الرئيسية / صفحات الناس / حروب نزع الثقافة/ رشا الأطرش

حروب نزع الثقافة/ رشا الأطرش

 

بين أطفال خان شيخون من لم يمُت، وسيكبر، وبالتأكيد لن ينسى. وكذلك أطفال في الغوطة الشرقية، وحلب الغربية، وداريا، وسواها الكثير من المدن والقرى السورية..

“مصطلحات مثل جرائم الحرب، والجرائم ضد الانسانية، يتم تداولها بشكل أسبوعي تقريباً في ما يخص سوريا”، تقول مراسلة “سي إن إن”، كلاريسا وارد، في تقريرها المصوَّر عن المجزرة الأسدية بالسلاح الكيماوي في خان شيخون. وتكمل أن هذه المصطلحات “تبقى مفاهيم مجردة، وغالباً مُثقَلة بلغة معقدة مرتبطة بالمكائد الجيوسياسية للصراع.. لكنك حينما تشاهد الأطفال يختنقون بأنفاسهم الأخيرة، ستدرك معنى الشر”. وإذ تعتذر وارد عن الصور الصادمة، فإنها تطلب من مشاهديها الصبر: “عليكم أن تشاهدوا.. عليكم أن تشهدوا على ما حدث”.

هذه كلاريسا وارد وجمهورها الأميركي، فكيف بمَن “يعيش” تلك الكوارث، الكيماوية والبرميلية؟ أو بالأحرى، كيف بمَن “يموتها”، أكثر مما يشهدها، وما زال يختنق بغضب الضعفاء، كما اختنق أولاده وأهله وجيرانه بزبَد النَّفَس الأخير؟

بين هؤلاء الأطفال مَن سيكبر ويعي… ومنذ ست سنوات، ثمة شبان كانت علاقتهم بالإسلام، ذات مرة، تنحصر في صلاة الجمعة وصيام رمضان، انخرطوا في فصائل إسلامية مقاتلة كانت يوماً تسمى بـ”الجيش الحر”، واليوم تأبى رفع علم الثورة السورية، مكتفية برايات الإسلام. بل ومنهم من بايع “الخليفة البغدادي” ليقاتل تحت علم “الدولة الإسلامية” الأسود، أو أتى من أوروبا منضوياً في “الجهاد”، تاركاً وراءه عائلة لا تختلف في شيء عن أي عائلة فرنسية أو ألمانية، أو لعلها عائلة مسلمة بمعايير جارتنا المحجبة التي “تخلع رأسها” أمام أبي، بأريحية طبيعية، لأنه، وبكل بساطة منطقية، “مثل أخيها”.

حتى الصبي السوري الذي يعمل في مقهى بيروتي، ووقف يتلقى صفعات رجل يفترض أنه “يمازحه”… سيكبر، ولن ينسى. في غد قريب، سيصبح أطول قامة، وأقدر على اتخاذ قرارات وتنفيذها، والأرجح ألا يبقى غضاً إلى الحد الذي يخضع معه للعنف الترهيبي نفسه، في فَقرِه وتهميشه ويفاعته ولجوئه، وربما يناهضه بطريقته المفرغة من حسّ الدعابة.

بعض التأمل في كل هذا العنف، ومثله أطنان لا تتسع سطور معدودة لذكره، قد يدفع إلى التفكير في معضلة ربما لم تحظ بانتباه كافٍ.

فماذا بعد محاولات التنظير المستفيضة في موضوع الصراع السنّي الشيعي؟ واستهلاك تعبير “صعود الهويات”؟ ومُسمّى الأقليات، بعُقَدهم ورُهابهم؟ وتعريف استبداد النظام السوري ووحشيته، مرة بالسياسة، ومرة بالعسكر، ومرة بفسيفساء المكونات السورية؟ ماذا بعد “حزب الله” الإيراني، حزب ولاية الفقيه، وجمهوره اللبناني؟ والتاريخ “العلماني” لحزب البعث؟ والتناقضات الطائفية اللبنانية، وما أفرزته الحرب الأهلية ربطاً بالنظام الأسدي، ثم اغتيال رفيق الحريري؟ وماذا بعد تحوّل نصف الشعب السوري إلى “حيوات مجردة” يملكها “ذو السيادة” (وفقاً لجيورجيو أغامبن)، ولا صفات اجتماعية أو حقوقية تذكّر بإنسانيتها؟

في علم الاجتماع والانتروبولوجيا، يزدهر مؤخراً مفهوم “نزع الثقافة”، لا سيما بعد أحداث 11 أيلول، وصولاً إلى الهجمات الإرهابية التي طاولت أوروبا ولا تزال. وذلك في سعي إلى الإجابة على أسئلة “لماذا يكرهوننا؟”، وهل هي مشكلة (لا)اندماج مهاجرين مسلمين في المجتمعات الغربية، أم مشكلة السياسات الغربية في العالم الإسلامي؟

وبمناسبة صدور كتابه الجديد “الجهاد والموت: الجاذبية العالمية للدولة الإسلامية”، ما زال الأكاديمي الفرنسي، أوليفييه روا، يحلّل في حوارات مع الصحافة الغربية، ارتحال الجهاديين من أوروبا إلى سوريا، مُركزاً على “ماركات” جديدة من الأصولية: الدين منزوع الثقافة، تعوّمه العولمة. والجدلية أن الإيديولوجيا الدينية التي تتم تصفيتها من ثقافة المنشأ، ليست نتاج الثقافات التقليدية، بل نتاج أزمة في الثقافات التقليدية. وتزداد “الصحوة” تطوراً، كلما ازدادت بُعداً من مرجعيتها الثقافية والاجتماعية. وبذلك تصبح عالمية، كونية. كلمة “مسلم” باتت مسمّىً إثنياً، بحسب روا. والمهاجرون، بدلاً من أن يكونوا مسلمين ومواطنين، يُعامَلون كمسلمين مواطنين. وهؤلاء الذين يسميهم الإعلام، “متطرفين”، يُعرَفون بنفيهم للإسلام الثقافي، إسلام آبائهم وجذورهم. يقطعون جذورهم باعتبارهم “مسلمين أفضل” من آبائهم. ويعتبر روا أن العلمَنة (الغربية) المتسلّحة بليبرالية قصوى، إذ تفصل الدين عن ثقافته الأم، فإنها تطلق الصافرة لمطاردة المنتمين إلى الدين هذا، بهدف “تطهير” المنظومة الثقافية المضيفة.

وبأثر من العولمة وأدواتها، تتفاقم الأصولية منزوعة الثقافة، فيُقتلع الدِّين من أرضه، ويستقل عن ضوابطه المحلية، السياسية والثقافية، إذ يتماهى مع “حقيقة نقية”، موحدة، معيارية، لكل زمان ومكان، خلافاً للجماعات المكوِّنة لبيئة ثقافية معينة، والتي قد لا تؤمن بالضرورة “بالحقائق” نفسها. بل على العكس، فالثقافة كمشروع، صنوها ما لا يسهل تعداده أو فهمه عبر ثنائيات مبسّطة أبرزها صح/خطأ، مثل: المشاعر، والخيارات، القيم، الرغبات، السلوكيات، الاهتمامات، التوقعات، والمقبول. لذلك، فإن الدين التقليدي، في نسخه الحديثة، لم يُعادِ الفلسفة والعلوم الإنسانية والأدوات النقدية. أما التديّن منزوع الثقافة، فبلى.

ربما تكون أفكار روا، مصابة بثغرات، لا سيما في السياقات الاجتماعية والسياسية الغربية. لعلها ليست مقنعة بكُلِّيتها، وتحدّيها – بالنقاش – واجب. إلا أن فيها ما يصلح لصناعة منظار مختلف، لرؤية العنف السوري/اللبناني المستمر منذ سنوات، في استراحة من هيمنة ثنائيات: سنّي-شيعي، لبناني-سوري، موالي-معارض، طائفي-لاطائفي… وإن كانت الرؤية الإضافية لا يسعها أن تخلو تماماً من تلك الثنائيات.

هل يمكن القول، إذَن، أن اللبنانيين، شيعةً ومسيحيين، يواجهون اللاجئين السوريين كسُنَّة منزوعي الثقافة؟ ومثلهم النظام السوري (ومعه الطيران الروسي والقوات الإيرانية والمليشيات الشيعية وعلى رأسها “حزب الله”) حينما يقصف سوريين مدنيين، ويخنقهم بالسارين، ويهجّرهم، ويجبرهم على صفقات “ترانسفير”، ويحاصرهم بـ”الجوع أو الركوع”؟

هل قطعت المعارضة السورية جذورها، حتى أصبحت إسلامية منزوعة الثقافة؟ وهل يمكن التفكير في العلمانية المزعومة لحُكم “البعث” (وطبعاً من دون ليبرالية)، كنازعة لثقافات الطوائف السورية، بأكثرياتها وأقلياتها، بما فيها العَلَوية؟ وأي ثقافة/ثقافات هي التي تُنزع عن سوريين مقتولين في سوريا ولاجئين في لبنان، ولبنانيين متسلّطين في لبنان ومقاتلين في سوريا؟ بل ما الثقافة المنزوعة عن مجاهدين فرنسيين وبريطانيين وألمان ينضوون في الحرب السورية، مع عراقيين وتوانسة وأفغان وكازاخستانيين وأوزبكستانيين…؟ وهل يمكن الكلام عن “الإسلام المعتدل” باعتباره إسلاماً لم يُسلب ثقافته؟ وأي ثقافة مثلاً هي المنزوعة عن الشيعية أو السنّية في لبنان، حيث النظام السياسي والاجتماعي طائفي، وحيث صعد “حزب الله” بثقافة المحرومين، ويُحبَط السُنَّة (والمسيحيون) اللبنانيون، ومثلهم العلويون السوريون، بثقافة (خسارة) السلطة؟

لا إجابات ميسّرة. والأسئلة، أحياناً، أهمّ من الإجابات.

لكن المؤكد أن أطفالاً سوريين ناجين، سيكبرون، كما لم يكبر آباؤهم وأجدادهم.

المدن

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

رغم العوائق الكبيرة… هل حققت صحف المعارضة التأثير المطلوب؟/ محمد كساح

    على الرغم من أناقتها وجمال ورقها المزدان بأبهى الألوان، إلا أن الصحف المطبوعة ...