الرئيسية / صفحات الرأي / اليمين الشعبوي: حقاً كنا متدينين/ أنسلم نيفت

اليمين الشعبوي: حقاً كنا متدينين/ أنسلم نيفت

 

 

ترجمة: موريس عايق

هذا النص هو ترجمة موريس عايق لـ مقال أنسلم نيفت، الذي يناقش فيه مسألة إمكانية محاورة اليمين المتطرف -والكاتب نفسه كان يمينياً متطرفاً في شبابه- وذلك عبر عرض العناصر الأساسية المُشكلة لصورة العالم لدى اليمين المتطرف، التي تحكم بدورها سلوكه تجاه مثل هذه الدعوات.

انتهى الكتاب، المصنّف كـ «بيست سيلر» في ألمانيا، التحدث مع اليمينيين، لبير ريو وماكس شتاينبايس ودانييل-باسكال تسورن، إلى دعوة حوار موجهة لليمينيين الموصوفين في الكتاب: المؤلفون، الذين لا يصنّفون أنفسهم كيساريين، بل كـ «غير يمينيين»، يرحبون بفتح حوار «متحضر» مع اليمينيين، صارمٍ في حِجاجه، لكن دون أحكام مسبقة، والتي –بحسب أطروحة الكتاب- تشكّلُ الإطار «الأخلاقوي» اليساري عن اليمين. «إننا نثق، أن نقاشاً عقلانياً بين أشخاص عقلانيين سيقوم بذاته»، يقول مؤلفو الكتاب وهم ينظرون إلى اليمينيين.

على الجانب الآخر، لن يكون «النازيون الجاهزون للعنف» معنيين بهذه الدعوة، كما ستقرأ في بداية الكتاب. هؤلاء يتكفل بهم، ودون شك، جهاز حماية الدستور أو الشرطة أو أنتيفا1. المعنيون بهذه الدعوة هم اليمينيون الذين يمكن الكلام معهم، أي الذين يقبلون بالحد الأدنى من الحوار- يمينيون كما كنت أنا لفترة طويلة من الوقت خلال دراستي الجامعية.

في بداية التسعينيات عندما بدأتُ دراستي الجامعية للتاريخ وعلم الأديان المقارن في جامعة بون، كوّنتُ علاقةً مع مجموعة من الشبان الذين اهتموا بالوثنية الحديثة والتنجيم والشيطانية. رفضوا، مثلي، ما يسمى الحساسية الأخلاقية العالية وعقلية القطيع السائدة عند الغالبية، ونظروا إلى التنوير بوصفه تشويشاً. غالبيتهم (وكذلك أنا) لم تكن لديهم مطالب سياسية محددة، ولم يذهبوا إلى الانتخابات مطلقاً، ولكن رأوا أنفسهم يمينيين على أي حال.

كان لدي صلة قوية مع زميل سابق من فالدورفشوله2. كان عضواً في كنيسة الشيطان، وينظر إلى المسيحية باعتبارها ديانة عبيد. وهذا ما أبهجني بشكل خاص لكوني تلميذاً يسوعياً سابقاً. الزميل كان صغير الحجم، ذو شعر طويل يربطه على الغالب كجديلة، يرتدي نظارات نيكل3، وجاكيت جينز أسود، وعلى عنقه مطرقة صغيرة لإله الرعد الجرماني، ثور. لقد بدا وكأنه مزيج من الوثني والهيبي و«هملر»4.

نخبوية تلفيقية

لقد عملنا سوية على مسودة أول عمل باللغة الألمانية حول الشيطانية، لكنه فقد لاحقاً الوقت والاهتمام، لأنه أصبح رئيس تحرير مجلة يمينية متطرفة. وقد دعاها الثورة الثقافية. لقد كنا على اتصال مع مجموعة وثنية تقوم بلقاءات منتظمة، وأصبحنا أيضاً نلتقي من وقت لآخر مع يمينيين متطرفين منظمين، من بينهم أعضاء في شترومفوغل/ طير العاصفة (منظمة شبابية يمينية متطرفة انشقت قبل وقت قليل عن شبيبة الفايكنغ النازية الجديدة) وحزب العمال الألماني الحر (حزب صغير، تم منعه عام 1995 لاستخدامه شعارات نازية).

قرأنا نيتشه، وأعمال الفيلسوف الفاشي يوليوس إيفولا (Julius Evola)، والجنس والمخدرات للمنجم أليستر كرولي (Aleister Crowley)، والمفكر الفرنسي الرجعي آلان دو بنوا5 (Alain de Benoist)، وأيضاً العمل الكلاسيكي في نظرية المؤامرة، الجماعات السرّية وسلطتها في القرن العشرين، ليان أودو (Jan Udo)، الذي جُمِعَ من السوق في ألمانيا بين عامي 1996 و2001 بسبب العداء للسامية. احتفينا بالنخبة الجيدة، بالهوية الثقافية والمعادية للعولمة في الوقت ذاته، بالشعب الجديد والبلاك ميتال، بحق الأقوياء ودمار الليبرالية المادية وعودة ألق الوثنية القديمة وأساطيرها.

لو أن أحدهم اعتبرَ وقتها أن أفكاري يمينية متطرفة أو فاشية، لأجبته: «أنت تعتقد هذا». لقد شعرتُ أن أفكاري يتم تأكيدها بشكل أكبر، كلما كان ردُّ فعل مُواجهيَّ أكثر هيستيرية. بنيت نظرتي عن البشر باعتبارهم كائنات عنيفة، دونما أمل بعلاجها، وأن العالم مسرح لمواجهة أبدية. وبشكل خاص اعتبرتُ أن أكثرهم عنفاً هم الذين يرغبون بالقضاء النهائي على العنف، والذين يرون في من هم مثلي منبع كل الشرور.

العنف يقف في مركز صورة العالم

ما اعتبره الآخرون شراً، حملَ بالنسبة لي قيمة في حدّ ذاته: رأيتُ فيه جزءً من الواقع الذي لا يرغب الضعفاء، ببساطة، إدراكه. لم اعتبر نفسي يمينياً متطرفاً أو شيطانياً قبل كل شيء وعلى مدار الساعة، بل اعتبرتُ نفسي روحاً حرة. وجدتُ في هتلر والهولوكوست حماقة، حتى عندما استخدمتُ أحياناً «الرايخ الثالث» لغاية الاستفزاز ضمنياً. لقد تبنيتُ أشكالاً مخففةً من الفاشية، مثل سيادة النخبة، كما اعتقدتُ أني تعرفت إليها في جمهورية أفلاطون. ولكن لم يكن من الممكن الكلام حول مثل هذه الأشياء مع غالبية الناس.

لم أبحث أصلاً عن مثل هذه النقاشات. خلف هذا الموقف كمنت ازدواجيةٌ ما: متعةٌ في ألا أكون مفهوماً، تَرفّعٌ نخبوي. إذا اعتبرَ أحدهم تعبيراتي في الحلقات البحثية معاديةً للنساء أو عنصرية، لاعتبرتُ هذا بلاهة، ولكن لم أدافع عن نفسي إلا نادراً. لقد اعتبرتُ الرجال والنساء متساوين في القيمة، ولكن ككائنات مختلفة بشكل أساسي: فالنساء يحققن أنفسهن في مجالات مغايرة لتلك التي يحقق الرجال فيها أنفسهم. لهذا لم أكن بنظر نفسي معادياً للنساء، ولكن كما سَميتُ هذا الموقف، نسوية الاختلاف.

سابقاً وثنية محدثة، واليوم مسيحية-غربية

وبشكل مشابه اعتبرتُ نفسي «معادياً للعنصرية مناصراً للاختلاف» (differentialistischer Antirassist) (دو بنوا): كنت أدعي عدم وجود اختلاف تفاضلي (تراتبي) بين الثقافات، لكن على المرء ألا يخلط بينها كثيراً. ففي حدود هوية ثقافية مستقرة فإن المكسيكي ينتمي للمكسيك والتركي لتركيا، لأرض أسلافه ولغته الأم وروح شعبه. لم تكن الصورة المعادية للإسلام موجودةً في بداية التسعينات لدى العديد من اليمينيين المتطرفين، بل على العكس، فانطلاقاً من تصور المستشرقة اليمينية المتطرفة زيغرد هونكة6 (Sigrid Hunke)، حلمنا بمحورٍ معادٍ لليبرالية بين أوروبا بوثنيتها المحدثة والخلافة في الشرق الأوسط. لقد وافقنا مباشرة على ملاحظات ولبيك في الخضوع7، حول التقارب الإيديولوجي الكبير بين اليمينيين المتطرفين والإسلاميين. فقط بعد باريس لم يعد «المحمديون» ينتمون «إلينا»8.

وحين غدا اليمين الجديد ينظر إلى الإسلام باعتباره العدو بشكل متصاعد، معتبراً الغرب اليهودي-المسيحي شيئاً قيّماً يجب الحفاظ عليه، فإن قسماً آخر من اليمين المتطرف أُصيب بالدهشة. فحتى ذلك الوقت تبنى كثيرون الرأي القائل بأن المسيحية بأخلاق الأنا الأعلى (Über-Ich-Moral) المساواتية الخاصة بها كانت أصل الانحطاط الأوروبي. غير أن ازدياد الانحياز المعادي للإسلام كان استراتيجية ذكية لكسب جزء كبير من البرجوازية في المركب، واكتسب بذلك أهمية متزايدة.

ثمة فرقٌ آخر بين اليمين الجديد المبكر، الذي عرفته، والمتأخر: لم يكونوا قد طوروا حالة الضحية- «من المسموح للمرء أن يقول هذا». بالطبع تختلف نظرتنا بشكل كبير عن تلك التي تحملها الغالبية، فهي مستفزة ومقلقة وشريرة. لكننا لم نكن ننتظر أي منصة أو حتى تصفيق. فقد وقفنا، مع ما نصحنا به يوليوس إيفولا في امتطاء النمر: تسريع ما يظهر من علامات نهاية الحداثة المنحطة، عوضاً عن النضال ضدها. سيأتي على نفسه من ليس لديه جوهر كافٍ. لهذا فإننا لم نضع كل غير اليمينيين في السلة نفسها. فقد ميزنا وقدّرنا الماركسيين الحازمين أكثر من «اليسارين الثقافيين» المداهنين للإستبلشمنت. لقد لعبنا «اللعبة اللغوية9 اليمينية»، مثلما قُدِّمَت في التحدث مع اليمينيين، ولكن بشكل مقيد جداً، ولكن عليَّ أن أقول: لقد كنا يمينيين.

معانقة اللاعقلانية

لم أكن مدركاً أن وجهات نظري السابقة وبشكل كبير غير عقلانية أو حتى غير متسقة برهانياً وحسب، بل كنت أرى في هذا قوةً أيضاً. إذ اعتبرتُ التأكيد المبالغ به على العقل، والقادم من التنوير، ليس إلا طريقاً مسدوداً. بالطبع لم يمنعني هذا من محاولة المحاججة المنطقية من وقت لآخر، أو تبجيل دولة أفلاطون باعتبارها طرحاً عقلانياً لشكل نظام اجتماعي. لقد كنتُ استدعي العقلانية طالما كانت تناسب العدة الإيديولوجية. مرة أتى زميل إليَّ مُحيلاً إلى كانط وعمومية حقوق الإنسان، والتي تنتج بشكل إجباري من خلال الاستخدام المنضبط للعقل. هززتُ رأسي وقدمتُ له بعد أيام قليلة اقتباس من عمل كانط مراقبات حول شعور الجمال والرفعة: «زنوج إفريقيا، بحكم الطبيعة، ليس لديهم شعور يتجاوز السخافة. السود عبثيون، ولكن على طريقة الطبيعة الزنجية، وثرثارون، بحيث أنه يجب إبعادهم عن بعضهم البعض بالضرب».

مطالبة كانط بأن يتبع المرء عقله الخاص ليحرر نفسه من قصوره، أُفرغت من قبل نيتشه عندما سأل بلسان زرادشت (الفصل 28): «حرّ من ماذا؟ ما همُّ زرادشت في هذا؟ بل لتقل لي نظرتك بوضوح: من أجل ماذا؟»10. نيتشه صاغ هنا عطب التنوير: هل يتوجب عليَّ حقاً أن أحدد لنفسي القواعد والاتجاه؟ أن أفحص كل شيء بنفسي؟ فعلام أبني حياتي، عندما لا تكون الحقائق والمعطيات حقائق صالحة بشكل أبدي، إنما يمكن اعتبارها توجيهات مؤقتة، تقتصر صلاحيتها فقط ضمن حدود ما يمكن لنا معرفته (انظر كانط)، أو داخل الظرف التاريخي (انظر هيغل) او داخل لعبة لغوية (انظر فيتجنشتاين).

عدمية ما بعد الحقيقة

يشعر البعض بعدم اليقين أكثر من كونهم مُحرَّرين، وذلك بسبب مطالبات التنوير والنسبوية المتزايدة لديهم. وبعضهم يستخدم عدم اليقين هذا وما يبدو أنه إمكانيات لا متناهية لتفسير العالم (كل شيء ممكن – المترجم) بشكل إبداعي، لتشكيل حقائقهم الخاصة: الإيمان المنتزع من العدمية. وبما يناسب هذا، يصيغ الناشر اليميني المتطرف غوتس كوبيتشك (Götz Kubitschek) الموقف في Tristesse Droite11: «لقد تحقق هذا الآن، هل تفهم؟ الآن نأتي إلى حلبة السباق. هذه هي تماماً حلبة السباق الخاصة بنا، فلن يتوجب علينا أن نبرهن عقلانياً، لماذا هذا أو ذاك أفضل من هذا أو ذاك، بل فقط علينا أن نفرضه».

جلسات النقاش (المقدمة في Tristesse Droite – المترجم) هذه شديدة الثراء من أجل فهم مواقف وأمزجة اليمين المتطرف. عندما أقرأ نقاشاتها، أتذكر زملائي ونفسي خلال فترة الدراسة. لا يهم المتحدثين السبعة أن يخوضوا نقاشاً حول سياسة محددة. لا تهمهم توافقات السياسية اليومية حول مسائل مثل الضرائب والتقاعد والأجور مثلما كان الحال سابقاً. «الشعب» هو مضمون اعتقاد غامض ومبالغ فيه، تختبئ خلفه نظرة دونية للشعب الألماني الراهن. يجب أن يتشكل الجسد الحقيقي للشعب من الجموع المُمتَثِلَة، وذلك بواسطة القيادة الواضحة. المشاركون في Tristesse Droite أفاضوا في الحديث حول تحولهم باتجاه التصور اليميني: لم تلعب التحليلات السياسية أي دور. يدور الموضوع دوماً حول تحقيق وإثبات «الوجود في العالم» (In-der-Welt-sein): المرء يشعر بنفسه كنخبة، نخبة تثبت نفسها عبر رفض روح العصر والحنين إلى الأزمنة الذهبية المفقودة والاشمئزاز من الحشود.

بالطبع هم لا يرغبون بالحديث

بطبيعة الحال، لا يرغب اليمينيون المتطرفون بتحقيق العالم الأفضل من وجهة نظرهم، الإسلاميون يفتقدون لهذه الرغبة الفعلية أيضاً. هم يرغبون بقضاء حياتهم حالمين بماضٍ ذهبي مفقود، أو أن يخوضوا مرة أخرى المعركة النهائية المجيدة ليُهزَموا بمجد. الشعور بالخسارة وسقوط العالم هي عدة شغلهم. مثل شهود يهوه، يحاجج اليمينيون المتطرفون انطلاقاً من حقائق إيمان نهائية وغير قابلة للبرهنة.

لقد تمت إضاءة هذا بشكل واضح في الحديث مع اليمينيين. في الآن ذاته، وبالنسبة لليمينيين المتطرفين المقتنعين، فإن دعوة الكتاب «غير المعقولة»، والساخرة إلى حدٍ ما، إلى حوار «عقلاني» ومتحضر، ستكون مجرد دعوة مزيفة. النبهاء في اليمين المتطرف يعرفون منذ عقود ما الذي عليهم أن يعتقدوه تجاه مثل هذه الدعوات. إن كان عليهم أن يسلموا بالبراهين الأفضل والمقاربات السياسية المنبثقة عن حوار متكافئ ومُعلَّل منطقياً، عندها سيكونون بالأحرى إنسانيين. «هدفنا ليس المشاركة في الحوار، بل وضع نهاية لهذا الإجماع. نحن لا نريد أن نتحدث معكم، بل نريد لغة أخرى» يقول مارتين زيلنر (Martin Sellner)، رأس حركةIdentitäre Bewegung 12، في فيديو مستقبل لأجل أوروبا، يوافقه المتحدث الذي يليه: «نحن لا نريد مكاناً في الصالون، بل نريد نهاية الحفلة».

اليمينيون المتطرفون لا يؤمنون بالحِجاج، بل بالقوة، القوة التي تؤسس نفسها بنفسها. ولهذا ربما يبجل كثيرٌ منهم سراً العناد الذي يظهره دانييل-باسكال تسورن، أحد المؤلفين الثلاث لـ التحدث مع اليمينيين، على فيسبوك بوصفه مجادلاً صعب المراس. فهو المحاجج المثير للجدل الذي لن يدع النقاش يهدأ حتى يمسك خصمه متلبساً بمغالطات ومواقف غير مبرهنة، وذلك بفضل ولعه بالتفاصيل. وهذا ما لا يطيقه سوى الناس الذين لديهم قدرٌ كبيرٌ من الوقت والرغبة والثقافة. الآخرون لن يفهموا شيئاً من argumentum ad baculum13. إن هذا الأسلوب نفسه يبدو وكأنه «حق الأقوياء»، لكن هذا بدوره يبدو أيضاً وكأنه ولعٌ بالتفاصيل.

يقدّمُ التحدث مع اليمينيين مداخل لممارسة خطابية متغيرة، أشدُّ تعقيداً من خطاب تسورن على فيسبوك، وهذه المداخل أكثر فائدة من محاججة أخلاقية مكتفية بذاتها، وهو ما يرفضه المؤلفون. قوة الكتاب تتجلى، قبل كل شيء، في وجهة النظر، أن اللعبة اللغوية الأخلاقية (الأنا الأعلى) (das Über-Ich)، واللعبة اللغوية اليمينية المضادة (الهو) (das Es) تخدمان بعضهما بشكل جيد، تُصعدان ضد بعضهما بعضاً، غير أنهما تشكلان دوماً زوجاً، لا يكون أي منهما تاماً دون الآخر. ولهذا فعلى المرء ألا يغفل عن أن استخدام لعبة لغوية أخرى، أو التوسل بقدرة تفسيرية أعلى لمنطق ما، يهدف بدوره إلى إلغاء أي تناقض، لن يكون حلاً للاعتقاد المعادي للإنسانوية عند اليمين. التصور التنويري عن العقلانية والحوار البرهاني هو تحديداً ما يسمه اليمين بالانحطاط. اليمينيون المتطرفون، في الجوهر، متدينون، ويضعون عالمهم الشعوري الذاتي فوق البرهان.

الصداقة الإنسانية وحدها ما يساعد

حتى خلال فترة دراستي، لم تؤثر الصرامة المنطقية عليَّ إلا بشكل محدود. لم أكن أكترث إن حاول أحدهم أن يحشرني في الزاوية على أساس حجة أخلاقية، أو جرب أن يدفعني إلى الحائط على أساس برهاني، إذ لطالما اعتبرتُ هذه الأساليب من إظهار التناقضات نوعاً من العنف، ولهذا فقد نظرتُ إليها كإثبات لقناعاتي اليمينية: العالم ليس سوى مسرح للحرب، والأقوياء يستطيعون فرض أنفسهم.

ما أخرجني من هذا المفهوم لم يكن القوة أو الصرامة، بل الصداقة الإنسانية. ففي إحدى المناسبات، وبعد أن قدمتُ عرضاً حول مفهوم الدين السياسي لدى إريك فوغلينس (Eric Voegelins) والفاشية التي عرضتها بالحدود الدنيا، خاطبني المعيد قائلاً: «أجد من دواعي الأسف أن شخصاً ذكياً مثلك يقدم وجهات نظر رجعية ومروعة بهذا الشكل». لم يكن مقصده موقفاً أخلاقياً، بل كانت ملاحظته مخلصة واستهدفتني بوصفي شخصاً مُقدَّرَاً. لم يقيمني المعيد، ولم يكن يعنيه أن يكون محقاً من خلال البراهين: لقد بدا وقد صُدِمَ بشكل صادق، وربما كان يهتم بأمري. لقد شعرتُ بأني مُسِستُ بشكل خاص، رغم أني اعتبرتُه خاسراً. سألته باهتمام حقيقي حول ما هو المروع في وجهات نظري الرجعية. لم يجب، وكنت لذلك مرتاحاً وحزيناً في الوقت ذاته.

النضال ضد اليمين المتطرف يصيب كل واحد منا

تخليَّ عن اعتقادي اليميني لم يأتِ نتاج لمناقشة. لقد أتت النهاية عندما أحببتُ بشكل مهووس. لقد عشقتُ امرأةً كنت بالكاد أعرفها، وقد حصل الأخطر: لقد دخلنا في علاقة. وقد عانيتُ بعد فشل العلاقة، إذ انهار تدريعي بفرقعة مدوية، لم أزل أسمع صداها إلى اليوم. خلال العلاج الذي بدأته، أعدت فحص حياتي وصورتي عن نفسي بشكل جذري. لقد واجهتُ عُقَدَ نقصي، وعدم ثقتي العميقة تجاه البشر، وخيباتي ومخاوفي غير المعترف بها، هذه كلها أخفيتها وراء فانتازيا القوة. لقد واجهتُ طفولتي المُجملة وتعريفي لذاتي، وتحديداً بمواجهة الذين سبق وأن أضروا بتطوري. بعدها فَقَدَت المواقفُ اليمينية دوافعَها بالنسبة لي.

اليوم، لا أرى في الوعظ الأخلاقي وسيلة فعالة لمواجهة القناعات والممارسات المعادية للإنسانوية، بل أراها في ممارسة مُحِبّة ومستمرة للأمانة والاهتمام، وقبل كل شيء تجاه ضحايا الهيجانات والممارسات العنيفة. أجد أيضاً وسيلةً فعالةً أخرى في الجاهزية لإدراك التوجهات الفاشية لدى أنفسنا نحن، ولدى بقية تيارات الشعب، والنضال ضد اليمين المتطرف وعدم تركه فقط لحركات تطوعية مثل أنتيفا أو جهاز حماية الدستور.

  1. اختصار لـ «العمل المعادي للفاشية» (Antifaschistische Aktion)، وهي تسمية تُطلق منذ الثمانينات على مجموعات يسارية متنوعة تناضل ضد النازية الجديدة والعداء للسامية والعنصرية والتيارات القومية واليمينية المتطرفة (المترجم).
  2. مدرسة فالدورف (Waldorfschule) تقوم على نظام تربوي أسسه رودولف شتاين (Rudolf Stein)، يهدف إلى تحقيق الحكمة، ويقوم على أساس من رؤية روحانية للعالم، تجمع عناصر من المثالية الألمانية والغنوصية والسرّانية المسيحية (المترجم).
  3. شكلٌ من النظارات التي اشتهرت بين المثقفين في السبعينيات، وكان أشهر من ارتداها جون لينون، وقد عَرَفَت بسببه شعبية كبيرة بين شباب جمهورية ألمانيا الديموقراطية وقتها (المترجم).
  4. هاينريش هملر، من قيادات الحزب النازي وقوات الأس الأس (المترجم).
  5. من الإسهامات النظرية المهمة لآلان دون بنوا، وخاصة في سياق هذا المقال، هو تمييزه بين الإيديولوجيات الشمولية وتلك المعادية للمساواتية. بالنسبة لدو بنوا فإن الإيديولوجيات الشمولية، مثل الشيوعية والاشتراكية القومية وحتى الليبرالية، تهدف إلى جعل كل البشر متساوين بلا تمييز أو فروق، فالليبرالية تهدف إلى تحويل الجميع إلى أفراد ذريين في عالم السوق. بالمقابل فهو يدافع عن موقف لا-مساواتي، لا يكون المرء فيه مجرد فرد مثل غيره، بل موجود في ثقافة وتراث وجماعة تميزه عن غيره وتحفظ له اختلافه، فالناس ليسوا متساوين، لأنهم ليسوا مجرد أفراد بل هم جزء من هويات ثقافية وحضارية متباينة. عدم المساواة لدى دو بنوا لا تحيل إلى لا-مساواة طبقية أو حتى قيمية (تراتبية) بل إلى الاختلاف وحق الحفاظ على هذا الاختلاف، المفهوم بشكل ثقافي وحضاري. وهذا ما يفترض أن يجعل الهوية الثقافية لدى اليمين الجديد ودو بنوا مختلفة عن مقابلتها لدى اليمين القديم، والتي ارتبطت بتراتبية عرقية ونزعة مُحارِبة (المترجم).
  6. زيغرد هونكة معروفة للقارئ العربي بكتابها شمس الله تشرق على الغرب (Allahs Sonne über dem Abendland)، الذي ترجم بعنوان شمس العرب تشرق على الغرب، وهي عضوة في الحزب النازي منذ عام 1937، وبين عامي 1940-1941 انضمت إلى فريق علمي تابع لقوات الأس الأس (SS). رفضت المسيحيةَ باعتبارها شرقيةً، وحتى يهودية غريبة عن المجتمع الألماني، وعوضاً عنها بحثت عن رؤية للعالم مستوحاة من التاريخ الأوروبي والأساطير الجرمانية. أثّرت هونكة على اليمين الجديد بأفكارها حول محورٍ معادٍ لليبرالية والتنوير والتقاليد اليهودية-المسيحية، يستدعي التراث الأوروبي ما قبل المسيحي، الوثنية المحدثة، ويتحالف مع الإسلام. إعجاب هونكة بالإسلام لا ينبع من «موضوعيتها» و«نزاهتها»، بل من أفكارها اليمينية المتطرفة حول محورٍ معادٍ للتنوير والليبرالية يكون الإسلام ضمنه (المترجم).
  7. رواية للفرنسي ميشيل ولبيك، تدور أحداثها في فرنسا 2022 مع ترشح محمد بن عباس لانتخابات الرئاسة، فيتحالف مع الاشتراكيين والقوى السياسية الأخرى لمنع وصول الجبهة الوطنية اليمينية إلى السلطة، مما يؤدي إلى ما يشبه الحرب الأهلية في فرنسا. ومع انتصاره في الانتخابات فإنه يعمد إلى تطبيق الشريعة وتأسيس حكم ثيوقراطي في فرنسا. في الرواية هناك شخصية بروفسور في السوربون يتحول إلى الإسلام، بعد أن كان في شبابه مقرباً لحركة المحافظة على الهوية اليمينية المتطرفة. وهو يعتبر أن اليمين المتطرف والإسلام يشبهان بعضهما بعضاً وبشدة، فكلاهما يؤكد على مركزية التقاليد والقيم الدينية والنظام الأبوي في مواجهة القيم العلمانية (المترجم).
  8. يحيل المؤلف هنا إلى ما بعد تشكيل حكومة إسلامية في باريس، كما في رواية الخضوع. فالنقطة الرئيسية في الرواية هي أن التقارب بين اليمين المتطرف والإسلاميين، والذي بدا طبيعياً خلال التسعينات، سينهار مع تشكيل الحكومة، فالمسلمون ورغم أنهم حلفاء في المحور المعادي للحداثة، ولكن أيضاً عليهم أن يعيشوا في خلافتهم وليس في أوروبا. لحظة تشكيل حكومة إسلامية ستجعل الأمور مختلفة تماماً، بحيث يصبح المسلمون الآخر، العدو (المترجم).
  9. يعود هذا المفهوم (Sprachspiel) إلى الفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتجنشتاين، والذي استخدمه في عمله أبحاث فلسفية، ويحيل إلى التعبيرات اللغوية التي تستخدم في سياق عملي محدد. تقوم الفكرة الرئيسية على أن ما يحدد معنى مفهوم ما هو استخدامه الصحيح عبر اتباع القواعد التي تضبط هذا الاستخدام، وهذه القواعد تشكل قواعد اللعبة اللغوية. يمكن مقارنة اللعبة اللغوية بلعبة الشطرنج، فنحن نلعب الشطرنج من خلال استخدام قطع الشطرنج وتحريكها (الكلمات)، ومعنى القطع وحركتها محكومة بالقواعد التي تحكم لعبة الشطرنج. على سبيل المثال، تمثل لغة علم الفيزياء، لعبة لغوية، فهي مضبوطة بقواعد تحدد معاني الكلمات التي نستخدمها وشروط استخدامها الصحيح، ولا يمكن لنا ممارسة علم الفيزياء (المشاركة في هذه اللعبة اللغوية الفيزيائية) دون أن نتعلم القواعد التي تحكم استخدامنا للكلمات في السياق العملي الذي يتمثل في هذه اللعبة اللغوية. النقطة الراديكالية لفكرة اللعبة اللغوية، وسيعود لها المؤلف لاحقاً في المقال، أنها تعارض فكرة وجود علاقة ضرورية ولازمة بين معنى المفهوم وما يحيل إليه، فعلي سبيل المثال معنى مفهوم «الطبيعة» لا يقوم على أساس من إحالته لموضوع خارجي «الطبيعة»، بل يتحدد في الاستخدام الصحيح لقواعد اللعبة اللغوية التي يُستخدم فيها، فمفهوم الطبيعة في اللعبة اللغوية للبيولوجيا مختلف عن ذلك المستخدم في اللعبة اللغوية القانونية، أو اللغة اليومية أو التقنية، وهلم جرّا (المترجم).
  10. فريدريك نيتشه، هكذا تكلم زارادشت. ترجمة علي مصباح، منشورات الجمل، 2007. فصل «عن طريق المبدع»، صفحة 127 (المترجم).
  11. الكتاب حصيلة لقاء سبعة منظرين من اليمين الجديد في ندوة استمرت على أربعة أيام، نظمتها دار النشر أنتايوس، دار نشر يمينية، ومعهد سياسية الدولة، مركزٌ بحثيٌ لليمين الجديد. خلال هذه الندوة عرض هؤلاء التصورات الأساسية لليمين الجديد حول العالم وعن نفسه (المترجم).
  12. هي مجموعة من الحركات والجماعات ذات التوجهات القومية الإثنية والثقافية، تؤمن بأن كل جماعة لها ثقافتها الإثنية التي تمارسها في مجالها الطبيعي المتمثل بأرضها ودولتها، وتنظر هذه الحركات إلى أوروبا بوصفها هوية ثقافية مغلقة تواجه خطر الأسلمة (المترجم).

الاهتمام والأمانة كوسائل لمواجهة اليمين

  1. باللاتينية، وهي مغالطة تقوم على استخدام القوة/السلطة لفرض النتيجة (المترجم).

موقع الجمهورية

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...