الرئيسية / صفحات العالم / تركيا وأكرادها: خطوة أخرى نحو أوروبا

تركيا وأكرادها: خطوة أخرى نحو أوروبا

 

حازم صاغية

وسط الكوارث التي تشهدها المنطقة، يبدو هناك أمل جدّيّ بأنّ النزاعات المعقّدة، يمكن أن ترسو على حلول. هذا ما تشي به بدايات التسوية المحتملة بين تركيا وأكرادها، على أثر دعوة زعيم حزب العمّال الكردستاني عبد الله أوجلان إلى وقف إطلاق النار وانسحاب المقاتلين.

فقبل 19 عاماً بدأت واحدة من أشرس الحروب التي عرفتها منطقة الشرق الأوسط. ذاك أنّ الحرب التركية- الكردية إنّما كلّفت أكثر من أربعين ألف قتيل وأدّت إلى إحراق قرى بأكملها في شرق تركيا وجنوبها الشرقي وفرار مئات الآلاف من أهلها الأكراد إلى المدن التركية.

هذه الحرب لم تكن مجرّد نزاع بين نظام وأقلية من أقليات مجتمعة، علماً بأنّ أكراد تركيا لا يقلّون عدداً عن 15 مليون نسمة، ذاك أنّ خصوصيتها كامنة أيضاً في خصوصية كلّ من النظام وتلك الأقلية. فالأوّل وُلد محكوماً بقومية عسكرية متشدّدة وقمعية أسّسها مؤسّس تركيا الحديثة أتاتورك. وعملاً بهذا الوعي المتزمّت، بدا من المستحيل الإقرار بأيّة هوية قومية أو إثنية داخل الأمّة ودولتها الشديدة المركزية والبأس. والحال أنّ انتقال السلطة في أنقرة إلى طرف إسلامي مناهض تقليدياً للإيديولوجيا الأتاتوركية، أي حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيّب أردوغان، لم ينعكس تحوّلاً ملحوظاً في التعاطي مع أكراد تركيا. فهنا، في هذا المجال، حافظ الإسلاميون على الكثير من السلوك الأتاتوركي الذي عطّلوه في جوانب أخرى.

أمّا الثورة الكردية فلم تكن بدورها عادية: فهي، فضلاً عن تبنّي حزبها القائد، أي العمّال الكردستاني، لنوع ستاليني من الماركسية – اللينينية، التبست مطالبتها بإقامة دولة كردية مستقلة في تركيا بدعوة قومية كردية يُراد لها أن تتجسّد في دولة عابرة لحدود الدول الوطنية. وإلى هذه الراديكالية الإيديولوجية، اتبع حزب «العمّال» ممارسة بالغة الراديكالية لا تتورّع عن الاستخدام الموسّع للإرهاب، كما لا تتورّع عن تقديم الخدمات لأيّ من أنظمة المنطقة مقابل الحصول على دعمها ضدّ أنقرة. هذا جميعاً لم يحل دون مبادرات إيجابية لم يُقيّض لها النجاح. ففي أواخر الثمانينات وأوائل التسعينيات، حاول رئيس الحكومة التركية آنذاك تورجوت أوزال فتح حوار يؤدّي إلى حلّ، لكنّ الرجل توفّي بنوبة قلبية في عام 1993. وفي التسعينيات تراجع حزب «العمّال» عن دعوته الأصلية إلى الدولة المستقلة لصالح المطالبة بحكم ذاتي للأكراد، ثمّ في عام 1999 – 2000 عرض مشروعاً لوقف إطلاق النار من طرف واحد لمدّة خمس سنوات. وكان الأهمّ تلك المفاوضات السرّية التي بدأت في أوسلو، عاصمة النرويج، عام 2009 واستمرت حتى عام 2011 حين أوقفتها عملية عسكرية في يونيو قُتل بنتيجتها 14 جندياً تركياً. بعد ذلك توسّعت أعمال العنف لتبلغ ذروة غير مسبوقة في أواسط التسعينيات.

اليوم تغيّر هذا المزاج، ويبدو أنّ الطرفين استشعرا أنّ دربيهما مسدودان. فالنظام التركي لا يستطيع إلى ما لا نهاية صمّ أذنيه عن دعوات التعدّدية السائدة عالمياً، وأن يشيح النظر عن عتق وتقادم طرحه القومي والدمجي. وهذا ناهيك عن أنّ الطريق التركي إلى أوروبا سيبقى معاقاً ما لم يُحلّ الإشكال الكبير مع الأكراد،لا سيما وأنّ هذه المسألة وثيقة الاتصال بمواضيع حقوق الإنسان والحرّيات، خصوصاً الإعلامية، في تركيا ذاتها. يُضاف إلى ذلك أنّ حلّ المشكلة الكردية سيساعد رجب طيّب أردوغان في الوصول إلى رئاسة الجمهورية.

أمّا حزب «العمّال الكردستاني»، الذي أُسر قائده أوجلان في نيروبي، في عام 1999، فقد أصابه التعب والإنهاك عميقاً، قتلاً وتشريداً وتهجيراً واعتقالاً لكوادره، كما شاعت تقارير صحفية عدّة عن انشقاقات في صفوفه. وإذا كان النظام في أنقرة قد بدأ يعي لامعقولية النظرة القديمة إلى الدمج القومي، فالأرجح أنّ معارضته الكردية بدأت تعي أيضاً استحالة الانتصار بالقوّة، ناهيك عن عتق دعوتها القومية العابرة للأوطان، وهذا فضلاً عن توسّع الإجماع العالمي، خصوصاً منذ سبتمبر عام 2001، ضدّ النشاطات الإرهابية، كائنة ما كانت ذرائعها وحججها.

بيد أنّ تلك العناصر الكامنة في خلفية المشهد كان يلزمها حدث كبير تتجمّع فيه وتتبلور، وهذا الحدث هو ما وفّرته الثورة السورية. فالراهن أنّ الموقف التركي من نظام بشّار سيبقى معاقاً ومحدود الفاعلية في ظلّ استمرار النزاع التركي -الكردي. ذاك أنّ دعم الحقوق في سوريا لا يتجانس كثيراً مع قمعها في البلد الداعم. وأهمّ من ذلك أنّ توزّع الأكراد السوريّين في المناطق الشمالية والشمالية الشرقية لسوريا يجعل كسبهم شرطاً شارطاً لأيّ دور عسكريّ كبير قد تلعبه تركيا أو قوّات المعارضة السورية. والحال أنّ نظام الأسد لم يتباطأ في الاستفادة من ذاك التناقض التركي – الكردي، محاولاً التودّد للأكراد السوريّين وتوسيع الفجوة بينهم وبين مسلّحي المعارضة، فضلاً عن رهانه على أن يشكل أكراد تركيا نوعاً من لوبي ضاغط على حكومة أردوغان في أنقرة.

والتطوّر السوري هذا يمكن أن يستكمل التطوّر العراقي الذي جدّ في عام 2003 مع إسقاط نظام صدّام وتكريس الوضع الفيدرالي في شمال العراق. ففي أيّ من هذه البلدان التي يقيم فيها ملايين الأكراد، بات من المستحيل التغافل عن حقوقهم الثقافية والسياسية، فضلاً عن الإنسانية. ولربّما جاز القول إنّ احتمالات التصدّع التي قد تصيب الخريطة القائمة لبلدان الشرق الأوسط، وصعود الهويات الإثنية والدينية والطائفية لجماعات المنطقة، مرشّحة لأن تُدرج الموضوع الكردي في سياق متصدّر لم يحظ به من قبل.

وفي الحالات كافّة، فإنّ ما حصل مؤخّراً، على أثر رسالة «أوجلان» والاستجابة الرسمية التركية لها، يعطي زخماً جديداً لأوْرَبَة تركيا: ذاك أنّ النزاعات انتهت وتنتهي في إيرلندا الشمالية وبلاد الباسك مفسحة المجال لعمليات التفاوض والشراكة السياسية. وإذا أرادت تركيا أن تصير أوروبية حقّاً، كان عليها، هي أيضاً، أن تسلك هذا الطريق.

الاتحاد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...