الرئيسية / كتاب الانتفاضة / إياد الجعفري / سوريا.. الحكاية كلها/ إياد الجعفري

سوريا.. الحكاية كلها/ إياد الجعفري

 

 

صرخت طفلة من الخارجين من الغوطة، أمام كاميرا “الإخبارية السورية” الرسمية، “ما بدي كون بنت بشار الأسد”. فعلّق أحد الإعلاميين السوريين بأنها تختصر الحكاية. نضيف هنا، بأن تلك الطفلة ربما لا تختصر فقط ما مضى من الحكاية، بل قد تختصر ما سيأتي منها، أيضاً.

فهل يعتقد أحد اليوم، أن الحكاية المؤلمة التي عاشتها سوريا، كتبعات للحراك الثوري الذي اندلع منذ سبع سنوات، تقترب من خاتمتها اليوم؟.. معظم المتخصصين في التاريخ والسياسة، يؤكدون أن ذلك مستبعد، بحكم التجارب المشابهة، في التاريخ المعاصر. بل على العكس، قد نكون أمام الفصل الأول من الحكاية فقط، وقد يُغلق الستار مؤقتاً، ليُرفع مجدداً، بعد أمد قصير، عن صراع أهلي، أكثر عنفاً ووطأةً.

فأولئك المقهورون على امتداد ساحات التراب السوري، من أمثال الخارجين من الغوطة مؤخراً، ليهتفوا لقتلتهم، سيكونون، بالملايين، قنبلة سوريا الموقوتة، بانتظار الفتيل واللحظة الملائمة فقط.

حسب دراسات متخصصة، فإن 90% من الحروب الأهلية التي عرفها العالم منذ بداية القرن الماضي، حدثت في بلدان اختبرت عنفاً أهلياً، قبل فترة.

ويحدث ذلك تحديداً، نتيجة القهر والتهميش الذي يُمارس على الشريحة التي تُغلب في العنف المجتمعي السابق. فتكون تلك الشريحة وقوداً لانفجار أهلي أشد، في مستقبل قريب.

في سوريا اليوم، نحن أمام مفترق طرق، يدفع بنا نحو سيناريوهين مرجحين، أحدهما أن يسود نظام الأسد، برعاية روسية – إيرانية، على معظم الديمغرافيا السورية، ويحظى في نهاية المطاف، باتفاق تسوية مع الغرب، يفتح الباب لإعادة إعمار البلاد، بعد إعادة تأهيل طفيفة للنظام. وهذا السيناريو يعني أن أنصار النظام، وميليشياته، وأزلامه، سيتعاملون مع سوريا وسكانها، بوصفها الساحة التي اكتسبوها بالدم والنار، في تكرار أشد وطأة من ذلك الذي عاشه السوريون بعيد حسم المعركة بين نظام الأسد الأب والأخوان المسلمين، لصالح الأول.

وفي هذا السيناريو، الذي نراه ملامحه الأولى، هذه الأيام، ستُعامل الحاضنة الشعبية للثورة والمعارضة، بدرجة عالية من القهر والارتياب والتهميش. وهي التي دفعت القسط الأكبر من الخسائر البشرية، والمادية، ستكون مفاعلاً للحنق، يعتمل بانتظار فتيل الانفجار. وأداء نظام الأسد الأب في النصف الثاني من الثمانينات، قدّم عينة مبسطة عن كيف سيكون مشهد السوريين، بعد اقتناع أنصار النظام، بأنهم انتصروا.. حيث الاعتقال العشوائي، وتسلط أجهزة الأمن، وصعود أزلام النظام إلى رتب المسؤولية المتقدمة، وتفشي الفساد، وممارسة أشد أشكال القهر بحق المشكوك بولائهم.

لا يمكن أن نتوقع أن الأمور ستسير على ما يرام، حتى يرث حافظ الثاني والده. كما لا يمكن لنا أن نتوقع أن يغيّر نظام الأسد من أدائه، فيتلافى مقدمات الانفجار القادم، عبر تنفيس الحنق في الشريحة الأوسع من السوريين المتضررين جراء انتصار أزلامه. لكن، من الممكن أن نتوقع أن يدرك الروس والإيرانيون أن نظام الأسد بات عبئاً، فيعيدون تأهيله، بصورة تزيح الوجه السيء له، المتمثل بآل الأسد والمقربين منهم. وحتى هذا الحل الإسعافي، من المستبعد أن يُجدي في منع الانفجار القادم. فذلك يتطلب تغييراً نوعياً في بنية النظام وعقلية الممسكين الحقيقيين بمفاصله.

لكن، هناك سيناريو آخر، محتمل. وهو أن ينزلق المتصارعون الإقليميون والدوليون على الرقعة السورية من حالة الحرب بالوكالة، إلى حالة المواجهة الشاملة، فتنفجر الأزمة التي راهن الخارج دوماً على بقائها مشتعلة، ضمن الحدود السورية، ويفلت زمام الأمور من السيطرة. وهو سيناريو، نستطيع توقع بدايته، لكن لا يمكن توقع مساراته، وخواتيمه المحتملة.

يبقى السيناريو الأول، أوضح. فملامحه الأولى تتجلى الآن، على وجوه المقهورين ممن خرج من الغوطة، حيث تلقفتهم أيدي القتلة، لتطلب منهم، التطبيل والتزمير، لرمزهم. لكن طفلة صدحت بالحكاية كلها، “ما بدي كون بنت بشار الأسد”.

المدن

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كيماوي دوما إهانة للغرب/ إياد الجعفري

    لا يمكن فهم هجوم الكيماوي الأخير في دوما، إلا على أنه تحدٍ ممزوج ...