تجديد الجلاء

 


صبحي حديدي

أمس، في الذكرى الـ 65 لعيد الجلاء، اليوم الوطني في سورية، راود آلاف السوريات والسوريين حلم الإعتصام السلمي في ساحة يوسف العظمة، تحت تمثال أحد كبار أبناء سورية، وزير الحربية الأشرف الذي استُشهد في معركة ميسلون، تموز (يوليو) 1920، أمام الجنرال هنري غورو وجيش الإحتلال الفرنسي. وفي مساء ‘جمعة الإصرار’ الماضية، كانت قنابل الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والشاحنات الضخمة التي شكّلت سدّاً معدنياً، قد منعت الآلاف من الوصول إلى ساحة العباسيين للشروع في اعتصام دائم هناك، وأغلب الظنّ أن أجهزة السلطة الأمنية سوف لن تدخر جهداً قمعياً، ولن تعفّ عن ممارسة وحشية، لكي تحول دون تنفيذ أيّ اعتصام دائم، في أية ساحة سورية كبرى.

من هنا، بعيداً عن الشام، تدفعني ذكرى الجلاء إلى استعادة صورة فوتوغرافية نادرة، ليست منقطعة الصلة عن رمزية ساحة يوسف العظمة، تلتقط حدثاً لم يتكرر كثيراً في تاريخ العرب الحديث والمعاصر، بل لعلّ الواقعة تلك لم تحدث إلا مرّة واحدة على ذلك النحو من الرقيّ والصفاء. الصورة تعود إلى عام 1955، وتحديداً يوم 6 أيلول (سبتمبر)، ويظهر فيها رجلان يتبادلان التوقيع على وثيقة من نسختين: الأوّل هو المرحوم هاشم الأتاسي (1875 ـ 1960) رئيس الجمهورية آنذاك، والثاني هو المرحوم شكري القوتلي (1891 ـ 1967) رئيس الجمهورية المنتخب، وأمّا الورقة التي تبادلا التوقيع عليها فهي وثيقة انتقال السلطات الدستورية.

تلك الممارسة، الديمقراطية والحضارية الراقية، تبدو اليوم غريبة على أبصار وأسماع العرب في مشارق أرضهم ومغاربها، وافتقدتها ـ إذ لم يحدث أنها تكرّرت مراراً في حياة ـ الأجيال العربية بعد ذلك التاريخ، حين استولى أصحاب العروش والتيجان والقبعات العسكرية على مقاليد الأمور، وتراجعت السياسة إلى الباحة الخلفية، أو قبعت في الزنازين، أو تلقفتها المنافي هنا وهناك. إنها، غنيّ عن القول، تُفتقَد في هذه الأيام تحديداً، وأكثر من أيّ وقت مضى.

والصورة بديعة بسبب المحتوى العظيم لتلك الوثيقة الفريدة، التي تقول بعض سطورها: ‘في هذا اليوم (…) جرى في ندوة مجلس النواب انتقال السلطات التي خوّلها الدستور لحضرة صاحب الفخامة رئيس الجمهورية السيد هاشم الأتاسي، إلى حضرة صاحب الفخامة السيد شكري القوتلي الذي انتخبه مجلس النوّاب رئيساً للجمهورية (…)، وقد شهد ذلك صاحب الدولة الدكتور ناظم القدسي رئيس مجلس النواب، والأستاذ صبري العسلي رئيس مجلس الوزراء، والسيد وجيه الأسطواني رئيس المحكمة العليا’. وبالطبع، لا يفوتكم ملاحظة ترتيب السلطات الثلاث الشاهدة على التوقيع: السلطة التشريعية، السلطة التنفيذية، والسلطة القضائية.

لا أحد من أبناء جيلنا نحن، وقد عبرنا سنّ الخمسين، يذكر أنه شهد بعدها انتقالاً سلمياً للسلطات بين رئيس انتهت ولايته وآخر انتُخب لتوّه؛ وفي المقابل ذقنا مرارة الإنقلابات، والإنقلابات على الإنقلابيين، وتحويل السياسة إلى مسخرة، عن طريق تحويل المواطن إلى واحد من اثنين: سواد أعظم يلهث خلف الرزق اليومي دون أن يفلح في بلوغ كرامة العيش، وفئة قليلة من الطغاة واللصوص وقوّادي السلطة والفاسدين المفسدين. وفي بلدي سورية، مثلاً، ثمة جيل كامل لم يعرف سوى رئيس واحد هو حافظ الأسد طيلة ثلاثين سنة، وحين وافته المنية حلّ نجله خليفة له في السلطة!

ولم يكن أقلّ سوءاً ذلك ‘التوجيه السياسي’، الاسم الحرفي للكتاب المدرسي الذي كان مقرّراً على طلاب المرحلة الثانوية في المدارس السورية، والذي يشتم تلك الديمقراطية بدعوى أنها ‘برجوازية’ أو ‘رجعية’ أو ‘إقطاعية’، وليست بسموّ وعظمة ورقيّ ‘الديمقراطية الشعبية’ التي بشّر بها حزب البعث! في عبارة أخرى، لم تقتل حكومات البعث المتعاقبة كلّ ما راكمته سورية من تجارب دستورية وبرلمانية وانتخابية، وهي عديدة ومضيئة وطليعية، فحسب؛ بل سعت على نحو منظّم إلى قدحها وهجائها وتشويهها.

وليس بغير أسباب وجيهة، ومبدئية، أنّ السوريين اليوم يعودون إلى استذكار مآثر رجالات ذلك الرعيل الرائد، والذي يأتي ‘المواطن الأوّل’ شكري القوتلي في طليعته. وهذا رجل باع أملاكه الشخصية لتمويل نضالات الحركة الوطنية، ضدّ الأتراك وضدّ الإستعمار الفرنسي في آن؛ وخاطب ونستون تشرشل، بعد أن التفت إلى البحر القريب: ‘شعبنا لن يكبّل وطنه بقيد العبودية والذلّ والإستعمار حتى لو أصبحت مياه هذا البحر الزرقاء حمراء قانية’؛ كما تخلى طواعية عن منصبه كرئيس للجمهورية السورية، منتخب ديمقراطياً ومحبوب من شعبه وصاحب حظوة واحترام في العالم، مقابل تحقيق الوحدة السورية ـ المصرية.

وهكذا فإنّ عيد الجلاء يعني، أيضاً، أن تسطّر الإنتفاضة السورية صفحات مجيدة أخرى في حوليات تاريخ البلد، فتستأنف ما انقطع من مآثر كبار أبنائها، أمثال يوسف العظمة وشكري القوتلي؛ ولعلّها تستعيد أحد كبار شعرائها، عمر أبو ريشة:

نحن من ضعفٍ بنينا قوّة/ لم تلنْ للمارج الملتهب

كم لنا من ميسلونٍ نفضتْ/ عن جناحيها غبار التعب

ومَنِ الطاغي الذي مدَّ لهم/ من سراب الحقّ أوهى سبب؟

ما لنا نلمح فـي مشيته/ مخلب الذئب وجلد الثعلب؟

لمّتِ الآمال منّا شملنا/ ونمتْ ما بيننا من نسبِ…

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...