المقدّس الثالث

 


صبحي حديدي

بعد احتجاب دام أكثر من ستة أسابيع، عاد النظام السوري إلى العزف على طنبور ‘المظاهرات المليونية’، مع تعديل دراماتيكي شهدته المظاهرة التي نُظّمت قبل أيام في العاصمة دمشق: رفع علم سوري ذي مقاسات خرافية، 2300 x 18 متراً، امتدّ على طول أوتوستراد المزّة، وحمله مئات الآلاف. هؤلاء، غنيّ عن التذكير، هتفوا بحياة قائدهم بشار الأسد، وأعلنوا كالعادة افتداءه بأرواحهم وبدمائهم، وجعلوه ثالث ثلاثة أقداس (‘الله، سورية، بشار… وبسّ!’). وكالعادة، مرّة أخرى، لم يتسلل إلى صفوفهم مندسّ واحد أو مندسّة، ولم تُرفع عصا، أو تُطلق رصاصة، أو تُلقى قنبلة مسيلة للدموع، ولا اضطر إلى التدخلّ أي من رجال الأمن والشبيحة، حماة الوطن والمواطن.

حسناً، ‘صحتين يا شباب!’، كما يقول التعبير الشعبي الشائع؛ فما الضير، إذاً، أن يخرج بضعـــة آلاف من المواطنين، السوريين أباً عن جدّ بدورهم؛ وأن يحملوا ـ كما فعل أباة مدينة حماة يوم جمعة صالح العلي الماضية ـ عَلَماً قياسياً بدوره، أقلّ طولاً بالطبع؟ ولماذا لا يفعلها الدمشقيون في ساحة عرنوس، مثلاً، لكي لا نقول ساحة العباسيين، التي قد تستنفر السلطات الأمنية لأنها تذكّر بمشاهد ساحة التحرير القاهرية؟ وما الجريمة، ‘الإندساسية’ أو ‘السلفية’ أو ‘المؤامراتية’، في أن يهتف الحمويون والدمشقيون والحلبيون، والسوريون في أيّ وكلّ شبر من أرجاء وطنهم، بثالوث آخر مقدّس لديهم: ‘الله، سورية، حرّية… وبسّ’؟

أسئلة، على سذاجتها الظاهرة في ضوء خيارات النظام العنفية القصوى ضدّ الإنتفاضة، تصلح نظائر بسيطة ومبسّطة لمساجلة أبواق النظام، حول ما يجعل مظاهراتهم وطنية، شرعية، محمية، مغطاة إعلامياً؛ ومظاهرات سواهم من السوريين جديرة بالهراوة والعصا الكهربائية والرصاصة، وباتهامات لا عدّ لها ولا حصر. ولا نعدم، بالطبع، بوقاً فهلوياً لوذعياً يرفع عقيرته بالقول إنه مع التظاهر الشعبي ‘البريء’ و’المخلص’ و’غير المرتبط بقوى أجنبية متآمرة’، ولو وقعت عيناه على مظاهرة واحدة من هذا الطراز، لانخرط فيها دون إبطاء! ويحدث، في كلّ الأحوال، دائماً وليس غالباً، أنّ صاحبنا يجوب أحياء دمشق طولاً وعرضاً، فلا يعثر على ضالته!

ثمة، إلى هذا، بعض الفوارق التي تُسجّل لنظام بشار الأسد، بالمقارنة مع نظام أبيه، على صعيد هذه التظاهرات تحديداً، وبصدد طرائق تنظيمها وتسييرها، ومضمون شعاراتها وهتافاتها، و’تقنيات’ توظيفها إعلامياً وسياسياً و… ديماغوجياً. ففي أيام الأسد الأب كانت التوجيهات العليا، الآتية من مصادر مختلفة في الهرم الأمني أو الحزبي أو البيروقراطي، تحثّ على تشجيع الإحتفالات والمسيرات الشعبية، ابتهاجاً بالاستفتاءات الرئاسية على نحو خاصّ. لكنّ تلك التوجيهات كانت تُنقل على نحو غير مباشر، أو غير رسمي بالأحرى، وكان مُصْدِروها يراهنون على أنّ اللبيب من الإشارة يفهم، ويحدث دائماً أنه يفهم بالفعل، حقّ الفهم.

أمّا في هذه الأيام فإنّ القيادة القطرية لحزب البعث الحاكم، بتعاون وثيق مع هذا أو ذاك من أجهزة الأمن المعنية، استقرّت على إسقاط هذا الحياء (غير المبرّر، يشهد الله!)، وإصدار توجيهات رسمية إلى فروع الحزب واتحاد الطلبة واتحاد الشبيبة ومنظمة طلائع البعث، فضلاً عن الوزارات والمحافظين والمؤسسات والقطاعات المختلفة، تحثّ على السماح للشعب بالتعبير عن أفراحه. في عبارة أخرى، تقول التوجيهات: بالإضافة إلى تسيير المظاهرات وإجبار الموظفين والعاملين في القطاع الخاص والطلاب والتلامذة على السير فيها، لا تمنعوا ‘الأفراح’ في الشوارع، ولا تترددوا في تأجيل الإمتحانات المدرسية إذا كانت تتعارض مع ‘المسيرات الشعبية’. كذلك، إذهبوا أبعد ما تستطيعون في تسجيل مشاعر السرور والغبطة والحبور، ولا تقتصروا في هذا على ‘أبناء شعبنا في سورية’ وحدها، بل اقصدوا ‘الأشقاء العرب من المحيط إلى الخليج’، وسجّلوا عبارات تأييدهم لنا ولقائدنا المفدّى!

وبالفعل، أتى حين من الدهر شهد اكتظاظ وكالة الأنباء السورية الرسمية، سانا، بسلسلة من الأقوال الماثورة، بينها قول الأديب التونسي ساسي حمام: ‘يحقّ للشعب السوري أن ينشر مظاهر الزينة في كلّ المدن والقرى السورية لمناسبة ترشيح الرئيس بشار الأسد لولاية دستورية جديدة، وذلك تعبيراً عن اختياره الحرّ في مواصلة واستمرار النهج الذي اختاره بشار الأسد وطنياً وقومياً وعالمياً’؛ أو عبد الوهاب عبد الحميد، نائب رئيس مجلس النواب اليمني: ‘الرئيس بشار الأسد جسّد في سياسته المشروع القومي والحفاظ على الثوابت الوطنية والقومية’؛ أو الكاتب المصري محفوظ عبد الرحمن: ‘الشارع العربي كلّه مع بشار الأسد’…

أقوال كهذه صارت اليوم صعبة، وربما مستحيلة، ليس لأنّ قائليها توقفوا عن إبداء آرائهم، صدقاً أو رياء؛ بل لأنّ المشاهد الوحشية الآتية من درعا وبانياس والبيضة واللاذقية ودوما وحمص وجسر الشغور، وشريط الفتى حمزة الخطيب، وسواه من شهداء الإنتفاضة، الأطفال والنساء والشيوخ، باتت تعقد اللسان، صدقاً أو رياء، هنا أيضاً. وتخيّلوا، في صورة مضادّة موازية، لو أنّ العَلَم ذا الـ 2300 متر رُصف بصور الشهداء الذين تجاوز عددهم الـ 1500، وصور المعتقلين الذين بلغوا أكثر من 10 آلاف، وصور النازحين الذين قاربوا الرقم ذاته… فكم من الأمتار الإضافية سوف تقتضي الحاجة؟ وكم من أوتوستراد يلزم، حتى تصبح حرّية الوطن هي المقدّس الثالث؟

القدس العربي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

+ 35 = 40

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...