الرئيسية / صفحات مميزة / سؤال الغوطة –مقالات مختارة-

سؤال الغوطة –مقالات مختارة-

 

روسيا لإفراغ الغوطة من جميع الفصائل… ودي ميستورا يلوّح بفرض «لجنة دستورية»/ إبراهيم حميدي

الدول الثلاث الضامنة لعملية آستانة «ليست مستعجلة» للدفع لتشكيل اللجنة الدستورية. دمشق «غير مقتنعة» بمخرجات مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي و«لا تريد الانخراط» في عملية تشكيل اللجنة. جميع الأطراف، كلٌّ لسببه، تنتظر زوال غبار المعارك وتحسين موقعها العسكري سواء في غوطة دمشق أو عفرين. لكن الجديد، أن الجانب الروسي بات أكثر تشدداً، إذ بات يطالب بخروج جميع مقاتلي الفصائل بما فيها قادة «جيش الإسلام» من شرق دمشق.

عليه، لوّح المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا خلال جلسة مغلقة لمجلس الأمن مساء أول من أمس، باحتمال أن يقوم بخطوة أحادية تتضمن تشكيل لجنة دستورية من خبراء وسياسيين لتبدأ العمل في جنيف إلى حين تقديم «الضامنين» الثلاثة قائمة المرشحين كي يختار منها أعضاء اللجنة، الأمر الذي قابله ممثل روسيا بغضب شديد. واعتبر أن حصول ذلك «لن يكون أمراً سياسياً بل بمثابة عصف فكري لمركز أبحاث».

في التفاصيل، يتوقع أن يجتمع ممثلو «فيلق الرحمن» مع الجيش الروسي شرق دمشق، اليوم، لبحث تفاصيل تسوية. واشترطت موسكو قبل الخوض في ذلك أن يحضر من «فيلق الرحمن» شخصيات ذات وزن وتستطيع أن تنفّذ التعهدات قبل الاتفاق على مكان وزمان المحادثات التي أسهمت الأمم المتحدة في ترتيبها. ويتوقع أن يكون البند الرئيسي بالنسبة إلى روسيا، هو آلية الخروج من الغوطة ومراحل تنفيذ ذلك وإمكانية التمييز بين «الفيلق» و«جبهة النصرة» والعناصر المحليين والأجانب الذين يبلغ عددهم عشرات من أصل نحو 250 عنصراً.

وكان دي ميستورا قد أبلغ مجلس الأمن الدولي، أول من أمس، بوجود اتفاق بين الجيش الروسي و«جيش الإسلام» يتعلق بدوما، شمال الغوطة، بعدما فصلت قوات النظام وموسكو المدينة عن باقي الغوطة. وتضمن الترتيبات السابقة ضمان وجود رمزي لدمشق في دوما مع سحب السلاح الثقيل من «جيش الإسلام» مقابل بقاء مجلس محلي فيها وبعض المؤسسات المدنية والسلاح الخفيف في أيدي مقاتلي «جيش الإسلام». وأسهم في صوغ هذا الاتفاق ضباط مصريون باعتبار أن القاهرة شهدت توقيع اتفاق «خفض التصعيد» بين «جيش الإسلام» وروسيا في صيف العام الماضي.

لكن الجديد، حسب مسؤول مطلع على المفاوضات، أن موقف موسكو بات أكثر تشدداً، إذ إنه بعدما أعلن «جيش الإسلام» استهداف مروحية، مساء أول من أمس، وحديث بعض مسؤوليه عن استهداف مواقع روسية، باتت روسيا تطالب بـ«خروج جميع الفصائل من الغوطة وأن المفاوضات تجري حول مراحل تحقيق ذلك، ووجهة قادة الفصائل، وما إذا كانت إلى شمال سوريا أم إلى جنوبها».

ويشمل موقف موسكو «فيلق الرحمن» و«النصرة» و«أحرار الشام» و«جيش الإسلام»، ما يتناقض مع مضمون القرار 2401 الذي نص فقط على استثناء «القاعدة» والتنظيمات المرتبطة بها بموجب قرارات مجلس الأمن من اتفاق وقف النار، علماً بأن قرارات مجلس الأمن لا تشمل «جيش الإسلام» و«أحرار الشام» و«فيلق الرحمن»، في وقت تقول فيه موسكو: إن «هذه الفصائل رفضت الانفصال عن (النصرة)».

ما يجري في الغوطة وبدء قصف جنوب غربي سوريا واستمرار المعارك والقصف في عفرين، دفعت دي ميستورا إلى القول: إن «منطق الحرب هو السائد» منذ إقرار القرار 2401 الذي دعا إلى وقف النار في سوريا. لكن المبعوث الدولي أشار إلى أن ذلك لم يمنع من «الأمل في رؤية سوريا تنهض من الرماد». ورأى في إعلان وزراء خارجية روسيا وتركيا وإيران في ختام اجتماع آستانة التمسك بنتائج مؤتمر سوتشي و«خصوصاً تشكيل لجنة دستورية لبدء عملها في جنيف بمساعدة المبعوث الدولي، في أقرب وقت ممكن».

وبعد الجلسة العلنية في مجلس الأمن، كان دي ميستورا أكثر صراحة وصرامة في تقويمه للوضع السوري، حسب دبلوماسيين أوروبيين حضروا الجلسة. وقال أحدهم إن دي ميستورا قال بوضوح ما مفاده أن الحكومة السورية «غير مقتنعة بمخرجات سوتشي ورفضت الانخراط في تنفيذها. أما الضامنون الثلاثة فإنهم يطلبون منا الصبر ولم يساعدونا في هذا الأمر». وأشار إلى قلقه من أن هذه المماطلة ترمي إلى الصبر حتى الانتهاء من العمليات العسكرية لفرض وقائع جديدة في غوطة دمشق وعفرين، أيْ «فرض الاستسلام السياسي».

عليه، أبلغ دي ميستورا أعضاء مجلس الأمن إمكانية تشكيل لجنة من خبراء قانونيين وخبرات أخرى تشمل أوسع تمثيل من السياسيين والنساء والأطياف للبدء بالعمل في جنيف إلى حين تقديم «الضامنين» قائمة المرشحين واقتناع دمشق بالانخراط. وأضاف أن لديه أسماء جاهزة لهذه اللجنة، وأن «هذه هي الطريقة الوحيدة ما دامت الحكومة مؤمنة بالحل العسكري للانتقال إلى الحل السياسي»، لإعطاء إشارة أن الأمم المتحدة «ليست نائمة» أمام نزيف الدم السوري.

وعندما طلب دي ميستورا من الحاضرين تقديم الدعم لاقتراحه، قوبل بالدعم أو السكوت من دول غربية، غير أن ممثل روسيا أكد ضرورة انتظار موقف الدول الضامنة لعملية آستانة وموقف دمشق و«إلا هذا النوع من العمل يكون عصفاً فكرياً لمركز أبحاث وليس عملاً سياسياً». كما اعتبر كل ما يقوله ممثلو الدول الغربية عن المعاناة الإنسانية والقتلى شرق دمشق هو «فبركات إعلامية».

الشرق الاوسط

 

 

 

 

الغوطة “درس قراءة”/ عمر قدور

مع مستهل القصف الوحشي الأخير على غوطة دمشق انتشرت على صفحات السوريين في فايسبوك صورة لدرس قراءة عن الغوطة؛ الدرس هو من أحد كتب المرحلة الابتدائية، ويعود إلى مستهل حكم حافظ الأسد. وإذا أعدنا قراءة النص المتداول فهو لا يعدو كونه نوعاً من الإنشاء البائس، الإنشاء الذي يمكن إلصاقه بأية بقعة جغرافية ريفية تصلح للزراعة وأحياناً لنزهات أبناء المدينة القريبة. اسم الغوطة يرِد في النص كمكان عام بلا أي تحديد، وهذا ليس وجه الاختلاف الوحيد مع اليوم حيث ترِدنا أخبار تفصيلية عن بلدات الغوطة، وعن القليل الذي تبقى من بساتينها ببركة تنظيم الأسد نفسه الذي رعى تدمير طبيعتها من قبل، ليُقدِم على تدمير عمرانها وإبادة ناسها الآن.

بالطبع لم يكن الإنشاء العمومي بالغريب عن المناهج الدراسية لحكم الأسد، أسوة بما هو معروف في إعلامه أيضاً. ما يدعو إلى الاستغراب هي الاستعانة بتلك الذاكرة العمومية بعد سبع سنوات من انطلاق الثورة، وكأن قسماً من السوريين لم تتطور معرفته على الأقل بسبب تعرض الجغرافيا السورية يومياً للقصف ولإبادة السكان، وأيضاً لم تتطور هذه المعرفة لتتجاوز زيف تلك النصوص مقارنة بالواقع والتدمير المنهجي السابق أو اللاحق.

قلة المعرفة هذه ليست بعيدة عن تهتك الوطنية السورية، فالغوطة التي في الذاكرة ليست الغوطة التي تتعرض للإبادة اليوم، وفي أحسن حالات ذلك النص المدرسي ليست سوى ذكرى غابرة عفا عليها الزمن. كذلك كان الأمر حين لم يجد متعاطفون مع عفرين سوى الإشارة إلى اشتهارها بأشجار الزيتون، من دون معرفة بأهلها وسكانها وطبيعتها، وفي أغلب الأحيان من دون معرفة لازمة بعموم القضية الكردية. حتى في مناسبات سابقة مماثلة كانت المعرفة موسمية، قبل أن يطويها النسيان، وعندما آلت بعض المدن والبلدات المحررة إلى مصير مأساوي برزت المناداة إلى مساعدتها ضمن مفهوم قبَلي أو عشائري هو مفهوم “الفَزْعَة”، من دون التوقف عند ما جعل ويجعل هذه المدن والمناطق منفصلة ضمن ثورة يُفترض أنها ثورة وطنية عامة.

في كل الأحوال؛ من الواضح اليوم أن الغوطة متروكة لمصيرها أمام برابرة العصر، وإبداء التعاطف معها من سوريين أو غير سوريين لا يملكون سوى ضمائرهم وكلمتهم لن يغيّر في هذا المصير. ما يُشاع عن تسويات أو صفقات لإخراج مقاتلين منها يدلّ على الحقيقة المأساوية، وهي أن المدنيين العزّل هم أكبر المتضررين من هذه الوحشية، وليس لديهم ما يفاوضون عليه.

مصير الغوطة كان في الأصل متوقفاً على تغيرات دراماتيكية خارجية تنقذها، أو على تسوية ما تحفظ حياة أهلها. لكن لم يكن هناك ما يبرر انتظار أحد الاحتمالين، فالفصائل الموجودة في الغوطة لا تحظى برعاية دولية تملك حمايتها، والحديث عن التسوية كان كلما انتعش سرعان ما ينتكس إلى حالة أشد وحشية لتصفية إحدى المناطق الخارجة عن سيطرة حلفاء الأسد. وقد يكون ضرورياً التنويه بأن وحشية ما يُرتكب من إبادة وصف لا ينتمي إلى الإنشاء أو المبالغة، ففي أساس محاصرة وتجويع الأهالي، وتجريد قافلات الإغاثة النادرة جداً من المستلزمات الطبية الضرورية، تكمن الرغبة الصريحة بإبادة أكبر عدد من المدنيين تحديداً.

منذ خمس سنوات كان مشروع حصار الغوطة قد دخل حيز التنفيذ بعد وقف تقدم الفصائل نحو دمشق، وهذا المشروع أُنجز عملياً مع الإبقاء على الفصل بين جبهة حوران والغوطتين، ومن ثم الفصل بين القلمون والغوطة الشرقية. قبل ثلاث سنوات ونصف تمكنت قوات الأسد والميليشيات الشيعية من السيطرة على بلدة المليحة التي كانت خط التماس، وحينها قاوم أبناء المدينة الاقتحام من دون مساندة من القوة الأكبر في الغوطة “جيش الإسلام”، فالأخير كان معنياً بمناطق نفوذه المباشرة، أو بإمارة حربه وتوسيعها ضمن نطاق الغوطة نفسها، أي كان معنياً بالقضاء على فصائل أخرى، وأيضاً بتكميم الأفواه واعتقال ناشطين. ولا غرابة في أن يتمكن تنظيم الأسد من فصل الغوطة أخيراً متقدماً في المنطقة الفاصلة بين “جيش الإسلام” و”فيلق الرحمن”، فالفصيلان تحاربا من قبل ولا تربطهما أدنى صلة مما قد نفترض وجوده لدى من يتشاركون الحصار والاستهداف.

بعبارة أخرى، كانت المعركة الحالية تنتظر تغطية نارية وسياسية من موسكو، ولما حانت اللحظة كان اقتحام الغوطة مسألة وقت بعد اتباع سياسة الأرض المحروقة. العنصر الوحيد الذي كان لجيش الإسلام المراهنة عليه ما هو معروف سابقاً من صلاته بالرياض، إلا أن الأخيرة تنازلت عن هذا الملف لنظام السيسي، وهذا بدوره من المرجح أن يضمر تلهفاً لاقتحام الغوطة لا يقل عن تلهف تنظيم الأسد وحلفائه. ولا يخلو من دلالة انقطاع التواصل بين موسكو والرياض الذي بدأ مكثفاً مع مستهل التدخل العسكري الروسي، وحصر الاهتمام الروسي باستمرار التنسيق مع طهران وأنقرة وتل أبيب.

لكن، كي لا نحيل كل ما يجري إلى تواطؤ الخارج أو تخاذله، ينبغي التأكيد على تناغم الداخل مع أسوأ ما في التدخلات الخارجية، بل يمكن القول بأنه منذ خمس سنوات حتى الآن لم يخض أي فصيل معركة ذات أفق وطني. يمكن القول أيضاً بأن القيادات التي كانت تتمتع بطموح وطني قد تمت تصفيتها أو طردها من الميدان، بينما حوصرت فصائل أخرى بين خيار التصفية أو التبعية المطلقة، وفي الوقت نفسه اتجه بعض الفصائل إلى تعزيز نفوذه الداخلي بمنطق إمارات الحرب، من دون تحسبٍ للحظات الحاسمة التي قد يشهدها الصراع.

هذه اللحظة وليدة ما سبق كله، فعندما سقطت القصير كانت وحيدة، وعندما سقطت يبرود كانت وحيدة، وكذلك كان الأمر مع حصار حلب واقتحامها. كأننا بالأحرى نتحدث عن مدن ومناطق لم يجمعها رابط من قبل سوى استبداد تنظيم الأسد، ولم تفلح الثورة في جمعها ولو مؤقتاً على مشروع عملي لإسقاطه. لقد فشلت محاولات عديدة لإنشاء قيادة عسكرية موحدة، وما يُسمى رئاسة أركان الجيش الحر كانت طوال الوقت بلا مصداقية لأنها تسمية غير فعلية، ولأن أي فصيل يستطيع أن ينسب نفسه للجيش الحر صباحاً ليتنصل من التسمية مساءً، مع معرفة الجميع بأن تسمية “الجيش الحر” في حد ذاتها مجاز لا يدل على تشكيل فعلي منتظم.

لقد كنا نقول نصف الواقع فقط عندما نتحدث عن انقسام السوريين بين مؤيد وثائر، وكان هذا يتكفل بالتغطية على التشرذم في صفوف من يُفترض أن توحدهم الثورة بحكم وعيهم لمصالحهم. للحق كان هناك فشل ذريع في تعميم المسؤولية الوطنية على هذا المقلب، ولم تكن الشعارات الإسلامية أو الطائفية أوفر حظاً في النجاح رغم تأثيراتها السلبية على فرص المشروع الوطني.

يا للبؤس عندما يُستعاد درس قراءة سخيف كأنه ماضٍ زاهٍ، يا للبؤس عندما لا يُستفاد من الدروس الباهظة الدم على امتداد الجغرافيا السورية، يا لبؤسنا.

المدن

 

 

 

الإرهاب كما يبدو في الغوطة/ فايز سارة

يعرف الإرهاب في أكثر تعريفاته شيوعاً، بأنه عمليات دموية مسلحة وعشوائية، تقوم به قوى منظمة، هدفها إجراء تغييرات وخلق حقائق جديدة على الأرض خارج إطار السياسة، لإجبار الآخرين بمن فيهم المدنيون على إجراء تغييرات في سياساتهم ومواقفهم. ولا يقتصر العمل الإرهابي على نشاط الأفراد والجماعات، بل يشمل ما تقوم به الدول في البعض من ممارساتها ضد الآخرين من أفراد أو جماعات ودول.

وتمثل غوطة دمشق الشرقية اليوم مسرحاً نموذجياً لواحدة من أكبر الأعمال الإرهابية، التي عرفها العالم في العقود الأخيرة من تاريخه. ففي هذه البقعة الصغيرة من محيط دمشق، هناك نحو أربعمائة ألف من السكان، أكثر من نصفهم أطفال، عاش غالبيتهم تحت القصف المستمر منذ سبع سنوات، وأغلب هؤلاء ولدوا في ظل حصار شامل مستمر منذ خمس سنوات، منع فيها دخول وخروج الاحتياجات الإنسانية بما فيها الغذاء والدواء والتجهيزات الضرورية لاستمرار الحياة.

الذنب الأساسي لسكان الغوطة أنهم خرجوا متظاهرين سلميين من أجل مستقبل وحياة أفضل لأولادهم وبلدهم مثل حال أغلبية السوريين الذين تظاهروا من أجل الحرية والكرامة في مارس (آذار) 2011، ثم ذهبوا إلى احتجاجات أوسع بعد أن أغلق النظام بوابات الحل السياسي، وأصر على حل عسكري أمني قائم على الإكراه والإجبار بالقوة، وهي جوهر الأعمال الإرهابية، التي شكلت نمطاً في سلوك نظام الأسد ضد السوريين منذ تولي الأسد الأب السلطة في عام 1970، وتعبيرها الأبرز مذبحة حماة 1982، التي قام بها حافظ الأسد وجهازه الأمني – العسكري تحت شعار محاربة المسلحين واستعادة سيطرة الدولة على المدينة بتدمير المدينة المحاصرة، وقتل عشرات الألوف من سكانها باستثناء من زج بهم في السجون، ومن شردهم في أنحاء مختلفة من العالم.

نموذج حماة في إرهاب الدولة، كرره نظام الأسد عشرات المرات ضد مدن وقرى وأحياء في السنوات السبع الماضية، سواء بواسطة قواته وأجهزته الأمنية أو من خلال ميليشياته، التي لا وظيفة لها سوى القتل والاعتقال والتدمير والتعفيش، قبل أن يطور استراتيجيته في إرهاب الدولة بإقامة تحالف إرهابي من دول وميليشيات لها تاريخ أسود، فخلق حلفاً من الروس والإيرانيين، وضم إليه ميليشيات لبنانية وعراقية وأفغانية وباكستانية، إضافة إلى شركات المرتزقة وأبرزها المرتزقة الروس.

فالروس لهم نموذجهم في غروزني بالشيشان، والإيرانيون يمارسون الإرهاب، سواء عبر ما قاموا به في إيران أو بدعمهم جماعات إرهابية معروفة ومصنفة عالمياً في قائمة الإرهاب مثل «حزب الله» اللبناني، وهو واحد من ميليشيات إيران، التي تمارس عملياتها في العديد من البلدان.

لقد حشد الحلف الثلاثي قوته في مواجهة غوطة دمشق، وبدأ عملية إبادة شاملة هناك منذ ثلاثة أسابيع، ما زالت متواصلة رغم اتخاذ مجلس الأمن الدولي المنوط به حماية الأمن والسلم الدوليين قراره رقم «2401» بإعلان الهدنة في الغوطة، دون أن تتوقف الحرب، ولا يبدو أنها ستتوقف، لأن سيناريو الحلف الثلاثي يقضي بتحويل الغوطة إلى مكان بلا سكان، ولا مصير لهم سوى واحد من خيارات: الموت، أو الاعتقال، أو الترحيل إلى الشمال باتجاه إدلب، التي لن يكون مصيرها وفق سيناريوهات الحلف الثلاثي مختلفاً عن سيناريو الغوطة إلا ببعض التفاصيل الناجمة عن تمايزات ليست لها أهمية تذكر.

إن المبرر الرئيسي لحرب إبادة الغوطة وسكانها، كما يطرحه الحلف الثلاثي، هو محاربة الإرهاب الذي يصفون به تشكيلات المعارضة المسلحة في الغوطة، وهي التشكيلات ذاتها التي انخرطت في العملية التفاوضية في جنيف وآستانة، وهي طرف في اتفاق خفض التصعيد بالغوطة الذي تم الوصول إليه بضمانة كل من روسيا وإيران وتركيا العام الماضي، وقد امتنعت روسيا وإيران عن مواجهة خروقات نظام الأسد للاتفاق، بل شاركتا فيها قبل أن تصطفا مع حليفهما في الحرب الراهنة على الغوطة، الأمر الذي يسقط بالمعنى السياسي وصف الإرهاب عن تشكيلات المعارضة المسلحة في الغوطة، ويجعل كل من يقف إلى جانب نظام الأسد، مثل إيران، توصف به.

والنقطة الثانية في دلالات انخراط الدول الثلاث في إرهاب الدولة، رفضها المضي في الحل السياسي للقضية السورية، وإغلاق آذانها عن الدعوات والمطالبات الدولية والإقليمية القاضية بوقف الحرب وإتاحة الفرصة أمام الجهود السياسية، وتحدي الإرادة الدولية المعبر عنها في قرار مجلس الأمن، والقول إن سيناريو الغوطة الذي يقارب سيناريو حلب أواخر عام 2016، سوف يتكرر لاحقاً في إدلب وكل منطقة خارجة عن سيطرة النظام في سوريا.

والنقطة الثالثة في حرب الحلف الثلاثي، يمثلها الاستخدام المفرط والكثيف للقوة في الغوطة، وتنوع الأسلحة المستخدمة. ففي الحرب، تتحشد وتتشارك غالبية القوة العسكرية لنظام الأسد وميليشياتها، وبعض القوات الإيرانية وميليشياتها، فيها يتشارك طيران الروس مع طيران النظام في القيام بالهجمات الجوية، وتتواصل العمليات الأرضية والجوية بكثافة ليل نهار، وسط عمليات رصد واستطلاع مرافقة، وإضافة إلى استخدام الأسلحة التقليدية من مدفعية ودبابات وراجمات صواريخ، فإنه يتم استخدام الأسلحة المحرمة دولياً من البراميل المتفجرة وقنابل النابالم والأسلحة الكيماوية ومنها غاز السارين، وتتحشد في سماء الغوطة الحوامات والقاذفات الروسية من كل الأنواع، إضافة إلى طائرة «سوخوي58» أحدث الطائرات الروسية، التي تستخدم لأول مرة في عمليات جوية.

لقد دمرت حرب الحلف الثلاثي وميليشياته المدن والقرى في غوطة دمشق في الأسابيع الثلاثة الماضية، وقتلت وجرحت آلافاً، وخلفت مفقودين تحت ركام المنازل وفي دور العبادة وفي المشافي البسيطة، وغالبيتهم من الأطفال والنساء الذين تحصن أغلبهم هرباً من الموت في ملاجئ لا تصلح للحياة، وبعضها تحول إلى مقابر للموجودين فيها.

وسط مقولة أطراف الحلف وأنصارهم أنهم يحاربون إرهاب جماعات التطرف، إنما يتجاهلون أن ما يقومون به هو الإرهاب الأشد وقعاً ونتائج، لأنه إرهاب مزدوج، يقوم على تشارك إرهاب الدولة مع إرهاب الميليشيات التابعة لها، وهذا لا يوقع أكثر الخسائر البشرية والمادية فقط، بل يعزز البيئة الحاضنة للإرهاب، ويولد جماعات أكثر تطرفاً وتشدداً.

الشرق الأوسط

 

 

 

 

 

سلاح الجوع في الغوطة هو الأمضى/ بنجامان بارت

غلبت الفوضى على العملية العسكرية على الغوطة الشرقية. ففي مطلعها، قضى عشرات الجنود الموالين للنظام في كمين، ومنهم خمسة من كبار الضباط. وبعد هذه البداية الأليمة، بدأت القوى المؤيدة للنظام تتقدم في ميدان المعركة. ولكن يتعذر تحديد مدى تقدمها. ويقول نوار أوليفر، محلل عسكري في مركز عمران، أن القوى الموالية للنظام سيطرت على 2.5 كلم مربع، أي 2.5 في المئة من مساحة القطاع المتمرد. «والتقدم في ميدان المعركة هذه عسير. فالمجموعات المسلحة في الغوطة فعالة ومسلحة. وهي أقامت تحصينات، وزرعت الألغام»، يقول الباحث أرون لوند. وتشن الهجوم وحدات النخبة في الجيش السوري، ومنها الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة المدرعة وقوات «النمر» التي يقودها سهيل الحسن. وتشارك كذلك ميليشيا قوات الدفاع الوطني الموالية للنظام في المعارك. ويبدو أن الميليشيات الشيعية الأجنبية الموالية لطهران لا تشارك في العملية هذه. فالمقاتلون العراقيون واللبنانيون (حزب الله»)، والإيرانيون والأفغان، وهم كانوا رأس حربة استراتيجية مكافحة التمرد السورية في حلب الشرقية ودير الزور، استبعدوا عن معركة الغوطة. والدور الإيراني يقتصر، اليوم، على طلعات جوية لطائرات درون تراقب التطورات من الجو.

فـ «الروس لا يرغبون في مشاركتهم في المعركة. ويفضلون الاعتماد على الجيش لترجيح كفة الدولة السورية. وهم يرتابون في الإيرانيين الذين يسعون الى «لا دولة» نواتها ميليشيات تأتمر بأمرتهم»، يقول صادق عبدالرحمن، صحافي في موقع الجمهورية. ويقدر موقع «المصدر» الموالي للنظام، عدد المشاركين في الهجوم على الغوطة بـ15 ألف مقاتل يساندهم سلاحا الجو الروسي والسوري. وعدد الثوار يقدر بحوالى 20 ألفاً، وهم تجمعوا تحت راية ائتلافين كبيرين: «جيش الإسلام» الذي يُمسك بمقاليد مدينة دوما والريف المحيط بها الى النشابية. ويندد الناشطون الثوريون بأفعال «جيش الإسلام الاستبدادية»- ودوره مرجح في اختطاف الناشطة رزان زيتونة في كانون الأول (ديسمبر) 2013. وركن التمرد المسلح الثاني في الغوطة الشرقية هو «فيلق الرحمن»، وهذا الائتلاف يتحدر، على قوله، من «الجيش السوري الحر» المعتدل. ولا يرفع «الفيلق» هذا لواء أيديولوجياً ناتئاً، على رغم انتساب عناصر من «الإخوان المسلمين» إليه. ورجاله يسيطرون على نواح في شرق الغوطة على حدود دمشق، مثل جوبر وعين ترما وعربين. وتنتشر هناك مجموعتان صغيرتان معارضتان للأسد: «أحرار الشام» في حرستا، وجهاديو «هيئة تحرير الشام»، وهي متحدرة من «القاعدة»، وتنشر مئات المقاتلين في دنوب غرب المنطقة. وعلى خلاف شرق حلب حيث كان عدد المجموعات المسلحة يزيد عن دزينة، وكانت نهباً للخلاف والتنافس، التجانس بين الثوار في الغوطة كبير. وعلى رغم اندلاع معارك في العام المنصرم بين «جيش الإسلام» و «فيلق الرحم»، استؤنف التعاون بينهما، ورفعوا الحواجز أو نقاط التفتيش بين إقليمهما.

ويتحدر ثوار الغوطة كلهم من الغوطة الشرقية، على خلاف مقاتلي شرق حلب الذين كانوا يتحدرون من الريف المجاور. لذا، لم تندلع خلافات كثيرة بينهم (الثوار) وبين السكان المحليين. ولكن هذه النقاط الإيجابية لا يعتد بها أمام قرار النظام استعادة الأراضي السورية كلها بواسطة نيران حليفه الروسي. ويرى سعيد البطل، مصور أفلام وثائقية، وهو خرج في 2015 من الغوطة، أن «جيش الإسلام» قادر على الصمود وقتاً لا يستهان به. فهو حفر شبكة أنفاق وخنادق في الحقول. «وفي بعض الأماكن، الأنفاق موزعة على ثلاثة مستويات، فهو يعد العدة لهذه المعركة منذ سنوات»، يقول البطل. ولكن طالب ابراهيم يخالفه الرأي، ولسان حاله مثل وسائل الإعلام السورية النظامية: استعادة المناطق الريفية وشيكة في الأيام القادمة. ويجمع مؤيدو النظام وخصومه على مسألة واحدة: لا مصلحة للقوات الموالية في اقتحام الشطر المديني من الغوطة. فمثل هذا الاقتحام يكبد الجيش خسائر باهظة. ويحرج سقوط عدد كبير من القتلى في الاقتحام موسكو من جديد أمام المجتمع الدولي. و «المرجح أن يضطر الثوار حين يحشرون في الزواية الى التفاوض مع النظام: فإما إلقاء السلاح والالتحاق بالجيش وإما الترحيل الى إدلب في شمال سورية. والنظام لا يستعجل الحسم، وكلما مرّ الوقت، تفاقمت معاناة المدنيين، وزاد الضغط على الثوار»، يقول طالب ابراهيم. وتفتقر هذه الاستراتيجيا الى الأخلاق. و «إذا سقطت الغوطة، خارت جوعاً ولم تخر أمام القوة المسلحة»، على قول سعيد البطل.

* مراسل، عن «لوموند» الفرنسية، 12/3/2018، إعداد منال نحاس

الحياة

 

 

 

السياسة والأخلاق في سوريا/ الياس خوري

مجزرة الغوطة لن تتوقف، فالعالم لا يبالي، والرأي العام في بلاد العرب دخل في سبات الانحطاط الشامل، والشعب السوري تحوّل إلى ضحية، والدم سوف يتابع النزف إلى ما لا نهاية.

يستطيع المحلل السياسي أن يعزو هذه اللامبالاة المرعبة إلى تعقيدات الوضع السياسي في منطقة صارت ملعبا مفتوحا للقوى الإقليمية والدولية: إيران وإسرائيل وتركيا، وللدولتين العظميين: الاتحاد الروسي والولايات المتحدة. كما نستطيع أن نشرح هذا التفكك المخيف بالعودة إلى مقولة انهيار الحركة القومية التي افترسها الاستبداد، وإلى صعود الأصوليات المختلفة، من الأصولية الشيعية الإيرانية إلى الأصولية السنية الوهابية.

هذه العوامل المجتمعة هي المدخل المنطقي لقراءة سياسية لخريطة الموت العربية التي صارت سوريا تجسيدها ورمزها، لكن هذه القراءة سواء قام بها الأصوليون أو القوميون، اليساريون أو اليمينيون، تهمل الجانب الأكثر أهمية الذي تؤشر له المقتلة السورية والانهيار العربي الشامل، وهذا الجانب له اسم واحد هو الأخلاق.

فالسياسة إذا جردت من بعدها الأخلاقي تتحول إلى ملعب للحمقى والنصابين والقتلة والأغنياء الجدد.

تعالوا نتوقف عند ظاهرة لا يعيرها التحليل السياسي أي اهتمام، وهي هذا الاجماع المريب بين أقصى اليمين الشعبوي الأوروبي وبين أقصى اليسار على دعم بشار الأسد. أستطيع أن أفهم ميل اليمين الفاشي الأوروبي لدعم الأسد عبر إعادته إلى الإسلاموفوبيا والعنصرية وكراهية الآخر. ففي عُرف الفاشيين فإن الوسيلة الأمثل لترويض الشعوب هي سحقها. وهذا اليمين مخلص لمقولاته، فالنظام الاستبدادي في سوريا هو الأفضل، لأنه يساهم في المعركة الهوياتية العنصرية التي يخوضها الفاشيون الأوروبيون ضد المهاجرين.

أما اليسار أو لنقل بعض اليسار فإن موقفه قائم على معادلة سياسية تبسيطية، فهو يعتقد أن الوقوف إلى جانب الأسد ونظامه هو موقف ضد الامبريالية الأمريكية. موقف هذا اليسار، الذي أصيب بالعماء، ليس بعيدا عن تراث يساري أوروبي كان في تاريخه جزءا من الكولونيالية الأوروبية، وقد قدم نسخته الكولونيالية الخاصة انطلاقا من فكرة التقدم والتحديث. كما أن مواقفه ذات صلة وثيقة بالتراث الاستبدادي الذي أسسته الستالينية في الاتحاد السوفياتي.

التقاء الضدين اليميني واليساري لا يقل بشاعة عن التقاء الأضداد الإقليميين والدوليين الذين تصارعوا طويلا على ضرورة إخراج الشعب السوري من المعادلة السياسية تمهيدا لتقاسم النفوذ في البلد المنكوب.

مواقف الدول الإقليمية والامبرياليتين المتصارعتين واضح لا لبس فيه، وإذا كانت همجية البغدادي ودولته قد ألقت لهم حبل النجاة التي سمحت بتحالفهم اللدود، فإن ما يجب فهمه وتظهيره هو الموقف اليساري دوليا وعربيا، من تونس إلى فلسطين ومن فرنسا إلى المانيا، وهو موقف يستحق التوقف عنده، لأنه يقدم درسا بليغا لمصائر الأفكار الكبرى في زمن العولمة وسيادة التفاهة الفكرية.

هذا الموقف يطرح سؤال العلاقة بين السياسة والأخلاق.

ما لم تفهمه هذه الشريحة من اليسار هو أن اليسار خرج من المعادلة السياسية، وهو في حاجة إلى مراجعة جذرية لتاريخه وسياساته وفهمه لمعنى السياسة، قبل أن يستطيع العودة إلى لعب دور سياسي، واستعادة قدرته على تمثيل مصالح الشرائح الاجتماعية المفقرة والمهمشة، التي استولى عليها اليمين، سواء أكان يمينا فاشيا في أوروبا أو يمينا إسلاميا في المشرق العربي.

قد تكون هذه الاندفاعة إلى تأييد نظام استبدادي قاتل هي ترجمة للبحث عن دور مفقود. هكذا على سبيل المثال يلجأ بعض اليساريين اللبنانيين إلى عباءة الأصولية الشيعية المتمثلة بحزب الله، ويضفون على هذا الحزب سمات لا علاقة له بها، متناسين حقيقة تاريخية صارخة، وهي أن أيدي الأصوليين ملطخة بدماء الشيوعيين ومناضلي جبهة المقاومة اللبنانية، وأن تصفية اليسار اللبناني تمت على أيدي النظام السوري وحلفائه الأصوليين.

قد يُقال إن المعركة معقدة وأن الأولوية اليوم هي لصد التكفيريين، لكن هذا الصد الذي يحصل هو نتاج تعاون أمريكي روسي إيراني، ولا علاقة له باليساريين، الذين يكتفون بالتصفيق، أو قد يقال إن الأولوية اليوم هي لمقاومة إسرائيل، والجميع يعلم أن دور النظام السوري في سحق المقاومة الفلسطينية في لبنان كان متناغما مع الدور الإسرائيلي.

هذا اليسار الذي يتلطى خلف تحليلات سياسية مثقوبة وواهية لا يريد أن يعترف بأن استعادة دوره لا تتم بمواقف بهلوانية ودونكيشوتية، بل هي نتاج عملية تراكمية تبدأ من إعادة بناء موقف أخلاقي واضح المعالم، يكون قاعدة الموقف والممارسة في العمل السياسي.

لقد فضحت المأساة السورية الجميع.

وعنوان الفضيحة له اسم واحد هو الأخلاق.

الفشل السياسي يمكن تجاوزه، أما الفشل الأخلاقي فهو داء مستعصٍ وهو يعلن نهاية مرحلة كاملة، تجرجرت طويلا في مهاوي التسويات مع المستبدين، وسقطت في النهاية في أحضان الجريمة.

ربما لا يملك أحد جوابا سياسيا على هذه المجزرة السورية المستمرة منذ سبع سنوات، فالنقاش السياسي حول مصير سوريا ومعها مصير بلاد الشام بأسرها خرج من أيدي شعوب المنطقة، وصار جزءا من مجزرة القيم في عالم اليوم.

لكن الجواب يبدأ من مكان واحد هو تأسيس موقف أخلاقي ضد الاستبداد والقمع والأصولية والعنصرية، ودفاعا عن حق الإنسان في الكرامة والحرية.

كل كلام آخر مصنوع من ألاعيب السياسة وحربائية المؤدلجين وثعبنة الانتهازيين والقتلة، ليس سوى غرق في المستنقع.

وإذا لم يتأسس موقف ديمقراطي علماني يساري جديد على هذه القيم، فهذا يعني أن مجتمعاتنا استسلمت للهباء.

الغوطة هي فضيحتنا الأخلاقية.

القدس العربي

 

 

 

 

 

لماذا التغطية الدولية على جريمة الغوطة الشرقية؟/ علي الأمين

ما يجري في الغوطة الشرقية عملية إبادة واضحة لإحدى أكبر ضواحي مدينة دمشق، فهذه المدينة التي تضم نحو أربعمئة ألف مواطن سوري، تتعرض لعملية تدمير ممنهج، تمهيداً لأكبر عملية تغيير ديموغرافي تشهدها العاصمة وريفها، بعد داريا ومخيم اليرموك، وغيرها من المدن والبلدات الممتدة بين ريفي دمشق الغربي، وصولا إلى ريف حمص، مرورا بكل المدن والبلدات السورية المحاذية والقريبة من الحدود اللبنانية الشرقية والشمالية.

تجري عملية التغيير الديموغرافي من خلال تنفيذ عملية عسكرية يشارك فيها الطيران الحربي الروسي والسوري جوّا، عبر غارات جوية تستهدف الأحياء والأبنية السكنية، ومن خلال قتل أكبر عدد ممكن من المدنيين، فيما تنفذ القوات البرية وعلى رأسها الفرقة الرابعة في الجيش السوري، بالإضافة إلى ميليشيات تابعة لإيران العمليات القتالية البرية، وإطلاق الآلاف من القذائف المدفعية والصواريخ على الغوطة من دون توقف، على الرغم من صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2401 بشأن الهدنة في سوريا، فإن شيئاً لم يتغيّر على الأرض، استمرت العمليات العسكرية من قبل النظام وحلفائه، على نفس الوتيرة، ومن دون تهيّب أي موقف صدر أو يمكن أن يصدر عن أي دولة أو مؤسسات دولية إنسانية، فيما ذكرت تقارير دولية أنّ النظام السوري استخدم ويستخدم غاز الكلور حتى بعد صدور قرار الهدنة.

الموقف الفرنسي المندّد والمهدّد، لم يلق أيّ صدى لدى النظام وحلفائه، أما الموقف الأميركي الذي لا يزال يلـمح إلى استخدام القوة ضد النظام السوري بسبب استخدامه الأسلحة الكيماوية، فهو لم يغيّر من وتيرة العنف الدموي للآلة السورية العسكرية ولا للطائرات الروسية التي تستخدم مقذوفاتها لتدمير الغوطة بحجة ضرب الجماعات الإرهابية، فيما تعمل إيران وميليشياتها على استكمال عملية القضم والذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى تدمير الغوطة كخطوة إستراتيجية لإحكام النفوذ على ما بقي خارج السيطرة في دمشق وريفها، والأهم هو توفير شروط أكبر عملية تهجير لضرب وتقويض ما تبقى من حاضنة الثورة السورية التي لم يجد النظام السوري وحلفاؤه وسيلة لإنهائها إلاّ بالقضاء على حواضنها الشعبية الواسعة.

ما يثير القلق والريبة في ما يجري اليوم في الغوطة الشرقية، هو الصمت الدولي الذي وإن كانت الإدانة هي لغة بعض التصريحات والمواقف ومضمونها، إلاّ أنّها تنطوي على محاولة التبرؤ من الجريمة، أكثر من أي سعي جدّي لوقفها، فالجريمة الكبرى في الغوطة تتم من دون استعجال، كأنما القاتل مطمئن إلى أنّ أحداً ليس في وارد وقفه عن ارتكاب جريمته، بل ثمّة ما يوحي بتغطية دولية لهذه الجريمة، لغايات ومصالح إستراتيجية. فالتغيير الديموغرافي المؤسس على تدمير ممنهج لحواضر سوريا يبدو أنه يلبّي مصالح الدول المؤثرة في الساحة السورية والدولية، من هنا فإن اطمئنان النظام السوري وحلفائه لردود الفعل الدولية الصوتية، يجعله أكثر انخراطاً في عملية التدمير والتغيير الديموغرافي، وهذا ما يترافق أيضا مع غياب شبه كامل لأي موقف عربي تجاه ما يجري من جرائم ترتكب في الغوطة، وهو صمت يعكس إما حالة عجز كامل للدول العربية عن التخفيف من المأساة في الغوطة، وإما تقبّل لكل ما يطال الغوطة ومن ورائها سوريا من جرائم إنسانية وسياسية لن تكون الدول العربية بمنأى عن تداعياتها.

كما أنّ إسرائيل التي تدرك مصالحها الإستراتيجية والأمنية على وجه الخصوص، تعلم أن ما يجري من جرائم ديموغرافية على مقربة منها في الجنوب السوري، هو الهدية الإستراتيجية التي تقدم لها من قبل روسيا وإيران والنظام السوري، ذلك أنّ إسرائيل تدرك أنّ إيران التي تلوح بصواريخها من سوريا ولبنان، ليست هي الخطر الوجودي عليها، ومع الشرخ المذهبي والاجتماعي الذي أحدثه الدخول الإيراني العسكري إلى سوريا، فإنّ تداعياته على المجتمع السوري وعلى الفسيفساء اللبنانية، ستشكّل عنصر أمان إستراتيجي على المدى الطويل، وهي مصادر الخطر التي تدعي إسرائيل وجوده فيهما، إذ من الناحية الإستراتيجية أصبح العداء بين إيران وأنصارها من جهة، والبيئة العربية السنية من جهة ثانية، يتجاوز أي عداء آخر لكلا الطرفين ولا سيما العداء لإسرائيل.

لقد ساهمت الحرب السورية عموماً والحرب على الغوطة اليوم، في ترسيخ العداء السوري لإيران في البعد الاجتماعي في الحد الأدنى، باعتبار أنّ الثابت في سوريا هو الشعب السوري أما نظام الأسد فسيتغير إن لم يكن اليوم فبعد سنوات، من هنا سيبقى عنصر الانقسام والعداء بين مكوّنين؛ شيعي تديره إيران عبر حزب الله في لبنان وعلى حدوده مع إسرائيل، وآخر طبيعي هو العمق الشعبي السوري الممتد إلى حدود الجولان المحتلّ من قبل إسرائيل، هذا الانقسام والعداء المعمد بدماء عشرات الآلاف، هو بوليصة التأمين الأهم لإسرائيل للعشرات من السنين القادمة، ذلك أن ما رسخته الأزمة السورية لدى المكوّن الشيعي في لبنان في ظل الوصاية الإيرانية عليه، هو الخطر القادم من العمق العربي السني، وفي المقابل ثمّة وعي ترسخ لدى الملايين من السوريين أن إيران وبأدواتها المذهبية العربية هي من أوغل في دم السوريين.

الغوطة جريمة ترتكب بأيد سورية وإيرانية وروسية، لكنّها جريمة تجري تغطيتها دوليا، ليس لهدف يتصل بحماية نظام الأسد، بل لهدف آخر تدمير البنية المجتمعية حول إسرائيل بمزيد من إحداث الشروخ في داخلها من جهة، ولترسيخ معادلات تقوم على جعل العداء لإسرائيل عداء لفظيا، لكنه في الواقع يلعب دور حرس الحدود لإسرائيل لعقود قادمة.

كاتب لبناني

العرب

 

 

 

 

هل «ربح» النظام السوري الحرب؟/ لينا الخطيب

نجح النظام السوري في تقسيم الغوطة الشرقية إلى ثلاث مناطق، في تكتيك يهدف إلى منع الجماعات المتمردة المختلفة التي تقاتل في هذه المنطقة من التنسيق ضده. ينظر إلى هذا التطور على نطاق واسع كخطوة أخرى إلى الأمام للنظام، في جهوده لاستعادة السيطرة في جميع أنحاء سوريا. كما بدأ كثيرون في الغرب يعتبرون أن النظام السوري يقترب من «النصر» في الصراع، وأن صانعي السياسة والوكالات الدولية يجب أن يجهزوا أنفسهم على هذا الأساس.

لكن مفهوم «السيطرة» المستخدم في الحديث عن سوريا في المجال العام في الغرب، غالباً ما يتم اختزاله إلى الأمور العسكرية. وهذا أمر مثير للجدل؛ لأنه يتجاهل البعد غير العسكري لما تشمله «السيطرة»، مثل الاقتصاد والحوكمة. إن إهمال شمل هذين الجانبين عند الحديث عن «السيطرة» يشوه حقيقة الديناميكيات في سوريا، من حيث صلتها بالأطراف المختلفة المشاركة في الصراع على الأرض، وكذلك الديناميكيات المتعلقة بمشاركة الجهات الأجنبية.

يكشف مسح مشهد الصراع السوري عن الاختلافات بين الديناميكيات العسكرية والاقتصادية والحوكمة في مختلف المناطق. في الشمال الغربي على سبيل المثال، فسر كثيرون الوجود العسكري لهيئة تحرير الشام بأنه سيطرة شاملة. تمكنت هيئة تحرير الشام من فرض سيطرتها العسكرية في إدلب بمستوى أعلى من الجماعات العسكرية الأخرى، لفترة زمنية طويلة، ولكن محاولاتها لوضع يدها على الحكم هناك لم تكن ناجحة. وقد واجهت منظمات المجتمع المدني قيامها بإنشاء «الإدارة المدنية»، كما رفض كثير من المجالس المحلية جهودها في اختراقها.

من الناحية الاقتصادية، تولت هيئة تحرير الشام توفير الكهرباء والمياه في إدلب، لاستخدام توزيع الخدمات كمصدر للدخل. وقررت أيضاً فرض ضرائب على السلع، لا سيما السلع التي تؤمن لها الربح، مثل الإسمنت والوقود، والتي يجري نقلها إلى مناطق تخضع لسيطرتها من المناطق التي تحكمها جماعات مسلحة أخرى. على الرغم من أن هيئة تحرير الشام كانت تحارب بعض تلك الجماعات المسلحة، فإنها كانت تعمل اقتصادياً معهم. وتنطبق الديناميكية نفسها على المجموعات الأخرى في الشمال الغربي، التي غالباً ما تقاتل ويتعامل بعضها مع بعض تجارياً في الوقت نفسه، مثل الجبهة الشامية وشبكات حماية الشعب.

في الغوطة الشرقية، فرض النظام السوري حصاراً لمدة خمس سنوات تقريباً؛ لكن الجماعات الموالية للنظام تعمل أيضاً اقتصادياً مع الجماعات المتمردة داخل الغوطة الشرقية، مثل «جيش الإسلام». حفرت الجماعات الموجودة داخل الغوطة الأنفاق التي يتم من خلالها تهريب البضائع إلى الغوطة الشرقية، ولكن في كثير من الأحيان كانت الكيانات التي تورد تلك البضائع للمهربين مكونة من عناصر مؤيدة للنظام، استفادت اقتصادياً من هذه التجارة مع خصومها.

في حين أن النظام قد يستولي في نهاية المطاف على الغوطة الشرقية بعد معركة دموية شرسة، فإن هذا لن يؤدي بالضرورة إلى توفير الخدمات من قبل الدولة لهذه المنطقة. إذا تم أخذ حالة حلب الشرقية كمثال قابل للمقارنة، فمن المرجح أن يستمر حرمان الغوطة الشرقية من الخدمات الحيوية، وستديرها الميليشيات الموالية للنظام التي تشارك في نهب وابتزاز السكان المحليين.

وحتى في المناطق التي ظلت تحت رقابة النظام، فإن هذه الميليشيات الموالية تقوم بالفعل بنشاطات اقتصادية تقوم على النهب والابتزاز دون تدخل من الدولة، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن الدولة السورية قلت قدرة مؤسساتها الأمنية والعسكرية، وأصبحت تعتمد على هذه الميليشيات من أجل البقاء، ولكن أيضاً لأنها غير قادرة تماماً على التحكم في أنشطة تلك الميليشيات. إضافة إلى ذلك، كانت العناصر الموالية للنظام مثل بعض النخب التجارية تعمل في تسهيل تهريب وبيع الوقود المنتج في المناطق الواقعة تحت حكم «داعش» إلى إيران.

على مستوى الدولة، يقوم النظام السوري بعرض عقود تجارية واستثمارية على روسيا وإيران، والتي تستند أحياناً إلى وعود بتقديم المصدر نفسه لكليهما، ولكن حجم الموارد المعروضة أصغر من أن يتم تسليمه على مستوى عال لأكثر من لاعب أجنبي واحد.

ما تبينه هذه الديناميكيات هو أن تفسير أي استيلاء عسكري على المساحات الجغرافية في سوريا بأنه «نصر» شامل لأي طرف، هو تبسيط غير دقيق.

بالنسبة للنظام، لا تعني السيطرة العسكرية استعادة سلطة الجيش السوري؛ لأنه يعتمد في كثير من الأحيان على الميليشيات للمحافظة على نفوذه في المناطق التي يستردها، كما هو الحال في شرق حلب. كما لا تعني استعادة الخدمات، فلا تقترن السيطرة العسكرية تلقائياً بإعادة الحوكمة كما كانت خلال الفترة السابقة للحرب. كما لا تعني السيطرة العسكرية أن الدولة ستكون مسؤولة عن المناطق اقتصادياً، أو أنها ستستفيد منها بالكامل في هذا الصدد. إن انتشار الجهات الفاعلة غير الرسمية التي أصبح النظام مضطراً إلى المحافظة على رضاها، سوف يترجم إلى ضغط على موارد الدولة. كما أن العلاقة الزبائنية التي أقامها النظام السوري مع روسيا وإيران، ستجعل الدولة رهينة لهما اقتصادياً.

إن الحملة العسكرية التركية على عفرين، وتوسيع نفوذها على الأرض في سوريا، تعني أيضاً أن النظام السوري سيجد صعوبة في توسيع سيطرته العسكرية في الشمال الغربي؛ لأن ذلك سيضعه في مواجهة مباشرة مع تركيا. هذا يتحدى كذلك فكرة أن النظام السوري «يربح» الحرب في سوريا.

حتى لو تسلم النظام السوري في نهاية المطاف الشمال الغربي، فإن الإسقاطات المتوسطة الأجل للدولة السورية، هي أنها ستواجه ضغوطاً من الأسفل ومن الأعلى: من الجهات الفاعلة غير الحكومية الموالية للنظام التي أنشأتها بشكل مباشر وغير مباشر، ومن رعاتها الخارجيين.

«النصر» العسكري للنظام لن يستعيد سيادة الدولة في سوريا.

– رئيسة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، «تشاثام هاوس» – لندن

الشرق الأوسط

 

 

 

الغوطة هي هذا كله… قوة ضارية ونكران حق الحياة وثقب أسود يبتلع مصائر ملايين/ ماتيو ريه

على رغم اليأس الذي يبعثه، لم يمكن قصف الغوطة منذ أيام قليلة مفاجئاً. فهو تتمة منطقية ومتوقعة لعمليات القمع التي يتولاها نظام الأسد في حق مناطق وأحياء تحدت سلطته وتجرأت عليه. فلا عجب في هذه الحال إذا كان مصير الغوطة شبيهاً بمصير حلب… وضخامة العنف لا تزال في مرحلتها الأولى، وتؤذن بالانتقال من القصف المتصل إلى عمليات برية، وترافق هذه فظاعات مجربة وجديدة. فالغوطة ليست على مشارف دمشق، العاصمة، فحسب، بل سبق أن صمدت في وجه الجوع والمهانة والحصار، منذ 2011. وعلى هذا، لا ريب في الاقتصاص منها اقتصاصاً بارداً، محسوباً وضارياً. ولا جديد في هذا كله غير قفز الأرقام. وهذه الأرقام لا تعليق عليها ولا شرح لها، وتبقى غير مفهومة. فما معنى حصار نصف مليون إنسان، يعانون الجوع والقصف، ويوشكون على القتل والاغتصاب والتعذيب في الأقبية السورية؟

وفي الأثناء، سمعت مقالات مختلفة تحمل على احترام مزاولة الدول سيادة تخولها التصرف غير المقيد بحياة رعاياها وموتهم. وهذه المقالات تنبّه إلى تعقيد الصراعات الداخلية والخارجية، وتشابك الأهداف والمصالح، وتستقوي بواقعية وبراغماتية تتجنبان الحسابات الأخلاقية غير المجدية، وتتباهيان بتجنبها. وتجاري المقالات الواقعية و «السيادية» تعب الرأي (الآراء) العام (العامة) من الاهتمام بالآخرين والبعيدين من الحدود الوطنية. وقد يكون تعاظم العنف الخالص وتعب الرأي العام، وسير واحدهما في ركاب الآخر على النحو الذي يُرى عليه في حال الغوطة اليوم، قرينة على طلوع مرحلة جديدة تشهد ولادة عهد الضراوة الفظة، وعهد أهلها.

وظهور هذا العهد، أو نذره الأولى، يعود إلى أعوام 1990. وهو ولد من تكاتف مبادئ وأصول مجتمعة: جنوح صور العنف إلى أقاصيها، وتشابك الأوضاع المحلية بالأوضاع الدولية، التحفف من السياسة ومسوغاتها، وغلبة النازع إلى تمزيق الأنسجة الاجتماعية والسياسية في مناطق جغرافية وسكانية برمتها. وإفريقيا البحيرات الكبرى، وقلبها منطقة كيفو، تنهض علماً على غلبة هذا النازع. فإبادة التوتسي، والمجازر المتكررة في غابات الكونغو، ونزوح السكان بمئات الآلاف بين رواندا والكونغو وبوروندي، كل هذه أنجزت ما ينبغي أن يسمى فوضى مستشرية. ودخلت على الفوضى مصالح مادية يرعاها أصحابها، وأنشئت ميليشيات يجهل معظمنا أسماءها، وتداولت الأطراف الضالعة أعمال الغدر ونصب الحبائل والكمائن.

وكانت طلائع الأزمات لاحت في أوائل عقد 1970، وتسارعت في عقد 1990. ويتولى عقد 2010، وهو يسري إلى يومنا، الحفاظ على حال من العشوائية المحلية والمحصورة. وشيئاً فشيئاً ابتلع ثقب أسود مصائر ملايين البشر التائهين على دروب المنفى في أحسن الأحوال، أو الغارقين في دوامة حرب الكل على الكل، في شرها. وترقى الحال إلى مكانة المثال السياسي، وتجمع انهيار مركز الدولة المتفسخ نتيجة التسلط والنهب إلى استحالة نهوض نظام قائم على دمج السكان في إطار متماسك، إلى الحؤول دون نفخ الحياة في السياسة. فتتكاثر بؤر السلطة ومصادرها، وتختصر في صورها الهزيلة: القتل والتعذيب والاغتصاب والخوة.

فرضخت الآراء العامة الدولية، إزاء الهول، للمعالجات الإنسانية والإغاثية. فجواب المجزرة، حال حصولها، جاهز ومعروف: خيم من البلاستيك تنصب على وجه السرعة ويتقي بها المهجرون واللاجئون، في رعاية الأمم المتحدة، الأمطار والعواصف والحر. وتتولى الوكالات الدولية، والمنظمات غير الحكومية الكبيرة، وظائف السلطات العامة والرسمية الغائبة، ومهمات الإنقاذ الأولى. وينوب القيام بالوظائف والمهمات هذه عن جبه السياسات التي تلد هذه المآسي. والعلامات على هذه الطريق معروفة: كان الصومال العلامة الأولى، وكان العراق العلامة التالية، بعد 2003. وأصمّ «المجتمع الدولي» أذنيه عما تقوله المجتمعات المدنية الأهلية، وسعى في ارتجال حلول سريعة ما لبث أن خلفت أحوالاً عشوائية متناسلة.

ولكن الأزمة السورية فاتحة مرحلة جديدة وثورية على طريق الضراوة هذه. فإلى اليوم، تمسكت المقالات المتفرقة بأهداب الأخلاق، ودعت إلى احترام حقوق الإنسان الأولية. ولكنها تتخلى، الآن، باسم الواقعية عن المعايير الأخلاقية. فما يتبقى هو نظام عنف خصوصي ومحدد يتيح لمن يملك موارد القوة، وفي مستطاعه تكديس أعظم كمية من أجهزة الدمار وآلاته، ولا يتعثر بالتمويه على أعماله ومقاصده، أن ينتصر على الخصوم والأعداء. وليس في جوق الضراوة الفظة هذا محل لـ «حكومة فاضلة». فهذا النظام يحض على تكثير التهديدات، وفتح الثغر(ات) التي يستحيل ردمها، وإرساء المفاوضة والمناقشة على موازين قوى متعاظمة التطرف والخلل.

والغوطة هي هذا كله: القوة الصماء من غير إعارة أذن لأبسط نقد أو أقله، ولأبسط تذكير بالإنسانية وموجباتها ومعاييرها، والإنكار على السكان حقهم في الحياة، ووعد من بقي منهم (ومنهن) على قيد الحياة بمصير المهاجر اللاجئ، وتعاظم ضغائن هؤلاء السكان وضغائن أولادهم الذين يشبّون وهم يسألون: لماذا لم تحولوا دون فعل هذا؟ وفي آخر المطاف ينتصر ظاهر خادع: حدود متينة ومحكمة الغلق، وجيوش من اللامبالاة «الواقعية». ولكن الحوادث، شأن كارثة الباتاكلان في 2015 بباريس، تنبهنا إلى أن مجراها الضاري يفسد مجرى حياتنا العادي والسائر، ويدمر أركان معاييرنا ويفشي عدواه في أنحاء العالم. فهل ينبغي أن تنقلب ساعة السفاحين قرن السفاحين قبل أن ننهض إلى الرد؟

* باحث في «معهد البحوث والدراسات في العوالم الإسلامية والعربية»، عن «لوموند» الفرنسية، 28/2/2018، إعداد منال نحاس

الحياة

 

 

 

 

 

سلاح الجوع في الغوطة هو الأمضى/ بنجامان بارت

غلبت الفوضى على العملية العسكرية على الغوطة الشرقية. ففي مطلعها، قضى عشرات الجنود الموالين للنظام في كمين، ومنهم خمسة من كبار الضباط. وبعد هذه البداية الأليمة، بدأت القوى المؤيدة للنظام تتقدم في ميدان المعركة. ولكن يتعذر تحديد مدى تقدمها. ويقول نوار أوليفر، محلل عسكري في مركز عمران، أن القوى الموالية للنظام سيطرت على 2.5 كلم مربع، أي 2.5 في المئة من مساحة القطاع المتمرد. «والتقدم في ميدان المعركة هذه عسير. فالمجموعات المسلحة في الغوطة فعالة ومسلحة. وهي أقامت تحصينات، وزرعت الألغام»، يقول الباحث أرون لوند. وتشن الهجوم وحدات النخبة في الجيش السوري، ومنها الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة المدرعة وقوات «النمر» التي يقودها سهيل الحسن. وتشارك كذلك ميليشيا قوات الدفاع الوطني الموالية للنظام في المعارك. ويبدو أن الميليشيات الشيعية الأجنبية الموالية لطهران لا تشارك في العملية هذه. فالمقاتلون العراقيون واللبنانيون (حزب الله»)، والإيرانيون والأفغان، وهم كانوا رأس حربة استراتيجية مكافحة التمرد السورية في حلب الشرقية ودير الزور، استبعدوا عن معركة الغوطة. والدور الإيراني يقتصر، اليوم، على طلعات جوية لطائرات درون تراقب التطورات من الجو.

فـ «الروس لا يرغبون في مشاركتهم في المعركة. ويفضلون الاعتماد على الجيش لترجيح كفة الدولة السورية. وهم يرتابون في الإيرانيين الذين يسعون الى «لا دولة» نواتها ميليشيات تأتمر بأمرتهم»، يقول صادق عبدالرحمن، صحافي في موقع الجمهورية. ويقدر موقع «المصدر» الموالي للنظام، عدد المشاركين في الهجوم على الغوطة بـ15 ألف مقاتل يساندهم سلاحا الجو الروسي والسوري. وعدد الثوار يقدر بحوالى 20 ألفاً، وهم تجمعوا تحت راية ائتلافين كبيرين: «جيش الإسلام» الذي يُمسك بمقاليد مدينة دوما والريف المحيط بها الى النشابية. ويندد الناشطون الثوريون بأفعال «جيش الإسلام الاستبدادية»- ودوره مرجح في اختطاف الناشطة رزان زيتونة في كانون الأول (ديسمبر) 2013. وركن التمرد المسلح الثاني في الغوطة الشرقية هو «فيلق الرحمن»، وهذا الائتلاف يتحدر، على قوله، من «الجيش السوري الحر» المعتدل. ولا يرفع «الفيلق» هذا لواء أيديولوجياً ناتئاً، على رغم انتساب عناصر من «الإخوان المسلمين» إليه. ورجاله يسيطرون على نواح في شرق الغوطة على حدود دمشق، مثل جوبر وعين ترما وعربين. وتنتشر هناك مجموعتان صغيرتان معارضتان للأسد: «أحرار الشام» في حرستا، وجهاديو «هيئة تحرير الشام»، وهي متحدرة من «القاعدة»، وتنشر مئات المقاتلين في دنوب غرب المنطقة. وعلى خلاف شرق حلب حيث كان عدد المجموعات المسلحة يزيد عن دزينة، وكانت نهباً للخلاف والتنافس، التجانس بين الثوار في الغوطة كبير. وعلى رغم اندلاع معارك في العام المنصرم بين «جيش الإسلام» و «فيلق الرحم»، استؤنف التعاون بينهما، ورفعوا الحواجز أو نقاط التفتيش بين إقليمهما.

ويتحدر ثوار الغوطة كلهم من الغوطة الشرقية، على خلاف مقاتلي شرق حلب الذين كانوا يتحدرون من الريف المجاور. لذا، لم تندلع خلافات كثيرة بينهم (الثوار) وبين السكان المحليين. ولكن هذه النقاط الإيجابية لا يعتد بها أمام قرار النظام استعادة الأراضي السورية كلها بواسطة نيران حليفه الروسي. ويرى سعيد البطل، مصور أفلام وثائقية، وهو خرج في 2015 من الغوطة، أن «جيش الإسلام» قادر على الصمود وقتاً لا يستهان به. فهو حفر شبكة أنفاق وخنادق في الحقول. «وفي بعض الأماكن، الأنفاق موزعة على ثلاثة مستويات، فهو يعد العدة لهذه المعركة منذ سنوات»، يقول البطل. ولكن طالب ابراهيم يخالفه الرأي، ولسان حاله مثل وسائل الإعلام السورية النظامية: استعادة المناطق الريفية وشيكة في الأيام القادمة. ويجمع مؤيدو النظام وخصومه على مسألة واحدة: لا مصلحة للقوات الموالية في اقتحام الشطر المديني من الغوطة. فمثل هذا الاقتحام يكبد الجيش خسائر باهظة. ويحرج سقوط عدد كبير من القتلى في الاقتحام موسكو من جديد أمام المجتمع الدولي. و «المرجح أن يضطر الثوار حين يحشرون في الزواية الى التفاوض مع النظام: فإما إلقاء السلاح والالتحاق بالجيش وإما الترحيل الى إدلب في شمال سورية. والنظام لا يستعجل الحسم، وكلما مرّ الوقت، تفاقمت معاناة المدنيين، وزاد الضغط على الثوار»، يقول طالب ابراهيم. وتفتقر هذه الاستراتيجيا الى الأخلاق. و «إذا سقطت الغوطة، خارت جوعاً ولم تخر أمام القوة المسلحة»، على قول سعيد البطل.

* مراسل، عن «لوموند» الفرنسية، 12/3/2018، إعداد منال نحاس

الحياة

 

 

 

 

مَن قال ليس حقيبة؟…/ علي الرز

“آه يا جرحي المكابر

وطني ليس حقيبة

وأنا لست المُسافر

انني العاشق والأرض حبيبة…”

مع الاعتذار الكامل من المُبْدِع الراحل محمود درويش، تثبت صورة المُهاجر قسراً من الغوطة أن الوطن حقيبة، وان الأرض سليبة وليست حبيبة، وأن السفر نجاة … والمُكابرة في الجرْح تزيده تَقرُّحاً.

صورةُ الرجلِ الذي نَقَلَ فلذة كبده في حقيبةٍ، تُغْني عن ألف بيت شعر بعدما ثُقب بيتُه الإسمنتي بألف قذيفة. صورةٌ تعيد صاحبَها الى المعلّقات فيرقد تحت خيمةٍ مع أولاده وزوجته وكسرات الخبز التي تجود بها الأمم المتحدة، ثم إذا حالفتْه تفعيلةُ الضميرِ النائمة على بحر الرجز او المجتث يعود الى بيت القصيد … الى أطلاله، فيقف باكياً من ذكرى وطنٍ طارِد وعالَمٍ كاذبٍ حقير.

الوطن حقيبة سفر؟ انه المُنى والحلم. محظوظٌ منَ يَعْبُر بين خطوط التماس وتَقاطُع القذائف الى خيمةٍ في مخيمٍ أو كوخٍ من صفيح. وإذا خَيّرْنا ابن الغوطة اليوم كما خَيّرْنا نظراءه في مناطق أخرى أمس بين حقيبة السفر وحَقَبَة القدَر فماذا يختار؟

بعيداً من صورتنا في بيوتٍ لها حرمتها ومناطق لها حمايتها ومكاتب عمل تتوافر فيها كل عوامل الراحة، هناك في الغوطة صورة أخرى … آخِر ما تريده بيتاً من الشعر او بياناً من مُعارِض او أملاً في يقظةٍ دولية. صورةٌ يبدو فيها المَشهد كالتالي:

منطقةٌ محاصَرة منذ أعوام، لا غذاء ولا دواء ولا هواء نقياً ولا مياه ولا أمن ولا أمان.

منطقةٌ خضعتْ جغرافيتُها للتغيير وبنيتُها السكانية للتشويه، فأَدخل اليها النظام أوراقَ مبرّراته من متطرّفين مسلّحين تماماً كما خلق مع محور الممانعة خلافة الخرافة.

منطقةٌ عانتْ من صراعاتِ القوى القديمة والحديثة قبل معاناتها الراهنة، تماماً كما كان يحصل في أماكن اخرى تتقاتل فيها فصائل “جهادية” ممهِّدةً لقبولٍ شعبي بعودةِ النظام.

منطقةٌ بقيتْ صامدةً بناسها وأهلها وهي تدرك أنها على تخوم العاصمة وأنها ستدفع ثمناً كبيراً بسبب موقعها ومَناعتها. لم تتعب لا مِن كُرْهِ النظام ولا من رفْضِ محاولاتِه المستمرة للتطويع والمهادنة، ولم تنطلِ عليها شعاراتُ “المجاهدين الجدد” الذين وَجدوا المَعابر مفتوحةً من جهة النظام للدخول إليها.

منطقةٌ توقّعتْ ان تكون ساعة المواجهة بالنسبة إليها ساعة إبادة. توقّعتْ كل شيءٍ إلا صمْت العالم حتى على استخدام نظام البراميل مجدداً للسلاح الكيماوي. توقّعتْ كل شيءٍ إلا عدم قدرة فصائل المعارضة في الخارج على تنفيذ اعتصاماتٍ تتخلّلها إضراباتٌ عن الطعام واكتشفتْ أن موت أبنائها ليس أصعب على بعض المعارضين من جوعهم.

منطقةٌ أعاد النظام وإيران وروسيا وكل الميليشيات المُمانِعة رسْم حدودها بالدم والمَجازر. الوطنُ بالنسبة الى أبنائها موتٌ، والوطنيةُ كفنٌ، والنشيدُ صوتُ الصواريخ والبراميل والقذائف، والهواءُ غاز السارين، والسيادةُ أنقاض المباني، والعلمُ جمجمةٌ وعظْمتان، والشوارعُ مقابر، والملاجىء توابيت، وشعبُها جثثُ أطفالٍ ونساءٍ وكهولٍ وشبانٍ يَستعذبُ أولادُ الشرِّ التمثيل بها تارةً بمضاعفة الأعداد وطوراً بالإدعاء أنها تخضع لإخراجٍ تصويري كي تستدرّ عَطْفَ عالمٍ … نائم.

وبعد ذلك كله، ألا تبدو صورة الوطن – الحقيبة سفينةَ نجاةٍ؟ ألا يبدو السفر في بحور الهجرة أجْدى رغم كل مآسيه من السفر في بحور الشعر؟ فعذراَ درويش، يا مَن كَتَبْتَ عن التمسك بالوطن والأرض ضدّ همجيّة اسرائيل. ليتَ الله أمدّ في عمرك قليلاً لترى ان الاسرائليين الذين حققوا أرقاماً عالميةً قياسيةً في الوحشية يقفون كالتلاميذ اليوم في مدرسة الأسد وحلفائه.

 

 

 

 

 

 

الغوطة وحكاية الثورة/ حسام كنفاني

تختصر الغوطة الشرقية لدمشق حكاية الثورة السورية في ذكراها السابعة. الجحيم الذي تعيشه الغوطة اليوم، قتلاً وتهجيراً، هو نفسه الذي عاشته مناطق سورية عديدة، في ظل صمت دولي لم يفلح سوى بالاستنكار علناً والتواطؤ ضمناً مع القتلة على الساحة السورية بأشكالهم كافة، فالقتل في سورية لم يكن يوماً حكراً على النظام وحلفائه، بل نبتت في بلاد الشام أيضاً فصائل استعارت من نظام الأسد قمعه وإجرامه، ومارست الطغيان على مساحات واسعة من الأراضي التي سيطرت عليها.

الغوطة بمعاناتها ترمز اليوم إلى الثورة المقتولة من النظام وحلفائه والمغدورة من بعض أبنائها. عناوين المعاناة متكرّرة منذ اليوم الأول للثورة. في البدء كان القتل، ولا يزال مستمراً، وإن تطورت أدواته، ودخلت أطراف عدة لتمارسه على الأرض السورية، وتجرّب ما طاب لها من الأسلحة في أجساد السوريين وممتلكاتهم. خلال السنوات السبع، لم تتراجع الوتيرة، بل زادت، ومعها زاد عدد الضحايا الذين لم يعد أحد قادراً على إحصائهم بشكل دقيق. الرقم لا يهم سوى دارسي الإحصاء وخبراء المقارنات، إلا أنه يختزن حكايات وأحلام عشرات الآلاف الذين باغتتهم براميل النظام وطائرات الروس وخلافات الفصائل المتصارعة. هذه حكاية من الثورة ومن الغوطة أيضاً بكل تفاصيلها.

للتهجير أيضاً السياق والإسقاط بين الغوطة والثورة. مشاهد الخارجين يومياً من الغوطة الشرقية تستعيد صوراً أخرى من مناطق سورية متعددة، ومن مخيمات لجوء لا تزال تستقبل هاربين من الموت اليومي. الشتات هو قصة أيضاً من الجحيم السوري، لا تزال فصولها تروى في أكثر من مكان. وأيضاً لا أرقام دقيقة لعدد الهاربين من الموت، أو المجبرين على مغادرة قراهم وبيوتهم وأراضيهم، لكن المؤكد أنهم تجاوزوا الخمسة ملايين بأقل تقدير. هي أرقام غير نهائية ومفتوحة على الزيادة، بلا أي أفق للحل، خصوصاً لأولئك الذين تقطعت بهم السبل ووجدوا أنفسهم محاصرين في مخيماتٍ لا يتمكنون من مغادرتها، أو العودة إلى بيوت كانت لهم.

التواطؤ العالمي، من القريب والبعيد، له أيضاً حصته من الثورة السورية ومن وضع الغوطة حالياً. قرارات دولية وتهديدات عدمية وتفاهم من تحت الطاولة. كلها عناوين للموقف الدولي والعربي مما حدث ويحدث في سورية. خلال الأسابيع الماضية، اقتصرت ردود الفعل تجاه المجزرة في الغوطة على الاستنكار والمطالبة بوقف القتل، مع التحذير من استخدام الأسلحة الكيماوية، والذي سيجلب رداً دولياً، على اعتبار أن القتل بالأسلحة التقليدية أمر مسموح. هي نفسها التصريحات والتهديدات التي أطلقت خلال السنوات الماضية، واستعادة كل العبارات، خصوصاً المتعلقة بالأسلحة الكيماوية. ومع ذلك، لم يتغير شيء، والقتل بالأسلحة الكيماوية والتقليدية استمر على مرأى العالم ومسمعه.

ولغدر الثورة من المحسوبين عليها قصص تروى. ولعل أحدثها يأتي من الغوطة التي شهدت اقتتال الفصائل، وتفاهمات ضمنية مع القتلة، لتحييد هذا الطرف أو ذاك. وهي الحكاية نفسها التي تكرّرت في أكثر من منطقة سورية، بعدما تحولت الفصائل إلى أطراف محسوبة على هذه الدولة أو تلك، هي تديرها وتأمرها وتحيدها لحسابات دولية، تماماً كما هو حادث اليوم في الجنوب السوري الخاضع لتفاهم عام يقضي بالهدوء، بغض النظر عما تشهده مناطق أخرى.

حكايات كثيرة تروى أيضاً عن الغوطة والثورة في ذكراها السابعة، وكلها تقود إلى أن الجرح السوري لا يزال غائراً، والتئامه ليس بقريب.

العربي الجديد

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...