الرئيسية / صفحات الرأي / اليسار السوري بين العفيف الأخضر وجورج طرابيشي/ وائل السواح

اليسار السوري بين العفيف الأخضر وجورج طرابيشي/ وائل السواح

 

 

يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن دور اليسار الجديد والمعارضة السورية في تلك المرحلة، من خلال تجربته الخاصة في ذلك اليسار وفي السجن. في هذه الحلقة، يكمل البدايات التي تلمسها في الحلقة السابقة “انزياح اليسار السوري” عن تشكيل “الحلقات الماركسية” والدور الذي لعبه العفيف الأخضر وجورج طرابيشي في تكوينها.

فتنني أحمد جمّول بشخصين عرّفني إليهما، ساهما أيضاً في تغيير مسار حياتي. الشخصية الأولى سيدة فاتنة ستصبح زوجته بعد سنة أو اثنتين: وفاء تقي الدين، سليلة أسرة دمشقية عريقة وثرية، تركت أسرتها وتراثها الدمشقي وأحبت رجلاً اسماعيلياً فجاً من الريف الصحراوي، بقساوته وجلافته، وفوق ذلك كان مريضاً بالسلّ. بيد أن في الرجل سحراً لا يقاوم. واليوم بعد خمسة وأربعين سنة، أحاول أن أجد سرّ السحر الذي كان في هذا الرجل فلا أستطيع.

الشخصية الثانية كانت رجلاً أشد فجاجة وبدائية من أحمد جمّول نفسه، رجلاً جاء كالعاصفة من تونس، فأقام في دمشق أشهراً تركها بعدها وقد تغير كلّ شيء لدى اليسار السوري: المثقف والمفكر التونسي الأبرز العفيف الأخضر. جاء العفيف كالعاصفة ونسف كل أفكاري عن ستالين ولينين وحتى ماركس وإنغلز. كان الرجل عاصفاً في كل شيء: في ثقافته، وتجربته، وسلوكه اليومي، وشجاعته الفائقة. لم يكن يعبأ ببناء وشائج علاقة زمالة أو صداقة مع أحد، أو بمهادنة أحد. وحين ترجم البيان الشيوعي لم يتردد في وصف ترجمته بأنها “أول ترجمة عربية غير مزورة” وهاجم– ربما ليس من دون وجه حق– كل الترجمات السابقة. كنا ننظر إلى الرجل بانبهار، ونتأمل كلّ أفعاله وأقواله بإعجاب يشوبه الخوف وقليل من الانزعاج.

لم تتقاطع سبلنا مرة ثانية قبل عام 2007، حين التقيته في “مؤتمر رابطة العقلانيين العرب” في باريس. كان الرجل قد هرم ومرض وتداعى، ولكنّ روحه الثورية العنيدة والمكابرة لم تهن وعزيمته وفجاجته وجرأته لم تتراجع. جرأته كانت تتبدى أكثر من غيره في عدم التمسك بأفكاره حين يكتشف أنها لم تعد صالحة، فالماركسي الفوضوي المجالسي العنيف انتقل إلى مواقع فكرية أخرى، أقلّ تشدداً وأكثر ليبرالية، وحين رحل عن ديارنا كان يركز على ما يلي: نبذ المواطنة السالبة (الرعية) وتأسيس المواطنة الموجبة التي تشدد على المساواة المطلقة بين المواطنين، الفكر النقدي الذي ينتقل بالعقل من المسلَّم به إلى المناقَش فيه؛ قطيعة جارحة مع التراث والتأسيس للفكر الحداثوي القائم على اكتشاف كروية الأرض ونظرية التطور واللاشعور.

لعب العفيف الأخضر دوراً محورياً في زعزعة قناعات اليسار العربي، وجاءت زيارته دمشق قبيل حرب 1973. كانت هزيمة حزيران لا تزال متعمشقة على جدران أرواحنا، وكتب سعد الله ونّوس حفلته السامرة من أجل 5 حزيران، وكتب علي الجندي ديوان “الحمى الترابية”، وكتب إميل حبيبي “سداسية الأيام الستة”، وكتب ممدوح عدوان “كيف تركت السيف”، وكتب حليم بركات روايته “عودة الطائر إلى البحر”. ثمّ جاء أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام ليعلنا قطيعتهما مع الأنظمة “الوطنية التقدمية” التي خسرت البلاد وظلمت العباد.

“إيه يعني لما يموت مليون

أو كلّ الكون

إيه يعني في العقبة جرينا

ولا فِ سينا

هي الهزيمة تنسينا

إننا أحرار؟

ايه يعني شعب فِ ليل ذلة

ضايع كله

دا كفاية بس أما تقول له .. إحنا الثوار”

“لا تصدّق كل ما يقوله العفيف”، قال لي أحمد جمّول، “ولكن صدّق ضرورة استخدام معول الهدم في كلّ ما تؤمن به حتى الآن، قبل أن تبدأ ببناء جديد، سليم، ومعافى”.

كنّا في خمّارة فريدي، أجمل خمّارات دمشق التي صمدت حتى أزالتها خطب الجمعة وضغوط الإسلاميين السوريين على حكومة الأسد. كانت خمّارة فريدي غرفة مستطيلة الشكل، فيها صفان من الطاولات الصغيرة وحول كلّ منها أربعة كراس من القش. أبو جوزيف، صاحب الخمارة، يقدم فقط الكحول والبليلة والموالح. تطلب كأس العرق أو زجاجة البيرة، ثمّ تطلب أخرى وأخرى، فتصطفّ الزجاجات أو الأقداح كلها على طاولتك، ثم تدفع عند النهاية وفق عددها. ولدى أبو جوزيف دفتر للذين لا يدفعون حسابهم، يسجل فيه الدين إلى يوم الفرج. حين مات أبو جوزيف تخلّى جوزيف عن الدفتر وما عاد يقبل إلا نقداً. وجوزيف كان ضخماً، ولا يشرب كما كان يفعل أبوه، لكي يخيف من يطلب عرقاً وليس في جيبه ثمنه.

جاء العفيف، إذاً، كإعصار كاسح، كنس عنا كلّ ما تبقى من أوهام متعلقة بالأنظمة “الوطنية التقديمة” وأنظمة “الديموقراطية الشعبية”، ونسف بصورة خاصة أوهامنا حول “التطوّر اللارأسمالي”. عام 1964، ابتكر منظِّر الحزب الشيوعي السوفياتي في عهد بريجنيف ميخائيل سوسلوف نظريته العبقرية حول طريق «التطور اللارأسمالي» وإمكان التحول نحو الاشتراكية بقيادة القوى «الديموقراطية الثورية» المتحالفة مع الاتحاد السوفياتي. وسرعان ما انعكس ذلك على الشيوعيين العرب (وفي مقدمهم الرفيق الأمين العام) الذين نحّوا خلافاتهم مع الأنظمة القمعية، وسعوا إلى عقد تحالفات “استراتيجية” معها من أجل بناء الاشتراكية من دون المرور بطريق الرأسمالية. وفي ظلّ هذه النظرية دخل الرفيق الأمين العام مع حافظ الأسد في “جبهة وطنية تقدمية”، ودخل سكرتير الحزب الشيوعي العراقي عزيز محمد مع البعث العراقي في “جبهة قومية تقدمية”. ولم يشعر الأخير بأي خجل وهو يصف الطاغية صدّام حسين بأنه “كاسترو العراق”.

ولكن الصفعة الكبرى كانت في حرب تشرين. كنا على وقع أغنية “خبطة قدمكن ع َالأرض هدّارة” لفيروز وأخبار “مونت كارلو” ننتشي بإعادة الصاع لإسرائيل صاعين أو ثلاثة. ولكن أياماً قليلة فقط كانت جديرة بأن تجعلنا نصحو من نشوة التمني، على وقع الواقعة: أراض جديدة احتلت، وانضم الوافدون إلى نازحي 1967 ولاجئي 1948.

شخصياً، ثلاثة من أخوتي كانوا على جبهات القتال: فراس وسحبان وبشار. سحبان عاد إلى حمص مثخناً بجراحه بعد أن أطاح صاروخ إسرائيلي بدبابته. كان لونه أسود بالكامل وقد رشم بشظايا الصاروخ في كل مكان من جسده. بعض هذه الشظايا لا يزال إلى اليوم في رقبته.

نقل أحمد جمّول إلى مشفى الأمراض الصدرية في دمشق. وفي إحدى زياراتي له، كنا نسير في حديقة المستشفى، حين قال لي:

“ثمّ ماذا؟ هل ما زلت تراهن على الحكومات البورجوازية الصغيرة؟” لم تكن حكومة الأسد الأب قد تحوّلت بعد إلى رأسمالية طفيلية فاسدة عملاقة، كما حدث في التسعينات والألفية الجديدة.

“لا. أعتقد أن هذه الأنظمة لن تقوم بتحرير الأوطان ولا بناء الاشتراكية”.

قال، وهو يبتسم ابتسامة خبيثة: “لقد بدأنا مشروعنا الخاص”.

“أي مشروع؟” سألت.

“الحلقات الماركسية”.

كانت تلك المرة الأولى التي أسمع فيها بهذا التعبير. لم تكن ظاهرة الحلقات الماركسية جديدة تماماً، فقد بدأت تتشكل بشكل عفوي بعد حرب حزيران وانزياح اليسار السوري. تشكّلت الحلقات من قوميين عرب واشتراكيين عرب وبعثيين منشقين وشيوعين ناقمين على الرفيق الأمين العام ويساريين لم يكن لهم انتماء سياسي سابق، قرأوا ماركس وتروتسكي وإيريك فروم واسحاق دويتشر، واكتشفوا عالماً ماركسياً بعيداً من لينين وسوسلوف والعلماء السوفيات ومنشورات دار التقدم. وبدأت وقتها مجلة تلعب دوراً هائلاً في تكوين تيار يساري جديد في المنطقة هي “دراسات عربية”، التي كانت تصدر عن “دار الطليعة”، بعد أن رأَس تحريرها المثقف السوري البارز جورج طرابيشي.

شخصياً، أدين بالكثير، ومثلي كثيرون من أبناء جيلي، لجورج طرابيشي، فقد كان مدخلي إلى الفكر الماركسي غير الأرثوذكسي، خارج كتب «دار التقدم»، وكان مدخلي إلى عالم فرويد الثري، ومدخلي إلى فهم محمد عابد الجابري من دون تأليهه. منه تعلمت نقد الفكر الديني ونقد الفكر القومي ونقد الماركسية ونقد النقد. وتعلّمت منه أن الماركسية ليست بالضرورة ماركسية- لينينية، وأن الاتحاد السوفياتي لا يمثّل بالضرورة تجسيد الماركسية على الأرض، وأن خالد بكداش ليس معصوماً عن الخطأ كالأنبياء. ومن مجلة “دراسات عربية” تعلمت، حين كان يرأس تحريرها، أنه إضافة إلى كارل ماركس ولينين، هناك أيضاً تروتسكي ولوناتشارسكي وكارل لايبنخت وروزا لكسمبورغ وإريك فروم وهربرت ماركوز. ومنه تعلمت أن الياس مرقص وياسين الحافظ ليسا هرطوقين، بل هما مجدّدان مبدعان في الفكر الماركسي. ومنه تعلمت أن ما قاله ماركس ولينين ليس مقدساً، بل هو حديث بشر يقبل الخطأ والصواب والتطوير. وأثناء رئاسة تحريره مجلة «دراسات عربية»، آثر طرابيشي المواجهة في مجال الفكر على الانسياق وراء السائد. وفي الوقت الذي كان الأدب الماركسي- اللينيني- الستاليني قد بلغ أوجّه في ظل حكم بريجنيف للكرملين، وهيمنة «العلماء» السوفيات على الفكر اليساري في العالم عموماً والعالم العربي خصوصاً، نشر طرابيشي (وكذا فعلت «دار الطليعة» التي كان له فيها رأي مسموع) مقالات لأمثال المفكرين السوريين البارزين الياس مرقص وياسين الحافظ، كما نشر عنهما وعن فكرهما، مفسحاً المجال أمام رؤية مختلفة للفكر الماركسي، قادت كثراً من أبناء جيلي إلى الخروج عن قيود الأحزاب البكداشية التي كانت مهيمنة على الفكر اليساري في الخمسينات والستينات ومنتصف السبعينات. وبدأنا نرى في رياض الترك وعمر قشاش صاحبي رؤية مشروعة، لا مجرد «خائنين» للحزب وللاتحاد السوفياتي «العظيم».

جورج، بهدوئه ولطفه ودماثته وأسلوبه الماتع، كان نقيض العفيف الأخضر العاصف الصاعق الذي كان يبول في شوارع دمشق وبيروت وباريس، ويشتم رفاقه قبل خصومه، ويرفض أن يجامل أحداً على حساب قناعاته. على أن الرجلين لعبا دوراً في تأسيس تفكير سياسي جديد رفد ما سمي وقتها الحلقات الماركسية.

إنما من ماركس الشاب وإنغلز الشيخ وبليخانوف ولينين ما- قبل “ما العمل” وتروتسكي وإريك فروم وهربرت ماركوزه وجورج طرابيشي والعفيف الأخضر نهلت شلل من الصبايا والشباب السوريين في مختلف المحافظات السورية من دون تنسيق مسبق أو أي تصور لعمل مشترك.

ثماني حلقات تشكلت بشكل عفوي في دمشق وحلب واللاذقية وحماة ودير الزور والسلمية والغاب، إضافة إلى حلقة عسكرية ضمّت عدداً صغيراً من ضباط سوريين شرفاء.

أكبر الحلقات كانت حلقتي حماة واللاذقية، ومعظم كوادرهما جاؤوا من بقايا حركة الاشتراكيين العرب (سواء بقايا أكرم الحوراني في حماة أو تلامذة وهيب الغانم في اللاذقية). أبرز كوادر حلقة حماة كان يوسف البني وشقيقه أكرم وأمجد كلاس ونهاد نحاس. أما أبرز كوادر اللاذقية فكان فاتح جاموس– الذي سيلعب دوراً مركزياً في تشكيل رابطة العمل الشيوعي وقيادتها– وكامل عباس ووجيه غانم. حلقة السلمية أسسها أصلان عبد الكريم الشركسي وهو من حركة القوميين العرب ومعه المناضل الفوضوي علي صبر درويش وحسن زهرة. وساهم القوميون العرب أيضاً في تشكيل حلقة دير الزور وفي مقدمهم عبد الله طعمة وزياد مشهور. في جامعة دمشق، برز طالب الطب المتحمس هيثم العودات (الذي سنعرفه لاحقاً باسم هيثم منّاع)، أما في جامعة حلب فكان أهم الكوادر هناك محمد المعمار.

في الجيش تشكلت حلقتان: واحدة للضباط المجندين كان من بين كوادرها أحمد جمّول ومصطفى خليفة (الذي سنعرفه لاحقاً مؤلفاً لكتاب القوقعة)، وعبد الملك عسّاف الذي رحل قبل سنوات في دير الزور الداعشية، ثم حلقة الضباط العاملين التي أسسها العميد صلاح الدين سليمان والمقدم خضر جبر والرائد مصطفى معتوق والملازم أول طارق شبيب.

وسألت أحمد: “ماذا تعني الحلقات الماركسية؟ وماذا ستفعل؟ كيف ستغيّر؟”.

كان أحمد يسعل بقسوة ويهتز بكل جوارحه وهو يقذف الدم خارج صدره.

“سنتحدّث أكثر بعد أن أخرج”.

كنت أخشى ألا يخرج، ولكنه فعل. انتصر على السلّ، وظل يدخن ويأكل طعاماً سيئ الصنع، إلى أن تزوّج أخيراً من وفاء. وانتقل معها إلى ملحق في حي دمشقي وسط المدينة. وفي الملحق، هيأت وفاء عشاء دمشقياً، من بيض مقلي وجبن وزيتون وخيار وبندورة، وجلسنا نتحدث.

الحلقات تركز على سلسلة من المواضيع التي تتغافل عنها الأحزاب الشيوعية: مسألة البيروقراطية في الأحزاب الشيوعية، الجانب الإنساني للماركسية، المسألة القومية، قضية فلسطين، المسألة الكردية وقضية الأقليات عموماً، نمط الإنتاج الآسيوي، المرأة. ولكن أهم من ذلك كانت مسألة التعامل مع البورجوازية الصغيرة والأنظمة الوطنية التقدمية.

كان البيض لذيذاً كعادة وفاء الجميلة الأنيقة. وكان العرق جيداً. خرجت من ملحق أحمد ووفاء إلى قبوي في الشيخ محي الدين، وأنا أحاول أن أستوعب الحلقات الماركسية. وفي رأسي كان يدور سؤال واحد: “وماذا عن الرفيق الأمين العام؟”.

يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن دور اليسار الجديد والمعارضة السورية في تلك المرحلة، من خلال تجربته الخاصة في ذلك اليسار وفي السجن. في هذه الحلقة، تلمس لبدايات ما سوف يسمّى “الحلقات الماركسية” التي أدت إلى ولادة “رابطة العملي الشيوعي في سوريا”.

درج

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...