الرئيسية / صفحات مميزة / جاهلية ما قبل البعث

جاهلية ما قبل البعث


عمر قدور

«في تعليقه لمحطة سكاي نيوز على الانفجار الذي حدث بالقرب من مقر الأركان، يوم الأربعاء 15/8/2012، يقول مدير صحيفة تشرين الحكومية السورية متهماً ما سمّاها «العصابات الإرهابية»: هؤلاء يريدون حرق خمسين سنة من تاريخ سوريا والعودة إلى ما قبل التاريخ».

ما الذي ستكون عليه سوريا بعد سقوط النظام؟ سؤال يشغل بال غالبية السوريين وغالبية متابعي الشأن السوري، ومنها بالتأكيد القوى الدولية والإقليمية التي تتأثر بما يجري في سوريا أو تؤثّر به. بل إن الإجابة عن هذا السؤال تستهلك جزءاً لا يُستهان به من الطاقات التي يُفترض أن تُوجّه إلى إسقاط النظام، بخاصة ذلك الجزء المتعلق بالدعم الدولي، والذي بقي قسم كبير منه مع وقف التنفيذ بانتظار استشراف المرحلة المقبلة، أو الاتفاق النهائي على مقدماتها الانتقالية.

نصف قرن من حكم البعث؛ قد يكون هذا كافياً تماماً لنسيان سوريا ما قبل البعث، وللتعامل معها كأنها بلد يتشكّل للتوّ. الفكرة ذاتها لا تغيب أيضاً عن أذهان بعض الثوار الذين باتوا يرون في الثورة لحظة تأسيسية كبرى، سواءً على صعيد مأسسة الكيان السوري كدولة معاصرة، أو حتى على صعيد الإجتماع السوري الذي يكابد واحدة من أخطر أزمات وجوده. وإذا كانت مأسسة الدولة السورية والإنتقال بها إلى الديموقراطية من أهم أسباب اندلاع الثورة، فإن التأسيس لإجتماع سوري جديد لم يكن في الحسبان من قبل، ولعله الآن يمثّل التحدي الأكبر، ليس أمام الثوار وحدهم وإنما أمام السوريين جميعاً؛ ذلك لأن النجاح الكبير الذي حققه النظام بتقسيم البلاد إجتماعياً فاق أشد التوقعات سوءاً، أقلّه من جهة العنف المادي والرمزي المرافقين للإنقسام.

أخطر ما فعله النظام هو محاولة ربط وجود سوريا بوجوده، ولعل المخاوف الراهنة من حرب أهلية طائفية، أو المخاوف من تقسيم البلاد، خير دليل على نجاح النظام بمسعاه. لكن ذلك لم يتحقق بفعل المدة الزمنية الطويلة لوجوده في الحكم وحسب، بل لأن حكم البعث واظب خلال خمسين عاماً من وجوده على نفي أو تحقير الوجود السوري قبل ذلك. فالأيديولوجيا البعثية، التي اختُزلت لاحقاً بشخص حافظ الأسد، أنكرت على رجالات الحكم في مرحلة الاستقلال مقدراتهم السياسية، وأنكرت كذلك الظروف المعقدة التي تواجه بلداً حاز استقلاله للتو، من أجل تكريس فكرة عدم جدارة البلاد بحكم نفسها بمعزل عن النظام. بموجب الأيديولوجيا البعثية؛ رجالات الحكم في مرحلة الاستقلال هم برجوازيون وإقطاعيون أشبه بمصاصي الدماء، وهم مرتهنون لسياسات دولية «عملاء»، أما صناديق الاقتراع التي كانت تأتي بهم إلى سدة الحكم فلا تعدو كونها مؤامرة على الإرادة الحقيقية للشعب، والتي من كل بدّ يمثلها ضباط البعث حصراً!.

مع الزمن وصل الأمر إلى درجة التعتيم التام على تلك المرحلة في سوريا، فالنظام الذي استبد بالحاضر وبالتاريخ معاً لم يكن مستعداً لمجرد ذكر شخصيات سياسية حكمت سوريا، سواء أخطأت أم أصابت في أدائها. لم تعد سردية النظام تتسع إلا لانقلاب البعث في آذار 1963، تليه مباشرة «الحركة التصحيحية» في تشرين 1970؛ لا ذكر ولا شرح حتى لسنوات سبع من حكم البعث لم يكن فيها الأسد في قمة السلطة، وحتى رفاق الأمس من البعثيين باتوا محكومين بالانضمام إلى تلك الزمرة السابقة المذمومة من رجالات الحكم، فضلاً عن وجودهم قيد الاعتقال إلى أن لاقوا الموت المادي بعد أن أصبحوا طي النسيان. صار بحكم المحرّم أن تُنطق أسماء بعثية مثل صلاح جديد أو نور الدين الأتاسي، فقط لأنها تدل على أن منصب القيادة أو الرئاسة لم يكن شاغراً بانتظار «القائد الخالد»، وعطفاً على ذلك لم يعد مسموحاً لسوريا أن تنجب شخصيات لامعة في أي حقل كان، لذا تم التضييق على كافة المواهب بلا استثناء، ولم يعد السوري يجد فرصة لتحقيق ذاته إلا خارج الحدود. حتى في الحالات القليلة التي ساهم فيها النظام بتلميع شخصية منه أو شخصية مقربة منه سرعان ما عاد إلى التعتيم عليها، فالتوجه الحازم بقي دائماً أن لا وجود مطلقاً إلا لشخصية القائد، وأن أولئك الذين يستمدون حضورهم من إشعاعه سرعان ما يفقدونه متى تغيرت المشيئة.

بحكم الزمن رحلت الأجيال التي عاصرت مرحلة الاستقلال، وغُيّب معها الكثير من تاريخ سوريا، فحيث لم يكن مسموحاً لأصواتها أن تخرج إلى العلن بقيت مروياتها أسيرة الدائرة الضيقة من المعارف، أما ما لُقّن لأجيال نشأت طوال أربعين عاماً فلم يكن تاريخاً بالمعنى المعهود للكلمة، هو زمن سرمدي يتربع على عرشه «القائد الخالد»، زمن يفتقر إلى الماضي ليبقى أبد السلطة. خارج أية عقلانية، بات مقبولاً من الطلاب أن ينسبوا كل ما هو مأثور أو إيجابي إلى الحركة التصحيحية «المباركة»، وقد قُيض لكاتب هذه السطور رؤية نماذج من مواضيع إنشاء لطلاب المرحلة الثانوية يعدّون فيها عيدَ الأم من منجزات التصحيح، والبعض منهم استشهد بالحديث النبوي «الجنة تحت أقدام الأمهات» على أنه من أقوال الرفيق القائد. من صميم هذا البؤس كانت النكتة تروى عن شابين يجلسان على جرف ويسأل أحدهما: بما أن الأرض تدور فلماذا لا نقع؟ يجيبه الآخر: لا نقع، بسبب قانون الجاذبية. يقول الأول: الله يحفظ سيادة الرئيس على إصداره هذا القانون، فلولاه كنا قد مُتنا.

لا يعرف الكثير من السوريين أن المرأة السورية مثلاً حصلت على حقها في التصويت عام 1949، قبل نظيرتها السويسرية أو اليونانية، وأن المؤتمر التأسيسي لنقابة المعلمين، على سبيل المثال أيضاً، عُقد في مدينة حماة في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، وأقر استقلالية النقابة التامة عن السلطة السياسية، واشترط تمثيل المرأة بنسبة لا تقل عن 30% في الهيئة التنفيذية. وبالطبع لا يقول التاريخ الرسمي المعتمد شيئاً عن الرئيس شكري القوتلي الذي استلم الرئاسة ثلاث مرات غير متتالية بإرادة شعبية، ولا عن الرئيس ناظم القدسي الذي تروى عن زهده بالرئاسة حكايات كثيرة. الأهم من ذلك ما لم يكن يعلنه النظام، ودأبت أجهزة مخابراته خلال سنوات على الاشتغال عليه، وهو الإيحاء بأن النظام الحالي هو ضمانة لسوريا مما يمكن تسميتها «جاهلية» مقلوبة. وفق هذا التصور الذي لم يعد الإعلام الرسمي يتورع عن ترويجه؛ لم تعد المسألة أن النظام الحالي انتشل سوريا من «ما قبل التاريخ» وحسب، بل إن سقوط النظام يعني عودة سوريا إلى الجاهلية، بمعنى تشتتها إلى عصبيات متقاتلة فيما بينها، وكأن الواقع كان دائماً هكذا لأنه يعبّر عن بنية المجتمع السوري، وبذلك تكون رواية النظام قد استكملت هيمنتها على تاريخ سوريا ماضياً ومستقبلاً.

إن التأثيرات المديدة لعدم معرفة السوريين بتاريخهم، خارج سردية النظام، تظهر في مناخ عدم الثقة المعمم الذي تشهده حتى بعض الأوساط المعارضة. ثمة إقرار، مرده الجهل بالماضي، بأن الكيان السوري يواجه أزمة وجود مع سقوط النظام، وثمة إقرار من قبل المعارضين بأن النظام نجح في تبديد الوطن السوري. التاريخ يقول خلاف ذلك، وعلى الرغم من أنه ليس وردياً، ولا يخلو من حوادث اقتتال داخلي، إلا أن الاجتماع السوري تحقق بالإرادة المشتركة، على الأقل في أثناء ثورة الاستقلال الأولى، ويجدر بالسوريين التحلي بالثقة بالنفس التي عمل النظام، على تبديدها نهائياً، فهم على الضد مما يدعيه النظام يعودون الآن إلى التاريخ. طوال أربعين عاماً تعرض السوريون لأدهى عملية تغريب عن الوطن وعن الذات، وما فعلته الثورة خلال سنة ونصف أنها أعادتهم إلى ذواتهم، ولن تكون عملية اكتساب الثقة بها سهلة، لكنها في مقام الواجب الأخلاقي والوطني معاً.

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“جميل حتمل” الذي لوّن حياتي ومضى غير عابئ/ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...