الرئيسية / صفحات الرأي / سلطة قوية… مجتمع ضعيف؟!

سلطة قوية… مجتمع ضعيف؟!

 


ميشيل كيلو

هل يمكن أن تقوم سلطة قوية في مجتمع ضعيف؟. ليس الرد على هذا السؤال بالأمر السهل،فالسلطة، مهما تغربت عن مجتمعها، تحمل الكثير من قسماته وصفاته، لذلك يقال عموما : إن سلطة المجتمع القوي تكون قوية، وسلطة المجتمع الضعيف تكون ضعيفة، وإن السلطة، مهما نأت بنفسها عن مجتمعها وقويت بمكوناتها الذاتية، تجد نفسها ملزمة باستمداد القوة من مجتمعها، في الساعات الحرجة والمسائل المهمة، متى بلغت التحديات التي تواجهها درجة من الخطورة تفرض عليها اللجوء إليه، ليحميها من أخطار تتجاوز قدراتها، وتتطلب تدخله.

تتوقف قوة السلطة على طابعها والجهة التي تكون قوية تجاهها، فالسلطة المدنية، التي تنبثق من خيار انتخابي حر، تكون قوية ‘ب’مجتمعها ومؤسسات دولتها، وخاصة القانونية منها. أما السلطة التسلطية، فتكون قوية ‘على’ مجتمعها، الذي لم يخترها، المجبر على قبولها والمغلوب على أمره مع أجهزتها ومؤسساتها غير المنتخبة وتاليا غير الشرعية، التي تجعل همها إدارة ضعفه وغيابه عن الشأن العام، والامتناع عن تلبية أي تطلع من تطلعاته أو مصلحة من مصالحه.

في السلطة الأولى، المدنية، تستخدم القوة ضد الخارج أساسا، بينما تكون عنصر توازن وحماية وسلام وأمن في الداخل، لأن قوتها لا تكون موجهة ضد الشعب، الذي يستطيع محاسبتها ما دام القانون يجعل حامل المسؤولية موظفا عاما يخضع للمساءلة القضائية وقابلا للعزل أو للإقالة، مهما بلغت مكانته.

أما في السلطة الثانية، السلطانية الطابع، فتقاس القوة بضعف المجتمع، ويعبر حضورها عن غيابه، وغناها عن فقره، وعلمها عن جهله، بينما تكون قوتها موجهة بالأساس ضده وحده، وتمتحن بالضرورة فيه من حين لآخر، من خلال اعتقالات وملاحقات ومداهمات واغتيالات تطاول خصوما كثيرا ما يكونون غير محددين، أو عبر عمليات بطش منظمة بدقة غالبا ما تستهدف أشخاصا لا علاقة لهم بأي شأن عام، سياسيا كان أم اجتماعيا أم اقتصاديا، كالمارة في الشوارع أو الناس العاديين في منازلهم. هذه السلطة المتجبرة في الداخل، تكون بالمقابل ضعيفة إلى حد الوهن في علاقاتها مع الخارج، فهي تسايره وتسترضيه، لعلمها أن داخلها لا يشكل خطرا عليها، وأنه الجهة التي تستطيع إطاحتها، لكونها مكشوفة مجتمعيا، وتفتقر إلى غطاء داخلي قادر على حمايتها، أو راغب فيها.

في النموذج الأول، حيث الإرادة العامة مصدر السلطة الظاهر والملموس، يكون المجتمع حامل السلطة. أما في الثاني، فللسلطة مصدر خفي هو ذاتها الغامضة، التي غالبا ما يصعب تحديدها، وترى في المجتمع خصما تحرص على رصد حركاته وسكناته، وتعمل على إبقائه مشلول العقل والروح والإرادة، كي لا يصير حاملها السياسي وينجح بالتالي في التخلص منها.

هنا، تقرر السلطة شؤون شعبها حتى أدق تفاصيلها، وتجعله تابعا لها بقدر ما تكون مستقلة، وفي أحيان كثيرة، غريبة عنه ومعادية له. في حين يكون مجتمع النموذج الأول مدنيا، يعامل بعضه بعضا بانفتاح وتفهم من خلال وسائل سلمية وحوارية، فهو يخضع طوعيا لتوازنات تكفل أمن ومصالح مكوناته المتنوعة جميعها، وتتولى مساعدتها على حل ما يستجد فيه من مشكلات. أما في النموذج الثاني، حيث يكون المجتمع، كسلطته، تسلطيا ونزاعا إلى الانفلات والعنف، فيسود احتقار الحوار، الذي يعد علامة ضعف وتخنث، ويسيطر الإعجاب بالقوة وتقدس رموزها ويتم الانصياع لها.

في النموذج الأول، الحرية قيمة سياسية وأخلاقية لا تعلو عليها قيمة، ويتعين كل شيء بمعاييرها وممارساتها، وفي الثاني الخوف سيد الموقف والقيمة السائدة، فالجميع يخاف من الجميع: الحكومة تخاف من الشعب والشعب يخاف من الحكومة، والأخ يخاف من أخيه، والأب من ابنه، والمرأة من زوجها، وبقدر ما يكون خوف المواطن ذاتيا ورادعا وأصيلا، تكون سلامته مضمونة، إلا في أوقات الأزمات الكبرى، حيث تقلع السلطة عن التفريق بين الجمل والثعلب، كما يقال، وتضع السكين على أعناق الجميع بالتساوي، دون أي استثناء.

هل يمكن للسلطة العربية أن تكون قوية في مجتمع عربي ضعيف؟. إذا كانت السلطة هي سلطة الإرادة العامة، فإن قوتها تكون من قوة مجتمعها. أما إذا كانت سلطة نفي هذه الإرادة وإلغائها، فإنها تكون سلطة ضعيفة لها هدف وحيد هو إضعاف مجتمعها إلى أقصى حد مستطاع.

هذه السلطة تكون عندئذ كاسرة على مجتمعها الذي أضعفته، وضعيفة ومتهافتة تجاه الخارج، الذي يتلاعب بمصيرها دون كبير عناء، رغم ما قد تبدو عليه من جبروت ظاهري، ولنا في ما جرى في بعض بلداننا العربية الحالية مثلا يضرب وعبرة تدرس.

إن قيام السلطة التسلطية بإضعاف مجتمعها وإرعابه وإبعاده عن شؤون وطنه، يكشفها حين تخوض صراعا مع جهة خارجية أقوى منها، أو تواجه تمردا داخليا يهددها.

وبما أنه لا يكون لديها، في هاتين الحالتين، بديلا غير غوثه ومعونته، فإنها تكتشف متأخرة أن إضعافه أوصله إلى حال يمنعه من الاستمرار في قبولها أو المبادرة إلى تقديم العون لها، فتندم ساعة لا يفيد ندم، وتنهار بعد أن تكون قد أنزلت خسائر فادحة بوطنها ومواطنيها، الذين تبطش بهم بلا رحمة، عقابا لهم على عقوقهم تجاهها والتخلي عنها ومقاومتها والعمل على التخلص منها.

بذلك، تنتقم أفعال السلطة ضد مجتمعها منها، وتؤدي إلى هلاكها، من حيث لم تحتسب أو تظن.

ليست السلطة القوية غير سلطة المجتمع القوي والحر: مجتمع المواطنين الأحرار. أما سلطة المجتمع الضعيف أو المستضعف فلا تكون قوية إلا بمقدار ما يسكت الخارج عنها ويحتاج إليها، ويبقى شعبها خاضعا لألاعيبها، وخاصة منها تلك التي تستهدف شق صفوفه ووضع بعضه في مواجهة بعضه الآخر. هل هذا قوة، وهل سلطة كهذه قوية، مهما تجبرت وطغت وبغت على مجتمعها؟

يقول فلاسفة السياسة: السلطة القوية لا تكون إلا في المجتمع القوي، وأن السلطة الضعيفة تصير كذلك بقدر ما تتناقض أهدافها ومصالحها مع أهداف ومصالح مجتمعها، الذي لا بد أن ينتقم ذات يوم منها، فالسلطة تحمل في الحالة الأولى طابع مجتمعها بصورة إيجابية، وتحمله بصورة سلبية في الحالة الثانية، خاصة عندما توهم نفسها أنها غدت مستقلة عنه، أو أنه مجرد تابع لها، وأن بوسعها استمداد القوة من ذاتها، وضده في جميع الأحوال.

مر تاريخ العرب المعاصر في حقبتين كبيرتين : كانت السلطة في أولاهما أضعف من المجتمع، وصارت في ثانيتهما أقوى منه.

فلا عجب أن تراكمت هزائمنا الحديثة جميعها في الحقبة الثانية: حقبة السلطة القوية والمجتمع الضعيف، أو بالأصح السلطة التي أضعفت مجتمعها كي تصير أقوى منه، فكانت سلطة هزائم وأزمات وفشل وضعف في جميع المجالات، وها هو مجتمعها ينتفض ضدها ويدمرها حيث يستطيع، بعد أن فقد الأمل والقدرة على الصبر وقرر أن يستعيد دوره وحضوره الفاعل، كي لا يضيع استمرار السلطة الضعيفة كل شيء: الوطن والشعب، السماء والأرض، والحقوق والمصالح.

لم تكن معرفة سبل خروجنا من حالنا هذا بحاجة إلى منجم، فالأمور واضحة وتتلخص في امتلاك دولة تستمد السلطة قوتها فيها من مجتمع مواطنيها الأحرار، الذي يتخلق في كل مكان بعد أن أثبت في الانتفاضات الشعبية الأخيرة أنه قوي ومقاتل، ويرجح أن تضع دولته الجديدة، التي تلوح علاماتها الأولى اليوم في أفق العرب، حدا لحقبة ضعف وإضعاف مهلكة، بوضع حد لسلطتها التي تسلطنت وبطشت بالبلاد وفتكت في العباد، لكنها تهالكت وتهافتت أمام الخارج ورضخت له غالبا بشروطه، بينما عملت لإسقاط مجتمعاتها وألحقت ضررا جسيما بمصالحها وحتى بوجودها، وفي المحصلة بنفسها أيضا، وصار قيام بديلها مسألة حياة وموت بالنسبة إلى أمتنا، التي طال رقادها، لكنها بدأت تنهض لتنفض عن كاهلها عبء واقع كاد يقتلها، ولتكنس من دربها وخم سلاطينها المقيتين!.

‘ كاتب وسياسي من سورية

القدس العربي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

صناعة الدين سلطويا/ محمد ديبو

      تدفع ظاهرة عمرو خالد وغيره من الدعاة الذين يضعون “علمهم ودينهم” في ...