دمٌ حمصيٌّ للبيع…..!


إبراهيم اليوسف

لم يكن يخطر ببال أحد، أن تبلغ درجة الوحشية بالنظام السوري كي يقدم في يوم الذكرى الثلاثين لمجزرة حماة، بل ويوم المولد النبوي الشريف، لتهجم فلول قطعان شبيحته، وجيشه، ومرتزقته، ومخابراته، على حيِّ الخالدية الحمصيِّ، الآمن-شقيق بابا عمرو وغيره- بكل عتاده الثقيل من الحقد، والضغينة، وأسلحة الهاون، كي يتمًّ تدمير حوالي مئة منزل، بل وقتل أكثر من خمسمئة شهيد، وجرح أكثر من ألف وخمسمئة شخص، من بين هؤلاء أطفالٌ، وشيوخٌ، ونساءُ، بل إن هناك أسراً أبيدت عن بكرة أبيها، وبطريقة لا يمكن أن يقوم بها جيش أيِّ محتلِّ على وجه البسيطة، له نواميسه، وأخلاقياته، بعيداً عن ألفباء الحروب نفسها……!

كانت مناظر الدماء التي تشخب، تصفع نواظر العالم في أربع جهاته، وصراخ استغاثات الأطفال يملأ الكون، دوياً وأنيناً، وكيف لا؟، وهذه المجزرة الرهيبة يندى لها الجبين، وتقشعرُّ لها الأبدان، لاسيما وأننا في عصر الثورة المعلوماتية، وما بعدها، حيث كانت مناظر البيوت المتهدِّمة، أنقاضاً، والأجساد المهشَّمة أشلاءَ ممزَّقة، حيث لاماءَ، لا كهرباءَ، في قرارة قرِّ هذا الشتاء، لاسيِّد إلاجبروت روح ابن حمص الأسطوريِّ، في وجه آلة الرعب والدمار .

حمص التي قدمت حتى الآن آلاف الشهداء، محققة بذلك أعلى رقم في السلم البياني لتضحيات الثورة السورية كاملة، ينظر إليها النظام الدموي في دمشق بعين المجرم الفتاك الذي راح يستهدفها، لأنه يعلم أن ماء هذه المدينة التي نهل منها أبناؤها، هو وحده أنبت أشجارقامات أبناء استثنائيين، شكلوا إحدى أهم معجزات الصمود في العالم المعاصر، فاستطاعت مدينتهم هذه، أن تكون بمثابة القلب في سوريا، بل الروح، فهي التي مدت الثورة بالنسغ، على امتداد بضعة أشهر من تلبيتها لنداء الواجب، والحقِّ، والضمير، وإن كانت تحت نير أعتى حصار عرفه التاريخ المعاصر، حتى الآن، بيد أن إنسانها البطل الذي يعيش ظروفاً قاهرة، بائسة، لم تنحدر إليها أحوال الغزين تحت الحصار والقصف الإسرائيليين، في أواخر عام 2008، وكان قاتل أطفال حمص أكثر من يتشدَّق بضرورة كسر حصارها، بيد أنه راح يوقف-في المقابل- قوافل الإغاثة القادمة من العالم إليها، وإلى أخواتها، كتوأمها حماة، أوإدلب، أو الزبداني، أو دوما، وبقية المدن الكليمة المستباحة، إذ أن لسان حال حمص الآن” لا ضماد، لا أدوية، لا مستشفيات، بل إن الطبيب ليلجأ إلى خيوط الملابس ليخيط بها ما يمكن رتقه من جروح، فاغرة، من دون مخدر،أو مطهر، ولا أكياس دم، من أية زمرة، كانت، حيث من يتبرع بالدم يسفك دمه، في ظل حالة يجهز الشبيحة في المستشفيات على المتبرعين بالدم، والمسعفين، كما يفعلون مع الجرحى، بدلاً عن مداواتهم، وإن كنا نشير-هنا-إلى حمص، فهي مرآة سوريا، وصورتها، ومهندسة الثورة، والحلم والأمل، وإن كان في كل حيِّ سوريِّ آثارُ جريمة الطغاة، إذ لا تنفكّ مواكب الضحايا السوريين تترى إلى المدن، بالتساوي، والقاتل واحد، كما يعرف ذوو الضحية، لأنَّ من يرفض أن ينخرط في قتل أخوته السوريين، فإنه يقتل، ويزفُّ في تابوت إلى أسرته، كي تصور موكب جنازته “فضائية دنيا الأكاذيب”، هذه الفضائية التي راحت تتهم شهداء حمص أنهم أجهزوا على أنفسهم، وتقدم الأوسمة والتبريكات للقاتل وزبانيته، بأسماء ذوي الشهداء أنفسهم، زوراً أو تزويراً، بينما دبابات النظام المجرم تدكُّ المدينة من كل مداخلها، وأحيائها، وشوارعها، لمنع هؤلاء من الانتحار، ما دعا جعفريُّ الفتنة خرِّيج مدرسة السفير يوسف أحمد وطالب إبراهيم وخالد العبود وشريف شحادة وأحمد الحاج علي، وغيرهم من بيادق الإعلام التلفيقي الذين صاروا مهازل عالمية، ولن تكون نهاياتهم بأفضل من نهاية محمد سعيد الصحاف وغيره من بقايا غوبلزيي التاريخ، ما دعا الدعيَّ لمحاولة تلويث قصيدة نزارقباني الذي فقد حبيبته بلقيس بسبب حنق نبع هذا الإجرام نفسه، بفمه القذر، ممثلاً دور القاتل الذي يسوق أدلته لمعاقبة الضحية، كمهرّج، بخس، رخيص، عديم الضمير، مزوِّراً الحقائق، قالباً إياها رأساً على عقب، مادام أنه عارفٌ بأنَّ أسياده من قتلة دمشق، قد أقدموا مطمئنين على مواصلة البطش في أبشع صورة تنكيلية في عمر الثورة السورية التي يجري عقربها نحو إكمال دورتها الحولية، بعد أن وصلتهم ذبذبات المورس الروسي الصيني، في خلطته الإيرانية الحسن نصرية، العجيبة حيث التقاء أقطاب غواة الجريمة في ميثاق طُبِّق لأول مرة، على حساب أبناء سوريا البطلة الذين كان لثورتهم إيقاعُها السلميُّ، الإنسانيُّ، الوطنيُّ، بعيداً عن أي شكل ناشز، مادام الشبِّيح وهو يكشف عن نفسه-رسمياً- حيث لادين، ولا طائفة، أو قومية له، ولا مبدأَ، أو أيديولوجيا..له، فهو نسيجُ حالة غريبة، من التقاء معاشر أناس شرعوا بالقتل، ثم راح كل منهم يصوغ رؤيته على حساب الدم المهدور، ليتحدث مافيات السياسة عن الوطنية، والتدخل الأجنبي، وهم العملاء التابعون للخارج كما تدل على ذلك هوية هذه الحفنة الناشزة من الشبيحة الأشرار.

وإذا كانت أشلاء جثث شهداء حمص، تحت أنقاض البيوت، أوفي الشوارع مرمية، والدم الحمصي-وهو جزء من الدم السوري أو رمز له- يشخب من خاصرة خريطة الوطن، ويرفع في هذه اللحظة نفسها مندوبا روسيا والصين يديهما الملطختين بالدم السوري، عينه، ليسجلا فيتو البغاء،المزدوج، ضد قرار مجلس الأمن، الخجل، الذي لا يرتقي إلى مستوى قطرة دم حمصي، فإن هذا ما يؤكد أن ثمة مسخاً روحياً تعرض له بعضهم من عديمي المشاعر الإنسانية، ما أدى بهم للتصامم، والتعامي، إزاء كل ما يجري في سوريا من أهوال، فلم يكتفوا بأن يتخذوا دور النظارة باردي الدم والأعصاب، بل راحوا يشرعنون لاستباحة الدم، منحازين إلى القاتل، مانعين أبسط أيمان الموقف الإنساني، من أن يأخذ مجراه، بينما هم أنفسهم قد يتداعون إذا تطلبت مصالحهم، كرمى لأتفه الدواعي اللاإنسانية، بعد تغليفها بإطار إنساني، صرف، وهاهم أنفسهم يتوعدون الثورة بنصرة المجرم، أو قطع أيادي الثوار، كي يجهزوا على آخر طفل تعلم قولة”لا” .

إن الإنسانَ السوريَّ وفيٌّ لتاريخه، ووفيٌّ لأبطاله، وهو يعرف كيف يلعن المجرمين، ومن يساندونهم، أنَّى وردت سيرهم النتنة، وهنا الحديث عن مجرد نماذج من الطغاة، المستبدين، ملطخي الدم، محددين بأسمائهم، وسلوكياتهم، بعيداً عن أي محيط لاعلاقة له بهم، مادام أن آلة الطغموت لما تعول على” الأجنبي” في أن يسند فوهات أسلحتها متعدِّدة الأشكال، والأحجام، و الفعاليات، للفتك بالشريك الوطني، ولا أحد من طرفي معادلة النصير والمنصور لينتبه إلى أن في إمعان النصير في مهمة نصرة المنصور التابع، والذابح، ظلماً، وجوراً، ووحشية، إيذاناً بنهاية ربيبه والغ الدم، بل وإيذاناً بوأد امتداد امبراطورية كل منهم، نحو هذا البلد الآمن الذي بات موشور دم أبنائه، يبين له: من هم الأصدقاء؟، ومن هم الأعداء؟، وإن كان حصيد السوريِّ في هذا الاكتشاف جدَّ أليم، حيث هو دون سند، أو ظهر، مادام وعيد كل مدع، جار، أو مجرور، في وجه النظام الجائر، يذوب، وتذروه رياح الواقع التي تكشف عورات كل الزائفين، وإن كان السوري-نفسه- موقن أن لا عمر للاستبداد، ولا حياة للإذلال، ولا مستقبل للاستعباد، وإنه لقادم على صناعة أول تاريخ له، يشبه ملامحه الشخصية تماماً، أجل، إنه السوري، مقبل، ليصنع فجر حريته، فليفسح العالم له الطريق…..!.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...