الرئيسية / صفحات الرأي / دور الإعلام الإلكتروني، وتحديدا مواقع التواصل الاجتماعي، في ظاهرة تمدّد الإسلام السياسي بمختلف أطيافه

دور الإعلام الإلكتروني، وتحديدا مواقع التواصل الاجتماعي، في ظاهرة تمدّد الإسلام السياسي بمختلف أطيافه

في حلقة اليوم من «سجالات» نتناول موضوع دور الإعلام الإلكتروني، وتحديدا مواقع التواصل الاجتماعي، في ظاهرة تمدّد الإسلام السياسي بمختلف أطيافه. وفي هذا السياق نطرح سؤالين يجيب عليهما أربعة من الخبراء والمتخصصين: السؤال الأول هو: هل أسهمت مواقع التواصل الاجتماعي حقا في تمدّد الإسلام السياسي؟ ويجيب عليه

هل أسهمت مواقع التواصل الاجتماعي حقا في تمدّد الإسلام السياسي؟

———-

هل أسهمت مواقع التواصل الاجتماعي حقا في تمدّد الإسلام السياسي؟: نعم…. .. وكانت الجماعات المتشدّدة المعادية للتقدّم في طليعة المستفيدين منها../فيصل عباس

باسم الدين، لا تتورّع الأحزاب الإسلامية المتشددة عن محاولة إلغاء الآخر في سعيها للحصول والإبقاء على السلطة، وشأن الإسلام السياسي في ذلك شأن اليمين المسيحي المتشدد أو الأحزاب اليهودية المتشددة. ولأن معتقدات أتباع مثل هذه الأحزاب عادة ما تكون خليطا بين الدين والدنيا، فإن علاقتها بالتقنية تكون عادة مثيرة للجدل، فكل ابتكار هو «بدعة» محتملة، وكل «بدعة حرام»… إلا إذا ما ثبت أنها يمكن أن تفيد في بسط نفوذهم السياسي، فعندها ينقلب الحرام حلالا.

الإعلام، بحكم كونه مرفقا عاما، ليس ببعيد إطلاقا عن هذا السياق، خصوصا، في ظل التطوّرات التي شهدها تقنيا خلال العقود الأخيرة.

ولمن لا يتذكّر، فقد كان الإسلاميون أشدّ أعداء الفضائيات لدى انطلاقتها في التسعينات، فحرّموا مشاهدتها وكفروا مُلاّكها، ولكن حالهم تبدل اليوم من السعي لمنع الصحون اللاقطة وتحطيمها إلى امتلاك قنوات وشبكات تلفزيونية خاصة بهم، تبث أفكارهم وتحرّض على أعدائهم وتهدر الدماء دون رقيب أو حسيب.

رأينا الأمر نفسه يتكرّر في ظل انتشار الإنترنت، التي عاداها الإسلاميون المتشدّدون أشد عداء، وحذّروا من كونها «وسيلة لهتك الأعراض ونشر المحرّمات»، لكنهم سرعان ما تعايشوا مع الأمر وسخّروا التقنية مجددا لخدمتهم، فبرعوا في بث الكراهية والترويج لأفكارهم المتشدّدة عبر ما كان يسمى في بداية الألفية الثالثة بـ«المُنتديات الإلكترونية».

ومع التطوّر الحاصل بفضل تقنية «البرودباند» وتوافر الإنترنت على الأجهزة المحمولة، وانتشار شبكات التواصل الاجتماعي، لم يكن مستغربا أن تسارع الجماعات الإسلامية إلى الاستفادة من هذه التغيّرات، خصوصا بعد ما أثبتته مواقع مثل «تويتر» و«فيس بوك» و«يوتيوب» من قدرة على التأثير خلال ثورات «الربيع العربي» عام 2011.

وبما أننا أتينا على ذكر «الربيع العربي»، فلا بد لنا أن نتذكّر على سبيل المثال أن «ثورة 25 يناير» في مصر لم تكن ثورة إسلامية، وأن الإخوان المسلمين ما كانوا هم من قادها، أو هيّأ لها أو مكّنها من النجاح. ولا بد لنا أن نتذكر كذلك، كيف سارع المعلّقون والمحللون السياسيون بعد فترة قصيرة من تلك الثورة إلى الحديث حول كيف استطاع الإخوان اختطافها وتسخيرها من أجل الوصول إلى السلطة، وهو ما حصل فعلا إلى أن تمكّنت ثورة أخرى من إنهاء حكم الرئيس الإخواني محمد مرسي بعد أقل من سنة على توليه سدة الرئاسة.

وفي الواقع، فإن الإخوان «اختطفوا» الثورة بمنصاتها الإلكترونية. فعلى سبيل المثال، لوحظ خفوت نجم صفحة «كلنا خالد سعيد» التي أنشأها وائل غنيم والتي كان لها دور محوَري في «ثورة 25 يناير» لصالح الصفحات والمواقع الإخوانية. ولوحظ كم كان الإخوان نشطين إلكترونيا إبان حكمهم، مع الإشارة بشكل خاص إلى تركيزهم في التواصل باللغة الإنجليزية تحديدا عبر موقع «إخوان ويب» الإنجليزي وحسابه على «تويتر» الذي لديه حاليا أكثر من 114 ألف متابع.

كذلك تجدر الإشارة إلى أن الإخوان المسلمين يملكون مجموعة منصّات متكاملة تتضمن موقعهم العربي «إخوان أون لاين»، وموقع فيديو يسمى «إخوان تيوب»، وموقع «ويكيبيديا الإخوان» الذي يتضمّن التاريخ الرسمي للجماعة، وموقع لـ«إخوانوفوبيا» وشعاره باللغة الإنجليزية why do they hate us? (لماذا يكرهوننا) بالإضافة إلى موقع «إخوان بوك» وهو محاولة لتكوين شبكة تواصل اجتماعي خاصة بأنصار الجماعة.

وبطبيعة الحال، لم ينحسر نشاط الإخوان إلكترونيا بعد سقوط حكمهم، وما علينا سوى أن نراقب عدد المستخدمين الذين جعلوا من شعار «رابعة» صورة لحساباتهم على «فيس بوك» و«تويتر» لندرك مدى قدرة الإسلام السياسي على تسخير التقنية للترويج لأهدافه.

في المقابل، بالإمكان القول بكل تأكيد بأن شبكات التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين، وأنها في الوقت نفسه كانت وسيلة لكشف زيف هذه الأحزاب وتفكيك الخطاب المتديّن الذي لا يتورّع عن استغلال الإسلام لتحقيق مطامعه. وربما هذا صحيح إلى حد ما، إلا أن المعركة – إن صحّ الوصف – بطبيعة الحال غير متكافئة. ففي حين تتميّز الجماعات الإسلامية بكونها منظّمة، فإن هذا لا ينطبق على الليبراليين العرب – إذا ما اعتبرنا أنهم هم من يشكّل الجهة المضادة – كما أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لخدمة الإسلام السياسي يحمل طابعا «جهاديا» في الغالب، وهو ما يشكل حافزا من الصعب أن ينافسه أي حزب «دنيوي».

وفي هذا السياق، تبرز تصريحات لبرايان جينكينز، المستشار لدى «راند كوروبريشن»، وهي مؤسسة فكرية لا ربحية تقدّم الدراسات والأبحاث للجيش الأميركي، الذي اعتبر في شهادة أدلاها أمام لجنة الأمن القومي في الكونغرس عام 2011 أن تنظيم القاعدة كان «سباقا في استغلال الإنترنت». وتابع: «يرى تنظيم القاعدة نفسه تنظيما دوليا. وبالتالي، يعتمد على شبكة اتصالات دولية للوصول إلى أتباعه المفترضين. وهو يرى أن مهمته لا تنحصر في إرهاب العدو فحسب، بل إيقاظ المجتمع الإسلامي أيضا، ويرى قادة هذا التنظيم أن الاتصال هو 90 في المائة من المعركة».

إنه لأمر سريالي بكل تأكيد أن يكون أعداء التطوّر، مثل هذه الجماعات الإرهابية، أكثر المستفيدين من التقنيات الحديثة. ولا بد لنا من إدراك حقيقة هذا الأمر وأبعاده ومواجهته كي لا نسمح بأن يستمرّ ما سبق أن حذّر منه الصحافي العربي البارز عثمان العمير دوما.. وهو أن يُسخر «التقدّم في خدمة التخلف».

*رئيس تحرير موقع قناة «العربية» الإنجليزي، ومحرّر ملحق الإعلام سابقا في صحيفة «الشرق الأوسط»

هل أسهمت مواقع التواصل الاجتماعي حقا في تمدّد الإسلام السياسي؟: لا… تمدّد الإسلام السياسي سببه ظروف أخرى بجانب وسائل التواصل الاجتماعي/ محمد عبد اللاه

قال وزير الداخلية المصري اللواء محمد إبراهيم في مؤتمره الصحافي في القاهرة خلال الأسبوع الماضي إن أعضاء جماعة الإخوان المسلمين «مَهَرة في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي»، فيما كان اعترافا منه بشيء إيجابي للجماعة في وقت يجري فيه ما يرقى إلى «إعدامها» في أعين الناس.

ومن مطالعتي لمواقع التواصل الاجتماعي أرى أن أعضاء جماعة الإخوان بشكل خاصّ لديهم حماس فعلي في استخدامها في توصيل رسائل الجماعة إلى الجمهور في الداخل والخارج. ولكن، مع ذلك، يصعب القول إن تلك المواقع قدّمت إسهاما كبيرا – وحتما ليس أساسيا – في تمدّد الإسلام السياسي.

ولنتكلّم عن التجربة في مصر.

الحقيقة أن نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك هو مَن قدم الإسهام الأكبر في تمدّد الإسلام السياسي من خلال حفاظه على علاقات تعاون عملية مع جماعة الإخوان المسلمين تضمّنت الكثير من المساومات والنفع المتبادل على مدى السنوات. وكانت تلك العلاقات أساس المفاوضات التي دخلت فيها جماعة الإخوان المسلمين مع نظام مبارك في أيامه الأخيرة للاتفاق على فترة انتقالية بعد النظام الذي كان ملايين المصريّين قد أصروا على وضع النهاية للذراع السياسية له (الحزب الوطني الديمقراطي).

بل إن من الصور التي لا تغيب عن الأذهان لتلك العلاقات أن الرئيس المعزول محمد مرسي قال في مقابلة صحافية عام 2010، حين كان عضوا قياديا في جماعة الإخوان المسلمين، إن الجماعة لن تقدّم مرشحين لانتخابات مجلس الشعب في الدوائر التي سيتقدم للترشح فيها من سمّاهم رموز النظام الحاكم. وذكر منهم بالاسم من صبّ عليهم الإخوان المسلمون الإدانات بعد الإطاحة بنظام مبارك.

والحقيقة أن علاقات التعاون بين الجانبين كانت أبرز الأسباب المهمة لتمدّد الإسلام السياسي باعتبار أن أيدي الإسلاميين، التي كانت طليقة في المجال التجاري وفي مجال مؤسّسات التعليم الخاص ومؤسسات الرعاية الاجتماعية، وهي المجالات التي لعبت الدور الأكبر بعد الإطاحة بنظام مبارك في إقبال الناخبين على المرشحين الإسلاميين. وربما كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد ظنّ بعد الإطاحة بمبارك أن الإسلاميين سيواصلون معه علاقات التعاون التي كانت مع نظام مبارك، وهو ظنٌ خاب بعدما هيمن الإسلاميّون على مجلسي الشعب والشورى، ثم فازوا برئاسة الدولة في منتصف العام الماضي.

وأعتقد أن الإخوان المسلمين كانوا مستعدين لمواصلة التعاون مع مؤسّسات الدولة العميقة التي تركها مبارك، كما كان التعاون قائما من قبل، لولا التغير الكبير الذي طرأ على الحالة النفسية والمزاجية للشعب المصري بعد الإطاحة بمبارك، وهي حالة جعلت الملايين لا يرضون بسمات الوضع السياسي والاقتصادي والقضائي التي كانت أساس نظام مبارك. والحقيقة أن نظام مبارك كان حريصا على التيار الإسلامي بمختلف أجنحته على الرغم من القمع الذي مورس ضده من الأجهزة الأمنية. فمراجعات الجماعة الإسلامية في السجون كان دور الدولة فيها كبيرا حقا، وكانت الحكومة مستعدة لتصفية القضية برمتها لولا أن بعض قادة الجماعة ظلوا على موقفهم من العداء للنظام.

وهكذا، أقول إنه إذا قيس إسهام مواقع التواصل الاجتماعي في تمدّد الإسلام السياسي بهذه الأشياء يكون إسهامها هامشيا لا يكاد يستحق الذكر. والحقيقة أن مؤسسات الدولة العميقة التي بقيت بعد الإطاحة بمبارك تبدو اليوم نادمة للغاية على التعاون مع الإسلاميين لأن تمدّدهم هو الذي يمثل الآن شوكة في ظهر الحكومة التي تحاول بكل الطرق الخلاص من احتجاجات الإسلاميين اليومية من أجل أن تعود السياحة والاستثمار وتتفتح موارد الرزق لملايين المصريين من جديد.

بقي أن أشير إلى شيء مهم أسهم في التمدّد السياسي الإسلامي وهو الضربات التي تلقتها التيارات السياسية غير الإسلامية من أجل ألا تصبح في يوم من الأيام بديلا للنظام يقبله الغرب الحليف لمصر. أما التيار الإسلامي فقد كان متصوّرا أنه لن يكون بديلا مقبولا غربيا.

* كاتب ومحلل سياسي مصري

————–

وهل من شأنها، في المقابل، توفير الوسائل الكفيلة بكبحه؟: نعم… تحجيم مدّ تيار الإسلام السياسي.. مهمة «عنكبوتية» ممكنة/ عبد النبي عبد الستار

نعم تستطيع وسائل التواصل الاجتماعي لعب دور مؤثر في التقليل من حجم مد تيار الإسلام السياسي، خاصة إذا علمنا أن عدد مستخدمي «فيس بوك»، مثلا، في منطقة الشرق الأوسط يصل إلى 56 مليون مواطن يمثلون القطاع الأكثر وعيا وتأثيرا على المجتمع. وأعتقد أن وجود آلاف الصفحات الخاصة كفيل بتفنيد أفكار هذا التيار وكشف متناقضاته.

تيار الإسلام السياسي يستخدم البعدين الاجتماعي والديني لدغدغة مشاعر الفقراء والبسطاء والذين يمثلون نحو 47 في المائة من إجمالي عدد سكان الوطن العربي. غير أن صفحات التواصل الاجتماعي المناوئة لهذا التيار تستطيع التركيز على متناقضاته وكيف يحتكر قادته الثروة ولا يبغون سوى السلطة ولا يتعاملون بكتاب الله ولا بسنة رسوله، وأرى أن صفحات التواصل الاجتماعي نجحت بالفعل في تقليص تأثير تيار الإسلام السياسي، وذلك بكشف قوائم بأسماء أثريائه ورصد وقائع فساد أخلاقي وتجاوزات دينية لهم والتناقض بين الأقوال والأفعال.

إن إدراك تيار الإسلام السياسي أهمية وسائل التواصل الاجتماعي، وتأثيرها الإيجابي في نشر أفكاره وتوغله بين الجماهير، دفعه إلى رصد أكثر من 20 مليون جنيه مصري لتشكيل ما يسمى «الميليشيات الإلكترونية»، وكانت مهمتها الأساسية مواجهة مَن يتصدّى لمد هذا التيار ببث الشائعات التي تزيف الحقيقة وتسيء لخصوم التيار والترويج لأكاذيب من شأنها النيل من سمعة مناوئيه. وعليه، ووفق المنطق نفسه، يجب – ومن الممكن – إنشاء مثل هذه «الميليشيات» لمواجهة هذا التيار، مثلما حدث في مصر خلال الأسابيع التي سبقت «ثورة 30 يونيو (حزيران)»، إذ نجحت صفحات «فيس بوك» في التأثير سلبيا على شعبية التيار وكشف مثالبه أمام الرأي العام.. الأمر الذي أدّى في نهاية الأمر إلى إسقاطه وتبخّر حلمه في التمدّد والتوغّل في بلدان مجاورة أخرى.

ولعل «فيس بوك» يعتبر اليوم دولة مستقلة قائمة بذاتها، قادرة على التهام أي تيار وفصيل بما فيهم تيار الإسلام السياسي بمختلف أطيافه. ولقد استخدمت هذه «الدولة العنكبوتية» في إشعال ما درج على تسميتها ثورات «الربيع العربي»، واستخدمت في إثارة القلاقل والفوضى في عدد من الدول العربية وتمكين تيار الإسلام السياسي من التمدّد والوصول للسلطة، وبالسلاح نفسه.. جرى إسقاطه بعد إضعافه، وحرقه سريعا.

لم يعد «فيس بوك» مجرد وسيلة ترفيهية لقتل الفراغ لدى العامة، ولكنه أصبح أداة تغيير وتمكين سياسية تسقط دولا وأنظمة وتيارات سياسية، ومن يملك القدرة على تفعيل هذا الدور يستطيع أن يتحكّم في صياغة الخريطة السياسية في أي مكان وزمان.

وأعتقد إن المؤسسات الرسمية للدول أصبحت تدرك تماما أهمية صفحات التواصل الاجتماعي في كشف أكاذيب وأباطيل تيار الإسلام السياسي الذي استخدم الجميع للوصول إلى أهدافه ومطامعه غير المحدودة في الاستحواذ على كل السلطات، فأسّست صفحات رسمية لإجلاء الحقائق ووضع الأمور في نصابها الطبيعي.

أصبح «فيس بوك» بوقا إعلاميا خطيرا ينافس أجهزة الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة. وهذا يعني نهاية احتكار تيار الإسلام السياسي لهذه النافذة الإعلامية الإلكترونية التي تشكّل الرأي العام في معظم دول العالم، وخاصة الشرق الأوسط.

نعم.. نستطيع مواجهة ومحاصرة مد تيار الإسلام السياسي بهذه الشبكة العنكبوتية، وبنفس سلاح هذا التيار الذي يمتطي شعارات دينية للوصول إلى مآربه السياسية. وعلى الدول التي تشهد مدا متناميا لهذا التيار الذي لا يعيش إلا في مناخ من الفوضى والاضطراب أن تبادر باللجوء لسلاح «فيس بوك» لنزع أوراق التوت التي تستر عورات تجّار الدين من المنتمين لهذا التيار، كي لا تتكرّر «سيناريوهات» مصر وتونس التي كادت أن تعصف بالبلاد والعباد. نعم مواقع التواصل الاجتماعي قد تكون جزءا من المشكلة.. ولكنها تحمل الحل أيضا.

* إعلامي وسياسي مصري

وهل من شأنها، في المقابل، توفير الوسائل الكفيلة بكبحه؟: لا… لقد تطوّرت قدرة الإسلام السياسي على فهم الإعلام الجديد واستغلاله بكفاءة/ د. نديم منصوري

استطاعت المعطيات الإعلامية الجديدة التي تبلوَرت بأشكالها المتنوعة عبر الإنترنت، أن تساهم في تقوية الشعور الوحدوي في العالم الإسلامي. ولقد أحسنت حركات الإسلام السياسي بأنواعها المختلفة مثل تيارات السَّلَفيين أو الإخوان المسلمين أو «القاعدة» أو حزب التحرير، أساليب تعميم الأفكار ونشر البرامج وأصول التأثير والتعبئة والتجنيد، بطرق مبسطة وسهلة، تستعمل النص والصوت والصورة من جهة، والنقاش والحوار والتفاعل من جهة أخرى. واستفادت كذلك، من تقنيات الإنترنت للتواصل مع المسلمين أينما وجدوا في العالم بطريقة سريعة ومجانية، ومكّنتهم من عرض أفكارهم بعدما كانت دوائر الفكر العلماني والتغريبي تمسك وحدها بمفاتيح مؤسسات الثقافة والإعلام في العالم.

من هنا فقد استغلت حركات الإسلام السياسي خدمات الإنترنت ليس في الوصول إلى الجمهور وحسب، بل في كسر القالب الرقابي لوسائل الإعلام التقليدية للأنظمة الحاكمة محليا ودوليا، كون وسائل الإعلام الجديدة لم تعد تخضع لقنوات التوزيع الرسمية في الدول التي تنشط فيها هذه الحركات، وبالتالي فإن هذا الأمر ساعد في زيادة فرص تحكم هذه الحركات بأفكار الأجيال الصاعدة، خاصة وأنها تستخدم العامل الديني الذي يعتبر المحرّك الأساسي لمشاعر الأمة الإسلامية. كذلك فإن لهذه الحركات الإسلامية وجها آخر هو التأطير. فهي تركز على قضايا محددة وتضعها ضمن دائرة التغيير الإيجابي والتحرر من الأنظمة الاستبدادية وتحقيق الخلافة الإسلامية.

وتعتبر هذه الحركات أن للدعوة إلى الله عبر الإنترنت فوائد لا نجدها في وسائط أخرى، ولا بد من الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، بعد أن حل الإنترنت مكان المساجد في عمليات التعبئة والمشاركة والتدريب والتجنيد، وفي عملية التواصل بين القيادة والأعضاء. وقد تصل حدود هذا التواصل إلى مستويات عديدة تبدأ بجذب الجماهير والمتعاطفين، وتمر بتجنيد المجاهدين الإلكترونيين، وصولا إلى قيام الدولة الإسلامية الافتراضية أو ربما الواقعية.

ولقد عرضت في كتاب لي بعنوان «سوسيولوجيا الإنترنت» في فصل خاص، موضوع الإنترنت والحركات الإسلامية السياسية، واستطعت أن ألحظ من خلال تصفح معظم المواقع الإلكترونية التابعة لها بعض الملاحظات التي تتلخص في:

– حرص هذه المواقع على عرض المادة الدينية من خلال الكتب والمصادر والمراجع والفتاوى والمقالات.

– تخصيص صفحة خاصة للمحاضرات والدروس الدينية.

– تخصيص قسم للنقاش والحوار والتفاعل بين المسلمين والداعية.

– عرض الصوتيات والفيديوهات المسجلة لإمكان الزائر التزوّد بمعلوماتها.

– نشر أفكارهم بلغات عالمية متعددة إضافة إلى اللغة العربية.

كما تجدر الإشارة إلى أن تسويق هذه الحركات لأفكارها عبر الإنترنت يفتح المجال الحقيقي لإقامة الدولة الإسلامية الافتراضية. حيث يصبح وجود المواطن الافتراضي أينما وجد سهلا وممكنا بدلا من المخاطرة وعناء التنقل وتضييع الوقت، ويصبح اللقاء «بالأخوة» مسألة تقنية تحقق الاندماج الافتراضي لكل من تشاركوا في الأهداف والعقيدة نفسها.

إن الدولة الافتراضية أضحت جزءا من حقيقة الجغرافيا السياسية على امتداد العالم. ويرتكز قوامها على التواصل لا على الإقليم الأرضي. وسواء تمكنت أي مجموعة بشرية ضم جمهور أمتها، أم لم يكن لها جمهور كبير، فإن وجودها الإلكتروني يستحق أن يُعترف به.

ويعكس نجاح بعض المواقع الإسلامية مثل موقع «إسلام أون لاين» www.islamonlaine.net، الذي يقدم الأخبار والمعلومات العامة حول الإسلام والشريعة والفتاوى المباشرة وغيرها. ويضع الموقع من بين أهدافه: تقوية روابط الوحدة والانتماء بين أفراد الأمة الإسلامية، دعم عملية التبادل المعرفي والتمازج الثقافي بينهم، توسيع دائرة الوعي بما يدور من أحداث وتطورات مهمة عربيا وإسلاميا ودوليا، وتعزيز الثقة وإشاعة روح الأمل لدى المسلمين.

من جهة أخرى، استطاع تنظيم القاعدة على الصعيد الإعلامي تقوية حضوره وتوحيد جمهوره. فقد أسس شركة إنتاج خاصة به، وهي مؤسسة «السحاب» التي تنتج أشرطة فيديو تحمل خطب أسامة بن لادن، إلى جانب مواد إعلامية – تجارية حول «القاعدة» والجهاد.

وبين عامي 2005- 2006، تمكنت «القاعدة» من مضاعفة إنتاجها من أشرطة الفيديو أربعة أضعاف. ففي عام 2006 أصدرت «السحاب» ثماني وخمسين رسالة بين مادة صوتية ومصورة، وفي عام 2007 أصدرت أكثر من تسعين، وقد أمكن نشر تلك الرسائل عبر ما لا يقل عن 4500 موقع جهادي.

وكانت «القاعدة» في الماضي تسلم أشرطة الفيديو يدويا إلى المحطات التلفزيونية الإخبارية التي كانت تحرّر المحتوى وتقتطع منه ما تشاء وتعرضه عبر شاشاتها. أما الآن فيكفي «القاعدة» تحميل الأشرطة بمحتواها الكامل، من دون قطع، على عدد من مواقع الإنترنت، ثم تنشر عناوين تلك المواقع في المنتديات الإلكترونية. وتقوم التفاعلات الافتراضية بدورها بين جمهور «القاعدة» ومؤيديها في توزيع المحتوى الذي يزداد بشكل كبير.

وللتواصل بشكل أكبر مع الجمهور أطلقت «القاعدة» مجلة إلكترونية بعنوان «ذروة السنام» تتكون من ثلاث وأربعين صفحة من النصوص والصور. وحاليا، تحرص «القاعدة» على تصميم محتواها الإعلامي بأسلوب يسمح للجمهور بتنزيله بأساليب مختلفة.. كنسخة «الويندوز ميديا» و«الريل بلاير» لمن يملكون خدمة الإنترنت الفائقة السرعة، ونسخة أخرى لمن يرتبطون بالإنترنت عبر الهاتف العادي، وأخرى لتنزيلها ومشاهدتها على أجهزة الهاتف الجوال.

* أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة اللبنانية

الشرق الأوسط

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...