الرئيسية / صفحات مميزة / الموقف الروسي والثورة السورية –مجموعة مقالات –

الموقف الروسي والثورة السورية –مجموعة مقالات –

 

روسيا المصمّمة على النصر في سورية/ سلامة كيلة

ما زالت روسيا تتمسك ببقاء بشار الأسد رئيساً في سورية، وتبرّر ذلك بأسبابٍ عديدة، جديدها التأكيد أنها لا تريد أن يحدث في سورية ما حدث في العراق وليبيا، من انهيارٍ للدولة. لكن السؤال الجوهري: إذن، ما سبب التدخل العسكري الكبير لإيران و”فيالقها”، ومن ثم التدخل العسكري الروسي بكل هذه القوة والتفوق؟ هل لأن الدولة ما زالت قويةً وثابتة، وقادرة على الاستمرار؟

يبدو المنطق الروسي مقلوباً، فإذا كانت الدولة ما زالت قائمةً، ولديها جيشها الذي يدافع عنها، ومؤسساتها وأمنها، فلماذا، إذن، تدخلت روسيا لمنع سقوط بشار الأسد، كما أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؟ بمعنى، هل فعلاً بقيت دولة في سورية؟ وهل بقيت مؤسسات دولة قابلة للاستمرار؟ وهل هناك جيش قادر على حمايتها؟

يؤكد دخول كل هذه القوى للدفاع عن النظام أنه لم يعد قادراً على الحكم، وأنه على وشك السقوط. لهذا، كان ضرورياً لكي يبقى أن ترسل إيران عشرات الآلاف من حزب الله والمليشيا الطائفية العراقية والأفغانية والباكستانية، ومن الحرس الثوري الإيراني، ومن الجيش الإيراني، ومن ثم أن تدخل روسيا بكل قوة طيرانها وقواتها، وكل دعمها العسكري، فقد انهارت قوى النظام أمام الحراك الشعبي الذي كان قد تحوّل جزءٌ منه إلى السلاح، في وقت قريب نهاية سنة 2012، حيث انشق جزء من الجيش، وشكّل عدد كبير منه حالات فرار، وتحطمت الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري (وما بقي ظل من أجل حراسة القصر الجمهوري). ولقد بقي منه أقل من مائة ألف، بعد أن كان عديده يناهز الأربعمئة ألف. وكذلك بات يعاني الجيش، حينها، من حالة احتقان كبيرة، فرضت وضعه في معسكراتٍ مغلقةٍ، كي لا ينشق. ولهذا، بات النظام بحاجة إلى “دعم خارجي” لكي يبقى. ومن دون ذلك، كان يمكن أن تسير الأمور في مسارٍ آخر، حيث أدت هذه الوضعية إلى أن تميل أطرافٌ في السلطة إلى حل سياسي، كما دعا فاروق الشرع، الذي كان نائباً للرئيس حينها. وفي ذلك الوقت، كان يمكن الحفاظ على الدولة، عبر حل “مصري” أو “تونسي”، يقوم على إبعاد بشار الأسد، لكن تمسك المجموعة التي تحكم بواجهة بشار الأسد (آل مخلوف والأسد) فتحت سورية لكل من هبّ ودبّ، من “الجهاديين” إلى “المجاهدين”، وأوصلت البلد إلى الدمار والتهجير والقتل، وأيضاً “نهاية النظام”، وتفكّك الدولة، حيث إن نصف سورية مدمر، وأكثر من نصف سكانها مهجّر أو لاجئ، والاقتصاد منهار كلياً، بلا جيش أو أجهزة دولة حقيقية، وبلا قرار سياسي نتيجة هيمنة روسيا (وقبلها إيران) على القرار السياسي، والتحكّم بكل وضع سورية، وبتوزع للسيطرة على الأرض بين أطرافٍ عدة، أقلها هي تحت سيطرة النظام.

“يريد الروس الدولة التي يتخذون من بشار الأسد رمزاً لها، لكن غير الموجودة في الواقع إلا بقوتهم (والقوى الإيرانية)، والتي فقدت شرعيتها منذ بدء الثورة، ومع كل الجرائم التي ارتكبتها”

وهذا يوضح في أن من يحارب على الأرض دفاعاً عن النظام قوى ليست سورية، إيران وأتباعها بشكل مباشر، و”جهاديون” بشكل غير مباشر، لكنها خطر على الشعب، لأنها تسحقه، بحجة فرض الشريعة، وأن من يقرر في السياسة هي روسيا، بعد أن كانت إيران، في الفترة منذ نهاية سنة 2013 إلى مرحلة التدخل الروسي.

إذن، أي دولة هذه التي يريد الروس الحفاظ عليها؟ يريد الروس دولتهم، الدولة التي يتخذون من بشار الأسد رمزاً لها، لكن غير الموجودة في الواقع إلا بقوتهم (والقوى الإيرانية)، والتي فقدت شرعيتها منذ بدء الثورة، ومع كل الجرائم التي ارتكبتها. ويتلخص ذلك كله بـ “الرئيس” وحاشيته، أي من قرّر “حرق البلد”. وبهذا، هم يتمسكون بـ “شرعية” هي لا شرعية، ولا يمكن أن تعود، حتى وإن استطاعت القوات الإيرانية الروسية السيطرة على كل سورية (وهذا مستحيل أصلاً على الرغم من كل العنجهية الروسية). وهي، في هذه الحالة، سوف تبقي قواتها للحفاظ على سلطة بشار الأسد. ليس خوفاً فقط من الشعب الذي ثار ضده، بل كذلك من “المؤيدين” الذين فقدوا الآلاف من شبابهم، لكي يتحكّم بهم شبيحة، أو يظل بشار الأسد رئيساً. وبهذا، تبقى دولة محتلة، وسلطةً تابعةً لمحتل، لكي تكون سورية مستعمرة روسية، تنهبها الشركات التي تكلم باسمها قبل مدة السفير الروسي في دمشق. وفي هذه الحالة، سوف تواجه كقوة احتلال حقيقي، وستخسر.

ما تفكّر به روسيا كإمبريالية هو استمرار النظام الذي يضمن استمرار سيطرتها. ومن الواضح أنها “لا تثق” إلا ببشار الأسد، حيث تعيش هلوسة “المؤامرة العالمية” التي تحفر عميقاً في منظورها وسياساتها، وهو الأمر الذي سوف يجرّها الى ورطةٍ أفغانيةٍ جديدة بكل تأكيد، فليس هناك أي إمكانية لأن يستطيع بشار الأسد ومجموعته الاستمرار في الحكم، مهما كانت نتائج الصراع على الأرض، لأنه فقد كل “البنية الصلبة” التي أسسها حافظ الأسد، وهو يسعى إلى سحق الثورة، وقد فقدها بالضبط، لأنه واجه ثورة شعب، وليس عصابات مسلحة، كما ادعى إعلام النظام. وبالتالي، يعني استمرار سلطته أن يعتمد على القوات الروسية والإيرانية، أي أن تتورّط هذه القوات في الصراع أكثر، وأن تغرق في “مستنقع أفغاني”. وسوف ينعكس هذا الأمر، بالضرورة، على وضع البلدين اللذين يستنزفان في “الحرب السورية”، وسوف يفرض ذلك انفجار الوضع فيهما على ضوء أزمتهما الأصلية.

إذن، الدولة السورية منهارة، وهي تقف على أرجل روسية إيرانية. وما يسترعي التفكير هو كيفية إعادة بنائها. هذه هي المسألة المركزية. ولهذا، كل حديثٍ عن منع انهيارها ليس إلا هلوسات تنتجها مصالح إمبريالية، فهي منهارة بالتأكيد، وباتت تابعةً لحُماتها. ويتعلق الأمر بإعادة بناء الدولة، ليس كما حدث في تونس ومصر، حيث ظلت الدولة، وتغيرت أشكال الرؤساء، إعادة بناء الدولة المنهارة بجيشها وأجهزتها وسيطرتها على الأرض واقتصادها. بالتالي، على من يريد الدولة، كي لا يحدث ما حدث في العراق وليبيا، ولا كما حدث في اليمن، أن يحقق الحل السياسي، والذي يبدأ بإبعاد بشار الأسد ومجموعته، لكي يكون ممكناً إعادة بناء الدولة، لكي تعود الدولة دولةً. حيث إن إعادة بناء الدولة تفترض، بالضرورة، قبول الشعب بها، وهذا غير ممكن في ظل وجود بشار الأسد، حتى العنف هنا لا يغيّر في هذه النتيجة شيئاً. تفترض إعادة بناء الدولة حتماً قبول الشعب الذي قُتِل ودُمرت بيوته، والذي هُجر أو بات لاجئاً، وقبول كل من حمل السلاح ضد النظام، وكل من انشقّ عن الجيش، أو فرّ من الخدمة العسكرية والمدنية، ومن سُجن أو ما زال في السجن. وكذلك من كان يُحسب على النظام، وعانى من فقدان أبنائه، أو من تعدّيات الشبّيحة (الجيش الوطني لاحقاً)، وكل من بات يتخوّف من وحشية مارسها النظام. وكل هؤلاء هم الشعب السوري الذي ذاق مرارة وحشية النظام، بقيادة بشار الأسد.

“ما تفكّر به روسيا كإمبريالية هو استمرار النظام الذي يضمن استمرار سيطرتها. ومن الواضح أنها “لا تثق” إلا ببشار الأسد، حيث تعيش هلوسة “المؤامرة العالمية” التي تحفر عميقاً في منظورها وسياساتها”

تفترض إعادة بناء الجيش، وهي خطوة ضرورية لإعادة بناء الدولة، عودة المنشقين والفارين من الجندية و”الهاربين” من الخدمة العسكرية الذين يشكلون أكثر من ثلثي الجيش. وهذا ليس ممكناً من دون تغيير النظام وتنحية “الرئيس” ومجموعته، أي التحالف الأمني المالي المتحكّم بالقرار خلال الصراع الوحشي ضد الثورة. وقبول المقاتلين الذين ردّوا على وحشية النظام بالسلاح، بعد أن فشل الحراك السلمي، لن يلقوا السلاح من دون الثقة بأن الوحش قد غادر، وأن نضالهم حقق شيئاً ما. وليس ممكناً تهميش المجموعات السلفية “الجهادية”، إلا بقبول الشعب في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام بالحل السياسي. ولا يتعلق الأمر هنا بـ “داعش” الذي سينتهي، لحظة تحقيق التوافق الإقليمي الدولي، ولا بجبهة النصرة التي هي أداة خارجية كذلك، بل يتعلق بمجموعات أخرى، باتت سلفية نتيجة أزمة الصراع ضد النظام، وشباب كثيرون صاروا كذلك نتيجة هذه الأزمة، حيث اضطروا إلى ذلك، نتيجة وحشية الحرب، والحاجة للسلاح والمال، وربما “العزاء الروحي”.

بالتالي، يتمثل ملخص الأمر في أن نجاح الحل السياسي يفترض تحقُّق الثقة بالوضع الجديد، الشعور بالأمان، وعدم الملاحقة وضمان العيش. حيث لا يمكن أن يتحقق ذلك أولاً بوجود النظام الحالي، وثانياً بدون “انتصارٍ” ما للذين تمردوا على النظام، يفرض ثالثاً قبولهم بالحل ومشاركتهم فيه. وتفترض هذه المشاركة بالضرورة وجود تغيّر أساسي في النظام ذاته، هو رحيل “الرئيس”، ومشاركة المعارضة ومن تمرّد على النظام في الدولة الجديدة.

بهذا، لا تكفي موافقة الدول الإقليمية والكبرى على الحل، على الرغم من أساسية ذلك، بل يجب أن يقبل الشعب هذا الحل، ويعتمد قبوله على تحقيق الهدف الأساس، أي رحيل الرئيس. ولن يقود التوافق الدولي على حل يبقي بشار الأسد إلى إنهاء الصراع، مثل نجاح روسيا بفرض سيطرة النظام على كل الأرض السورية، فليس من هزيمة للثورة، وبالتالي، الحل الوسط هو الذي يبدأ بتنحية بشار الأسد فقط. لكن، يظهر إلى الآن أن روسيا مصممة على بقاء بشار الأسد، وهي، في ذلك، تُظهر أنها تستطيع تنفيذ ما تقول، لكي يفهم العالم أن عليه أن يخضع لها، وهذا ما أدى إلى فشل مسار التفاوض إلى الآن. وربما تؤدي المفاوضات والمساومات مع دول إقليمية، مثل تركيا والسعودية خصوصاً، إلى قبول روسي بحل آخر، لكن هذا يعتمد على مدى تمسّك هذه الدول بمسألة إبعاد بشار الأسد. وما ظهر، إلى الآن، أنها تغلّب مصالحها الخاصة على هذا الأمر، حيث إنها ترى أهمية التفاهم مع روسيا لأسباب اقتصادية، وأسباب جيواستراتيجية، في إطار تحولات التحالفات العالمية، والخشية من التحالف الأميركي الإيراني (السعودية ودول الخليج) أو الصدّ الأميركي (تركيا). وبالتالي، ما يمكن أن يوصل إلى حل هو التوافق على تنحية بشار الأسد، أو أن الصراع سوف يستمر بكل تأكيد.

هذا ما يجب أن يفهمه الروس، أو سوف تنتظرهم أفغانستان جديدة، حيث لا تفيد كل العنجهية التي تنطلق روسيا منها، والميل إلى إظهار “جبروتها” تخويفاً للعالم، ولا كل التطور التكنولوجي الذي تحاول تسويقه. فهي لن تستطيع أن تفرض حلها، مهما كانت قوتها. بالضبط، لأنها تواجه شعباً وليس “عصابات إرهابية”، هي من شارك في صناعته. شعب يريد إسقاط النظام، هكذا ببساطة.

العربي الجديد

 

 

 

 

سوريا تحت الاحتلال/ د. رياض نعسان أغا

لم تعد القضية السورية منحصرة بثورة عارمة ضد الاستبداد، فلابد من تحولها إلى حركة مقاومة شعبية للتدخل الروسي والإيراني والمتعدد الجنسيات، ومع نهاية شهر سبتمبر 2016 يكون قد مضى عام على التدخل الروسي المباشر، فضلاً عن الاحتلال الإيراني الذي أرسل قواته الطائفية (اللبنانية) تمهيداً للاحتلال، ثم أضاف إليها عدة مليشيات من العراق ومن مرتزقة جاؤوا من مختلف الجنسيات، كما وقعت سوريا تحت احتلال آخر من قبل تنظيم «داعش» الذي أعلن «خلافة» مزعومة على مناطق واسعة في الشرق السوري فضلاً عن مناطق عراقية! ولم تكن التنظيمات المتطرفة أقل خطراً، فقد أسهمت في تشويه صورة الثورة السورية التي تحولت في كثير من ملامحها إلى صراع دموي غابت عنه شعارات الحرية والكرامة، وبات الشعب كله يعرف أن النظام دفع إلى حضور هذه التنظيمات المتطرفة ومكنتها بعض الدول بالتمويل والتسليح لتساعد النظام في رسم المشهد على أنه صراع بين السلطة العلمانية وبين الإرهاب الديني! وربما كان السماح لـ«حزب الله» بدخول سوريا براياته الطائفية نوعاً من التحريض لظهور تنظيمات مشابهة ترفع شعارات دينية مواجهة. وكادت المطالب الشعبية تضيع بين صراع الرايات المذهبية، وهذا ما دعانا في الهيئة العليا للمفاوضات إلى تحديد واضح لرؤية الشعب في بيان الرياض، وفيما قدمناه حول الإطار التنفيذي للمرحلة الانتقالية.

واليوم بعد مرور عام على التدخل الروسي في سوريا يقف العالم عاجزاً أمام إصرار الروس على سحق المعارضة السورية، تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، وهو يرى أن القصف يطال المدنيين بخاصة، والصور التي يتناقلها الإعلام العالمي تكشف كون الأطفال هم الضحايا الأكثر تعرضاً للقتل، وأن ادعاء روسيا أنها تقصف إرهابيين هو مجرد تغطية على مشروعها في سحق المعارضة وتهجير السكان، وكل من عارض النظام.

وما حدث في داريا والمعضمية والوعر والغوطة وما يحدث في العديد من المناطق المحاصرة وأهمها اليوم حلب التي يتعرض فيها أكثر من 600 ألف شخص لخطر الموت الجماعي، عبر تصعيد القصف واستخدام أحدث أنواع أسلحة التدمير، كله يتم على مرأى العالم، ويخفق مجلس الأمن في إيقافه، بل يخفق حتى في إدخال المساعدات التي قصفت قوافلها الأممية في تحد للإنسانية كلها.

وما تزال روسيا تدعي أنها راعية للحل السياسي، وهي التي عطلت هذا الحل، ومنعت مجلس الأمن من تنفيذ قراراته، وبات الأميركان يتراشقون معها التصريحات حول خفايا الاتفاق بين كيري ولافروف، بينما الطائرات ترشق المدنيين بالقنابل ويموت المئات تحت الأنقاض، وتهدم المشافي كي لا يجد الجرحى فرصة للعلاج.

ومع إصرار روسيا على تحويل تدخلها في سوريا إلى انخراط طويل الأمد، عبر إنشاء المزيد من القواعد العسكرية والمطارات، وعبر نيابتها عن السلطة الحاكمة على رغم ادعائها أنها تراها شرعية، أجد من الضروري أن تتحول الثورة السورية إلى حركة تحرير وطني، وينبغي أن ينخرط فيها السوريون جميعاً.

لقد أجرت وفود عديدة من المعارضة الوطنية حوارات مع قادة روسيا، ولم يرفض أحد وجود مصالح متبادلة بين البلدين، وكانت المعارضة حريصة على ألا تكون في مواجهة عدائية مع روسيا، وأن يبقى هدفها تحقيق الحرية والكرامة والانتقال من الديكتاتورية إلى الديموقراطية وإقامة علاقات متوازنة مع كل دول العالم، ولكن روسيا أصرت على مواجهة الشعب السوري.

ومع انسداد الأفق السياسي ودخول الولايات المتحدة في سبات ما قبل الانتخابات الرئاسية فيها، وعجز الاتحاد الأوروبي عن فعل شيء خارج إرادة روسيا وأميركا، ومنع الولايات المتحدة حصول المعارضة المسلحة على مضادات للطيران الروسي، فإن المدنيين في الشمال السوري سيتعرضون لاستهداف ممنهج، والذريعة أن الإرهابيين يعيشون بينهم، وملايين الأطفال والنساء والجرحى والمعوقين والعجزة سيواجهون ما هو أخطر من الجحيم، ولن يجدوا ملجأً يأوون إليه، والروس يطلبون منهم أن يخرجوا من حلب ومن إدلب، وهم لا يعرفون إلى أين يذهبون، والطائرات تلاحقهم بحممها.

إننا نطالب العالم كله باتخاذ مواقف حاسمة وسريعة لمنع إيران والنظام وداعميه ومليشياته من ارتكاب المزيد من الجرائم الكبرى التي يندى لها جبين الإنسانية.

الاتحاد

 

 

 

مدار الخوف من بوتين/ ساطع نور الدين

متى ينتهي الاحتلال الروسي لسوريا وكيف؟ السؤال سابق لأوانه، ربما لأن روسيا ما زالت في طور التأسيس للبقاء في سوريا زمناً طويلاً ، وما زالت في خضم حرب توسيع مواقع انتشار وتمركز قواتها ونشر المزيد من الوحدات الجوية (والفضائية) والبحرية، وأخيراً البرية التي صار ظهورها علنياً على معظم الجبهات السورية.

العام الاول لا يعطي  فكرة واضحة عن المدة الزمنية المفترضة لبقاء القوات الروسية على الاراضي السورية، ويستبعد البحث في شروط او حتى في فرص الاحتفال يوماً بخروج آخر جندي روسي من سوريا؟ وهو احتفال رسمي مهيب يفترض ان يجري في دمشق لا في القاعدة الجوية في اللاذقية، بوابة الاجتياح  الروسي ومحطته الاولى.

الانطباع السائد حتى الان هو ان روسيا غزت سوريا في مهمة مؤقتة لن تستغرق سوى بضعة أشهر او بضع سنوات على أبعد تقدير. هدفها حماية النظام والدولة في سوريا ومنعهما من السقوط في الفراغ والفوضى المماثلة للحالة الليبية او العراقية، ومنع الاسلاميين المتشددين من الاستيلاء على السلطة في دمشق. وهو توجه كانت تدعمه واشنطن وتؤيده أوروبا وتتمناه غالبية الدول المجاورة لسوريا وبينها بلدان عربية تخشى تغييراً جذرياً في بنية السلطة السورية. كان بشار الاسد هو العقدة الوحيدة. ولا يزال: هل يمكن ان يصمد النظام من دونه، وهل يبقى الجيش السوري بغيابه؟ وما هي فرص تشكيل مجلس عسكري بديل لحكمه؟ وما هي احتمالات تكوين سلطة عسكرية مدنية موازية لسلطته؟

الاسئلة نفسها ما زالت مطروحة في مستهل العام الثاني من الغزو. ولا تبدو موسكو معنية بالرد على أي منها. فالدخول العسكري الروسي الذي كان محدوداً بالمكان والزمان والمهام، وكاد ينتهي فجأة في الربيع الماضي ولسبب غير مفهوم، تحول الى قصة نجاح روسية لا شك فيها: حلقت أسهم الرئيس فلاديمير بوتين عالياً، الى حد أنه تمكن في الانتخابات النيابية الاخيرة من إخراج جميع خصومه السياسيين من البرلمان، وأستطاع ان يوهم الروس بعودة أمجادهم العالمية الماضية، وباستعادة امبراطوريتهم الغابرة.

بلغت الاوهام الروسية حد الزعم مؤخراً ان القيصر الجديد هو الذي يبني الان الشرق الاوسط الجديد، بدلا من الاميركيين الذين فشلوا في مثل هذه المهمة وفروا هاربين من بلدانه المضطربة.. وهو الذي سيرسم الحدود بين هذه البلدان، وهو الذي سيشكل الحكومات  والبرلمانات، وهو حتى الذي سينفذ الرغبة الاميركية القديمة، باعادة صياغة الاسلام وتعديل نصوصه وتصنيف مذاهبه. كل ذلك بناء إرثه الشهير في العاصمة الشيشانية غروزني التي سوّاها بالارض، كما يفعل الان في حلب.

ثمة خوف حقيقي من الرجل الذي يتصرف الان وكأنه فاقد الرشد والوعي، ويعمل، حسب تعبير الاميركيين والاوروبيين، بما يتعارض حتى مع مصالح روسيا نفسها. وهو لم ولن يتورع عن القيام بأي شيء لكي يثبت قوته ويدل على هيبته. هو ببساطة لا يمكن وقفه عند حد. ومن المشكوك فيه ان تنفع معه التهديدات الاخيرة برفع مستوى التدخل الاميركي او الغربي في الحرب السورية او بتزويد المعارضة السورية باسلحة نوعية جديدة.. كما لن يجدي معه التلويح بأن حملته العسكرية المدمرة على حلب يمكن ان يجلب خطر الارهاب الى روسيا نفسها. وهي ورقة سبق ان أتقن استخدامها ضد معارضيه في الداخل والخارج، وهو بالتالي لن يتردد في إرسال خلاياه وعملائه لتنفيذ إغتيالات أو تفجيرات في اي عاصمة يشعر أنها تقف في طريقه.

وهذا التقدير الذي يهمس به كبار المسؤولين في الغرب وفي بعض البلدان العربية والمجاورة، ليس من باب الهلوسة، ولا هو ناجم عن عجز دولي عن مواجهة الدب الروسي الجامح، الذي جرى التسامح معه في عامه السوري الاول، علّه يقدم الحل الذي يرجوه الجميع، فإذا هو الان يعتبر نفسه زعيماً تاريخياً أرسلته السماء لتخليص العالم من الشر.. كما أرسلت من قبله جورج بوش الابن، مع فارق وحيد هو انه لن يسقط في الانتخابات او بضغوط الرأي العام الروسي.

العام الاول من الاحتلال كان صعباً، الاعوام المقبلة ستكون أصعب. لكن النهاية معروفة.

المدن

 

 

 

 

روسيا في شعاب سوريا: سنة مضت/ بسام مقداد

مرت سنة من انخراط روسيا في المذبحة السورية، وهي منهمكة الآن في تعداد “الإنتصارات والإنجازات”. وكادت أن تنجح في وضع اتفاقية الهدنة الأخيرة في رأس لائحة هذه الانتصارات، بعد أن عاشت جو “انتصار فعلي” عقب 9 ايلول/سبتمبر، وكانت تعجل أميركا بالاعتراف به والإقرار بهزيمتها في سوريا والمنطقة مع أصدقائها من العرب، على ما كان يطالب به إعلام الكرملين.

وهي، في الحقيقة، لم تَدّعِ زوراً على ما يقر المساعد الخاص السابق للرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط فيليب غوردون، في مقالة نشرها في صحيفة “واشنطن بوست” في 28 من الشهر الحالي. فقد ذكر غوردن أنه لو قيض لهذه الإنفاقية أن تنفذ، لكان من شأن ذلك أن يحول دون تغيير النظام في دمشق في المستقبل المنظور، ولكانت روسيا ثبّتت مواقعها في الشرق الأوسط كدولة رائدة.

ليس بقاء الأسد بالسلطة في طليعة الانتصارات التي تفاخر بها روسيا، بل هي قالت غير مرة، سواء تلميحاً أومباشرة، إنها على استعداد للتفاوض حول مصيره. هو انتصار بقدر ما يعني بقاؤه هزيمة للغرب ليس إلا، وبيان مجلس الإتحاد الروسي في 28 ايلول/سبتمبر بمناسبة سنوية تشريعه للعملية العسكرية في سوريا، لم يأت على ذكر الأسد لا من قريب أو بعيد. “الانتصار” الذي لا تساوم موسكو بشأنه، هو استعادة روسيا مكانة الدولة العظمى، بعد إذلال التسعينات، وعودتها لتكون شريكاً لأميركا والغرب في معالجة قضايا المنطقة. بل هي تفاخر في هذا الإطار بأن موقعها في المنطقة ونفوذها لدى كافة أطراف النزاعات، بلغ من القوة ما يتيح لها الحديث عن “شرق أوسط روسي جديد”، يساهم في “استقرار المنطقة وحماية حدود روسيا الجنوبية.

جميع المواقع وأجهزة الإعلام الموالية للكرملين تردد في هذه المناسبة معزوفة الانتصارات على وقع “الانتصار الحاسم”، الذي “يتحقق” هذه الأيام في حلب. هذا الانتصار، الذي سيشكل “انعطافة حاسمة” في مجرى الصراع، ليس في سوريا فحسب، بل في مجرى الصراع مع الغرب حول النفوذ في الشرق الأوسط ككل. ولا تختلف عن ذلك المواقع والصحف الناطقة باسم القوى السياسية المعارضة من داخل النظام مثل الحزب الشيوعي، وحزب “روسيا العدالة”، و”الحزب الليبرالي الديموقراطي الروسي”، بل هي تزايد في شأن المجزرة السورية على الكرملين وحزبه “روسيا الموحدة”.

“الانتصار”، الذي يجمع عليه الكل، هو “انتصار السلاح الروسي” والخبرة القتالية، التي اكتسبها الجيش الروسي في سوريا. وكان بوتين قد ذكّر في آذار/مارس الماضي أن العملية الروسية في سوريا لم تكلف الموازنة الروسية شيئاً، بل إن كلفتها هي جزء من ميزانية التدريب في وزارة الدفاع الروسية. وتفاخر وزارة الدفاع الروسية الآن، أن خبرة القتال في روسيا قد اعتمدت في مناورات “القفقاز2016” خلال الصيف الأخير، وهي الأكبر في تاريخ روسيا ما بعد الشيوعية. وصدر في مناسبة الذكرى السنوية هذه كتاب بعنوان “السلاح الروسي في الصراع السوري”، نصحت بقراءته أسبوعية المجمع الصناعي الحربي الروسي “VPK”، وهو بقلم دكتور في العلوم التقنية، وهو “البحث العلمي الأول” في استخدام السلاح الروسي على مسرح العمليات الحربية في الشرق الأوسط. لكن هذا السلاح ليس بلا عيوب، كما ذكرت أسبوعية “VLAST” في التحقيق المفصل عن العملية الروسية بهذه المناسبة، حيث قالت إن طائرة روسية لم تتمكن من إلقاء قنبلتها الموجهة بسب تعطل… الآلة التي تحمل القنبلة!

الصوت المفقود في هذه المناسبة هو، في الحقيقة، صوت المعارضة الليبرالية وصوت أحرار روسيا، على ضعف شأنهم في هذه المرحلة، وليس فقط بسبب سياسة الإغتيالات والقمع التي ينتهجها بوتين، بل لأسباب أخرى اشد عمقاً بكثير. فقد بينت الانتخابات الأخيرة أن سوريا لم تكن على جدول أعمال أي من هذه القوى المعارضة، سوى في المواقف المبدئية، التي أعلنتها في بدء العملية العسكرية الروسية في الخريف الماضي، مثل بيان “الحزب الديموقراطي الموحد” (يابلوكا) وموقف حزب “حرية الشعب” (بارناس) بقيادة رئيس الوزراء السابق ميخائيل كاسيانوف، والمعارض المستقل أليكسي نافالني، والقليل غيرهم. وقد أظهرت هذه الانتخابات مقارنة بالانتخابات الرئاسية الأميركية، أن سوريا ليست قضية روسية داخلية، ولا يربط الروس بين تدهور أوضاعهم الإقتصادية والإجتماعية والحرب في سوريا، بل يردون ذلك إلى سعر النفط  و”مؤامرات الغرب” وسعيه الدؤوب لإفقار روسيا والروس وتدميرهم. فقد حقق بوتين وحزبه في هذه الإنتخابات ما لم يحققه في اي انتخابات سابقة، بينما لم يتمكن أي من الأحزاب الليبرالية المعارضة من تخطي عتبة 5 في المئة، التي تتيح له دخول الدوما.

المواقع والصحف التي تحتفظ ولو بمسافة بسيطة بينها وبين الكرملين تحدثت، في هذه المناسبة، من موقع الحرص على “الانتصارات” في سوريا، والدعوة إلى تحصينها في وجه من يريد بها شراً في سوريا. فقد كتبت صحيفة “KOMMERSANT” في 29 ايلول/سبتمبر، أن “حزب الحرب” ينتصر في الجهتين في سوريا، في دمشق، وفي المعارضة المسلحة. ويتسنى لهذا الحزب “فرض إرادته على موسكو وعلى واشنطن، ويجبر القوى العظمى على الإختلاف مجدداً والإشتباك في مجلس الأمن”. وتقول الصحيفة إن “تمديد الحرب هو سيناريو ليس مرغوباً به بالنسبة لروسيا، فهذه الحرب هي في نهاية المطاف حرب غريبة عنها. نعم هذه الحرب تقدم لروسيا إمكانية الإعلان عن نفسها بصوت جهوري في الساحة الدولية، والتذكير بقوتها العسكرية وطموحاتها الجيوسياسية، وتحرير تدمر من “الدولة الإسلامية”. أجل، لكن ماذا بعد؟”.

وترى الصحيفة أن أنصار الخط المتشدد في دمشق يصرون على مواصلة الحديث عن “هدف غير قابل للتحقق-كسب الحرب وفرض السيطرة التامة على حلب، ومن ثم استعادة السيطرة على جميع المحافظات، حتى تلك البعيدة منها، التي ليس فيها علويون موالون للسلطة، ولا مسيحيون، وحيث السكان هم من السنة المعادين للحكومة”. وتضيف الصحيفة “طبعاً من السهل الإعلان عن مثل هذه الأهداف الطموحة، حين تسند ظهرك إلى القوات الجوية الروسية، التي تحل أعقد المهمات”. وتشدد الصحيفة على أن موسكو لا تستخدم قواتها البرية في سوريا (وشكراً للرب، على حد قول الصحيفة)، مما يعني أن قوات النظام هي التي “عليها أن تنتصر”.

يبقى أن نذّكر في مناسبة سنوية دخول روسيا الشعاب السورية، بأنه خلال السنة الماضية، بل ما قبلها أيضاً، لم تخرج تظاهرة واحدة في روسيا استنكاراً لمشاركة روسيا في المذبحة السورية، ولم تنتشر، كما في كل أنحاء العالم، على وسائل التواصل الاجتماعي صور أطفال سوريا المنتشلين جثثاً وأشلاء من تحت الأنقاض، الذين تخلفهم طائراتهم الروسية؛ فهم من قدموا لبوتين كل هذه المقاعد في الدوما الحالية. سوريا ليست فيتنام روسيا، كما لم تكن أفغانستان كذلك بالنسبة للاتحاد السوفياتي، الذي سقط بسبب الخبز وليس بسبب تظاهرات الروس واحتجاجاتهم. ولا أعتقد أن بوتين سوف يسقط، حين يسقط، بسبب سوريا، بل بسبب سعر الروبل وسعر النفط.

المدن

 

 

 

 

متى يغضب الغرب على روسيا؟/ نبيل الفولي

المدانون

المتواطئون

العاجزون

جرائم العصر الحاضر الكبيرة لا تختلف كثيرا عن جرائم الأعصار الماضية؛ قتلة ومجرمون يقودون جيوشهم أو قبائلهم أو عصاباتهم يهلكون بها الحرث والنسل، ويرتكبون مجازر في حق البشر والأبرياء من الأطفال والنساء والعجزة والشباب؛ من أجل مطامع سياسية أو اقتصادية، أو بحثا عن نفوذ لحاكم أو قبيلة أو شعب.

وإذا كانت الحروب تشهد كثيرا من القتل والتدمير، فإن الجرائم التي يرتكبها مجرمو كل عصر بلا حرب تشهد قتلا وتدميرا ليس أقل منها، فضحايا جوزيف ستالين من مواطني الاتحاد السوفيتي السابق أكثر ممن قتلتهم جيوشه في الحرب العالمية الثانية، وكذلك قتلت فرنسا في الجزائر ومجمل مستعمراتها في أفريقيا أكثر مما قتلت من الألمان وحلفائهم في الحرب المذكورة.

والمشهد الدامي الحالي في سوريا عامة وفي حلب خاصة هو فصل جديد من المآسي التي تصنعها بقايا عهود الهمجية، يصنعونها لا في حروب تواجه فيها آلة الحرب آلة حرب أخرى، بل في حرب من طرف واحد ضد السكان العزل، تدمر المدن، وتقتل البشر، ولو أرادوا الحرب بمعناها المعهود لاستهدفوا قوات الثورة السورية بتشكيلاتها القتالية المتنوعة وحدها، ولكنه التهجير القسري للبشر، وإحلال الغرباء والمرتزقة محل أهل البلاد.

المدانون

والمدان في هذه الجرائم هم القتلة المباشرون، والمتواطئون وإن شجبوا واستنكروا، والعاجزون والموت يزحف إلى ديارهم بعد أن قتل إخوانهم، ولكل قصته!!

أما القتلة من الروس وميليشيات النظام ذات الجنسيات المتعددة، فهم جزء من الموقف العالمي والإقليمي المناوئ للتغيير في العالم العربي، والساعي إلى العودة بالشعوب عودة قاسية إلى عهد الاستعباد الناعم.

بل تعدى الأمر مواجهة مساعي التغيير الوطني في العالم العربي إلى اعتبارها فرصة للتدخل الصريح فيه، وتبديد ما يمكن تبديده من عوامل قوته، وقد كانت تقف دون ذلك محاذير من قبل؛ خاصة في فترة الحرب الباردة التي كان أقطابها يتوجس بعضهم من بعض شرا، ثم زالت هذه الحساسية حين بدا أن الخطر المشترك لا يمكن الصمت عليه.

ومهما تكن اليد المباشرة التي تناهض التغيير وتئد المستقبل في العالم العربي، فلابد من الاعتراف بأن وأد مطالب شعوبنا -ومجمل شعوب “العالم الثالث”- بحريتها هو توجه عالمي لا تختلف فيه روسيا عن الولايات المتحدة الأميركية، ولا عن دول الاتحاد الأوربي، ولا عن الأنظمة التي كادت تجتاحها ثورات الربيع العربي الذي كسته في المرحلة الحالية الدماء القانية، وإن كانت علامات الحياة لا تزال تُرَى عليه ضعيفة واهنة.

المتواطئون

وأما المتواطئون وإن شجبوا، وتمثلهم واشنطن وحلفاؤها، فتعرفهم بأقوالهم وخطبهم، وتفتقدهم عند الحاجة إلى الفعل والعمل، لا أقول الفعل الحربي الذي لا ينبغي أن يقوم به في بلاد العرب إلا العرب، ولكن حتى الفعل الإغاثي بالطعام والأدوية مما تقدمه المنظمات الدولية.

وأقل مقارنة بين موقف المعسكر الغربي من سياسة الروس في أوكرانيا وموقفه من سياستهم في سوريا تكشف عن حقيقة الشجب والاستنكار الذي نسمعه من أفواه الساسة الغربيين اليوم، فمع أن ما تعرضت له أوكرانيا من عدوان روسي باحتلال إقليم القرم عام 2014 لم يحدث خلاله شيء يُذكَر مما يجري الآن في سوريا على يد الروس من حرب مدمرة، ورسم للخرائط بالغارات والصواريخ والدماء النازفة، وتهجير السوريين من وطنهم، فقد امتاز الموقف الغربي في الأزمة الأوكرانية بالفاعلية والسرعة والحسم.

لقد قدمت المجموعة الغربية مساعدات عسكرية واقتصادية سخية لأوكرانيا في أزمتها حتى تصمد في وجه التهديد الروسي، وعاقبت موسكو على إجراءاتها العسكرية في القرم بحزمة من العقوبات الاقتصادية، وخرج أوباما وكيري وغيرهما من السياسيين الغربيين بتهديدات غاضبة بالحد من التعاون العسكري والاقتصادي مع موسكو.

من المؤكد أننا لابد أن نضع في الحسبان موقع أوكرانيا -قياسا إلى سوريا- وخطورته الجوسياسية المباشرة على أمن أوربا في هذا السياق، إلا أن المشكلة أكثر حساسية بالنسبة للروس، فقد استمر الزحف الغربي على النفوذ الروسي في شرق أوربا منذ سقوط الاتحاد السوفيتي السابق، حتى مس الحدود الروسية مباشرة مع مشكلة أوكرانيا من خلال دعم غربي سخي للسياسيين والجماهير المؤيدة لتوجه “كييف” غربا، حتى سقط الرئيس فيكتور يانوكوفيتش المدعوم روسيا، وصاحب التوجه السياسي الممالئ للجار الروسي العتيد.

إن الغرب هو الذي بدأ تحريك المشكلة الروسية الأوكرانية للحد من نفوذ موسكو، وكان من الطبيعي -بقطع النظر عن حقوق البلدين في إقليم القرم- أن يتحرك الروس ضد التصرفات الغربية في بلد كان يُحكم قبل قليل من الكرملين حكما مباشرا، فبادروا باحتلال القرم بزعم حماية الأقلية الروسية، وهذا يعني أن الموقف الغربي من المشكلة الأوكرانية جاء حاسما على الرغم من تفهم أي متابع منصف للمخاوف الروسية من تغيير الأوضاع في أوكرانيا.

وإذا جئنا إلى الحالة السورية، فإن المصالح الروسية في المنطقة لا تخفى، إلا أنها أقل حساسية على أي حال من وضع أوكرانيا، ومع هذا ما وجدنا الغرب يبدي ردة فعل تجاه الدموية الروسية الفظيعة في حلب وغيرها إلا تصريحات لا تغير شيئا، وهذه هي طبيعة الموقف المناوئ للتغيير في بلادنا كما سبق الإشارة إليه.

العاجزون

لا يرى الرائي من بلاد العرب إلا فقدان التوازن، والعجز عن إدارة الأزمة التاريخية الحادة التي تعيشها، وأخطر علامات ذلك في الوضع السوري هو أن ذراع الثورة المتمثل في المجموعات والجيوش المقاتلة صارت جزءا من معادلات إقليمية ودولية قابلة للتعديل في أي لحظة، وهذا يحد من قدرة هذه الذراع على التأثير في الصراع تأثيرا نوعيا؛ لذا فإن المكاسب كثيرا ما تكون مكاسب آنية.

ومن جهة أخرى فإن المفاوضين باسم سوريا لا يتجاوز دورهم الديكور السياسي المفيد في استهلاك الوقت، وهم عاجزون في الوقت نفسه عن أداء دور متناغم مع الجهد الحربي بحيث يستمد كل منهما قوة من الآخر، ويدفع به في اتجاه النجاح على الأرض، مع أن هذه هي الوظيفة الأساسية -وربما الوحيدة- التي يقوم بها التفاوض.

وفي إمكان المفاوض السوري أن يتعامل مع كل الأطراف المؤثرة في الوضع السوري فرادى وجماعات بحيث يقرب وجهات النظر بين داعمي حق الشعب السوري في تقرير مصيره، ويسعى إلى أن يكون لذلك تأثيره في الواقع وعلى أرض الصراع.

ولكن -من جهة أخرى- ماذا يفعل المفاوض والمقاتل السوري بدون ظهير عربي قوي يستطيع -على أقل تقدير- دعمه دبلوماسيا بفاعلية، ويعمل على حماية الشعب السوري وبلاده من القتل والدمار، ويوصل إليه المساعدات الإنسانية الضرورية.

وكأن العرب لا يدرون أن رحى الحرب التي تدور في اليمن وسوريا وليبيا والعراق ستدور على الباقين منهم إن فُرِغ من هذه الأقطار؛ لذا ترى قوانا الرسمية والشعبية والثقافية سُكارى وسط أمواج عاتية لا ترحم، بل تحول بعضهم إلى تروس تشارك في رسم مستقبل مظلم للمنطقة.

لنطمئن تماما، فلن يغضب الغرب على روسيا غضبا حقيقيا، إلا حين يغضب العرب لأنفسهم هذا النوع من الغضب.

وإذا كنا نرى ضوءا في نهاية النفق، ونعتبر أن تصعيد الطيران الروسي مهما بلغ لن يحسم المعارك على الأرض، وأن تدمير حلب بهذه القسوة لنشر الرعب بين الناس وفتحِ الطريق أمام جيش النظام لتهجير الأهالي لن يحقق هدفه بسهولة، فإن هذا الضوء في حاجة إلى تعظيم بفعل عربي وإقليمي جماعي واعٍ يدعم المفاوض والمقاتل السوري والسكان المنكوبين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة

2016

 

 

 

سورية و «اللجنة الأمنية» الأميركية – الروسية/ وليد شقير

يشتكي المسؤولون الروس لمن يلتقونهم من أن إدارة الرئيس باراك أوباما لم تلتزم الاتفاقات التي تم التوصل إليها في شباط (فبراير) ثم في الربيع الماضي، ويروحون يعددون كيف أخل الأميركيون بها في الحي الفلاني وفي الشارع أو القرية العلانية، ولم يفوا بما وعدوا به، فيُغرقون محدثيهم من كبار المسؤولين وأعلى المستويات، بتفاصيل قتالية وميدانية صغيرة قياساً إلى حجم دولة كبرى تتعامل مع دولة عظمى أخرى مثل الولايات المتحدة.

يخرج محدثو وزير الخارجية سيرغي لافروف وغيره من كبار الديبلوماسيين الروس، باستنتاج واستغراب مفجع لا يقلل من فجاعة المجزرة التي ترتكب في حلب، بأن الاتفاقات الروسية – الأميركية حولت الدولتين الكبريين إلى ما يشبه «اللجنة الأمنية» التي تدير حرباً بفظاعة الحرب السورية، بدل أن تكون محاولة للبحث عن حل سياسي لأبشع حرب يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، بنتائجها الكارثية على الصعد الإنسانية والجغرافية والديموغرافية والسياسية والاقتصادية إقليمياً ودولياً.

تحول لافروف وجون كيري إلى رئيسين لتلك اللجنة الأمنية التي أخذ بعض اللبنانيين يشبه فصول اجتماعاتها وإخفاقاتها بما كانت تنتهي إليه لقاءات اللجان الأمنية في الحرب اللبنانية التي امتدت فصولاً زهاء 15 سنة. لكن التشبيه هنا يصبح مأسوياً قياساً إلى الفارق في حجم الحربين واختلاف الأسلحة الفتاكة المستخدمة والمجازر التي ترتكب، والأحقاد التي تخلفها.

وإذا كان تفسير الغرق الروسي في هذا الأسلوب من إدارة الحرب السورية يتراوح بين اعتبار أن موسكو غرقت في المستنقع السوري، وبين القول إنها تمارس خبثاً وفق خطة سياسية- عسكرية معدة سلفاً لإفشال أي اتفاق أمني للهدنة أو وقف النار، للإجهاز على المعارضة السورية لمصلحة بشار الأسد، فإن تفسير الانزلاق الأميركي إلى هذا النوع من المعالجات الأمنية الفاشلة سلفاً، لا يقل تعقيداً. ويتراوح هذا التفسير بين القول إن واشنطن بلا قرار في شأن سورية، وبين الاعتقاد أنها تريد لهذه الحرب أن تستمر، لأن إدارة باراك أوباما تترك المنطقة تتآكل بالحروب والانقسامات، مفسحة المجال أمام إسرائيل لأن تستفيد من إضعاف الجسم العربي بالدرجة الأولى كي يصبح الدور الإسرائيلي حاجة لها في أي حل مستقبلي ينهي المذبحة المتواصلة في بلاد الشام.

ومهما كان تفسير غرق الدولتين الكبريين في التفاصيل الأمنية، كما يستنتج من يقرأ الاتفاقات التفصيلية بينهما حول «طريق الكاستيلو»، وتمرير شاحنة مساعدات إنسانية من هذه الجبهة أو تلك، وقيام غرفة عمليات مشتركة لمحاربة الإرهاب، فإن النتيجة العملية الوحيدة من إخفاقات هذه الاتفاقات هي تغييب الدور العربي عن محاولات صوغها، ثم عن أي جهد لاستدراك هذه الإخفاقات، ثم العجز عن تعديل موازين القوى لتجنيب السوريين مزيداً من القتل والتدمير. وإذا كان من تبريرات سياسة أوباما الانكفائية أن على الدول الإقليمية أن تأخذ دورها في معالجة الأزمة السورية وغيرها من أزمات الإقليم، فإن الدول العربية المعنية بسورية بقيت عاجزة عن التقاط المبادرة لانتزاع هذا الدور قياساً إلى ما تفعله كل من تركيا وإيران وإسرائيل في الميدان السوري. فهي تارة تنتظر ضوءاً أخضر من واشنطن، وأخرى تراهن على مسايرة روسية لها، متوهمة بإمكان جذب موسكو إلى مصالحها العربية، بدل أن تقدم على خطة خاصة بها تفرض نفسها في الميدان وفي المداولات السياسية.

يضرب فلاديمير بوتين عرض الحائط بكل الوعود العربية له بحفظ مصالح روسيا في المنطقة، لأن من يصدرها ليس بالقوة الكافية التي تتيح له المقايضة. ولا يخجل أوباما من النكوث بموجبات تشجيعه عواصم عربية على الثبات في موقفها ضد نظام الأسد، بحجة الإفادة منه في مفاوضاته مع بوتين.

إنه ازدراء ما بعده ازدراء، يتم بغطاء الاحتجاجات الأقرب إلى البكائية التي تصدر عن كيري، حين يخلّ الروس بما يتفق عليه ويمارسون أبشع أنواع القصف بالأسلحة المحرمة التي بات الشعب السوري حقل تجارب لها.

الخطة الروسية – الإيرانية – الأسدية تقضي بالسيطرة على حلب، وإخراج المقاتلين منها، والأهالي أيضاً، إلى إدلب، لتغيير ديموغرافيتها هي الأخرى كما حصل في حمص ومحيط دمشق وقلبها والقلمون… تمهيداً لمرحلة أخرى تقضي بتحويل إدلب إلى أثر بعد عين، أي إلى غروزني أخرى. عندها قد يسجل التاريخ أن البابا فرانسيس قال في صلاته إن من ارتكبوا العنف في حلب «سيحاسبهم الله»، وأن بان كي مون اعتبره «جريمة حرب». عندها يكون الأوان قد فات، لأن من قصدهم البابا يؤمنون بغير الله، ولا يعود انتظار الإدارة الأميركية الجديدة بأي منفعة للمراهنين عليها.

الحياة

 

 

 

سورية… و “الرجل المتنور في عالم غير عقلاني!”/ محمد مشموشي

يمكن القول، بلغة الاقتصاديين ورجال المال والأعمال، إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «يستثمر» الآن ومنذ أكثر من سنة في سوق ضعف الآخر أو حتى في غيابه شبه التام. وفي سورية تحديداً، ومن خلالها في المنطقة كلها، يبدو «استثمار» بوتين هذا الأكثر نجاحاً في مواجهة الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي لا يلوي على شيء أكثر من «خروج تاريخي»، أو «خروج الى التاريخ»، من وجهة نظره، من البيت الأبيض بعد أقل من ثلاثة أشهر.

وعندما قال الباحث في «مجلس العلاقات الخارجية» الأميركي ستيوارت باتريك، في تقريره عن خطاب أوباما الأخير في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، انه كلام رجل متنور (enlightened man) في عالم غير عقلاني (unreasonable world)، لم يكن يتحدث إلا عمّا سبقت الإشارة إليه: «الاستثمار» السياسي الرخيص، في عالم غير عقلاني ومن جانب قيادات فيه، في حرب بالغة الوحشية وغير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية في سورية، في مقابل غياب أميركي كامل عن الساحة باسم «التنوير» في الثقافة والفكر السياسيين من جانب إدارة أوباما.

وقد لا يناقش المرء كثيراً في لاعقلانية هذا العالم، بخاصة في الفترة الحالية، لكن كلاماً كثيراً جداً يمكن أن يقال، بل ينبغي أن يقال، في ماهية وأحقية وجدوى «التنوير» في مثل هذا العالم. من شأن «التنوير» هنا، لا سيما عندما يكون صاحبه في مركز صناعة القرار، أن يكون نوعاً من الرومانسية الشخصية، أو حتى المثالية التي قد تقنع أكاديمياً أو مثقفاً حالماً بعالم آخر، لكنها لن تؤتي بالتأكيد إلا المزيد من لاعقلانية هذا العالم، فضلاً عن إنزال الويلات بشعوبه وبمستقبلها، وزيادة سفك الدماء البريئة في صفوفها.

ولعل هذا بالذات ما تحصده إدارة أوباما الآن، ليس في سورية وحدها إنما في المنطقة وفي الولايات المتحدة نفسها أيضاً، وما يجنيه في المقابل «استثماراً» من دون رأسمال فعلي، بوتين أولاً ومعه المرشد الإيراني علي خامنئي من جهة ورئيس النظام السوري بشار الأسد من جهة ثانية.

وبالمعنى الأميركي تحديداً، هل تبعد عن هذا الحصاد ظاهرة مثل ظاهرة دونالد ترامب الممجوجة والغريبة في الولايات المتحدة؟

أياً يكن، لا شك في أن ضعف (عملياً، غياب) السياسة الأميركية الواقعية في سورية والمنطقة، هو الذي جعل كلاً من بوتين وخامنئي والأسد (وربما غيرهم في العالم) يفتح سوقاً استثمارية ناجحة فيهما خلال العام الماضي. والدليل، ليس فقط تراجع المعارضة السورية الحقيقية في أكثر من رقعة في هذا البلد، إنما أيضاً توسّع رقعة الإرهاب وانتشاره في أوروبا وفي الولايات المتحدة ذاتها. وإذا كان من معنى لتأكيد الأسد، وهو يعلن موافقته على الاتفاق الروسي- الأميركي الأخير، انه سيواصل العمل لاستعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية من معارضيه، فليس سوى القول إن ذلك، في اعتباره واعتبار بوتين، جزء من الخطة التي اتفق عليها جون كيري وسيرغي لافروف، وحرصا معاً على عدم كشف تفاصيلها.

عملياً، لا تفسير لما تشهده حلب الآن، وعلى حساب تاريخ هذه المدينة العريق ووقوفها ضد النظام، ودماء شعبها المسفوحة، الا أن هذا هو الواقع.

وقد لا يكون مبالغاً فيه اعتقاد بعضهم بأن سياسة بوتين في سورية قامت أساساً على نظرية الغياب الأميركي عنها وعن المنطقة، اعتماداً من جهة على ما سماه الباحث الأميركي «الرجل المتنور» المقيم في البيت الأبيض، ومن جهة أخرى على فترة الانتخابات الرئاسية التي تجعله مجرد «بطة عرجاء» في الداخل كما في الخارج.

… أوليس تحدي الكونغرس، ربما لأول مرة في التاريخ، لقرار أوباما استخدام «الفيتو» في قضية ما يسمى تشريع «جاستا»، جزءاً من الصورة العامة لواشنطن في هذه الفترة، وحتى لمقولة «التنوير» ذاتها لدى أوباما وإدارته؟

غني عن البيان أن لا أحد يمكنه أن يناقش الحاجة إلى سياسة تعتمد «التنوير» الفكري، بخاصة في دولة مثل الولايات المتحدة لها يد في كل شيء تقريباً في العالم. كما لا أحد يناقش قول أوباما مثلاً إن من غير المعقول «أن يملك 1 في المئة مثل ما يملكه 99 في المئة من سكان هذا العالم». لكن ما يبقى هو السؤال: كيف يمكن مقاربة ذلك في ما وصف حقاً بأنه «عالم لا عقلاني»… في تقاسم الثروة، كما في ممارسة السياسة والسلطة ومراعاة القيم الأخلاقية على حد سواء.

لا حاجة للقول إنه في الغاب، لا مكان لكلمة في القاموس، تدعى الحمل… أو «التنوير»، وفق ما ذهب إليه الباحث ستيوارت باتريك في وصف مَنْ لا يزال يقيم حتى الآن في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض.

الحياة

 

 

 

 

لماذا تفرّط روسيا بالتعاون مع أميركا في سورية؟/ فلاديمير فرولوف

يبدو أن روسيا قررت هذا الأسبوع، الاستهتار بالإنجاز الديبلوماسي الأكثر أهمية والأبرز: اتفاق كيري – لافروف في جنيف على وقف الأعمال العدائية، والتعاون العسكري بين الولايات المتحدة وروسيا في سورية. واتفاق جنيف هو صنو استسلام الولايات المتحدة في سورية. فواشنطن منحت موسكو فعلياً ما سعت إليه روسيا منذ بدء تدخّلها العسكري قبل عام، وهو إعلان أميركا أن روسيا حليف عسكري أساسي في الحرب على تنظيمي «داعش» و»القاعدة». وكان من المفترض أن يكون بند وقف النار لمدة سبعة أيام في الاتفاق، مدخلاً الى غرس الثقة بين البلدين، والإعداد لإنشاء مركز مشترك لتوجيه الضربات الجوية واستئناف المحادثات السورية. والاتفاق كان يرجح كفة موسكو، لذا، كان المرء يحسِب أنها ستبذل قصارى جهدها لدعم الصفقة وكبح جماح النظام السوري والحؤول دون قصفه مناطق المعارضة، ورفع القيود عن وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة، وإبقاء عسكرييها على اضطلاع بالتفاصيل لدعم الاتفاق. لكن الأمور لم تجر على هذا النحو.

ومنذ لحظة إبرام اتفاق وقف الأعمال العدائية في 12 أيلول (سبتمبر) الجاري، طعن القادة العسكريون الروس في سورية وفي وزارة الدفاع الروسية بالصفقة، وبدأوا على الفور بنشر أخبار مفادها أن الاتفاق مصيره الفشل بسبب انتهاكات المتمردين السوريين وفشل أميركا في فصل مقاتلي المعارضة المعتدلين عن الجماعات الإرهابية. وبدت وزارة الخارجية الروسية والكرملين أكثر تفاؤلاً بمآل وقف النار.

لكن اللوم في انتهاك اتفاق وقف الأعمال العدائية يقع على الطرفين، فكلاهما استخدم الاتفاق من أجل تعزيز المكاسب الأخيرة، وإعادة نشر العسكر والمقاتلين في الخطوط الأمامية إعداداً للهجمات المقبلة. لكن نظام الأسد يتحمل الشطر الأكبر من المسؤولية عن الانهيار الأخير للاتفاق، فهو واصل القصف العشوائي، وتقدم على الأرض وسدّ الطريق أمام المساعدات الأممية. ولم يحبذ النظام إبرام الاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا من وراء ظهره. وكان الاتفاق يعبّد الطريق أمام مشاركة جبهة «فتح حلب»- وهي تحالف مجموعات تقاتل قوات النظام حول حلب وتدعمها أميركا وتركيا- في محادثات السلام، وهذا ما لم تتقبّله دمشق. لذلك اجتمعت في يد الأسد كل مسوغات نسف الاتفاق. ويبدو أن الجيش الروسي، بدلاً من كبح جماح الجيش السوري، كان متعاطفاً معه. وحين قصفت طائرات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة مواقع الجيش في دير الزور في 17 الجاري، غالت موسكو في تضخيم ما جرى وتشويه حادث عادي لإطلاق نيران صديقة. ومن دون أي بيّنات، سارعت موسكو الى اتهام واشنطن بالقصف المتعمّد لمواقع الجيش السوري لتسهيل تقدّم «داعش». لكن في الواقع، قد يكون هذا الحادث الخطوة الأولى التي تبادر إليها طائرات التحالف في محاولة لتقديم الدعم الجوي لقوات الأسد ضد «داعش». وسعت الولايات المتحدة الى تنسيق الضربة مع الجيش الروسي الذي لم يكن كما يبدو على بيّنة من مواقع الجيش السوري في المنطقة المســتهدفة. وكان للتصريحات الروسية التي اتهمت واشــنطن بدعم «داعش»، وقع الصدمة. فمثل هذه الاتهامات ليس السبيل الأمثل إلى بناء الثقة مع الآخر تمهيداً لعمليات عسكرية مشتركة.

أمّا الغارة الجوية على قافلة المساعدات الإنسانية للأمم المتحدة في جوار مدينة حلب، والتي ألقت واشنطن المسؤولية عنها على القوات الجوية الروسية والسورية، فهي المسمار الأخير في نعش الاتفاق الأميركي- الروسي. وعلى أقل تقدير، تسلّط هذه الحادثة الضوء على الأخطار التي قد تواجهها الولايات المتحدة لدى أخذ قرارات الاستهداف المشترك مع روسيا. فمن العسير أن نتخيل أسباب تعمد موسكو استهداف قافلة إنسانية، في وقت يتعذّر تصديق حصول خطأ في ضربة كهذه. ورواية وزارة الدفاع الروسية للأحداث، والتي تتغيّر كل نحو 12 ساعة، تعصى على العقل ومن شأنها المساهمة في نسج ما وصفه وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، في الأمم المتحدة بـ «الكون الموازي» أو «العالم الموازي». ومن الواضح أنّ الأسد يملك الدافع لضرب القافلة. فتوجيه الضربة يندرج في سياق سياسته الرامية إلى جعل الحياة المدنية في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون لا تطاق.

ويبدو أنّ قدرة موسكو على حمل الرئيس السوري على الامتثال، ضئيلة، بل ربما تميل إلى الاتفاق معه على خوض هذه الحرب إلى النهاية. وربما تحاول الضغط على الولايات المتحدة رفع مستويات العنف، لتغيير بعض بنود اتفاق جنيف، وربما لدفعها (أميركا) إلى الموافقة على إدراج «أحرار الشام» و»جيش الإسلام»- التهديد الرئيسي للأسد- في لائحة التنظيمات «الإرهابية». وفي هذه العملية، تغامر موسكو بإطاحة إجماع هش في واشنطن على مواصلة التعاون العسكري مع روسيا، من أجل وقف القتل والقتال في سورية. والكرة اليوم في ملعب موسكو.

* خبير في العلاقات الدوليّة، عن «موسكو تايمز» الروسية، 22/9/2016، إعداد علي شرف الدين

الحياة

 

 

 

 

سوريا… الشيشان أو أفغانستان/ سميح صعب

ترفع الولايات المتحدة التحدي السوري أمام روسيا إلى أقصاه. الناطق باسم وزارة الخارجية الاميركية جون كيربي يقول الخميس إنه يخشى هجمات جهادية على المصالح والمدن الروسية إذا ما واصلت موسكو العمليات العسكرية في حلب. ليس هذا فحسب، فهناك مسؤولون أميركيون لمحوا الاربعاء الى ان دول الخليج العربية قد تقدم على تسليح المعارضة السورية بصواريخ أرض – جو محمولة على الكتف رداً على غارات المقاتلات الروسية. وينطوي التحذير الاميركي على تذكير بحال الاتحاد السوفياتي في أفغانستان في الثمانينات من القرن الماضي.

وأكثر من ذلك لا يخفي جون كيري أن الفصل “الأسوأ” من الحرب السورية لم يأت بعد. وكأنه يحمل تهديداً مبطناً لروسيا اذا لم توقف دعمها العسكري للنظام أو اذا لم تضغط على دمشق لوقف العمليات العسكرية وقت تنصل الجانب الاميركي بوضوح تحت ضغط “البنتاغون” من احتمال قيام أي تنسيق عسكري مع روسيا ضد “جبهة النصرة” باسمها الجديد “جبهة فتح الشام” بسبب عقوبات اميركية على موسكو تتعلق بالملف الاوكراني.

وتلتقي كل التحذيرات الاميركية لروسيا تحت عنوان عريض. هذا العنوان يقول نحن الاميركيين قادرون على جعل سوريا أفغانستان جديدة بالنسبة الى روسيا، بينما لا تملك موسكو مهما زجت من قوات أدوات الحسم الكامل للنزاع السوري وإن تكن منعت سقوط النظام وجعلته أقوى في مواجهة قوى المعارضة التي تدعمها دول الخليج العربية وتركيا.

والحصيلة تكون استمرار الحرب التي لا قدرة للكرملين على دفع تكاليفها المادية. وهذا من وجهة النظر الاميركية وضع مثالي لواشنطن لتكرر انتصارها في الحرب الباردة الثانية. ولا يبدو ان الولايات المتحدة، عكس موسكو، في عجلة من امرها لوقف النزف الروسي وخصوصاً اذا ما تمكنت من تحويله نزفاً لروسيا وايران و”حزب الله”.

وسوريا هي واحدة من أهم ساحات الصراع الاميركي – الروسي المتجدد. وخسارة دمشق لن تكون لروسيا حدثاً عابراً يمكن تجاوزه. لذلك تدخلت عسكرياً وتتحمل الاعباء التي ستكون أقل كلفة من الناحية الاستراتيجية لو كان قيض لاميركا أن تطيح النظام في سوريا وتلحق هذا البلد بتجربتي العراق وليبيا “الناجحتين”.

وتضع أميركا روسيا أمام خيار القبول بشروطها لوقف الحرب السورية، وهي شروط غير مقبولة لدى موسكو، أو مواجهة الخيار الثاني القائم على الدخول في حرب استنزاف وتكرار المشهد الافغاني.

وربما لأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يريد أياً من الخيارين، يحاول الان انطلاقاً من حلب فرض معادلة عسكرية جديدة هي أشبه بمعادلة الشيشان وليس أفغانستان.

النهار

 

 

 

 

عام على التدخل العسكري الروسي/ مصطفى الدروبي

في الـثلاثين من سبتمبر/ أيلول الجاري، يكون الروس أتمّوا عاماً على تدخلهم العسكري في سورية، والذي جاء إثر هزائم النظام المتكرّرة لقواته، وبشكل مذل أمام فصائل المعارضة السورية المسلحة، والتي جعلته قاب قوسين أو أدنى من الهزيمة، فجاء التدخل الروسي إجراءً إنقاذياً عبر مسرحية متّفق عليها مع النظام، مفادها بأنّ الحكومة الشرعية في دمشق طلبت دعماً عسكرياً من موسكو، لينعقد على إثرها، وعلى عجل، مجلس الاتحاد الروسي الذي منح الرئيس بوتين تفويضاً يستطيع بموجبه استخدام القوات الروسية خارج البلاد، بحجّة محاربة تنظيم داعش الإرهابي.

ساق الكرملين جملة من الأسباب والدوافع لتدخله في سورية، أهمها المحافظة على مؤسسات الدولة، ومنع تحوّل سورية إلى دولة فاشلة، وكذلك برّر بوتين ورؤساء أجهزته الأمنية، وفي بروباغندا إعلامية مكشوفة، أنّ هذا التدخل الاستباقي سيقطع الطريق على عودة نحو ألفي روسي وثلاثة آلاف من بلدان الاتحاد السوفياتي السابق يقاتلون في صفوف “داعش”، وأنّهم يشكلون خطراً كبيراً على الأمن القومي الروسي، والاستقرار في آسيا الوسطى، في حال عودتهم من سورية والعراق، ثم انضمّ إلى الجوقة راعي الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، والذي أعلن عن حماسته في دعم هذا التدخل، مضفياً عليه صفة القداسة والحرب المقدسة، والذي استفز كثيراً من مشاعر شعوب المنطقة والعالم الإسلامي وأثار حفيظتها، ووصفها بعضهم حرباً صليبية أخرى، تستهدف المشرق العربي من جديد.

إنّ تدخل الروس بحجة محاربة داعش كذبة واهية، لا تستند للوقائع كون أنّ كل التقارير أجمعت على أنّ 15% فقط من الضربات الروسية استهدفت داعش، وأنّ الهدف من التدخل حماية لنظام أخذ يترنح، وكان أقرب إلى السقوط من أي وقت مضى، فبدأ القصف الوحشي عبر القاذفات الروسية العملاقة، والذي استهدف المدنيين العزّل في بيوتهم، وكذلك المدارس والمشافي والأسواق الشعبية وفصائل المعارضة السورية المعتدلة، من خلال تطبيق مبدأ غروزني وسياسة الأرض المحروقة التي نفذها بوتين في الشيشان، وهي السياسة نفسها المتبعة في سورية، منذ بداية تدخله وما زالت.

ثم تكشّفت أبعاد هذا التدخل لاحقاً، بدءاً من تصريحات المسؤولين الروس بشأن رغبة موسكو في تجريب أسلحتها الحديثة، وترويجها تجارياً ودعائياً، إذ أشار الرئيس الروسي، في مؤتمره الصحفي السنوي، في 17 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، إلى “أنّ العمليات في سورية تعدّ تدريبات عسكرية ذات كلفة رخيصة في ظروف حربٍ حقيقية”، وكأنّ الشعب السوري تحوّل إلى حقل تجارب لأسلحة قادة الكرملين، على الطريقة النازية والفاشية إبّان الحرب العالمية الثانية.

ومن مجريات هذا العدوان الهمجي الروسي على الشعب السوري، يتبيّن أنّ الروس، ووفق أحد المحلّلين، تدخلوا للمحافظة على النظام ورأسه، وإجبار المعارضة والدول الإقليمية الداعمة لها على القبول بحل سياسي، وفق رؤية النظام السوري وشروطه والمصالح الروسية في سورية، وعبر فرض وقائع على الأرض، وإلا فالانتقال إلى الخطة “ب”، القاضية برسم حدود “سورية المفيدة”، وضمان مصالح الكرملين مع النظام الحالي، والمتمثلة في القاعدة البحرية في ميناء طرطوس، وعقود النفط والغاز الموقعة في نهاية 2013، لاستغلال الحقول البحرية الضخمة في مقابل الشواطئ السورية، وكذلك القاعدة الجوية في حميميم، والقواعد الأخرى المنوي إعادة تأهيلها واستخدامها لاحقاً، مثل مطار “الشعيرات” شرقي حمص.

تدخل الروس في الشأن السوري بقوة ناعمة منذ انطلاقة الثورة، وأخذوا بعقد لقاءات سابقة لتدخلهم العسكري السافر مع رموز المعارضة القريبة من النظام، للعمل على شراء الوقت مراهنين على الحسم العسكري والأمني الذي اختاره بشار الأسد منذ بداية الثورة السورية .

وحين جاء تدخلهم المباشر عبر القوة الغاشمة، تحوّلت موسكو إلى محج لقادةٍ عرب، نشدوا ودّها، وعملوا على إغرائها بحزمة عقود اقتصادية عملاقة، علّها تخفّف من اندفاعتها المسّعورة، لكن رياح الكرملين جرت بما لا تشتهي السفن العربية، إذ ظلّ الروس، ومازالوا، مصمّمين على إغراق الثورة السورية بالدماء، وفرض وجهة نظرهم على إرادة السوريين الثائرين في وجه نظام الفساد والاستبداد، والإبقاء على الديكتاتور السوري، والذي حوّلوه إلى نسخةٍ تماثل عميلهم الشيشاني رمضان قاديروف (الرئيس الشيشاني المصنوع روسياً)، إذ أذلوه كثيراً بجلبه مخفوراً إلى موسكو في اكتوبر/ تشرين الأول 2015، ومن ثم استدعائه إلى قاعدة حميميم في يونيو/ حزيران 2016 من دون معرفته من استدعاه.

والآن، وبعد ما يقرب من اكتمال السنة من هذا التدخل الاحتلالي والدموي في الشأن السوري، وبعد مباحثات مطوّلة استمرت أكثر من 14 ساعة، توصّل، في العاشر من الشهر الماضي، وزيرا الخارجية، الروسي سيرغي لافروف، ونظيره الأميركي جون كيري، إلى اتفاق للتعاون بشأن سورية، إلا أنّه لم يعمّر كثيراً، وبقيت المتغيّرات في الحالة السورية مفتوحة على الاحتمالات كافة.

العربي الجديد

 

 

 

بوتين يحاول في سوريا استعادة مجد وقوة الاتحاد السوفيتي/ جون لويد

(رويترز) – استبعد الصراع الشرس حول سباق الرئاسة الأمريكية إلى حد كبير تدمير مدينة حلب السورية لا سيما الأحياء الشرقية من المدينة والتي يسيطر عليها مقاتلو المعارضة بشكل ضعيف من النشرات المسائية في الولايات المتحدة. وقد جازف عدد قليل من المراسلين والمصورين الشجعان بدخول سوريا ولكن عادة ما تبقى الكاميرات على مسافة آمنة ولذلك فإن كثيرا مما نراه هو الومضات والدخان الناجم عن القذائف والقنابل التي تنفجر في مدنها. وفي أوقات أخرى نرى مقاطع الفيديو التي صُورت بالتليفون المحمول لأشخاص منهكين يجرون بحثا عن مأوي أو ينقلون جرحى يصرخون من شدة الألم إلى المستشفيات حيث لا توجد مساعدة تذكر لهم.

وهناك إجماع غربي على أن الروس يساعدون حلفاءهم السوريين وهم القوات الحكومية السورية في قصف المدينة وأنهم مع بعض التحفظات الدبلوماسية لا سيما من قبل الأمم المتحدة قامت طائراتهم بتدمير قافلة إغاثة الأسبوع الماضي. واستمع مجلس الأمن الدولي في مطلع الأسبوع الماضي إلى هجمات من الدول الغربية ضد روسيا. وقالت سمانثا باور سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة إنه “بدلا من السعي إلى السلام تصنع روسيا و(الرئيس السوري بشار) الأسد الحرب.. وهم يقصفون القوافل الإنسانية والمستشفيات ومقدمو الإسعافات الأولية الذين يحاولون باستماتة إبقاء الناس على قيد الحياة.”

وقال ماثيو ريكروفت سفير بريطانيا إن روسيا والأسد “فتحا أبواب جحيم جديد على حلب. روسيا تشارك النظام السوري في تنفيذ جرائم حرب.”

وفي الوقت الذي دُعي فيه السفير السوري للتحدث قاد ريكروفت عملية انسحاب شاركت فيها باور والسفير الفرنسي فرانسوا ديلاتر . ونفى السفير الروسي فيتالي تشوركين بعد ذلك مشاركة روسيا.

ولماذا تضع روسيا نفسها في الجانب الخطأ من التاريخ لأن لا أحد يمكن أن يشك في أن التاريخ سيسجل الأسد كطاغية رهيب وروسيا حليفته الشريرة؟ في حقيقة الأمر روسيا لا تشك في ذلك ولكنها تغطي أسبابها لهذا التحالف بإنكار لا يمثل سوى أصغر ورقة توت.

ويسعى فلاديمير بوتين شيئا فشيء لإعادة بناء المجد والقوة التي يرى أن الاتحاد السوفيتي كان يحظى بهما. وكان الاتحاد السوفيتي طرفا رئيسيا في الشرق الأوسط واليوم فإن الشيء الوحيد الموروث من تلك السنوات هو مرافق مستأجرة لرسو السفن في طرطوس على الساحل الشمالي لسوريا. وبعد إخلاء القواعد السوفيتية في الاسكندرية ومرسى مطروح بمصر في أواخر السبعينات ما زالت طرطوس موطئ القدم الوحيد لروسيا على البحر المتوسط. وعلى الرغم من تفاوت الآراء بشأن مدى أهمية طرطوس -فهي أصغر جدا من أن تستضيف سفنا روسية أكبر- فما زال الميناء نقطة إمداد مهمة.

والحسابات السياسية والاستراتيجية للكرملين أكثر أهمية. فبوتين يعتقد أن التدخلات الغربية في دول أخرى -والتي تُطرح عادة على أنها عمليات إنسانية- تُخفي أجندة عدوان واستعمار جديد. وفي كلمة حاسمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة العام الماضي انتقد الغرب لرفضه تبني موقف الأسد في الحرب الأهلية السورية وتطبيق نفس المنطق على التورط الغربي في أوكرانيا حيث يزعم أن قوى خارجية نسقت انقلابا عسكريا “أثار نتيجة لذلك حربا أهلية.”

وينظر الرئيس الروسي إلى الولايات المتحدة على أنها خصم دائم وعنيد تملك قوة عسكرية لابد من كبحها في أي فرصة. ولكن هناك أساسا منطقيا آخر للحفاظ على التحالف مع الأسد. وهو يكمن في تجربة الرئيس في منطقة الشيشان الروسية في القوقاز.

فسكان الشيشان التي يزيد عددهم عن مليون نسمة كانوا من بين أكثر الشعوب المقهورة وأكثرها ولعا بالحرب في عهد القياصرة والاتحاد السوفيتي. وأعلن إقليم الشيشان استقلاله أواخر عام 1991 مع انهيار الاتحاد السوفيتي. وأثارت معارضة روسيا للانتفاضة الوطنية حرب الشيشان الأولى (فيما بين عامي 1994 و1996) والتي أدت إلى جعلها دولة شبه مستقلة. وعندما اندلعت الحرب من جديد أواخر 1999 كان بوتين رئيسا للوزراء وكان يتخذ معظم القرارات بدلا من الرئيس المريض بوريس يلتسين.

وحول الجيش الروسي الذي تم إعداده بشكل أفضل معظم العاصمة جروزني إلى أنقاض. وبحلول عام 2000 أنهت موسكو معظم المقاومة المنظمة على الرغم من استمرار أنشطة المتمردين حتى عام 2007 عندما فرض رمضان قديروف وهو نجل رئيس شيشاني سابق يدعمه بوتين بقوة نظاما دكتاتوريا فاسدا ووحشيا. وأُخمدت النزعة الانفصالية وأعيد بناء جروزني وظلت الشيشان موالية لموسكو.

والشيشان هي النموذج للحرب في سوريا وجروزني النموذج للهجوم على حلب. وبالنسبة للرئيس الروسي فإن كل الكلام عن الهدنة أو المفاوضات رياء إلى حد كبير يتم طرحه فقط كغطاء دبلوماسي دون أن تكون له قيمة حقيقية. وبالنسبة له مثلما أوضحت كلمته أمام الأمم المتحدة في 2015 فإن هذه حرب خاضها إرهابيون ضد حكومة شرعية. وبمجرد بدء مثل هذه الحرب كان السبيل الوحيد أمام الحكومة هو استخدام القوة الصارمة ضد أعدائها.

وجعلت الحرب الثانية في الشيشان بوتين الذي لم يكن معروفا نسبيا بطلا بعد أن عزز رده الصارم على هجمات الانفصاليين شعبيته.

ولقد كان استهلال الزعيم الروسي لسياسة أدت فيها الحرب والقوة إلى شعبية في الداخل وهو طريق تم انتهاجه بشكل جيد في أوكرانيا والقرم والآن في سوريا.

(إعداد أحمد صبحي خليفة للنشرة العربية- تحرير عبد الفتاح شريف)

 

(جون لويد شريك مؤسس لمعهد رويترز لدراسة الصحافة في جامعة أوكسفورد حيث يعمل باحثا كبيرا. والآراء الواردة في هذا المقال هي آراؤه الشخصية

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...