية أشد قسوة من الحرب المفتوحة التي شنتها السلطة على المجتمع ولا تزال ماضية فيها. هل للفوضى معنى آخر غير غياب القانون وتسلط طغمة فاسدة على مقدرات البلاد وحياة المواطنين وممتلكاتهم وحقوقهم وحرياتهم وعلى أجسادهم أيضاً؟ وهل من حرب أشنع من نهب خيرات الوطن وإفقار أكثرية الشعب وسد آفاق العيش الكريم في وجه أبنائه ومن المجازر الجماعية التي دأب النظام على ارتكابها منذ ثمانينات القرن الماضي إلى اليوم ومن الاختطاف والاعتقال التعسفي والتعذيب الوحشي وحرمان أبناء الوطن من حقوقهم المدنية والسياسية؟ الحرب الأهلية، بهذا المعنى، قائمة في سوريا منذ ثمانينات القرن الماضي، وثورة الشباب ثورة على الفوضى وعلى الطائفية والحرب الأهلية، بقدر ما هي ثورة على الاستبداد والفساد والظلم والطغيان. ثورة الشباب السوري ثورة سلمية تواصلية تعد بمجتمع تواصلي مفتوح ومندمج وطنياً. الروح الوطنية السورية التي أيقظتها هذه الثورة لا يمكن أن تقود إلى حرب أهلية. ألا يسمع العالم مئات آلاف الأصوات، ويمكن أن تصير ملايين الأصوات تردد في جميع أنحاء البلاد: واحد واحد، الشعب السوري واحد؟ كيف لهذه الأصوات أن تذهب إلى الحرب الأهلية والأشنع من ذلك إلى التقسيم؟ الفرنسيون جربوا تقسيم سوريا ولم يفلحوا، فكيف يقسمها السوريون أنفسهم؟

إن لدي ثقة تكاد أن تكون مطلقة بأن سوريا عصية على الحرب الأهلية، وعصية على التقسيم، ولحمتها الوطنية التي لم تأل السلطة جهداً لإضعافها أقوى مما تظن السلطة نفسها ومما يظن المتخوفون والمخوِّفون. الشعارات التي يطرحها المتظاهرون وتجد لها صدى طيباً لدى مختلف فئات الشعب تؤكد ما أذهب إليه. التجارب التونسية والمصرية والليبية واليمنية تؤكد لكل ذي بصر وبصيرة أن السلطات المستبدة هي من تحاول دفع الأمور نحو الفوضى والعنف والحرب الأهلية جراء تشبثها بالسلطة بأي ثمن وعدم الاعتراف بحقوق شعوبها، وجراء استثمارها الفظ في الانقسامات العمودية التي لا يخلو منها أي مجتمع، وفق مبدأ فرق تسد. السلطة السورية مسؤولة سياسياً وأخلاقياً لا عما تقوم به قواتها الأمنية والعسكرية فقط، بل عما يقوم به مواطنون هنا وهناك من أعمال فردية رعناء يمكن أن تضر بالوحدة الوطنية، وهي موضع شجب وإدانة من جميع السوريين. ما من ثورة نقية لا تشوبها أي شائبة؛ فإن نقد الشوائب والأعمال الرعناء فور وقوعها لا يقل أهمية عن تأييد الثورة وتأييد مطالبها.

 > بنظرة واقعية للأوضاع على الصعيد الداخلي والخارجي.. كيف ترى صورة سوريا وموقعها الجيوسياسي ودورها الإقليمي في المستقبل؟

– سوريا بوابة الشرق المفتوحة على الغرب ودرة من درر العالم، ليس سوى قلة من الدول يمكن أن تضاهيها في عمقها الحضاري، وقد كانت ولا تزال ملتقى جميع الحضارات والثقافات (دمشق أقدم مدينة في العالم)، وليس في ماضيها البعيد والقريب أي ملمح عدواني أو توسعي، فشعبها معتدل ومعطاء، مثل مناخها وأرضها وجمال طبيعتها، لذلك سيكون لسوريا الديمقراطية أثر إيجابي على الصعيدين الإقليمي والعالمي، ولا سيما في دول الجوار الجغرافي، وفي إعادة صوغ العلاقات العربية العربية. الموقع الجيوسياسي لأي دولة ومدى تأثيره في الإقليم وفي العالم مرهونان بمدى حرية هذه الدولة أو تلك واستقلالها وسيادتها وقدرتها على إقامة علاقات متكافئة مع سائر الدول. وطابع علاقاتها الداخلية هو ما يحدد دوماً علاقاتها الخارجية. الدول القابلة للتبعية والاختراق هي دول ذات بنيان هش.

 > كيف تستشرف المستقبل العربي بعد الانتفاضات أو الثورات التي حصلت في عدة بلدان عربية ويمكن أن تمتد إلى بلدان أخرى في العالم العربي؟

-الواضح حتى الآن أن الصفة الأبرز من صفات هذه الثورات أنها ثورات ديمقراطية سلمية تعد بمجتمعات مدنية مفتوحة وتواصلية وأنظمة حكم ديمقراطية. ولهذا السبب أدهشت العالم المتقدم وحظيت باهتمامه، وباهتمام الجامعات ومراكز البحوث والمثقفين والمفكرين بوجه خاص. ولكن هذا لا ينفي أن هذه البلدان ستعاني على المدى القريب من أزمات اقتصادية، جراء هروب الرساميل وتوقف الاستثمارات وتخوف المستثمرين العرب والأجانب، وأزمات سياسية جراء محاولات الالتفاف على هذه الثورات وإفراغها من محتواها الشعبي، الديمقراطي. فإن البناء أصعب من الهدم بما لا يقاس، ويحتاج إلى معرفة وخبرة وعلم وفن وذوق وأخلاق، أزعم أن لشعوب هذه البلدان حظوظاً جيدة منها.

الراي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

95 − 91 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف عيساوي: “فايسبوك” منبري لتقصي الإلحاد

    حاوره: وليد بركسية “هذه المقابلة ستجعل أي تلفزيون يرفض العمل معي في المستقبل”. ...