الرئيسية / صفحات الثقافة / بين غزة وسورية .. “كم أنت وحدك يا شعبي”/ غالية قباني

بين غزة وسورية .. “كم أنت وحدك يا شعبي”/ غالية قباني

 

ما كان محمود درويش ليضنّ بمقطعه الشعري هذا، على السوريين، ولم يكن ليمانع في أن يستخدم في تساؤلهم عن سرّ اهتمام العالم بحرب غزة وضحاياها، وقنوتهم من تجاهل يتعرض له الشعب السوري، حتى قبل أن يتسخ المشهد السوري بالسلاح والملثمين؟

لم يكن تعامل النظام مع الحراك الشعبي السوري ناعماً، قياساً بردود فعل إسرائيل مع الفلسطينيين، فقد سارع، ومنذ اللحظات الأولى للانتفاضة، بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، وانتقل سريعاً إلى ارتكاب المجازر بحق المدنيين، فاستهدف طوابير المخابز، حتى امتزجت دماء الضحايا بأرغفة الخبز التي حصلوا عليها بعد انتظارٍ طويل بسبب شحّ الطحين. فضحت الصور ومقاطع الفيديو إلقاء البراميل المتفجرة من الطائرات على أبنيةٍ سقطت على ساكنيها، وشاهد العالم أطراف جثثٍ متدليةٍ من الأنقاض، وأجساد أطفالٍ ونساءٍ ورجالٍ، تشوهت ملامحهم أحياء وأموات. الصور فضحت مصير أماكن سوّيت بأكملها بالأرض، في دوما وداريا وحمص وحلب وغيرها من مناطق سوريّة، وبدا المكان والإنسان، وكأنه في سيناريو سينمائي متخيل، عن يوم القيامة، غير أن كل ما وثق من الخراب والفجيعة لم يكن كافياً لهزّ ضمير العالم.

ليست قليلةً الأمثلة على تشابه الجرحين السوري والفلسطيني. لنأخذ مستشفيين يحملان الاسم نفسه تقريباً: “مستشفى الشفاء” في غزة، استقطب اهتمام الإعلام، وهو يعجّ بالضحايا، خصوصاً الأطفال. لكن العالم نفسه غضّ البصر عن القصف المتكرر لمستشفى “دار الشفاء” في حيّ الشعار في حلب، واستهداف المشافي الميدانية السورية التي تعجّ بالمصابين، في درعا وريف دمشق ومعرة النعمان وكفرنبل، ومشافي أورينت في أطمة، (أمثلةً لا حصراً)، واستهداف حتى طواقمها ومسعفيها وضحاياها الذين وصلوا إلى العلاج من قصف آخر.

وكما قصفت إسرائيل مدارس “أونروا” في غزة، قصف النظام مدارس سورية، وتسبب بالدمار والضحايا، كان جديدها مدرسة عين جالوت في حي المشهد في حلب، حيث قتل تلامذة صغار فيها، كانوا يحتفلون بمعرضٍ لرسوماتهم.

ما الفروق إذاً، التي جعلت الضحية الفلسطينية تحرّك تعاطف المتظاهرين في العالم، واهتمام المؤسسات الإعلامية، بينما بقيت الضحية السورية أسيرة صور ومقاطع فيديو تعرض على مضض، مع إيحاءٍ بعدم اليقين حيالها، وهي ترفق بعبارة: “لم يتمّ التحقق من صحتها”؟

ليس في الأمر حسد للضحية الفلسطينية، فهي كانت أول من ابتلي في المنطقة بالنكبات في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وأعيد إنتاج نزوحها واقتلاعها على مرّ العقود السبعة، وتستحق، الآن، كل العدالة في الحصول على حقها في حياةٍ حرةٍ كريمة، لكن السوريين، أيضاً، ابتلوا بعدوانٍ كبيرٍ، يجعل الضمير الإنساني يخجل من صمته أمام نكبتهم، بعد أن قُتل نحو ربع مليون، وتحول نصف السكان إلى نازحين، وتدمرت آثار وبقاع تاريخية هي ملك للذاكرة البشرية جمعاء، لا ملك سورية فقط. ومع ذلك، لا حراك، أخلاقياً وسياسياً عالمياً، رافق هذا الوجع، حتى أمام السلاح الكيماوي الذي تم التعامل معه وكأنه شراب للسعال، يُرش على المدنيين.

يقيني أن الفارق بين الحالتين ليس في العنف وأشكاله، وإنما في ظروف إيصال القضية إلى العالم، فالحراك الفلسطيني الناشط في الغرب تراكم عبر عقود، ونجح في استقطاب مجتمعات الشتات الغربية التي عاش فيها، مثل المجتمع البريطاني، حيث تنشط “منظمة التضامن البريطاني مع فلسطين” التي تحرك الجموع في أنحاء بريطانيا الآن. بينما لم تفق المعارضة

السورية بعد من حالة الذهول التي حلت بها، بعد انطلاقة الثورة في ربيع عام 2011، عندما لم تكن مهيأةً لاستلام سلطة بديلة في المنفى، ولا قيادة جالية من المنفيين والمهاجرين، فما بالك بتشبيك علاقاتٍ تضامنيةٍ مع المجتمعات الغربية، ببرلمانها وإعلامها ومجتمعها المدني، في وقتٍ تعاني فيه من أمراضٍ، منها الصراع على سلطة افتراضية. ثم هناك انقسام الجالية السورية الكبير بين معارضٍ وموالٍ، في مقابل وحدة الفلسطينيين على كلمةٍ سواء في الحرب الإسرائيلية على غزة.

كذلك، علينا ألا ننسى أن استقبال الأحزاب الأوروبية اليسارية الانتفاضة السورية كان بارداً، بسبب نشاط النظام السوري وترويجه لأصولية وإرهاب الانتفاضة منذ أيامها الأولى. هذا إذا أضفنا أنه روّج طويلاً لكونه نظاماً يواجه الإمبريالية الأميركية، وما أسرع ما تنخدع الأحزاب بتلك الكذبة! في المقابل، انتشرت سمعة إسرائيل، في السنوات الأخيرة، بصفتها محتلة أرضاً فلسطينية، بنوايا توسعية لا تنتهي عند حد، خصوصاً بعد انطلاق حملات مقاطعة منتجات مستوطناتها المزروعة في أرضٍ مسروقة.

العامل الآخر الذي أجده على أهمية شديدة، هو طريقة تعاطي النظام السوري والحكومة الإسرائيلية مع التغطية الإعلامية للأحداث، فقد سمحت إسرائيل للصحافيين بما لم يسمح به النظام السوري، فحققت الأخبار والصور والتقارير الإخبارية، من غزة، تأثيراً كبيراً في الرأي العام، بسبب مصداقية الصحافي الذي يعرفه القارئ، أو المشاهد، عندما يعايش الحدث عن قرب، ويروي مشاهداته وحكمه الأخلاقي في الحرب التي تشنها إسرائيل.

وهذا تماماً ما حرم منه السوريون، بعد أن منع النظام الصحافة العالمية من دخول سورية، وأغلق البلاد على عتمة إعلامية خلقت ظاهرة “المواطن الصحافي”، الذي راح يصور بهاتفه الخليوي، ويحمّل الصور ومقاطع الفيديو على “يوتيوب”، أو على المواقع الخاصة، وهو منتج إعلامي، لا يمنح صاحبه مصداقية كبيرة، مثل التي تتأتى من تغطية الصحفي المحترف. أما من حاول من الصحافيين الأجانب الدخول عبر تركيا أو لبنان، وبدا أنه سيفضح الوقائع وينقلها، فتعرض للخطف، أو القتل، كما حدث في حمص التي قتل فيها مصور بلجيكي وصحافية أميركية وجرح آخرون.

لنعترف، إذن، بأن النظام السوري نجح في ما لم تنجح فيه إسرائيل، فهي واجهت في حربها على غزة عام 2009 ضغوطاً كبيرة، وفضحاً لممارساتها في المؤسسات الإعلامية في العالم، لأنها منعت الصحافيين من الدخول لتغطية الحرب، ما دفعها إلى عدم تكرار المنع. بينما لم يتأثر النظام السوري بأي انتقاد من هذا النوع، بل واجهه بوقاحة، وبقي يلعب في ساحةٍ تغيب عنها التغطية الإعلامية الرصينة، التي يمكن أن تنقل إلى العالم حقيقة الأوضاع في بلادٍ لم تبق قدم غريبة لم تمرّ عليها. لنتخيل أن الصحافي البريطاني المرموق، جون سنو، زار سورية، وغطى حرب النظام على السوريين من هناك، وفضح استهداف النظام للمدنيين، كما فعل مع القصف الوحشي الإسرائيلي الأخير، أما كانت سورية ستحظى بنصف ما تحظى به غزة، الآن، من اهتمام إعلامي؟

ولنتخيل أن السوريين تمكنوا من الكتابة بحريةٍ عن يومياتهم، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من داخل سورية، عن المعاناة التي يعايشونها يومياً، حتى لو كانت عن بقائهم بدون ماء أو كهرباء أسابيع طويلة، أما كانوا سيشدّون العالم لمعرفة ما يدور في سورية، كما حدث مع الفلسطينيين الناشطين من داخل غزة، حتى تحولت أنظار الإعلام التقليدي والجديد إليهم؟ لكن الفلسطينيين امتلكوا حرية الكلام في مواقع التواصل، على عكس حال السوريين الذين تعرضوا للمراقبة الشديدة على الإنترنت، ووضعوا في المعتقلات، لأنهم كتبوا أو قاموا بحراك سلمي، أو عملوا في الإغاثة المدنية، وبعضهم اختفى أثره، وظهرت جثته بين من قضوا تحت التعذيب في معتقلات النظام، في الصور التي سرّبها “قيصر”، الاسم الحركي لمصورٍ فضح جرائم تساوي جرائم النازية، وتساوي جرائم داعش الآن، وعلى الرغم من ذلك، على الرغم من آلاف الصور التي ثبتت صحتها، بحسب محامين وقضاة، والتي تؤهل لفتح ملف للقتلة في محكمة الجنايات الدولية، اكتفى العالم بقشعريرة آنية، وشهقة مكتومة، أمام آلاف الصور الفضاحة، ثم نسيها، وبكى فقط على ضحايا جرائم إسرائيل في غزة.

“كم أنت وحدك يا شعبي”!

العربي الجديد

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...