الرئيسية / صفحات العالم / جبهة النصرة وجبهات الخذلان/ عبد الوهاب الأفندي

جبهة النصرة وجبهات الخذلان/ عبد الوهاب الأفندي

 

 

حفلت الأنباء، خلال الأيام الماضية، بتفاصيل عن أعمال عسكرية، يشنها النظام السوري وحلفاؤه الروس (والمليشيات الموالية) ضد مواقع للمعارضة السورية، بدعوى تصفية ما تسمى جبهة النصرة بعد الانتهاء من العمليات ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وتزامن هذا مع توجيه تهم بالانتماء إلى جبهة النصرة في دول أوروبية. وهكذا أصبحت هذه الجبهة، بعد ذلك التنظيم، الذريعة الأبرز لتصفية الثورة السورية، في وقت يواصل فيه التنظيم التصدّع، وتكثر في وسطه الانشقاقات.

ويؤكد هذا الوضع ما توصل إليه كثيرون في سورية والعراق وما حولهما بأن هذين التنظيمين المنبثقين عن تنظيم القاعدة، كانا بحق أكبر كارثةٍ على السوريين والعراقيين والثورات العربية. فقد توحد العالم بأجمعه ضدهما، بسبب ممارساتها الوحشية الدموية، وخطابهما المفرط في الغباء والجهل بالإسلام، وبما يحدث في العالم. فقد مثل كلاهما أكبر عامل خذلان للسوريين، لأنهما نزعا عن الثورة السورية سلاحها الأخلاقي، وهو أهم ما تترّس به في مواجهة نظام دموي لا يتورع، هو وحلفاؤه، عن كبيرة.

ولكن بروز هذين التنظيمين، بعد أن وحد النظام السوري، بممارساته الوحشية، العالم كله على دعم الثورة السورية، سرعان ما حول الأنظار عن فظائع النظام السوري ووحشيته إلى

“تنظيمات مخترقة أمنياً من النظام وجهات أخرى غيره، وعلى أعلى مستويات القيادة”

ممارساتهما التي لم تكن تختلف عن ممارسات النظام إلا في غبائها. فبينما كان النظام السوري ينكر ويتبرأ مما يرتكبه من فظائع، وينسبها إلى “التنظيمات التكفيرية والإرهابية”، فإن هذه التنظيمات ركزت على استهداف الأبرياء من الصحافيين وعمال الإغاثة الذين جاءوا لمناصرة الثورة السورية، وكانت تتباهى بما ترتكب من خطايا. وقد نجحت هذه التنظيمات في اجتراح معجزة تحول نظرة العالم، بحيث أصبح ينظر إليها على أنها شرٌّ من نظامٍ يصعب أن يوجد من هو شرٌّ منه.

ومما ضاعف من المشكلة أن هذه التنظيمات كان يندر أن تحارب النظام السوري الذي بادلها بدوره سلماً بسلم. بل كانت تنتظر انتزاع التنظيمات الأخرى الأراضي من النظام، ثم تهجّم عليها وتخرجها منها. فهي بهذا كانت تؤدي خدماتٍ مزدوجة للنظام السوري، حيث تحارب نيابة عنه تنظيمات الجيش السوري الحر، وفي الوقت نفسه، تحوّل المواقع “المحرّرة” من النظام إلى “بؤر إرهابية” تعضد دعاية النظام بأنه يحارب الإرهاب. وبهذا أضعفت كثيراً السند الدولي للثورة، وجعلت من كان يدعم هذه الثورة يتراجع، خصوصاً وأن هذه التنظيمات كانت تغنم ما يقدم العالم من أسلحة لفصائل الثورة.

وقد عضد هذا من مزاعم من كان يرى أن هذه التنظيمات، في نهاية الأمر، صنيعة النظام. فهناك قرائن كثيرة تفيد بأن النظام كان يساهم، عن عمدٍ، في إيجادها، وكانت له علاقات وثيقة مع أنصارها، حين كان يستخدمها لمحاربة الأميركيين في العراق. وقد تعمد بعيد انطلاق الثورة فتح السجون وإطلاق سراح أنصارها. وهناك أكثر من دليل على أن هذه التنظيمات مخترقة أمنياً من النظام وجهات أخرى غيره، وعلى أعلى مستويات القيادة. لأنها تتصرّف بصورة أكثر من مريبة. فكثيراً ما تتزامن فظائعها ومنكراتها مع وضع يكون النظام فيه في ورطةٍ بسبب انتهاكاته الرهيبة، ما يحول الأنظار عن جرائمه.

وكان من أمثلة هذا سيطرة جبهة النصرة، في يوليو/ تموز الماضي، بشكل كامل على مدينة إدلب، آخر معاقل المعارضة المسلحة في سورية، وطرد فصائل المعارضة المتحالفة معها

“كثيراً ما تتزامن فظائع النصرة ومنكراتها مع وضع يكون النظام فيه في ورطةٍ بسبب انتهاكاته الرهيبة”

منها. وقد أعطى هذا كل التبرير للنظام ورعاته الروس للتنصل من اتفاقاتٍ سابقة بوقف التصعيد. فقد كان النظام الروسي أكد أن “تصفية التنظيمات الإرهابية” أولوية لا يشملها وقف التصعيد. ومهما يكن، كان المقصود من وقف التصعيد الروسي – السوري كسب الوقت قبل التفرغ لاستعادة ما بقي من أراضٍ تحت سيطرة الفصائل المسلحة. ولا شك أن وجود منطقة تسيطر عليها جبهة النصرة سيسهل هذه المهمة، ويؤكد الدعم الدولي والإقليمي لهذه العملية. فهل يدع هذا مجالاً للشك في أن المقصود من هذه العملية كان دعم النظام السوري وخططه؟

كان يمكن التنبؤ بهذا الوضع من أول يوم. لقد شنت أميركا، ومعها حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حربها على أفغانستان، بحجة أنها كانت تؤوي تنظيم القاعدة الذي ارتكب “11سبتمبر”، معلنة أنها كانت بداية الحرب العالمية ضد الإرهاب. وقد احتلت العراق بدعوى تعاون صدام حسين مع القاعدة وخطر سقوط أسلحة الدمار الشامل في يد الإرهابيين. هذا على الرغم من أن تنظيم القاعدة لم تكن له مدن أو أراضٍ يسيطر عليها. فماذا يعني أن تأتي تنظيمات تدّعي أنها فروع له، وتتخذ لنفسها منطقة جغرافية معروفة تسيطر عليها؟ هل سيتركها العالم تقيم دولتها الخاصة بها، بينما دمرت دولٌ بكاملها لمجرد شبهة وجودها فيها؟

عندما كان السجال يدور حول إصدار فتاوى تحرم الإرهاب والفظائع المتعلقة به، وهي أمور لا تحتاج إلى فتاوى، لأنها من المنكرات المعلومة من الدين والعقل بالضرورة، كان تعليقي إن ما نحتاجه هو أيضاً فتوى ضد الغباء. فنحن إذا أحسنا الظن بتنظيماتٍ مثل هذه، وقلنا إن خدماتها للنظام ليست حجة تآمر وسوء نية، فإن أدنى ما يمكن أن تُتهم به هو الغباء. لأن أي عاقلٍ ما كان له أن يتصوّر أن العالم سيسمح لتنظيماتٍ مثل هذه بالبقاء في أي مكان. وعليه، فإن تدخلها في الثورة السورية كان بمثابة حكم إعدام على تلك الثورة، وفاتحة لإعادة تأهيل النظام. وفي هذه الحالة، نحتاج بالفعل إلى تجديد الفتوى ضد الغباء. وهي فتوى موجودة في القرآن، حيث جاء فيه إن من مؤهلات الدخول إلى النار انطباق صفة على قوم بأن “لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ”.

العربي الجديد

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...