الرئيسية / صفحات سورية / سوريا؛ ونزعات السياسة والنفاق

سوريا؛ ونزعات السياسة والنفاق


عماد يوسف

السياسة لغةً تعني ساس الخيل، ومنها اشتقت مفردة يسوس. بمعنى يسوس الناس أي قادهم وأرشدهم، واصطلاحاً تعني رعاية شؤون الدولة. وتعرف اجرائياً بحسب هارولد لازول بأنها دراسة وتغيير الواقع السياسي موضوعيا. أمّا المذهب الواقعي فقد ذهب في تعريفها على أنها فنّ الممكن، أي متى، وكيف، وماذا؟ وإلى ما هنالك من ممكنات. الشيوعيون عرّفوها على أنها العلاقات بين الطبقات وإلى ما هنالك من تفسيرات أما في بلادنا فالسياسة والرئاسة في المصطلح العامي واحد. وقد ارتبطت السياسة في الكثير من حالاتها بمبدأ النفاق الذي يُعرّف لغةً بأنه اخفاء الكفر واظهار الإيمان. وهي من معنى نفقَ بمعنى ذهب وهلك، ويُقال نفقت السلعة إذا راجت وكثر طلابها.

وقد يكون جمع هذين المبدأين في عالم اليوم هو مبدأ رائج وصفة لازمة للكثيرين من البشر في عالم اليوم. وهذه من الظواهر الخطيرة التي تحكم المجتمعات وخاصة تلك التي تعاني من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية خانقة، حيث تهيء هذه الفرص لصعود هذه الشرائح من البشر والتي تؤدي إلى دمار هذه المجتمعات أو الدول حين يتنطح هؤلاء المنافقون السياسيون لتغيير واقع سياسي مفروض عن طريق قلب المعايير والنظم التي ينهجها هذا المجتمع أو ذاك.

يظهر المنافقون السياسيون بوضوح في الأزمات المجتمعية الكبرى بكل مستوياتها وخاصة السياسية، والتاريخ العربي المعاصر مليء بهؤلاء حيث لنا في العراق نموذجاً جلياً عندما أتى أحمد الجلبي من خارج عالم السياسة على ظهر الدبابة الأمريكية ظناً منه بأنه يُنقذ وطناً” أو هكذا يدّعي” بينما هو يحطم وطناً لعشرات السنين القادمة. وهذا ماكان في لبنان حين ركب الكثيرون موجة اغتيال الزعيم السني رفيق الحريري ليحاولوا أخذ لبنان بعيداً باتجاهات تصبُّ في خانة المصالح الإسرائيلية أولاً والأمريكية ثانياً، ليتحول إلى ألعوبة صغيرة بأيدي هذه القوى التي تتدخل حتى في تعيين مدير مؤسسة من مستوى صغير. جزء هام جداً من مفهوم السياسة يندرج في حماية مصالح هذا البلد أو ذاك باتجاه التهديد الخارجي الغريب عنه وعن كيانه وهويته وثقافته ويندرج هذا التوصيف فيما يُسمى تحصين الأمن القومي للبلدان. بينما يرى البعض في التماهي بهذا الاندماج مع قوى غريبة فعلاً سياسياً، وهذا هو المفهوم الخاطىء لمعنى السياسة التي تجرُّ الويلات على هذا البلد الذي يربط مصيره بقوى كبرى يأتمر بإرادتها وينصاع لتعاليمها. بعض هذه الشرائح تدخل ” بإرادة أو من غير وعي” في أتون المشروع الفردي الذي يبتلع المشروع المجتمعي الوطني المتمثل با ” النحن” المجتمعية. فيصبح الفرد منهم، هواه، مستقبله، انتماءه، عقله، وكل كيانه مستلب ويتماهى مع مشروع ” الأنا” التي تجسد قيم الإنتهازية والنفاق والدمّار على المستويات المغايرة له!

ساهم الوضع السوري المعقد والقمع السياسي المديد وعدم وجود حياة سياسية حقيقية في سوريا، ساهم في بروز شريحة كبرى وفئة لا يُستهان بعددها من هذه النماذج التي تمتهن السياسة في مستويين مدمرين في اطار الشأن العام، فاالنفاق هو مبدأهم، وممارسة السياسة بطريقتهم هو أداتهم في الوصول إلى تحقيق هذه المشاريع الإنتهازية الفردية التي تنعكس خيراً عليهم وشراً على أوطانهم. وهؤلاء موجودن في كل الأماكن وعلى مرّ التاريخ، ولطالما شهد التاريخ الإنساني أمثلة كثيرة على هذا الواقع لسنا بصدد ذكرها لكثرتها في عالم السياسة. تكمن المشكلة في تأصل هذه النزعة عند الكثيرين وتحولها إلى شبه مدرسة يتربى عليها الكثير من أتباع مذهب النفاق السياسي. ونجد أن قوى كبيرة تضيء عليهم وتحاول تعويمهم على السطح من أجل خلق قاعدة جماهيرية لهم لتمرير مشاريع سياسية عجزوا عن تمريرها في الأوضاع الطبيعية. ولأنَّ سوريا هي قلب العالم وتتجلى فيها الكثير من ارهاصات مشاريع كبرى ترخي سدولها عليها وتنعكس سلباً أو ايجاباً على مسيرتها السياسية. فسوريا اليوم هي مفتاح الصراع الأخير بين أمريكا وروسيا، ومفتاح الصراع بين الشرق والغرب، ومفتاح الصراع بين المشروع الوهابي ومشروع المد الشيعي الإيراني. وهي أيضاً مفتاح الصراع بين أصولية دينية تتجسد في السلفية وتيار الإخوان المسلمين وبين نزعة علمانية مفقودة ويتوق الكثيرون لخلقها وبنائها كنظام. كما أنها صراع داخلي حقيقي بين سلطة مستبدة وتيارات أخرى جماهيرية تطالب بالحرّية والكرامة. لذلك نجد أنه ضمن هذه المعادلة المعقدة جداً يصبح من السهل بمكان اختراق هذه المشكلات الكبرى ومشاريع الصراع المتجذرة من قبل المنافقين والإنتهازيين السياسيين مع غياب كامل للوعي السياسي عند هذه الفئات التي تتغنى بأهزوجات كاذبة من اجل تمرير بعض الطروحات الديمقراطية عبر اسقاط النظام بدلاً من المطالبة بالاصلاح السياسي والاقتصادي والتشريعي عبر هذا النظام نفسه وصولاً إلى مرحلة انتقالية لاحقة. بينما تكون الغاية الأساسية هي الوصول إلى سدّة السلطة واعادة انتاج مشروع سياسي يتوافق مع أهوائها وفكرها ومع فكر القوى العظمى التي تقف خلفها وتدعمها؟

لسنا هنا في صدد ذكر أسماء بعض هؤلاء أو كلّهم لأنهم كثر، وخاصة أولئك الذين ينعمون برغد العيش في الفنادق والشقق الوثيرة في اوروبا و أمريكا وغيرها. وعليه نجد أنَّ هؤلاء هم الدمار الحقيقي الذي يأتون به إلى البلاد مستغلين بذلك عماء القوى الشعبية السياسي التي تمارس التظاهر والاحتجاجات متصورين إن اسقاط نظام هنا أو هناك هو مفتاح الفردوس المفقود بالنسبة لهم. وعندما تلوح الحقائق المرّة في الأفق يكون الثمن قد دُفع ولا مناص من الهروب من استحقاقاته.

تطرح الكثير من خطابات النفاق السياسي اليوم في المشهد السوري خارطة معقدة لبعض التحركات المريبة من قوى المعارضة في الخارج. وهي في أغلبها قوى انتهازية وصولية منافقة تظهر فجأة وتختفي فجأة كما ظهرت لأن التاريخ يلفظها دائما ولا يُكتب لها العيش في أي مناخ وطني. وهم يستخدمون النفاق السياسي في خطابهم بأدوات معاصرة ويطلقون عليه صفة البراغماتية أو الذرائعية في اللغة العربية، حيث يعملون على استخدامها حين يعجزون عن ايصال معنى ما أو اتفاق بين أفرقاء أو للوصول إلى مرحلة من المراحل التي يعبرون من خلالها إلى مشروع آخر. كما يفعل الإخوان المسلمون مثلاً، فمن يصدّق أن الإخوان المسلمين يطرحون مشروع دولة وطنية مدنية. إنها سياسة الذرائع حتى يستطيعوا اختراق الشارع بهذا الخطاب ثم بعد أن تؤؤل إليهم الأمور ينقلبون على خطابهم ليتابعوا التأسيس لمشروعهم الأصولي في بناء دولة الإمارة الإسلامية والعودة بالبلاد والعباد إلى العصر الإسلامي الأول. لأنَّ جوهر السياسة هو في تحقيق المشروع الفكري والثقافي وإلاّ ما مبرر وجود هذا الحزب أو ذاك؟! وإننا نرى هذا جلياً في وعد بلفور عام 1917 ومؤتمر بال في سويسرا ما كان إلاّ تخطيط لمشاريع التبعية للمنطقة باتجاه الغرب فمن أجل هذا كانت اتفاقية سايكس بيكو، ومن أجل هذا أيضاً حصل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 ولنفس الأسباب أيضاً نجد أنَّ الغرب يتلاعب ويستغل ويحاول توظيف الثورات والاحتجاجات العربية والمظاهرات لغاية استغلالها لتحقيق مصالحه بغض النظر عن مصالح هذه الشعوب ومصيرها ومستقبلها.

ليست السياسة هي بعض المصطلحات أو المفردات التي نطلقها هنا ونهتف بها هناك إنها أبعد من ذلك بكثير وأعمق من هذا بكثير أيضاً، لأنها في بعدها الاستراتيجي تهدف إلى تحقيق الأمن والأمان للأفراد والمجتمع من جموح القوى الأكبر والأضخم التي لها أطماع ونزعات مادية في أراضي الغير وفي هويتهم وقوتهم ثقافتهم. فهل بعد ذلك نعتقد بأن هؤلاء هم من يمكن التعويل عليهم في بناء وطن جديد، إنه سؤال برسم الزمن القادم، وكليّ أمل أن نخرج إليه سالمين؟؟!

الحوار المتمدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

81 − 77 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...